فارس الخطاب – محلل سياسي وخبير في الشأن العراقي – نشرت في: 04/06/2020

تبحث هذه الورقة في أوضاع المكونات العرقية والدينية المتعددة في العراق من خارج الأغلبية العربية المسلمة، وشكاواها من التهميش السياسي، في ظل نظام اعتمد منذ عام 2003 على أساس المرجعيات الإثنية والطائفية والدينية، مقابل تراجع واسع لحقوق المواطنة المتساوية بين العراقيين.

يشكِّل العراق منذ القِدم، حاضنة لمكونات دينية ومذهبية وعرقية مختلفة، بعضها أصيل تعود جذوره لحضارات وادي الرافدين القديمة، وأخرى مستوطنة، وفدت من مناطق مختلفة مجاورة وبعيدة، وخلال حقب زمنية طويلة.

شكَّلت هذه المكونات بمجملها تاريخ العراق، لكن الطابع العربي الإسلامي كان هو الغالب، في التأثير والحضور، منذ الفتح الإسلامي، غير أن مكونات أخرى حظيت بتأثير كان طاغيًا في بعض الفترات الزمنية التي شهدها العراق عبر التاريخ.

وظهر الطابع العربي الإسلامي بوضوح في العراق المعاصر الذي تأسس في العام 1921، ولم تبرز مشكلات جدية لظاهرة الأقليات، سوى ما كان من أمر العلاقة بين الطائفتين الإسلاميتين الكبريين، وهما: السُّنَّة والشِّيعة، قبل أن تظهر لاحقًا المشكلة الكردية، كواحدة من تداعيات تأسيس الدولة العراقية، بحدودها الجغرافية، ضمن إقليم يضم تجمعات كردية ضخمة أخرى.

أولًا: توزيع المكونات والأقليات في العراق

باستثناء الغالبية السكانية العربية المسلمة (شيعة وسُنَّة)، تتوزع المكونات الدينية والعرقية الأخرى على كامل مساحة العراق تقريبًا، ويظهر التوزيع الجغرافي للأقليات بحسب وزارة التخطيط العراقية في إحصاء تقديري أجرته عام 2017 كالآتي:

الأكراد

يشكل الأكراد المجموعة العرقية الثانية من حيث عدد السكان حوالي 15-19 بالمئة من سكان العراق البالغ ضمن نفس الإحصاء 37 مليونًا و139 ألفًا و519 نسمة، ويتمركز 13.2 بالمئة من سكان العراق من الأكراد في محافظات: أربيل، والسليمانية، ودهوك، وحلبجة، فيما يشكلون نسبة 25 بالمئة من سكان محافظة كركوك وحوالي 6 بالمئة من سكان محافظة نينوى، كما يوجد الأكراد وبأعداد قليلة في محافظات ديالى وواسط والعاصمة بغداد.

دينيًّا ومذهبيًّا، فإن 97 بالمئة من الأكراد مسلمون منهم 80 بالمئة (سُنَّة)، و17 بالمئة (شيعة) ويسمون بـ (الكرد الفيلية) ويتوزعون من الناحيتين، الجغرافية والسياسية، على العراق وإيران، ويشكِّل الأكراد المسيحيون والصابئة نسبة 3 بالمئة من مجموع الأكراد (1).

التركمان

يُحسب التركمان على أنهم ثالث المكونات العرقية في العراق، وتعود أصولهم إلى الشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى، استوطنوا العراق منذ القرن الأول الهجري، وكانت لهم أدوار مختلفة في تاريخه. يعيش التركمان في منطقة تفصل بين مناطق كل من الأغلبية العربية والكردية، ويشمل ذلك مدن جلولاء والسعدية وكفري وسليمان بيك والطوز وينكجة كركوك وداقوق وتلعفر في محافظات وديالى وكركوك ونينوى شمال شرق وشمال بغداد.

