د. ممدوح المنيّر، 14 مايو، 2020 – المعهد المصري للدراسات

يُعتبر الأقباط المصريون مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع المصري، وكثيراً ما ظهرت على السطح إشكاليات متعددة فيما يتعلق بوضعية الأقباط داخل الدولة المصرية وحتى داخل المجتمع المصري ذاته.

هذه الإشكاليات يُنظر لها عادة من ثلاث زوايا على حسب فهم المتابعين للملف القبطي المصري، فجانب من هذه الإشكاليات، وهو الجانب الذي يمثّله معظم القيادات والرموز القبطية المصرية يتعلق بالمظلومية وأن هناك اضطهاد من قبل النظام والمجتمع للأقباط في مصر ويستشهد المؤمنون بهذا الرأي بعدة أمور منها قانون تنظيم بناء الكنائس أو عدد العاملين من الأقباط داخل المؤسسات الحسّاسة في الدولة أو حوادث الفتنة الطائفية التي تحدث بين الحين والآخر.

الزاوية الأخرى من النظر ترى أن الكنيسة المصرية وتحديدًا الأرثوذكسية تُعتبر دولة داخل الدولة المصرية بل فوق الدولة أحيانا بسبب الامتيازات الاستثنائية التي يحصلون عليها والتي تمثّلت في عدم خضوع الكنيسة ومؤسساتها فضلا عن الأديرة والرهبان لإشراف الدولة، كذلك كما يقول أصحاب وجهة النظر هذه تحدّيهم لسلطة الدولة سواء في بناء الكنائس دون ترخيص أو تسليم الأقباط الذين أسلموا كما حدث مع وفاء قسطنطين وغيرها هذا على سبيل المثال لا الحصر.

أصحاب الرأي الثالث والأخير يحاول أن يأخذ مسارا وسطا بين الرأيين السابقين فهو يعتبرهم أهل للرأيين معا فهم مظلمون ومضطهدون أحيانا ودولة داخل الدولة أحيانا أخرى أو في أنشطة وممارسات بعينها.

في هذا التقرير سنستعرض بإيجاز تاريخ الأقباط مع الدولة المصرية الحديثة بحيث تتضح في النهاية معالم وأبعاد هذه العلاقة بين الطرفين.

وقبل استعراض هذه المسألة يجب تحرير مصطلح يسبب التباسا لدى البعض عند ذكره في هذا الموضوع، فتحرير المصطلحات هام في توصيل الفكرة دون التباس.

مفهوم القبط:

هناك خلاف معتبر حول تعريف كلمة قِبطي، وغالب الآراء تتفق على أن كلمة قبطي تعني مواطن مصري في العهد الروماني ووقت الفتح الإسلامي[1]، وهي لفظة تُطلق حاليا حصرا على نصارى مصر أو الإخوة المسيحيين حصرا.

بشكل آخر، المعنى القديم للكلمة لم يكن يرتبط بديانة محددة وقتها، بل كانت تعني أنه من يطلق عليه هذا الاسم هو من يسكن ويعيش في مصر بغض النظر عن ديانته حيث كانت مصر وقتها وثنية فرعونية وجزء من أهلها يدين بالمسيحية وآخر باليهودية ولكن الجميع كان يطلق عليه قِبطي أي مصري [2].

هذه النقطة تعتبر نقطة خلاف كبيرة بين قيادات الكنيسة في العصر الحديث وبين مخالفيهم وخاصة من المسلمين، فقيادات بالكنيسة الأرثوذكسية تعتبر معنى كلمة قبطي قديما أي مصري مسيحي تحديدا في محاولة لتأكيد فرضيتهم بأنّ مصر جميعها كانت تدين بالمسيحية قبل الفتح الإسلامي لها وبالتالي فهُم أصل السكان في مصر والمسلمون هم الذين فرضوا عليهم دينهم بحد السيف كما يزعمون [3].

وفي الحقيقة بعد الاطلاع على مصادر كثيرة [4] حول هذه النقطة، لا مقام لتفصيلها هنا، تبين أنّ هذا ادعاء لا أساس علمي أو تاريخي موثوق له ولا حتى في المراجع الغربية التي تناولت هذه الجزئية، وهنا يمكننا التأكيد على ما ذكرناه في بداية هذه الفقرة من أنّ لفظة (قبطي) قديما كانت تُطلق على كل من ولد وعاش في مصر في عهد الروماني – بداية من عام ٣٠ قبل الميلاد – وعند الفتح الإسلامي لها أيا كان دينه أو معتقده [5].

