بقلم دكتور رمزي عودة

تقديم:

تتصاعد أزمة انتشار فيروس كورونا في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ أكثر من 50 يوما، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، فان أكثر من 320 مصاب بهذا الوباء قد أصيب في الضفة الغربية وقطاع غزة اضافة الى نحو 110 مصاب في مدينة القدس المحتلة. وقد اتخذت الحكومة الفلسطينية خطوات رائدة ومتقدمة في احتواء انتشار الوباء وذلك من خلال تقييد الحركة والتنقل واغلاق المدارس والجامعات واماكن العبادة ووقف العجلة الاقتصادية. وقد لاقت هذه الخطوات استحسان المواطنين وتعززت ثقة الجمهور بالجهاز الحكومي، كما تحسنت صورة رجل الامن في ذهنية المواطن الفلسطيني، حيث أشارت استطلاعات الرأي العام الى ازدياد رضا المواطنين الفلسطينيين عن الاداء الحكومي والامني في مواجهة الجائحة بنسبة تجاوزت ال 82%. في هذه الورقة ساحاول رصد الواقع الصحي في الاراضي الفلسطينية وأهم المخاطر السياسية والاقتصادية  المحتملة التي يمكن أن يسببها انتشار الوباء في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

الوضع الصحي:

اذا ما استمرت معدلات انتشار المرض بهذه الطريقة فان الوضع الصحي الفلسطيني سيكون كفؤا في مواجهة الوباء. هنالك كادر طبي مؤهل يتجاوز 8 الاف طبيب و 20 الف ممرض. معظم التخصصات الطبية متوافرة سوى بعض النقص في الكوادر الطبية في مجال التخدير والتنفس. وفي ظل عدم تفشي الوباء وانحساره في فئة الشباب فانه لا خطورة من جراء النقص في هذه الكوادر. من جانب أخر هنالك نقص حاد في اجهزة التنفس وعينات المسح. الان هنالك نوع من الكفاية بسبب انتقال المرض ضمن متوالية حسابية وليست هندسية ولكن اذا ما تسارع انتشار الوباء فانه من الضروري توفير هذه المسوحات والاجهزة بشكل كبير حتى يتم تفادي انتشار الوباء.

بالمحصلة اعتقد انه اذا ما تمت السيطرة على العمال العائدين من داخل الخط الاخضر، والسيطرة أيضا  على تنقل اهالينا من القدس المحتلة الى الضفة الغربية فان الوباء لن ينتشر بشكل خطير في الاراضي الفلسطينية. وتزداد هذه الاحتمالية في السيطرة على الوباء في ظل سيطرة الحكومة والامن الى حد كبير سواء في الاجراءات الوقائية أو الصحية أو الامنية، ولكن يظل الخطر والتهديد قائما ما دام الوباء ينتشر بشكل واسع في دولة الاحتلال ” اسرائيل”. وبالضرورة، تظل اهمية الاجراءات الوقائية وتقييد الحركة قائمة ما دام انتشار الوباء في دولة الاحتلال اسرائيل قائما بسبب صعوبة الانفكاك والتداخل في المناطق.

المخاطر السياسية من انتشار الوباء:

هنالك جملة من المخاطر السياسية يمكن توقعها في حال ازدياد انتشار فيروس كورونا بين المواطنين الفلسطينيين، نوجز أهمها:

  • استغلال اسرائيل حالة الفوضى الدولية وضم الاراضي الفلسطينية “ج” اليها.
  • انهيار النظام الصحي اذا ما تفشى المرض وزادت الاصابات الى أكثر من 2000 مصاب لاسيما بين كبار السن.
  • تفكك وتراجع تماسك النظام السياسي الفلسطيني اذا ما انهار النظام الصحي او انهار النظام الاقتصادي نتيجة لتنامي الازمة وعدم توقفها.
  • ازدياد احتمالية انتشار الجرائم في حال طالت الازمة وازداد الفقر والحاجة عند الناس نتيجة لعدم ذهابهم الى اعمالهم.
  • قيام اسرائيل بنشر الوباء في صفوف الممواطنين من الضفة الغربية من خلال العمال أو البضائع أو جنودها ومستوطنيها.
  • انتشار الوباء لدى الاسرى الفلسطينين بما يهدد ارواح الالاف منهم.

