تتمحور هذه الدراسة حول مفهوم أساسي في حقل العلاقات الدولية عامة والدراسات الأمنية على وجه الخصوص، وهو ما يعرف بالأمن البيئي Environmental Security، الذي ارتبط بتصاعد التهديدات البيئية على كافة المستويات (وطني، إقليمي، دولي) ،حيث أصبحت هذه التهديدات تشكل خطراً على الوسط الطبيعي للإنسان والكائنات الحية، ما استدعى من الباحثين والأكاديميين وكذا صنُاع القرار إيلاء أهمية قصوى لهذا القطاع الأمني، حيث برزت العديد من الكتابات والمقالات حول القضايا والمفاهيم المتعلقة بالأمن البيئي، و صارت ثنائية متغيري “الأمن- البيئة ” من ضمن الاهتمامات البحثية الجادة في السنوات الأخيرة .

من هذا المنطلق ستحاول هذه الدراسة توصيف مفهوم الأمن البيئي و إبراز بعض النقاط المتعلقة به.

ضبط مفهوم الأمن البيئي :

نشأ الحقل المعرفي الذي يعرف بدراسات الأمن البيئي security environmental studies  من تقاطع اثنين من الشواغل السياسية الكبرى – الأمن والبيئة – ، وبالرغم من أن كلاً منهما يحظى بموقع مهم لدى السياسات الحكومية، والدراسات الأكاديمية، إلا أنه بقى ينظر إليهما على أنهما منفصلان ومتباينان، و منه فالربط بين البيئة والأمن أدى إلى إثارة العديد من النقاشات حول مفهوم الأمن البيئي.وتجدر الإشارة إلى أنه يعتبر من المفاهيم الغامضة وذلك بسبب غموض كل من مفهومي البيئة والأمن، ولأن مفهوم الأمن يقتضي موضوعاً مرجعياً object referent  كما يقول باري بوزان Buzan.B  ولأن الأمن البيئي يعتبر حقلاً فرعياً من حقل الدراسات الأمنية فهو يتخذ مفاهيم مختلفة حسب المقاربة المعتمدة، كما يمكن أن يتخذ مواضيع مرجعية عديدة.  فهو إذن مفهوم مركب من جزئيتين:

الأمن: لقد مثل الأمن ولا يزال مشكلة من نوع خاص للدارسين والأكاديميين على اعتبار أن محتواه المعرفي مثقل بالقيم والمدلولات والأحاسيس، فمع كونه عصياً على الصوغ الدقيق وخلافياً بالأساس Essentially contested concept، إلا أنه يبقى مفهوماً بالغ الدلالة، ورغم ذلك يبقى تعريف أرلوند وولفرز Arnold Wolfers أقدم تعريف نال نوعاً من الإجماع بين الدارسين، حيث رأى أن: ” الأمن موضوعياً يرتبط بغياب التهديدات ضد القيم المركزية أما ذاتياً فهو غياب الخوف من أن تكون تلك القيم موضع هجوم ”.

في حين يعتبر تعريف باري بوزان من أكثر التعريفات تداولاً في الدراسات الأمنية إذ يرى أن الأمن يعني ” العمل على التحرر من التهديد ” وفي سياق النظام الدولي فإنه يعني ” قدرة الدول والمجتمعات على الحفاظ على كيانها المستقل وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير التي يرونها معادية، فالحد الأدنى للأمن هو البقاء، لكنه يتضمن أيضاً إلى حد معقول سلسلة من الاهتمامات الجوهرية حول شروط حماية هذا الوجود“.

البيئة: في المعنى اللغوي مشتقة من الفعل بوأ أو تبوأ بمعنى نزل أو حل أو أقام، فالبيئة هي المحل والمنزل إذا هي مسكن الإنسان. وفي اللغة الإنجليزية يستخدم لفظ Environment  للدلالة على الظروف المحيطة المؤثرة على النمو والتنمية، كما يستخدم للتعبير عن الظروف الطبيعية مثل الهواء والماء والأرض التي يعيش فيها  الإنسان .

أما في المعنى الاصطلاحي، فإن جلّ التعاريف تشير للبيئة بكونها ذلك الإطار الذي يعيش فيه الإنسان، ويحصل منه على مقومات حياته، ويمارس فيه علاقاته مع بني البشر.