لم يعلن عن العدد الدقيق والرسمي للتركمان، لكن التقديرات الحكومية تشير إلى أنهم ضمن نسبة 5 بالمئة من عدد السكان تضم جميع الأقليات العرقية في العراق من غير العرب والأكراد(2). وحسب الإحصاء السكاني لعام 1957، الذي ما زال يعتبر الإحصاء المرجعي في العراق والأكثر دقة، كانت نسبة التركمان من عدد السكان تبلغ نحو 2.3 بالمئة، لكن هذا العدد تراجع على ما يبدو استنادًا للتقديرات التي أفرزتها الانتخابات العامة، ليصل إلى أقل من 1 بالمئة فقط من عدد السكان(3)؛ حيث فاز مرشحوهم بأربعة مقاعد من أصل 329 مقعدًا، لكن عدد المقاعد ليس مؤشرًا منطلقًا لعدد السكان، بسبب طبيعة القانون الانتخابي، وتوزع الناخبون التركمان جغرافيًّا، وانقسامهم سياسيًّا، وكذلك الاتهامات بالتزوير لاسيما في معقلهم في كركوك.

التركمان العراقيون مسلمون، ويتوزعون بين شيعة وسنَّة، بنسب تبدو متقاربة، ويتمركز وجودهم الأساس في كركوك، التي يعتبرونها عاصمة وجودهم، وكذلك في مناطق مختلفة أخرى.

المسيحيون

يشكِّل المسيحيون أهم أقلية دينية في العراق بعد المسلمين، ويُعتبر جزءٌ كبير منهم، سكانَ العراق الأصليين، وسليلي حضاراته القديمة، كما أنهم من أقدم معتنقي المسيحية على مستوى العالم؛ إذ دخلت المسيحية إلى بلاد وادي الرافدين في القرن الأول الميلادي، وكان للمسيحيين العراقيين دور جوهري في تشكيل وجه العراق المعاصر، ولم يعرف بشكل عام وجود أي تمييز على أساس ديني ضد المسيحيين في العراق خلال التاريخ.

تعرض عدد المسيحيين في العراق إلى نقص كبير خلال السنوات التي تلت الغزو الأميركي، عام 2003، ويُقدِّر أسقف أربيل نسبة النقص بحدود 83 بالمئة؛ إذ انخفض عددهم من نحو مليون ونصف المليون شخص، إلى 250 ألفًا فقط، وحذَّر من أن “الكنيسة العراقية التي تعد واحدة من أقدم الكنائس في العالم تقترب من الانقراض”(4). 

أسهمت عدة عوامل في تهجير المسيحيين من العراق، ومنها أحداث العنف التي طالت البلاد بعد 2003، وانتشار مظاهر التطرف الإسلامي بشقيه، الشيعي والسني، بسبب سطوة الإسلام السياسي بعد الغزو، كما أسهمت التسهيلات التي قدمها الغرب لاستقبال اللاجئين المسيحيين من العراق في تشجيعهم على الهجرة، ثم جاءت سيطرة تنظيم (داعش) على الموصل، في عام 2014، ليقوم بطرد عشرات الآلاف من المسيحيين، من ديارهم، لاسيما أن سيطرته شملت المدن والمناطق ذات الغالبية المسيحية في نينوى.

انقسم المسيحيون في العراق إلى عدة مذاهب، تشمل الكلدان (كاثوليك)، والآشوريين (نسطوريون)، والسريان الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، والروم الكاثوليك، واللاتين الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والأرمن الكاثوليك، فضلًا عن مجموعات صغيرة من الإنجيليين والبروتستانت والأقباط…)(5).

الأيزيديون

وهم أقلية دينية، دون وجود انتماء عرقي محدد، حيث يتوزعون على أرجاء الإقليم، لكن غالبيتهم الساحقة تعيش في العراق، وتحديدًا في قضاء سنجار ومناطق أخرى في نينوى وكذلك في محافظة دهوك المجاورة.

بنينوى وفي مناطق أخرى هم خليط من الأكراد والعرب والفرس والأتراك، وهم بذلك يتكلمون عدة لغات، تعيش الأغلبية الساحقة للأيزيديين في العراق، وتتراوح إحصاءات هذه الأقلية العراقية بين 700,000 و500,000 نسمة يتوزعون في: محافظة نينوى/الموصل:- قضاء الشيخان، وبعشيقة، وبحزاني، وشنكال (سنجار)، وزمار، والقوش، ومحافظة دهوك:- شاريا (سميل)، ومجمع خانك ومنطقة ديره ‌بون.