المخاطر الاقتصادية:

بسبب توقف العجلة الاقتصادية في غالبية المناطق الفلسطينية نتيجة لسياسات حظر التنقل ومنع التجمعات التي تفرضها الحكومة الفلسطينية في ظل حالة الطوارئ. هنالك عددا من المخاطر الاقتصادية يمكن توقعها اذا ما استمرت هذه الجائحة وانتشرت بشكل خطير، ومن أهمها:

  • انخفاض الناتج المحلي الاجمالي بنحو الثلث على الاقل خلال العام الجاري.
  • صعوبة التشافي من الاضرار الاقتصادية في الاراضي الفلسطينية خلال الثلاث اعوام التالية من انتشار الفيروس.
  • ارتفاع معدل البطالة الى نحو قد يصل الى 50% خلال العام الجاري، بسببين الاول هو فقدان العديد من العمال داخل الخط الاخضر اعمالهم حيث تقوم اسرائيل باستبدالهم نتيجة لعدم ذهابهم للعمل . والسبب الثاني خسارة وانسحاب العديد من الشركات الصغيرة الفلسطينية وخروجها من سوق العمل.
  • ازدياد معدلات الفقر في الاراضي الفلسطينية لتتجاوز ال 40% نتيجة للبطالة وانخفاض الاعالات الحكومية.
  • نقص تدفقات الاستثمار بسبب غياب الفرص وضعف التوقعات الربحية وتراجع الانفاق العام.
  • نقص المساعدات الدولية والعربية بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مختلف دول العالم.
  • ارتفاع الدين العام بسبب اتجاه الحكومة للاقتراض من البنوك الخاصة وصندوق النقد الدولي.
  • ازدياد الاتجاه لرفع الدعم الحكومي للسلع والخدمات بالشكل الذي يؤثر سلبا على القطاعات المهمشة مثل النساء والفقراء.

الحلول المقترحة:

مما لاشك فيه لا توجد حلول سحرية وسهلة يمكن التوصية بها لمواجهة المخاطر السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، لاسيما ان هذه الجائحة منتشرة في معظم انحاء العالم وحصدت ارواح ما يزيد عن 165 الف انسان، وشلت الحياة الاقتصادية بشكل شبه كامل في هذه الدول. وفي هذا السياق، فانني أقترح جملة من الافكار التي يمكن ان تساعد دراستها بشكل جدي في تجاوز الازمة، وأهمها:

  • تغيير العقيدة الاقتصادية لدولة فلسطين من الرأسمالية التقليدية الى مفهوم الدولة الاجتماعية التي تمتلك حصة ومساهمة في الاقتصاد الوطني.
  • فرض ضريبة اضافية على ثروة الاغنياء بنحو 10%.
  • العودة المتدرجة للاقتصاد الفلسطيني للعمل ابتداءا من شهر رمضان وفق قواعد صحية وقائية تحددها وزارة الصحة الفلسطينية في اطار المعايير الست التي حددتها منظمة الصحة العالية لتخفيف اجراءات الحظر.
  • مأسسة العمل الامني والحكومي في مواجهة الاشاعات بما يلزم ذلك من اصدار مراسيم رئاسية واجراءات أمنية صارمة لمواجهة هذه الظاهرة التي يزداد تفشيها في ظروف الازمات عادة.
  • المضي قدما في السياسات الحكومية والشعبية والدبلوماسية في مواجهة صفقة القرن من أجل تقليل احتمالية ضم المستوطنات.
  • تعزيز التماسك الشعبي والفصائلي وتعزيز منظومة التكافل الاجتماعي.
  • تنظيم حملة شعبية واقليمية ودولية من أجل حماية والافراج عن الاسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاجتلال في ظل الجائحة.
  • تعزيز دور منظمات المجتمع المدني والقوى النقابية والشعبية من اجل رفد العمل الحكومي والامني في تخفيف الاثار السلبية لجائحة كورونا على المجتمع الفلسطيني.
Print Friendly, PDF & Email