يعرف ” ألان بومبار Bombard Alain  “في كتابه “الاستقصاء الأخير”la “Derniere exploration   البيئة بأنها: “دراسة التوازن بين الأنواع الحيوانية والنباتية والمعدنية، مشيراً إلى وجود تناقضات في علم البيئة، إلا أنها ليست أساسية”. وفي هذا الصدد لابد من التفريق بين علم البيئة Ecology والبيئة المحيطة، أو ما يسمى أحياناً بعلم البيئة الإنساني Environment ، ذلك أن علم البيئة (الإيكولوجيا) يشمل دراسة كل الكائنات أينما تعيش، بينما يقتصر علم البيئة الإنساني على دراسة علاقة الإنسان الطبيعية  دون سواها.

و بالتالي فمفهوم الأمن البيئي قد قدمت له العديد من التعاريف، حيث عرفه نيلز بيتر غليديتش Gleditsch Peter Nils  من المعهد الدولي لبحوث السلام في أوسلو، بأن  الأمن البيئي هو “التحرر من الدمار البيئي و ندرة الموارد“.

في حين عرفته ” إليزابيـث شالسـكي  Chalecki .L Elizabeth” بأنه: ” يعكـس قـدرة أمـة أو مجتمع علـى مقاومة ندرة الثروات البيئية ، والمخاطر البيئية أو التغيرات المضادة، أو التوترات أو الصراعات ذات الصلة بالبيئة ” ، و لقـد ركـزت شالسـكي فـي تعريفها علـى عامـل ندرة الموارد باعتباره السبب الرئيسي في نشـوب النزاعات والصراعات، وهـو الموضوع الـذي تعمق فيه كل من توماس هومر دكسون و نورمان مايرز.

و قد اعتمدت اللجنة المشتركة للأمن البيئي في روسيا، السياسة القاضية بعدم انفصال الأمن البيئي بصورة أو بأخرى عن الأمن القومي، وذلك في اجتماعها المنعقد في 13 أكتوبر 1994 والذي أقرّه مجلس الأمن الروسي بموسكو في عام 1996 . وعليه تؤكد دولة روسيا الاتحادية أن الأمن البيئي هو حماية الطبيعة والبيئة والمصالح الحيوية للمواطنين والمجتمع والدولة من التأثيرات الداخلية وكذلك الاتجاهات السلبية في عمليات التنمية التي تهدد صحة الإنسان والتنوع البيولوجي وأداء النظم الأيكولوجية المستديمة، والتي قد تؤثر على استمرارية الحضور البشري.

و من بين أهم التعريفات التي وضعتها المنظمات الدولية اعتبار أن: ” الأمن البيئي هو المتعلق بالأمان العام للناس من الأخطار الناتجة عن عمليات طبيعية أو عمليات يقوم بها الإنسان نتيجة إهمال أو حوادث أو سوء إدارة“.

في حين يعتقد باري بوزان وأنصار مدرسة كوبنهاغن أن الأمن البيئي في معناه الواسع يشتمل على معنيين: “أمننة البيئة ” securitizing envirenment  ، التي تراوح بين النظم الأيكولوجية والبيئة الحيوية والأنواع إلى المحيط الحيوي برمته، والعلاقة بين البيئة / الحضارة، فالشكل الأول يتعامل مع كيفية فهم القضايا البيئية في القطب الشمالي مثلاً بشكل تدريجي على أنها مسائل أمنية، في حين يتعلق المعنى الثاني ببقاء الحضارة الإنسانية في حد ذاتها.

فالحديث عن مفهوم الأمن البيئي كمصطلح جديد يدور حول محتواه الكثير من الجدل،   ويتضمن متغيرات مختلفة كالبيئة والأمن والعنف والحروب المسببة للدمار البيئي.

تبلور مفهوم الأمن البيئي: 

إن النقاش حول البيئة يعود إلى خمسينيات القرن الماضي بيد أنه منذ سنة 1972 ( تاريخ انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة الإنسانية في مدينة ستوكهولم والذي اعتبر نقطة الانطلاق الأولى لاعتبار البيئة مسألة سياسية )، أصبحت التغيرات البيئية الشاملة أحد مجالات البحث المهمة في كل العلوم الطبيعية والاجتماعية ،حيث شهدت الأدبيات العلمية انتشاراً واسعاً لمفاهيم التهديدات threats  والأخطار risks  والهشاشات vulnerabilities والتحديات وتم استخدامها بمعانٍ مختلفة من لدن المجتمعات العلمية .

