بقلم شروق مستور – طالبة ماستر علاقات دولية تخصص دراسات أمنية و إستراتيجية – الجزائر

المقدمة

يرتبط الأمن القومي للدولة إرتباطاً وثيقاً بالوضع الإقليمي بشكل عام، حيث يتحكم الإستقرار الأمني لمحيط الدولة في إستقرارها المحلي. وبما أن إفريقيا تعتبر، بشكل عام، بؤرة متفجرة من النزاعات والأزمات، فلقد أصبح هذا الوضع الإقليمي المتوتر ينعكس سلباً على الأمن الوطني للدول المغاربية وبخاصة الجزائر حيث لطالما واجهت منطقة المغرب العربي تحديات أمنية كبيرة بداية بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية وصولاً إلى النزاعات الإقليمية، كما ساهم موقع الجزائر الجيو – استراتيجي المحوري في جعلها الدولة المغاربية الوحيدة التي تجمع حدودها كل جيرانها؛ وبالتالي، باتت هذه الحدود تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الجزائري.

تعيش الجزائر حالياً في وسط يعج بالتحديات الأمنية، حيث أصبحت محاصرة بـ “حزام ناري”، بداية بالأزمة الليبية شرقاً وصولاً إلى أزمة الصحراء الغربية غرباً، والنزاع المالي جنوباً، ما يجعلنا نطرح الإشكالية التالية: إلى أي مدى من الممكن أن تؤثر التحديات الإقليمية على الإمن القومي الجزائري؟

الأمن القومي والأمن الإقليمي

بداية، يجدر بنا الحديث عن مفهوم الأمن الإقليمي، الذي يعيش عادة متوارياً في ظل مفهوم الأمن الوطني أو متضمناً بمفهوم الأمن الدولي أو العالمي. نشأ الأمن الإقليمي، في ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، على شكل منظمات وهيئات إقليمية كانت بالأساس إقتصادية أو دفاعية. ويعرف حامد ربيع الأمن الإقليمي بأنه “إصطلاح أكثر حداثة برز بشكل واضح ما بين الحربين العالميتين، ليعبر عن سياسة مجموعة من الدول تنتمي إلى إقليم واحد تسعى من خلال وضع تعاون عسكري وتنظيمي لدول تلك الاقليم إلى منع أية قوة أجنبية أو خارجية في ذلك الإقليم، وجوهر تلك السياسة هو التبعية الإقليمية من جانب، والتصدي للقوى الدخيلة على الإقليم من جانب آخر، وحماية الوضع القائم من جانب ثالث.”

وتعرفه جامعة الدول العربية على أنه “توثيق الصلات بين الدول الأعضاء وتنسيق خططها السياسية تحقيقا للتعاون فيما بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها مع الحرص على المصالح المشتركة على كافة الأصعدة، ومنها تحقيق الأمن الإقليمي بما يوفر لها الاستقرار الداخلي لكل دولة وعناصر الحماية ضد الاختراقات المحتملة للأمن القومي العربي.”

إذا نظرنا للأمن الإقليمي من ناحية أممية أو إذا حصرناه ضمن إطار المنظمات الإقليمية، التي تعمل على حل النزاعات تابعة للامم المتحدة، فإنه يمكن تقسيم العالم إلى “أقاليم أمنية”، ثم يتم تحديد المنطقة الإقليمية أو الوكالة الإقليمية، التي تعنى بشؤون الأمن في كل إقليم لتسند إليها مسئوليات الأمن الإقليمي الواردة في الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، وأن يتم التعامل مع كل من هذه المنظمات أو الوكالات الإقليمية كشريك من أجل السلام مع الأمم المتحدة، وبهذا تكون كل وكالة اقليمية مسؤولة عن إرساء الأمن والسلام في إقليمها الخاص من دون الحاجة إلى الاستعانة بالأمم المتحدة بصورة مباشرة.

في هذا الشأن، جاء الفصل الثامن من ميثاق المنظمة الدولة ايؤكد على أنه لا مانع من قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي، بينما يكون العمل الإقليمي صالحاً فيها ومناسباً، ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة (المادة 52/1).