وظهرت الأيزيدية في بلاد ما بين النهرين قبل أكثر من أربعة آلاف عام، ويقول أتباعها: إنها أقدم ديانة في العالم وتمتد جذورها إلى الزرادشتية(6).

الصابئة المندائيون

جذور الصابئة العرقية عربية وهم من الأقوام الآرامية التي هاجرت في العام 100 قبل الميلاد إلى العراق، وتمركزوا على ضفاف نهري دجلة والفرات وسط وجنوب العراق، كان تعداد الصابئة في عام 1919م يُقدَّر بـ(8500) شخص في عموم العراق، فيما يقدر عددهم حاليًّا بـ15 ألف شخص يوجدون في بغداد، والكوت، والديوانية، وديالى، والناصرية، والعمارة، والبصرة(7). وللصابئة لغتهم الخاصة التي حافظوا عليها منذ القِدم، وهي اللغة الآرامية إضافة إلى العربية. دينيًّا، تعتبر الديانة الصابئية، بحسب المصادر الصابئية، أحد الأديان الإبراهيمية، وهي من أقدم الديانات تاريخيًّا حيث يعتبرون آدم عليه السلام أول أنبيائهم ثم ابنه شيت وسام بن نوح، ويحيى بن زكريا الذي يقول الصابئة إنهم يتبعونه كمنهج.

الشبك

يستقر الشبك بشكل عام في سهل نينوى، أي المنطقة الممتدة بين إقليم كردستان ومركز محافظة نينوى (الموصل)، وتذكر المصادر التاريخية العراقية أن أصل الشبك يعود إلى قبيلة “الشبك” الكردية، لكن الحكومات العراقية المتعاقبة قبل عام 2003 اعتبرتهم عربًا أيزيديون، وهو ما أشار إليه إحصاء عام 1977م. دين الشبك هو الإسلام، وهم بين شيعةٍ (اثني عشرية) وسُنَّة (شافعيين)، أما عدد نفوسهم فيبلغ حسب نفس الإحصاء بحدود 80 ألف نسمة (8).

الكاكائية

هي مجموعة دينية كردية، ظهرت كطريقة صوفية في القرن السابع الهجري، ثم شابتها تحولات كبيرة لتصبح عقيدة دينية خاصة. أصل التسمية يعود إلى مفردة (كاكا) وتعني بالكردية الأخ، ويحيط الكاكائيون عقيدتهم بالكثير من التكتم، وهي لذلك أصبحت مثارًا للاتهامات والأساطير. ويقطن عددهم الأكبر في إيران، فيما يُقدَّر عدد أتباع هذه الطائفة الدينية في العراق بنحو 200 ألف شخص (9).

وفضلًا عن هذه المكونات، هناك أقليات محدودة العدد، وليس لها حضور اجتماعي أو سياسي، مثل اليهود الذين تضاءل عددهم ليبلغ ثمانية أشخاص فقط، يعنون برعاية ممتلكات اليهود في العراق، والبهائيين، وهم أتباع ديانة نشطت لفترة محدودة في العراق خلال القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل مركزها إلى خارجه، ويقدر عدد البهائيين في العراق بنحو 1000 شخص.

ثانيًا: مكانة وأدوار الأقليات في تاريخ العراق المعاصر

كان للأقليات العراقية دور واضح في رسم معالم الدولة العراقية الحديثة التي أسسها الملك الراحل، فيصل الأول، عام 1921؛ حيث لم تكن في دائرة العمل السياسي والعسكري والثقافي حينذاك حساسيات الدين والقومية والمذهب، فالأكراد مثلًا كانوا موجودين وبقوة في أكثر من مجال؛ ولعل أبرزها دورهم في تأسيس الجيش العراقي، مطلع عام 1921، حيث كان أكثر من نصف الهيئة التأسيسية للجيش العراقي من الضباط الأكراد (10)، كما تولى تسعة ضباط أكراد منصب وزير الدفاع خلال فترة العهد الملكي (1921-1958) فضلًا عن رئاسة أركان الجيش لعدة مرات (11).