و قد ظهر مصطلح الأمن البيئي منذ منتصف السبعينات 1970، و تم ترسيخ المصطلح في منتصف الثمانينيات 1980 عندما تضمن تقرير برونتلاند عام 1987 فصلاً عن الأمن البيئي، ثم مرت فترة تحقيق وتقييم المهنية للمصطلح حتى منتصف التسعينيات 1990 عندما جذب الاهتمام كموضوع تم تناوله بصورة أكثر اتساعاً كما يعد هذا المفهوم حديثاً نسبياً ومثيراً للجدل إلى حد ما.

ظهر مفهوم الأمن البيئي – ضمن حقل الدراسات الأمنية – من تطور مفهوم الأمن، وبالتحديد من تطور مفهوم الأمن الوطني، وذلك ما يميز طبيعة مفهوم الأمن البيئي عن باقي مفاهيم المشكلات البيئية مثل : التنمية المستديمة، الحوكمة البيئية …  فالنقاش حول الأمن البيئي يعود إلى سنوات الثمانينيات، و بالتحديد مع حركة “توسيع الأمن”. في تلك الأثناء كان القليل من المحاولات التي حاولت شرح المشاكل المتعلقة بتوسيع أجندة الأمن ، لتشمل عدة قضايا، بما في ذلك قضية البيئة، ولفهم كيفية بروز فكرة الأمن البيئي من الضروري التركيز على تحليلات مدرسة كوبنهاجن مع إطلاق المشروع البحثي ” المظاهر اللا عسكرية للأمن الأوروبي” .

فالإسهام الأول لمدرسة كوبنهاغن وبوزان على وجه التحديد في الدراسات الأمنية هو تصورها الموسع لمجالات الأمن ليشمل قطاعات جديدة، فبالإضافة إلى القطاع العسكري ركزت مقاربة بوزان التوسيعية على قطاعات أساسية أخرى: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مؤكداً أنه لا يمكن لأي من هذه القطاعات منفردة التعبير بشكل كافٍ عن المسألة الأمنية، فكلها مرتبطة بشكل معقد، مكونة شبكة من المعطيات التي لابد للمحلل الأمني فك ارتباطاتها لفهم كل قطاع على حدة، بهدف رؤية كيف يؤثر كل منها في مجمل القطاعات الأخرى، ومع أن هذه المنهجية ( الجزء/الكل ) معقدة، لكنها برأي بوزان مهمة جداً لتشكيل فكرة جيدة حول كيفية التعامل مع ما سماه مشكلة الأمن الوطني.

وقد جاءت أفكار الأمن البيئي من عدة مصادر بارزة، منها مؤسسات صناعة الفكرthink tanks، مثل : المعهد العالمي للموارد World Resources Institute ومعهد الرصد العالمي Institute Watch  World  بواشنطن، من جهته أشار الاتحاد السوفييتي نهاية الثمانينيات إلى أهمية الأمن البيئي في إطار التغيرات الدراماتيكية التي عرفها الفكر الأمني السوفييتي  والعالمي في تلك الفترة، حيث تركز اهتمام العديد من المفكرين السوفييت حول حادثة المفاعل النووي تشرنوبيل عام 1986 .كما كرس ميخائيل غورباتشوف Gorbachev Mikhai الرئيس الأسبق للاتحاد السوفييتي -بعد مغادرته للسلطة نهاية الحرب الباردة – جزءاً كبيراً من اهتمامه لهذه المسائل، وتحدث عن الحاجة إلى التفكير في الأمن البيئي العالمي.

باختصار، يمكن القول أن الأمن البيئي ظهر كمفهوم رئيسي في الدراسات الأمنية بسبب:

– تطور الحركات البيئية في الدول المتقدمة فترة الستينيات.

– التغير في الظروف الاستراتيجية، خاصة منها ما تعلق بنهاية الحرب الباردة.

– السعي إلى إعادة النظر في مفهوم، وتطبيقات الأمن من وجهة نظر بيئية.

– تزايد الاعتراف بالتهديدات التي يفرضها التغير البيئي على الأمن الإنساني.