وبما أن الأمن الاقلیمي هو مفهوم یصوّر إدراك إقلیم معین بالدولة المنتمیة إلیه لأسلوب تحقیق الحمایة لذلك الإقلیم من خلال الإتفاق بین اعضائه، فهـذا یفرض أولاً أن تملك دول الإقلیم الرغبة بالوصول إلى ذلك الهـدف، وثانياً تـوفیر الإمكانات القادرة على تحقیقه فهو بالحقیقة تعبیر عن سیاسة مجموعة من دول تنتمي إلى إقلـیم واحـد وتسعى من خلاله إلى وضع تنظیم وتعاون عسكري لدول ذاك الإقلیم لمنع أیة قوة أجنبیـة أو خارجية عـن التدخل فيه.

ويمكن إسقاط فكرة “الوكالة الإقليمية”، أو الأمن الإقليمي، في المغرب الغربي أو شمال إفريقيا على الاتحاد المغاربي كأول محاولة إقليمية في المنطقة للتعاون والتكامل ضمن اطار مؤسسة قانونية، ولقد أنشئ رسمياً العام 1989 بهدف توحيد الجهود للنهوض بالمنطقة، كان الهدف منه في مجال الدفاع وصيانة وإستقلال كل دولة من الدول الأعضاء. لكن للأسف، لم يستطع هذا الإتحاد تقديم أية إضافة للمنطقة، ولم يستطع أن يحقق وحدة المغرب العربي، حيث فشل الإتحاد المغاربي منذ تأسيسه.

وفي ظل غياب أمن إقليمي مشترك وإنتشار الفوضى بالمنطقة المغاربية، أصبح من الضروري على الجزائر كدولة محورية تعيش في وسط ملغّم بالأزمات أن تتبع استراتيجية دفاعية لكبح أي محاولة للإضرار بأمنها ومجابهة تحديات الموجودة في المنطقة.

تحديات يواجهها الأمن القومي الجزائري

تواجه الجزائر تحديات أمنية كبيرة بسبب تواجدها في قلب بؤرة الصراعات، أي إفريقيا، حيت تقف وجهاً لوجه مع مجموعة من التهديدات الأمنية بطابعيها الكلاسيكي والمعاصر.

1. الأزمة الليبية

تشكل الأزمة الليبية أبرز التحديات الأمنية الكلاسيكية التي تواجهها الجزائر، هذا بإعتبار أن النزاع الليبي هو حرب أهلية مسلحة على السلطة تم تدويلها. بداية الأزمة الليبية كانت منذ الإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي حيث عاشت الدولة انفلاتاً أمنياً وانقساماً سياسياً، وأحد أبرز وجوه هذا الإنقسام تجلى في تنافس كبير على الشرعية والسيطرة. لقد أدى الإنقسام السياسي والعسكري إلى تكريس وضع “اللا دولة” وغياب المؤسسات الموحدة والنافذة، وبهذا الوضع تمكنت المليشيات والتنظيمات المسلحة من السيطرة على مناطق النفوذ والثروة في البلاد.

لكن على الرغم من مرور ما يقارب العقد على اإانتفاضة الشعبية ضد النظام والتدخل العسكري لحلف الناتو للمساعدة في الإطاحة به، لم تشهد ليبيا أي نوع من الاستقرار بل صارت ساحة صراع للميليشيات المسلحة المتنافسة على السلطة، والتي استدعت بدورها تدخل قوى إقليمية ودولية ما حوّل البلاد إلى ساحة نزاع إقليمي وحروب تخاض بالوكالة، وبات الصراع فيها عبارة عن حرب “محاور”؛ محور تركيا – قطر بدعمهم لحكومة الوفاق، ومحور مصر – الإمارات – السعودية بدعمهم قوات شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر، مع تداخل تنافسي ما بين تركيا وروسيا الذي كانت سوريا ساحته الكبرى وانتقل مؤخراً إلى ليبيا.