وحتى نكون أكثر وضوحا فالمعني بالأقباط في غالب حديثنا هنا إن لم يكن جُلّه هي الكنيسة الأرثوذكسية المصرية والتي يمثّل أتباعها أكثر من ٩٥% من الأقباط المصريين، في حين تتوزع النسبة الباقية على الطائفة الكاثوليكية والطائفة البروتستانتية [6].

تعداد الأقباط في مصر:

تعداد الأقباط في مصر قضية جدلية كبيرة داخل مصر كذلك، فقيادات الكنيسة تقول إن عدد الأقباط في مصر نحو ١٥ مليون قبطي وأن هذه الأرقام من واقع كشوفات التسجيل الخاصة بكل كنيسة، لكنها لم تقدم دليلا واحدا على ذلك وظلّت هذه الأرقام مجرد تصريحات إعلامية لقيادات بالكنيسة [7].

ومفهوم بطبيعة الحال السبب وراء محاولات الكنيسة إظهار عدد الأقباط بشكل يفوق عددهم الحقيقي، فكلّما زاد العدد كلما زادت معه المطالبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأقباط وكلما كان موقفها السياسي أقوى في مفاوضاتها مع الدولة أو الجهات الأخرى المختلفة.

على الجانب الآخر يرى عدد كبير من المهتمين بالشأن القبطي أن هذه النسبة غير حقيقية وأن آخر تعداد سكاني رسمي في مصر ذُكر فيه عدد الأقباط صراحة كان في عام ١٩٨٦ م، وكان يبلغ نحو ٥٪ من نسبة سكان مصر وهو ما رفضته الكنيسة وقتها، وبعدها في تعداديّ ١٩٩٦م و٢٠٠٦ م امتنعت الدولة عن إعلان عدد الأقباط حتى لا تثير حفيظتهم مرة أخرى [8].

لكن آخر إعلان رسمي عن عدد الأقباط كان على لسان اللواء أبو بكر الجندي، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في سبتمبر عام ٢٠١٢ م، أكد فيه أن عدد الأقباط في مصر يبلغ خمسة ملايين و١٣٠ ألفًا نسمة [9].

تاريخ العلاقة بين الكنيسة والدولة المصرية

يمكن أن نقول إن تاريخ الأقباط في العصر الحديث مع الدولة المصرية ينقسم لستة مراحل على حسب نظام الحكم والطبيعة الشخصية للحاكم ومن يقود الكنيسة وقتها.

١) العهد الملكي حتى 1952:

لم يكن للكنيسة دور سياسي واضح في الشأن العام وكان الأقباط يمارسون دورهم في المجتمع كمواطنين مصريين في المقام الأول فشاركوا في الحياة السياسية بفاعلية وكذلك في ثورة ١٩١٩م، كما كان لهم حضور قوي في الحكومات في العهد الملكي [10].

بكل تأكيد كانت هناك مطالب طائفية ذات طابع سياسي لدى بعض الأقباط وقتها لكن غالبها كان يتصدّره شخصيات قبطية بعيدا عن عباءة الكنيسة ولو ظاهرا على الأقل، فلم تكن الكنيسة تحتكر الحديث باسم الأقباط أو تتبنى مواقف سياسية كمؤسسة قبطية [11].

٢) مرحلة الحكم الناصري (1952 ـ 1970):

تعتبر هذه المراحل بداية تنظيم الدولة علاقتها بالكنيسة الأرثوذكسية المصرية كمؤسسة تمثل الأقباط ضمنيا في مطالبهم الدينية [12] حيث لم تكن هناك مطالب سياسية وقتها لا للأقباط ولا لغيرهم نظرا للحكم الشمولي الناصري.

فحرص عبد الناصر الذي جاء على أسنة الرماح على توطين دعائم حكمه من خلال ضمان ولاء الكنيسة ودعمها له، والذي شجّع على نجاح هذه العلاقة في بدايتها هي الإعجاب المتبادل بين عبدالناصر والبابا وقتها كيرلس السادس والتي وصفها هيكل في كتابه “خريف الغضب” بأنها علاقة إعجاب متبادل بين الرجلين [13].