 أهمية الأمن البيئي:

يعد الأمن البيئي أحد مركبات الأمن الإنساني ويشار إليه بالأمن الحيوي الذي يشمل الأمن البيئي وله ثلاثة مستويات: الفردي والوطني والعالمي . لذا أخذت القضايا البيئية بُعداً استراتيجياً، إذ لم يعد نشوب التوترات والنزاعات العسكرية قاصراً على حدوثها بمفردها، و لكن أصبحت ممتزجة بتحديات عالمية جديدة وواسعة النطاق وبات الارتباط بين مشاكل البيئة والأمن الدولي في تزايد. ومع ارتفاع وتيرة التدهور البيئي زادت الأهمية والحاجة إلى تبني مفهوم الأمن البيئي؛ لأن الإنسان قام بإهمال مقومات الحياة ( النظام البيئي والتنوع البيولوجي) التي تمدنا بالماء والأكل والدواء والهواء النقي .كما أن أهمية الأمن البيئي تبرز في الحفاظ على الموارد الطبيعية والابتعاد عن شبح الندرة، وذلك بالاستغلال الرشيد لهذه الموارد وفق مبدأ المساواة بين الأجيال الحاضرة وكذا مبدأ الإنصاف مع الأجيال المستقبلية.

كما أن الأمن البيئي قد أصبح ذا تأثير على الأمن القومي للدول، حيث سعت هذه الأخيرة إلى فرض سيادتها على أقاليمها وأراضيها وحماية حدودها الجغرافية وتأمين مصادرها البيئية المشتركة، ولاسيما موضوع المياه والطاقة، وعقدت الاتفاقيات والتحالفات المبنية على المصالح المشتركة وتأمين الممرات المائية والإقليمية وحركة الملاحة البحرية والسيادة الجوية لما لها من تأثيرات في البيئة التجارية مع الدول الأخرى وتوفير مصادر الطاقة ، ويظهر أثر البعد البيئي في الأمن القومي من خلال عنصر الأمان والاطمئنان على الثروات الطبيعية الواجب حمايتها من أجل أجيال الغد خوفاً من مستقبل يحمل مخاطر وتحديات بيئية تضر أجيال المستقبل بقدر إضرارها بسيادة الدول.

كذلك الأمن البيئي يسهم في خلق بيئة آمنة صحياً وغذائياً، وبالتالي يوسّع من دائرة البيئة كفاعل ومتأثر وعدم حصر البيئة في مفهوم التنوع البيولوجي فقط بل كوسط منتج للفرص الاجتماعية، ثم إن الأمن البيئي يعزز ويرجح من قيمة حقوق الإنسان البيئية ليس كمجرد نصوص مكدسّة في المواثيق والقوانين الوطنية، بل يتعداها إلى التمكين من الوصول إليها ثم الانتفاع بها من خلال وضع آليات وبرامج لذلك.

فمن خلال الأمن البيئي تتحقق كل بنود المواثيق المتعلقة بالبيئة، و التي منها التقليل من آثار التدهور البيئي بأشكاله المختلفة وإيقاف الاعتداءات والصراعات حول مناطق موارد الموارد الانتقالية وإدخال البيئة في المناهج التعليمية والتعاون الدولي والإقليمي في مجال حماية البيئة وتنميتها.

و لعل من المعالم الأساسية لأهمية الأمن البيئي إنشاء مراكز خاصة بهذا المجال مثل مركز التاريخ والاقتصاديات بجامعة كامبردج centre for history and economics  الذي بدأ عمله حول الأمن البيئي عام 1994. وكانت البحوث قد غطت مواضيع البيئة، واللاجئين، والتاريخ البيئي، والبيئة والأمن البشري. وكذلك إنشاء مراكز الأمن الحيوي عام 1977 واستراتيجيات تقييم المخاطر الناجمة عن الأمراض والآفات والأنواع الغازية الغريبة التي تؤثر على البيئة الطبيعية. ومن المراكز الداعمة كذلك لفكرة الأمن البيئي مركز الدفاع الوطني للتمييز البيئي وكذا المنظمة غير الحكومية التي أنشأت في لاهاي سنة 2002، والتي هدفها زيادة الاهتمام السياسي للأمن البيئي. بالإضافة إلى انعقاد مؤتمرات الأمن البيئي كما حدث سنة 2000 في جامعة كامبردج حيث انعقد مؤتمر الدائرة المستديرة حول الأمن البيئي .