من هنا، يحذر الباحث الألماني المختص بالشأن الليبي، ولفرام لاخه، من إحتمال تحولّ الصراع في ليبيا إلى مواجهة مباشرة بين القوى الأقليمية بدلاً من المواجهات بين الفصائل التي تدعمها، بعد التصعيد الأخير بين تركيا ومصر. فمنذ بداية الحرب الليبية، سخّرت قيادة الجيش الجزائري إمكانيات مادية وبشرية ضخمة لتأمين الشريط الحدودي بين البلدين والذي يشهد توترا أمنياً غير مسبوق، حيث تحظى الناحيتان العسكرية الرابعة والسادسة من ورقلة وتمنراست، المحاذيتين للحدود الليبية، بتعزيزات أمنية استثنائية، كما كشفت بعض التقارير الإعلامية المحلية عن نشر عناصر إضافية من الجنود والدرك الوطني في النقاط المشتركة بين ليبيا و الجزائر. فمنذ بداية الحرب، تحول الشريط الحدودي، الممتد على مسافة تفوق 6 آلاف كلم، إلى مصدر قلق حقيقي للسلطات الجزائرية.

لذا، إن وجود حدود مشتركة للجزائر مع “دولة فاشلة” ومنهارة يضعها في مأزق كبير، فالحرب لا تعترف بالحدود خاصة مع غياب المؤسسات الرسمية الليبية ما يكرس حالة الفوضى وإنتشار للتنظيمات الإرهابية والمليشيات وينشّط تجارة الأسلحة والهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر وكل مظاهر الإنفلات الأمني، وهذا ما سيجعل دول الجوار، كالجزائر، واقعة تحت وطأة “كابوس أمني” ثقيل.

على صعيد مقابل، يقول الخبير الأمني، محمد خلفاوي، إن الجزائر “متحكمة جداً بحدودها، ولا يمكنها أن تخشى شيئاً على الصعيد الأمني” كما أن وزن الجزائر سيساهم، برفقة دول أخرى عبر الحنكة التفاوضية، بردع الأطراف المتناحرة على الأرض وإيقاف الحرب؛ لهذا، يعتبر تحرك الجزائر حالياً ضرورة، سواء عن طريق الوساطة أو الحوار للمساهمة في حل الأزمة الليبية؛ فالجزائر دولة محورية في شمال إفريقيا ودورها أساسي لارساء السلم في ليبيا، لأن تراكم التحديات المحيطة بها سيضعها في مأزق كبير ويجعل قوتها مشتتة.

يستند الموقف الجزائري من الأزمة الليبية إلى جملة من المبادئ المستمدة من العقيدة الأمنية التقليدية ، حيث ترى الجزائر أنّ المقاربة الأمنية الخشنة القائمة على الحل العسكري لحسم النزاعات الداخلية لا تجدي نفعًا و ترى ان إشراك جميع الأطراف الليبية في مسار التسوية ضرورة ، و هذا لانه سيضمن عدم عودتهم إلى التمرد والعمل المسلح مستقبلًا. و لهذا فإن موقع الجزائر ثابت في الحالة الليبية، فمن المرجّح أنّها ستواصل العمل على استغلال ثقلها الدبلوماسي، غير المنحاز تاريخيًّا، مع التلويح بإمكانية التدخل عسكريًّا لحماية أمنها القومي.

2. التطبيع الإسرائيلي – المغربي

يعتبر التطبيع الاسرائيلي – المغربي من التحديات الأمنية المعاصرة التي من الممكن أن تهدد أمن الجزائر؛ فالتهديد هنا يكمن في البعدين الإجتماعي والقيمي لقضية التطبيع ومتعلق بتوجهات الدولة الجزائرية ومبادئها، فالجزائر تعتبر من الدول الإفريقية الأولى التي إستعادت إستقلالها من خلال كفاح سياسي ودبلوماسي ومسلح طويل لتصبح بعدها ملاذاً آمناً وداعماً لكل الحركات التحررية في إفريقيا والعالم الثالث، حيث وصف الزعيم أميلكار كابرال الجزائر بأنها “مكة الثوار”. لهذا، لطالما دافعت الجزائر عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ووقفت في وجه كل جرائم الإستعمار التقليدية والحديثة.