فالبابا كان من المؤمنين بمقولة “ما لقيصر لقيصر وما لله لله” وعليه فلم يُقحم الكنيسة في أمور السياسة واقتصر معظم دورها على الجانب الروحي والديني وهذا ما أُعجب به عبد الناصر ووجد في ذلك مصلحة لاستقرار نظامه. بينما رأى كيرلس السادس في عبد الناصر زعيما وطنيا قويا له مشروع قومي جامع وخصوصا عداوته الشديدة للإخوان المسلمين كذلك، كما سمح عبد الناصر بتشييد عشرات الكنائس التي كان بناؤها مجمَّدا وقتها.

والأهم من ذلك كله أن نظام عبد الناصر أممّ الحياة السياسية بكاملها وسحق المعارضة وبالتالي لم تكن البيئة المصرية تسمح بنشاط سياسي لا من الكنيسة والأقباط ولا حتى من المسلمين.

ومن مشاهد هذه العلاقة المتينة بين الطرفين ما قام به عبد الناصر من زيارة للكنيسة المرقسية في عام ١٩٦٥م وهي الزيارة الأولى من نوعها لرئيس مصري للكنيسة وألقى كلمة الافتتاح بدعوى من الباب كيرلس [14].

ويمكن تلخيص علاقة الكنيسة بالدولة أيّام عبد الناصر في هذه الجملة لأستاذ اللاهوت عبد المسيح بسيط “لا يمكن تعويضها، لم يواجه الأقباط أي مشاكل بسبب هويتهم الدينية”[15].

لكن هذه العلاقة سرعان ما تغيرت مع نكسة يونيو ١٩٦٧ م وشعور الهزيمة الثقيلة على المصريين جميعا فبدأ المسلمون بالعودة للدين والاحتماء به نفسيا وروحيا وكذلك فعل الأقباط فاحتموا بالكنيسة ورجالها وزادت النزعات الدينية لدى عموم المصريين جميعا.

وفي ٢٨ سبتمبر١٩٧٠م توفي الرئيس جمال عبد الناصر وتولّى خلفه محمد أنور السادات مقاليد الحكم في مصر.

خلاصة:

١- ظلّت الكنيسة القبطية حتى بداية حكم عبد الناصر لا تمثّل الأقباط في علاقتهم بالدولة ولكن كان الأقباط العَلمانيون[16] – بفتح العين – يقومون بهذا الدور بحكم المواطنة وكجزء أساسي من نسيج الوطن.

٢- تنوعت مطالبات الأقباط العلمانيين من الدولة في فترة ما قبل الحكم الناصري ما بين مطالب مشروعة كترميم وبناء الكنائس وما بين مطالب متطرفة بصبغة طائفية كما أسلفنا في هذه الدراسة لكن الخيط العام الضابط لهذه المرحلة أن الأقباط كانوا يديرون علاقتهم بالدولة والنظام دون وسيط من الكنيسة.

٣- عبد الناصر هو من قام بجعل الكنيسة هي الممثلة للأقباط في علاقتهم بالدولة المصرية والوسيط في شئونهم الإدارية والدينية ويرجع ذلك إلى الحكم الشمولي لعبد الناصر الذي ألغى الحياة الحزبية والمدنية وبالتالي لم يكن هناك بديل للأقباط سوى الكنيسة وهو أيضا ما أراده عبد الناصر.

٤- رغم العلاقة الحميمية بين الطرفين إلى أنّ تلك العلاقة لم يتم تقنينها بشكل يسمح بجعل مكتسباتها حق قانوني للأقباط كبناء الكنائس عند الحاجة إلى ذلك وفق شروط موضوعية، فظلت القوانين كما هي وظلّت العلاقة تدار بشكل شخصي بين عبد الناصر والبابا وقتها.

٥- ليس معنى أن العلاقة بين الطرفين في وقت عبد الناصر لم تكن سياسية كما أسلفنا أن السياسة غابت عن المشهد وقتها، فعبد الناصر أسس لعلاقة سياسية بالأساس لتحقيق ولاء الكنيسة له، لكن لم تكن هذه العلاقة سياسية من الجانب الكنيسة للأسباب المذكورة أعلاه.