الأمن البيئي بين البعد الوطني والدولي:

أصبحت الحكومات الوطنية ووسائل الإعلام والأكاديميون يدرجون قضايا التدهور البيئي وندرة الموارد تحت عنوان الأمن بشكل متزايد. وهذا ما أدى إلى إثارة العديد من النقاشات الحادة حول مزايا ومساوئ ربط مجالي البيئة والأمن، واللذين كان ينظر إليهما في السابق على أنهما منفصلين عن بعضهما البعض في السياسة العالمية. حيث يعتبر إدخال القضايا البيئية وندرة الموارد ضمن مجالات الأمن قضية مناسبة لتقييم ما جاءت به مدرسة كوبنهاغن عما يسمى الأمننة securitization .

وفي هذا الصدد، يجادل “بوزان” بأنه يمكننا إضفاء الطابع الأمني على قضية معينة، من خلال اللجوء إلى سلسلة من العمليات المترابطة، تتمثل الحلقة الأولى من السلسلة في مرحلة اللا تسييس (أي أن هذه القضية لا تعتبر قضية سياسية، قد تكون قضية اجتماعية، ثقافية أو بيئية…)، أما الحلقة الثانية فتعبر عن عملية التسييس (يعني أن تصبح تلك القضية حاضرة في نقاشات السياسة العامة)، لنصل في الحلقة الثالثة إلى عملية الأمننة (في هذه المرحلة تنتقل القضية من مجال السياسة الدنيا إلى مجال السياسة العليا، لأن القضية تصبح بمثابة تهديد حقيقي للأمن).

وبإسقاط هذه العملية على الملف البيئي، نلاحظ أن البيئة لم تكن تحظى بالاهتمام الشعبي، السياسي والأكاديمي (المرحلة الأولى)، بعدها ظهرت مختلف المفاهيم والآراء حول القضايا البيئية في السياسة العالمية للدلالة على معنى حساسية وإلحاح وأولوية القضايا البيئية (المرحلة الثانية)، ثم تلتها المرحلة الثالثة التي ركزت أكثر على العلاقة السببية بين التغير البيئي ( خاصة ندرة الموارد) والنزاعات العنيفة، حيث ساهمت هذه المقاربة في توسيع الأجندة الأمنية لكل من النظريات الأمنية والنزاعات على حد سواء، وقد توسعت المعادلة الأمنية في المرحلة الأخيرة، وانتقلت من التركيز على المدخلات – مصادر اللا أمن والتهديدات التي تمسّ أمن الدولة، بما في ذلك التهديدات البيئية – إلى التركيز على المخرجات أيضا (من نؤمّن: الكائن المرجعي، أم الوحدة المهددة ؟) والتي بقيت لفترة طويلة هي الدولة. ( ثم تحولت فيما بعد نحو الفرد والجماعة).

أما على المستوى الدولي، فإن الأمن البيئي قد أصبح مفهوماً مركزياً في الدراسات الأمنية والبيئية على حد سواء، كما أنه قد ساهم في توسيع وتعميق مفهوم الأمن، فقد ساهم في تعميق الأمن من خلال اهتمامه ليس فقط بأمن الدولة ولكن أيضاً بأمن الأفراد البيئة والأنظمة الفرعية الأخرى، كما ساهم في توسيع الأمن من خلال حديثه ليس فقط عن خطر الحروب بل تحدث عن أخطار أخرى ( الأخطار التي يفرضها التغير البيئي على الإنسان).

و من بين الحجج الداعمة لتأطير مسألة التغير المناخي ضمن نطاق الأمن الإنساني أنها تتميز بأنها ” عالمية “، فصفة “عالمية” Global التي تطلق على التغيرات البيئية ترجع إلى أنها موجودة في كل مكان عبر العالم، إضافة إلى أن بعض الملوثات مثل: غازات الدفيئة CFC والنفايات الإشعاعية لها أضرار عالمية، كما أنها عالمية نظراً لأن الموارد الطبيعية يتم استهلاكها في أسواق أخرى بعيداً عن أماكن استخراجها، إلا أن كلمة ”عالمية ” بهذا المعنى لا تشير إلى أن المسؤولية عن التغيرات البيئية متساوية بين كل الشعوب وأن آثار هذه التغيرات موزعة بشكل متساوٍ عبر كل مناطق العالم .