من هنا، يعتبر التطبيع المغربي – الاسرائيلي من القضايا التي ستزيد من تعقيد العلاقات بين الجزائر والرباط، ولطالما كان موقف الأولى ثابت فيما يخص عدم اعترافها بالكيان الصهيوني، فهي من الدول المساندة للقضية الفلسطينية منذ البداية وطوال تاريخ القضية، ولقد أكد تصريح الرئيس الجزائري الأخير حول موضوع التطبيع أن “القضية الفلسطينية هي أم القضايا في الشرق الأوسط وهي قضية مقدسة.”

وعلى الرغم من أن الجزائر لا تتدخل في شؤون الغير، سواء العرب أو الغرب، لكنها لا تريد في المقابل أي تدخل خاصة من الخارج بشؤونها ومواقفها المعلنة، فهي إحتضنت إعلان قيام دولة فلسطين العام 1988، وكانت دائمة داعمة للقضية على كافة المستويات.

الموقف السابق هو نفسه الذي تنتهجه الجزائر فيما يخص القضية الصحراوية. فعلى الرغم من وجود عدة عوامل ساهمت في استمرار الصراع والخلاف بين المغرب والجزائر (بداية بحرب الرمال العام 1963 التي اندلعت إثر خلاف على الحدود)، إلا أن ملف الصحراء الغربية يعد من أبرز القضايا الخلافية بين البلدين اليوم، حيث تتهم الرباط الجزائر بتقديم الدعم لجبهة “البوليساريو”، فيما تعتبر الجزائر القضية مسألة أممية، كما تعتبرها أيضاً من بين أهم الملفات التي دافعت عنها الجزائر في مختلف المحافل الدولية.

للعلم، بدأ أول تدخل للجزائر في قضية الصحراء الغربية، 20 ديسمبر/كانون الأول 1966، عندما اتخذت الجمعية العامة قرارها الأول لتنظيم استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة على حق الإقليم في تقرير مصيره، حيث دعمت الجزائر دور المنظمة الدولية في حل النزاع الصحراوي مؤكدة على حقهم في تقرير مصيرهم.

بعدها، توالت المشاكل والخلافات بين الأطراف، حيث عمل المغرب على توطيد علاقاته مع دول الخليج كرد فعل على خلافه مع الجزائر، وكبحث عن بديل للتحالف، ولاثبات قوته كدولة محورية في شمال إفريقيا حيث عملت الرباط على نسج شبكة تحالفات دولية لمحاصرة الجزائر دبلومسياً، فكانت تعمد إلى تقديم تنازلات وتسعى لتحدي قدرها الجغرافي ومحاولة إثبات هيمنتها على شمال القارة، ومن بينها التطبيع مع إسرائيل.

بالنظر إلى الانفتاح الكبير الذي شهدته العلاقات بين تل أبيب ومختلف العواصم العربية التي طبعت منذ فترة مثل أبو ظبي، يمكننا التنبؤ الي أي مدى يمكن أن يصل التقارب والإتفاق، وأي مسار ستسلكه العلاقات المغربية – الاسرائيلية؛ لهذا، يجب على الجزائر أن تكون حذرة أكثر، وتدرس كل الإحتمالات الممكنة لتفادي أي تهديد لأمنها، فالتطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني سيترتب عنه إبرام اتفاقيات وشراكات في مختلف المجالات، ما يعني تواجد إسرائيلي على الأراضي المجاورة للجزائر وهو ما يستدعي أخذ الحيطة والحذر بشكل أكثر.

إن اعتراف المغرب بالكيان الصهيوني لا يتعدى كونه صفقة برعاية الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، حيث كتب الأخير على “تويتر” أن “المملكة المغربية إعترفت بالولايات المتحدة العام 1777؛ وبالتالي، فإن واشنطن تعترف بسيادتها على الصحراء الغربية”. هذا الأمر يعد دليلاً على أنها صفقة متبادلة؛ مباركة إحتلال الشرق الأوسط مقابل مباركة إحتلال آخر في غرب إفريقيا، حيث صرح رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، بدوره “أنه سيتم تسيير رحلات مباشرة بين البلدين إضافة إلى فتح بعثات دبلوماسية”، وهذا يعني بناء علاقات إقتصادية وتجارية وربما قد تصل الأمور إلى إنشاء تحالف عسكري مغربي – إسرائيلي.