وشملت مشاركات السياسين والضباط الكرد كل أنشطة الدولة والمجتمع منذ تأسيس الدولة المعاصرة، وبرغم نشوب النزاع بين السلطات الحكومية وقوى مسلحة من الكرد في وقت مبكر نسبيًّا من عمر تأسيس العراق المعاصر، إلا أن ذلك لم يؤثر بشكل كامل على فرص الأكراد في المشاركة السياسية والاجتماعية، لكنه أثَّر في أوقات معينة، على حجم هذه المشاركة وطبيعتها، كما أن هذا النزاع تسبب بضرر كبير في نسيج العلاقات الداخلية في العراق، وكان على الدوام من العلامات البارزة في تاريخ العراق خلال مئة عام الأخيرة.

المسيحيون العراقيون على اختلاف تسمياتهم، كانوا من ضمن الرعيل الأول لبناء الدولة العراقية الحديثة، وقد شارك المسيحيون في مجلس النواب حتى قيام الحكم الجمهوري عام 1958، كما تسنَّم المسيحيون وزارات عراقية ومناصب قيادية سياسية بدءًا بالدكتور حنا خياط كأول وزير للصحة العراقية، تمامًا كما شغل اليهودي، ساسون حسقيل، منصب أول وزير للمالية، واحتفظ به خلال عدة حكومات متعاقبة.

وأسهمت القيادات الدينية المسيحية في مساندة مطالبة العراق بولاية الموصل أواسط عشرينات القرن الماضي (12)، ومن ثم الاندماج الإيجابي في الدولة الوليدة، لكن الظروف التاريخية الإقليمية والدور البريطاني وأسبابًا أخرى، منها سوء العلاقة مع الجوار الكردي والعربي في القرى والبلدات القريبة، قادت إلى تردي في العلاقة بين الطائفة المسيحية الآشورية، والدولة العراقية، ووقوع مواجهات مسلحة، واتهامات بمجازر مطلع ثلاثينات القرن الماضي، نجمت عن مقتل أعداد متفاوتة بحسب المصادر تتراوح بين بضع مئات وعدة آلاف من الآشوريين وكذلك عشرات الجنود العراقيين.

لم تتسبب أزمة العلاقة مع الآشوريين، في انتكاسة للعلاقة مع المسيحيين في العراق، وإن خيمت عليها لفترة من الزمن، وقد جرى احتواء تلك الأزمة لاحقًا، ولم تظهر لاحقًا أي أزمات مماثلة، بل كان للمسيحيين أدوار مهمة لاسيما على الصعد الثقافية والفكرية والتنموية.

من جانبهم، أسهم التركمان في الجيش العراقي بشكل خاص، كما كان لهم على الدوام إسهامات ثرية في بناء الدولة، لكن الشكاوى التركمانية في ما يتعلق بالتغيير الديمغرافي في كركوك لم تنقطع، وهم يتهمون الأكراد بشكل خاص بمحاولة الاستيلاء على وجودهم التاريخي في هذه المدينة، ويعتبرون الأحداث الدموية التي استهدفت التركمان في يوليو/تموز 1959 “مجزرة” نفذها الأكراد الشيوعيون من أجل طرد التركمان من كركوك، وقد كانت تلك الأحداث محطة مهمة في علاقة لم تنقطع عن التوتر بين الأكراد والتركمان حتى الآن، وقد حفز هذا الصراع التركمان على أن يكونوا إلى جانب الدولة ووحدة العراق، وقريبين من العرب، لاسيما القوميون منهم (13).