الهامش
[1] د. علي ونيس، معنى كلمة قبطي، شبكة الألوكة، تاريخ الدخول ٣/٥/٢٠٢٠م. [2] “مصر لم تكن قبطية في أي عصر من العصور “، موقع الأمة، تاريخ الدخول ٢/٥/٢٠٢٠م. [3] تاريخ الكنيسة القبطية عبر العصور، موقع الأنبا تكلا هيمانوت، تاريخ الدخول ٥/٥/٢٠٢٠م [4] د. زينب عبد العزيز تحدثت في هذه المسألة ووثقتها في مقالات كثيرة كتبتها عن هذه الجزئية منها المقال المذكور في المصدر الثاني والتي ذكرت به عدة مراجع حول الموضوع. [5] كان هناك ثلاث معتقدات دينية في مصر في عهد الإمبراطورية الرومانية وهي الفرعونية وهذه ديانة غالب السكان، اليهودية وتركز معظمهم في الإسكندرية وقد هربوا من فلسطين بعد اضطهاد الرومان لهم والمسيحيين وتركز عدد كبير منهم في طيبة. [6] أقباط مصر بين مظلة المواطنة ومظلة الكنيسة، مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ الدخول ٦/٥/٢٠٢٠ م. [7] ما السر في غموض عدد المسيحيين بمصر؟، الجزيرة نت، تاريخ الدخول ٦/٥/٢٠٢٠م. [8] طارق البشري، الدولة والكنيسة، تعداد الأقباط في مصر، دار الشروق ٢٠١١م. [9] التعبئة والإحصاء: المسيحيون في مصر ٥ ملايين، صحيفة الشروق المصرية، تاريخ الدخول ٣/٥/٢٠٢٠م [10] طارق البشري، مصدر سابق [11] في سبتمبر ١٩٠٨ م، أسسّ زعيم الطائفة الإنجيلية “أخنوخ فانوس” في سبتمبر ١٩٠٨ حزباً حمل اسم “الحزب المصري” وكان أبرز ما في برنامجه المطالبة بجعل التمثيل النيابي قائماً على أساس طائفي. وفي أواخر الأربعينيات تأسس “الحزب الديمقراطي المسيحي” الذي كان أمينه المحامي رمسيس جبراوي والذي تغيّر اسمه بعد يوليو 1952 إلى “الحزب الديمقراطي القومي” وقد كان ضمن مطالبه أن تُكتب العربية بحروف لاتينية، وأن تُحذف خانة الديانة من الأوراق الرسمية.

كما تأسس وقتها “جماعة الأمّة القبطية” التي تأسست في أكتوبر ١٩٥٢ على يد المحامي إبراهيم فهمي هلال، وقد دعا برنامج الجماعة الأقباط إلى التمسّك بالكتاب المُقدّس والتحدّث باللغة القبطية، كما طالب الحكومة بإنشاء محطة إذاعية خاصة بالأقباط، وندّد بدستور ١٩٢٣م لأنه ينص على أن دين الدولة هو الإسلام وعلى وجوب أن يكون الرئيس مسلماً”، منقول بتصرف عن: أحمد طه محمد، “الكنيسة والأقباط ـ بين السياسي والروحي “، المعهد المصري للدراسات، تاريخ الدخول ٦/٥/٢٠٢٠م. [12]جورج فهمي، تحديات إدارة علاقة الكنيسة بالدولة في عهد البابا توا ضروس الثاني، الشروق، تاريخ الدخول ٦/٥//٢٠٢٠م. [13] أقباط مصر بين مظلة المواطنة ومظلة الكنيسة، مصدر سابق. [14] علاقة رؤساء مصر بالكنيسة، الأهرام المصري، تاريخ الدخول ٦/٦/٢٠٢٠م [15] الكاهن والفرعون.. البابا شنودة في حقبتي السادات ومبارك، الجزيرة نت، تاريخ الدخول ٦/٥//٢٠٢٠م [16] الأقباط العَلمانيون -بفتح العين- تطلق على الأقباط الذي ليس لهم صفة دينية داخل الكنيسة أو ليسوا رجال دين؛ والعِلمانيون -بكسر العين- هم المتعارف عليهم بأنهم ينادون بتنحية الدين عن الحياة و خاصة أمور الحكم و السياسة، وهؤلاء لا يرتبطون بدين معيّن.

 لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.