وفي هذا الشأن أيضاً، يقول ريتشارد بيريز إن قرار الرئيس ترامب بتأييد سيادة المغرب على الصحراء الغربية من المرجح أن يتسبب بإحتكاك مع الجزائر؛ بالتالي، إذا تجددت الحرب في الصحراء الغربية، يمكنها أن تجتذب تدخل دول أخرى، وتحولها إلى صراع إقليمي، كما يمكن أن يؤدي عدم الاستقرار والحرب لفتح الأبواب أمام التنظيمات الإسلامية العنيفة العاملة في غرب أفريقيا، كما حدث في العديد من البلدان الأخرى.

لذا، يجب الأخذ بعين الإعتبار أن الكيان الصهيوني لطالما مارس كل انواع العنف ضد الفلسطينين، بالإضافة إلى كونه عدو عربي قديم؛ فلقد بدأ العربي – الإسرائيلي مع نهاية القرن الـ 19، لكن سرعان ما تغير بسبب عدة إتفاقيات ليتحول إلى صراع إسرائيلي – فلسطيني؛ لهذا يعتبر تواجد مكاتب وسفارات إسرائيلية مجاورة للجزائر بمثابة الخطر والتهديد المباشرين.

الإستراتيجية الجزائرية الدفاعية

تهتم الجزائر بتطوير منظومتها الدفاعية العسكرية بهدف ضمان الأمن والإستقرار وتعزيز أمنها القومي، خاصة مع تزايد التهديدات في المنطقة حيث إعتمدت، ضمن إستراتيجيتها الدفاعية لمواجهة التهديدات الآتية من الدائرة الجيو – سياسية الإفريقية، على نشر قوات أمنية مدعمة ووحدات عسكرية على طول الحدود بالاضافة إلى بذل جهود كبيرة خلال العقود الأخيرة لدمج وسائل الإعلام والتواصل الجديدة في سياستها الدفاعية، وأصبحت إدارة أمن الحدود تستند إلى التكنولوجيا بشكل كبير خصوصاً لما تقدمه تلك التكنولوجيات الحديثة والرقمنة الإلكترونية من تسهيلات وفعالية، لا سيما المعلومة الجغرافية من معطيات أمنية وخدمات معلوماتية ضرورية لمتابعة حالة أمن الحدود الجزائرية كالإعتماد على أنظمة تحديد المواقع جي. بي.إس – GPS وغيره.

وفي هذا الصدد أيضاً، إعتمدت الجزائر، منذ العام 2014، على إرساء أنظمة تقنية متطورة ترمي إلى المراقبة الإلكترونية لحدودها الغربية مع المملكة المغربية، بهدف تعزيز تأمين الشريط الحدودي الغربي من خلال تجهيزات تكنولوجية حديثة على غرار أنظمة الطائرات من دون طيار وأجهزة التصوير الحراري، وأنظمة أبراج المراقبة بالفيديو عن بُعد، التي تشكل سنداً داعماً لعمل الوحدات المكلفة بحراسة وأمن الحدود البرية للجزائر ومواجهة مختلف أنواع الجريمة المنظمة.

ووفقاً لمجلة “واتش ميليتري” الأمريكية المختصة في الأسلحة والمنظومات العسكرية، فإن الجزائر تعمل على توقيع عقد مع روسيا لإقتناء 14 مقاتلة ثقيلة من الجيل الخامس من نوع سوخوي 57 – SU 57، لتصبح بذلك أول زبون لطائرات الجيل الخامس الروسي، وهو ما ذكرته بعض التقارير الإعلامية المحلية والروسية ، بافضافة إلى العدد نفسه من طائرات سوخوي 35 – SU 35 بهدف إستبدال طائراتها القديمة. يأتي ذلك في وقت يعمل فيه الجيش الجزائري على رفع مستوى إحترافية قواته من خلال مواكبة التطورات التكنولوجية، حرصاً التصدي لكل التحديات والرهانات المحيطة به والحفاظ على إستقرار وأمن الدولة.

الخاتمة

يمكننا القول إن التحديات الإقليمية الكبيرة، التي يعيشها الشمال الإفريقي، من الممكن أن تؤثر بشكل عميق على الجزائر حيث تشكل هذه الأزمات تهديداً مباشراً للأمن القومي الجزائري، وهو ما يستدعي إستنفار كبير للجيش وضرورة إتباع إستراتيجية دفاعية محْكمة.