ثالثًا: شكاوى الأقليات من محاولات التهميش والتصفية

تُعرِّف الموسوعة الأميركية الأقلية بأنها “جماعة لها وضع اقتصادي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في نفس المجتمع وتمتلك قدرًا أقل من النفوذ والقوة وتمارس عددًا أقل من الحقوق مقارنةً بالجماعة المسيطرة في المجتمع، وغالبًا ما يُحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بحقوق مواطني الدرجة الأولى”(14)، وفي ضوء هذا التعريف فإن معظم الأقليات العراقية شَكَتْ في مراحل عدة من تاريخ العراق من عمليات وصفتها أحيانًا بـ(التصفية) وأحيانًا أكثر بـ(التهميش). ومن بين أكثر المكونات التي امتزج تاريخها بعقدة (التصفية والتهميش معًا) هي المكون الكردي، فبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، عام 1921، بقليل، بدأت حركات الثورة والتمرد والعصيان سواء ضد القوات البريطانية، أو ضد السلطات العراقية الملكية ومن ثم الجمهورية. اختلفت أسباب هذا الصدام عبر مراحله المختلفة، لكن بداياته المبكرة فيما سُمِّي بثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية (1923-1924)، والتي كانت من الأسباب المباشرة لعدم استقرار الدولة الوليدة. ولم تتمكن السلطات العراقية في أي وقت من تلبية جميع مطالب الأكراد، لأن جوهرها مرتبط بتطلعات قومية ذات بعد إقليمي ما لبث أن تحول إلى موضوع للابتزاز والتدخل الدولي. وقد تحول الصراع بسرعة إلى صراع قومي، وأسفر عن مآس إنسانية جسيمة لكل الأطراف، أصبحت هي ذاتها سببًا لشكاوى الأكراد، ولتصلب السلطات في بغداد.

في مارس/آذار 1970، صدر في العراق قانون تم التوافق عليه بين الحكومة المركزية في بغداد وزعامة المعارضة الكردية ممثلة بالملا مصطفى البرزاني وعد بمنح الأكراد حكمًا ذاتيًّا، وقد عُدِّل الدستور آنذاك بإدخال النص الآتي: “إن الشعب العراقي يتكون من قوميتين، القومية العربية والقومية الكردية”(15)، لكن ذلك الاتفاق الذي كان نموذجيًّا على صعيد المنطقة، وكان يمكن أن يكون أساسًا حقيقيًّا لتسوية تاريخية للقضية الكردية في العراق، فشل في تحقيق أغراضه لأسباب متناقضة قدمها طرفاه، مما تسبب بتواصل المشكلة الكردية، والتسبب بتداعيات لم تنقطع حتى بعد الغزو الأميركي، واحتفاظ الأكراد بإقليم شبه مستقل، ومشاركتهم الفاعلة في السلطة ببغداد، بل وتوليهم منصب رئيس الجمهورية ضمن عُرف سياسي اتُّفق عليه بعد الغزو.

تركمان العراق أيضًا كانوا، وما زالوا، يشكون من التهميش، وكذلك من محاولات الإقصاء من المشهد السياسي، والتحجيم الديمغرافي، لاسيما في مدينة كركوك، سواء باتهام الحكومات المتعاقبة بفرض سياسة (تعريب) قبل 2003، أو بعمليات منهجية اتهمت بها القوى السياسية الكردية بعد ذلك العام، كما زاد الانقسام الطائفي داخل الجماعة التُركمانية العراقية من فداحة أوضاعهم؛ لاسيما الانقسام ذو الطبيعة الطائفية، وكان ذلك من بين أسباب محتملة لما يعتبره السياسيون التركمان تهميشًا سياسيًّا(16).

أما المسيحيون العراقيون، فقد انخفض عددهم بعد أن هاجر كثير منهم خلال فترة التسعينات بسبب ما أعقب حرب الخليج الثانية من أوضاع اقتصادية وسياسية متردية. كما تسارعت وتيرة هذه الهجرة بعد احتلال العراق، عام 2003، وما أعقبه من اعتداءات إرهابية طالت الكنائس، وكذلك عمليات تصفية جسدية. وبطبيعة الحال، فقد أثَّر نقص عدد المسيحيين في قوتهم التمثيلية سياسيًّا، وصاروا مجرد قوة سياسية هامشية في خضم المشهد السياسي العراقي.