أهم فروع الأمن البيئي وآليات تحقيقه:

عند الإشارة إلى الربط بين البيئة والأمن والإنسان، تكون أبعاد العلاقة متداخلة من أجل عكس اهتمامات تعني الإنسان بالدرجة الأولى. فأنواع الأمن البيئي تربط العمليات الأساسية التي تؤثر في المحيط الحيوي وذات الصلة المباشرة بالأنشطة البشرية ، والجدول أدناه يوضح بعض أهم فروع الأمن البيئي مع الإشارة إلى قابلية التعرض للخطر في حالة انعدام آليات تحقيقه، وجميع هذه الفروع تمثل ركيزة التهديدات البيئية والتي أشارت إليها بعض الدراسات أنها تتفاوت في تصنيف خطورتها في القائمة كمهدد للأمن القومي ويرجع ذلك لقيمة التهديد المحسوبة .

فروع الأمن البيئي قابلية التعرض للخطر آليات تحقيقه
الأمن البيئي الغذائي المجاعات والفجوات الغذائية ضبط اقتصاديات البيئة
الأمن البيئي الهوائي التلوث الهوائي والأوبئة ضبط جودة الصناعة
الأمن البيئي المائي العجز المائي والندرة المائية ضبط استغلال وترشيد المياه
الأمن البيئي الصحي الأمراض والأوبئة الفتاكة ضبط معايير الصحة المجتمعية
الأمن البيئي الاقتصادي تدني مستوى المعيشة ضبط النشاط الاقتصادي
الأمن البيئي  المجتمعي عدم الاستقرار والحراك السكاني توفير آليات رفع مستوى المعيشة
الأمن البيئي  التثقيفي التخلف والجهل والمرض التوعية والتربية البيئية

وفي الأخير يمكن القول بأن الأمن البيئي قد أصبح من القضايا الجوهرية في أجندة السياسة الدولية وكذا حقل الدراسات الأمنية، وذلك لارتباطه بمستويات الأمن (عالمياً، إقليمياً، وطنياً، مجتمعياً، إنسانياً)،  بالإضافة إلى عولمية القضايا البيئية كونها ذات طابع عالمي، فالأمن لم يعد يرتبط بالجوانب العسكرية والاقتصادية فقط، بل تعدى ذلك ليشمل الجوانب البيئية كون التهديدات النابعة من البيئة أصبحت تشكل هاجساً أمنياً لدى الدول والشعوب وهو ما يستدعي ضرورة تبني صنّاع القرار للبعد البيئي كقطاع مهم لتحقيق التنمية المستدامة.

المصادر والمراجع:

أوشن حنان . ” مقاربة الأمن البيئي في الجزائر “. المجلة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية 03 (2018).

بن صايم بونوار و بوشامة محمد. ” الأمن البيئي في إفريقيا” مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل 04 (2018).

كمال محمد الصديق أمين . ” قضايا الأمن البيئي – تحديات الواقع وآفاق المستقبل ” مجلة الآداب 118 (2016).

لطالي مراد . ” الأمن البيئي و استراتيجيات ترقيته ( مقاربة للأمن الإنساني) ” مجلة الفكر القانوني والسياسي 03 (2018).

مبطوش الحاج وعيسى علي . ” أثر النزاعات المسلحة على الأمن البيئي ” مجلة البحوث العلمية في التشريعات البيئية 08 (2017).

خلاف محمد عبد الرحيم و بوسطيلة سمرة . ” الأمن البيئي من منظور الأمن الإنساني” المجلة الجزائرية للأمن والتنمية 09 ( 2016).

قسوم سليم . “دراسات الأمن البيئي: المسألة البيئية ضمن حوار المنظارات في الدراسات الأمنية” المجلة العربية للعلوم السياسية 39-40 (2013).

بوسطيلة سمرة. الأمن البيئي- مقاربة الأمن الإنساني- ( مذكرة ماجيستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية ،قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر 03 ، 2013 ).

أمينة دير.” أثر التهديدات البيئية على واقع الأمن الإنساني في إفريقيا دراسة حالة – دول القرن الإفريقي- ” ( مذكرة ماجستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية ، قسم العلوم السياسية، جامعة محمد خيضر- بسكرة- ،2014).

ابراهيم محمد التوم ابراهيم والفايق أحمد حمد ابراهيم . ” ابعاد مفهوم الامن البيئى ومستوياته فى الدراسات البيئة” موقع جامعة الخرطوم .

المصدر: الموسوعة السياسية