إن الحدود المشتركة مع ليبيا، التي تقدر بـ 982 كلم، تشكل أكبر كابوس أمني، خاصة في ظل فشل كل المحاولات الرامية لحل النزاع الليبي ومع تعدد الأطراف المتدخلة الإقليمية والدولية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، نجد الحدود المشتركة مع المغرب، التي تقدر بـ 1739 كلم والتي تعني بالضرورة تواجد الكيان الصهيوني في غرب الجزائر مستقبلاً بعد طبيع العلاقات المشتركة، ستشكل نوعاً من التهديد من نوع آخر، بالإضافة إلى الحدود مع الصحراء الغربية، التي تقدر بـ 39 كلم.

كل هذه الأمور، ستضع الجزائر أمام موقف صعب وواقع معقد، فهي مجبرة على تأمين أكثر من 2760 كلم وإتباع إستراتيجية محْكمة للوقوف في وجه أي تهديد خصوصاً مع إحتمالية تزايد كل أنواع الإجرام المنظم من حولها.

المراجع:

● فيروز مزياني. إستراتيجية الدفاع الوطني الجزائري. مجلة العلوم القانونية والسياسية. 2019. المجلد 10. العدد: 3.
● مصطفى علوي. الأمن الإقليمي بين الأمن الوطني والأمن العالمي. المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتجية. 2005. العدد: 4.
● حليمة بوزناد – دلال أحسن. تأثیر الأقلیات على الأمن الإقلیمي في منطقة الشرق الأوسط – أكراد سوریا نموذجاً. مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر – جامعة العربي التبسي – تبسة. 2016.
● الموقف الجزائري من الأزمة الليبية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات. 7 يوليو/تموز 2020. تاريخ الإطلاع: 9 ديسمبر/كانون الأول 2020.
● عامر محسن سلمان العامري. مقارنة بين الأمن القومي والأمن الإقليمي. المجلة السياسية والدولية. 2009. العدد: 11.
● أسماء حداد. الدفاع الوطني الجزائري: الواقع والرهانات الإستراتيجية. المركز الديمقراطي العربي. 24 مايو/أيار 2017. تاريخ الإطلاع: 10 ديسمبر/كانون الأول 2020
● جلال خشيب. انتصار الجغرافيا. المعهد المصري للدراسات. 15 فبراير/شباط 2019. تاريخ الإطلاع: 10 ديسمبر/كانون الأول 2020. على الرابط التالي:
https://bit.ly/2NMG9Xw
● الحرب في ليبيا. بي.بي.سي عربية. 31 يوليو/تموز 2020. تاريخ الإطلاع: 10 ديسمبر/كانون الأول 2020. على الرابط التالي:
https://bbc.in/3k8Pd5
● ربيعة خريس. مخاطر الحرب المتصاعدة في ليبيا على الجزائر وأسوأ الخيارات. قناة العالم. 9 أبريل/نيسان 2019. تاريخ الإطلاع: 10 ديسمبر/كانون الأول 2020. على الرابط التالي:
https://bit.ly/2NJ8SwG
● هل تصبح الجزائر “قبلة” لدعم فلسطين. سبوتنيك. 22 سمبرتمر/أيلول 2020. تاريخ الإطلاع: 9 أكتوبر/تشرين الأول 2020. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3k9Se5x
● كل ما يجب أن تعرفه عن الأزمة الليبية. الجزيرة. 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. تاريخ الإطلاع/ 9 ديسمبر/كاونون الأول 2020. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3aChX3k
● قرار ترامب حول الصحراء الغربية يهدد باندلاع حرب مفتوحة. الجزيرة. 11 ديسبر/كانون الأول 2020. تاريخ الإطلاع: 11 ديسمبر/كانون الأول 2020. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3sigRzt
● أنظر:
Moncef Bakail / The role of Algeria and its diplomacy in the liberation of Africa / DIRASSAT IFRQUIAA / UNIVERSITE ALGER 2 /18.10.2018

مصدر الصور: فرنس 24 – الحرة – إندبندنت عربية