رابعًا: تمثيل الأقليات في النظام السياسي الجديد للعراق

يتكون مجلس النواب العراقي في دورته الحالية من 329 مقعدًا، خُصِّص منها تسعة مقاعد لأقليات محددة ضمن نظام الكوتا، مع السماح لأبناء هذه الأقليات بالتنافس على المقاعد لكن من دون أن يترشحوا كممثلين للأقليات.

توزعت المقاعد التسع بواقع 5 مقاعد للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الشبك، والأيزيديين، والصابئة المندائيين، والكرد الفيليين (الكرد الشيعة).

وترى الأقليات الدينية الرئيسية أن وجودها في البرلمان لم يمنحها وجودًا موازيًا في السلطة التنفيذية، بل إنهم اعتبروا أن “الكوتا ما هي إلا واجهات إعلامية لإظهار الانتخابات العراقية بوجه حسن أمام المجتمع الدولي، ويعتقدون أن الأقليات ظُلمت مرتين، الأولى حين تم منحها كوتا لا تتناسب مع حجمها الحقيقي وجذورها التاريخية، والأخرى حين لم تتكفل قوانين الانتخابات بحمايتها من سطوة الأحزاب الكبيرة(17).

لقد كان واضحًا أن التمثيل السياسي للأقليات في العراق، كان ضحية للاستقطاب على أساس ديني وعرقي، وكذلك للقوانين الانتخابية التي لم تترك فرصًا لظهور كيانات أو شخصيات مستقلة من خارج الدائرة الحزبية التقليدية التي سادت بعد العام 2003، وبالتالي فقد كانت الأقليات مجبرة على تقديم مرشحين يمثلونها على أساس المرجعية الدينية والعرقية للاستفادة من الكوتا المحدودة في البرلمان، ولم يترك هذا الوضع أية فرصة لأبناء الأقليات الصغيرة من الكفاءات الوطنية والمهنية والعلمية للبروز السياسي أو تولي المواقع التنفيذية القيادية بسبب احتكار القوى السياسية الرئيسية لكل ذلك.

تسبَّب هذا الوضع بركن الأقليات في الهامش السياسي، وكان عنصرًا ضاغطًا إلى جانب عوامل أخرى كثيرة من بينها الاعتداءات الإرهابية لتوسيع هجرة العراقيين من أبناء الأقليات وتقليل حظوظهم أكثر فأكثر في التمثيل السياسي والعدالة على أساس المواطنة.

إن اعتماد النظام السياسي السائد طريقته في بسط النفوذ المناطقي للإمساك بالسلطة في العراق، حول الكثير من أنحاء البلاد إلى مناطق نفوذ حصري بطائفتهم أو مكونهم، بل إن هناك مدنًا كاملة مُسخت، وأخرى جرى تغيير اسمها، كما حدث في جرف الصخر جنوب بغداد، وكذلك ما يحدث في محافظة ديالى التي طالما اعتُبرت ضحية للتغيير الديمغرافي، فبعد أن كانت تعرف تنوعًا دينيًّا وعرقيًّا متوازنًا، بين الشيعة والسنة والأكراد، بالإضافة إلى أقليات دينية أخرى، لحقها تغيرات ديمغرافية بارزة، وتمكنت الميليشيات الشيعية في نهاية المطاف من بسط نفوذها هناك وفق رؤية استراتيجية واضحة للسيطرة على هذه المحافظة المحاذية لإيران (18).

لقد فرض كل من الإرهاب الذي مارسه تنظيم (داعش) والأجندات الداخلية سواء كانت سياسية أم عرقية أم طائفية، أنماطًا من إعادة التشكيل الجغرافي، كانت المجموعات السكانية الأضعف، ضحايا مباشرة لها. وقد لا تكون هذه المجموعات (الضعيفة) جزءًا من الأقليات بالضرورة، لكنها إما أنها تقطن في مناطق خاصة بعيدة عن تمركز المكونات التابعة لها، وهذا يشمل العرب السنَّة أو الشيعة القاطنين بمحاذاة إقليم كردستان، أو الأقليات التي تقطن تاريخيًّا في هذه المناطق لكنها ليست محمية بقوى مسلحة خاصة بها، وقد اتهمت منظمة العفو الدولية قوات حكومة كردستان بشن “حملة منسقة لتشريد المجتمعات العربية عمدًا، عبر تدمير قرى بالكامل في المناطق التي انتزعوا السيطرة عليها من الدولة الإسلامية في شمال العراق”(19)، وقد نفت حكومة الإقليم بانتظام هذه الاتهامات. وبطبيعة الحال، فكل عمليات التغيير الديمغرافي، كانت تستهدف في المقام الأول إحداث سيطرة سياسية، والفوز بتمثيل هذه المناطق، وبالتالي ضمان بقائها تحت الهيمنة، فضلًا عن استخدامها في التأثير السياسي على المستوى الوطني العام.

المسيحيون بدورهم كانوا أيضًا عرضة لعمليات التهميش واقتطاع الأراضي والتغيير الديمغرافي، فقد انخفضت أعدادهم بحدة، لاسيما في مناطق وجودهم التقليدية بشمال العراق، وبالتالي ضعفت إلى حدٍّ كبير مستويات تمثيلهم السياسي، وتعمق هذا الواقع، مع غلبة الاستخدام الديني في العمل السياسي، وشعور المسيحيين والأقليات غير المسلمة بأنهم خارج نظام المواطنة.

بعد تحرير الموصل وسهل نينوى التي كانت تضم مئات الآلاف من المسحييين من قبضة داعش، فإن أوضاع المسيحيين لم تعد إلى وضعها الطبيعي، وبحسب تصريح لرجل دين مسيحي لصحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية، فإن “الأوضاع سيئة أكثر من أي وقت سابق. الأمور أصعب حتى من قبل تنظيم الدولة، إنهم يريدون انتزاع المسيحيين من البلاد”، وتضيف الصحيفة “أن المسيحيين، الذين يعيشون في سهل نينوى منذ آلاف السنين، يقولون إن ثقافتهم وحضارتهم تواجه الانقراض على يد الميليشيات التي تدعمها إيران”(20).

ونفس الحال تشمل الأيزيديين، فقد تعرضوا لحملة دموية من قبل داعش، وسقط عشرات الآلاف منهم ضحايا للقتل أو الاختطاف أو التغييب القسري، ورغم تحرير كل مناطقهم من سيطرة التنظيم الإرهابي إلا أن الكثير منهم ما زالوا يسكنون في إقليم كردستان العراق كنازحين داخليًّا أو لاجئين في أرجاء أوروبا والولايات المتحدة.

ورغم كسب اضطهاد الأيزيديين اهتمامًا دوليًّا عالميًّا دون بقية الأقليات العراقية إلا أن الأيزيديين ما زالوا ضحية صراع على السيطرة بين بغداد وأربيل، في حين أنهم يتجنبون أيضًا صراعات عنيفة مستمرة بين الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران(21). ولا يزال أغلبية الأيزيديون يواجهون ظروفًا قاسية؛ على حدِّ تعبير الممثلة الخاصة لأمين عام الأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، “يفاجئني الآن وبعد مرور حوالي خمسة أعوام على سيطرة “داعش” (تنظيم “الدولة الإسلامية”) على سنجار وما تلا ذلك من تحرير للمنطقة أن أرى أن الكثيرين لا يزالون يعيشون في الخيام، على قمة الجبل الذي هربوا إليه في ذروة الحملة الإرهابية”(22).

ولا تختلف حال الأقليات الدينية الأخرى عن بقية المكونات المذكورة آنفًا، فالبهائيون والكاكائيون والصابئة المندائيون وغيرهم، جميعهم تعرضوا للقهر الديني وعمليات التهجير القسري، وبعضهم تعرض للإبادة، حتى صارت بعض الأقليات على وشك الانقراض في العراق، وإن مناطقهم تكاد تكون بشكل شبه كامل ضمن مشاريع تغيير ديمغرافي تقوم به قوى إقليمية وبتنفيذ مباشر من أطراف داخلية مسلحة سيطرت على أغلب هذه المناطق بعد تحريرها من سيطرة تنظيم (داعش) الإرهابي.

مراجع
  1. العراق.. فسيفساء الديانات والطوائف والقوميات، وكالة الأناضول، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تاريخ الدخول 30 مارس/آذار 2020): https://cutt.ly/oyGq8df
  2. CIA Factbook, (Enter: 2020):https://www.cia.gov/library/publications/resources/the-world-factbook/geos/print_iz.html
  3. تركمان العراق، إندبندنت عربية، 13 مايو/أيار 2019، (تاريخ الدخول: 2 أبريل/نيسان 2020):https://cutt.ly/SyHR8U6
  4. “نهاية مسيحيي العراق”، شبكة نيريج للصحافة الاستقصائية، 11 سبتمبر/أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 11 مارس/آذار 2010): https://daraj.com/21572/
  5. دهام محمد العزاوي، مسيحيو العراق، محنة الحاضر وقلق المستقبل، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، الدار العربية للعلوم (ناشرون)، بيروت، 2012، ص18.
  6. عبود، زهير كاظم، (الأيزيدية حقائق وخفايا وتفاصيل)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005، ص 12.
  7. “10 حقائق عن الصابئة المندائيين”، راديو سوا، تاريخ النشر: 11 مايو/أيار 2017، (تاريخ الدخول: 11 مارس/آذار 2020).  https://www.radiosawa.com/archive/2017/05/11/10
  8. شبك العراق: مسلمون أم ديانة خاصة؟، موقع ارفع صوتك ، 8 مايو/أيار 2017)، (تاريخ الدخول: 17 مارس/آذار 2020): https://cutt.ly/xyHX2Yv
  9. الكاكائية.. عشيرة أم نحلة دينية؟، إسلام أون لاين، 11 ديسمبر/كانون الأول 2017، (تاريخ الدخول: 2/4/2020):  https://islamonline.net/23742
  10. في ذكرى تأسيس الجيش العراقي، موقع الاتحاد الوطني الكردستاني، 6 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 3 أبريل/نيسان 2020): https://www.pukmedia.com/AR_Direje.aspx?Jimare=122274
  11. تسعة ضباط أكراد شغلوا منصب وزير الدفاع العراقي، حكومة إقليم كردستان- وزارة البيشمركة، 7 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 3 أبريل/نيسان 2020):  https://bit.ly/3cbPcrG
  12. عفاص، بهنام فضيل، “سليمان الصائغ ودور المسيحيين في النهضة الفكرية في العراق”، جريدة المدى، 23 مايو/أيار 2012، (تاريخ الدخول: 23 مارس/آذار 2020): http://almadasupplements.com/
  13. راجع بهذا الخصوص: خليل فضل عثمان، كركوك: جدل الأرقام والسرديات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018، ص 19 وما بعدها.
  14. مصلح خضر الجبوري، “الدور السياسي للأقليات في الشرق الأوسط”، الأكاديميون للنشر والتوزيع، عَمَّان-الأردن، 2013، ص (8).
  15. إقليم كردستان العراق: تسلسل زمني، bbcarabic.com، 28 أبريل/نيسان 2014، (تاريخ الدخول: 25 مارس/آذار 2020): https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2014/04/140424_kurdistan_chronology
  16. تركمان العراق، إندبندنت عربية، مصدر سابق.
  17. “العراق: عين الأحزاب الكبيرة على كوتا الأقليات في الانتخابات”، العربي الجديد، 11 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2020):https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/4/10/
  18. “كيف تغير الصراعات الطائفية ديموغرافية العراق باستمرار؟”، ساسة بوست، 29 يونيو/حزيران 2016، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2020): https://www.sasapost.com/war-changes-demographics-of-iraq/
  19. المصدر السابق.
  20. ديلي تلغراف: مسيحيو العراق ظنوا أن الأمور ستتحسن لكنهم كانوا مخطئين، BBC عربي، 13 يوليو/تموز 2019، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2020): https://www.bbc.com/arabic/inthepress-48972548
  21.  الأقليات الأيزيدية ما زالت تعاني بعد سقوط الخلافة، الحرة، 5 أغسطس/آب 2019، (تاريخ الدخول 24 مارس/آذار 2020): https://www.alhurra.com/latest/2019/08/05/
  22. المصدر السابق.