أرسلت أوروبا رئيس الدبلوماسية الإيطالية إلى الجزائر، في زيارة مكوكية، لبحث إمكانية زيادة الجزائر لإمداداتها من الغاز إلى القارة العجوز، في أعقاب الأزمة التي ولدتها الحرب الروسية الأوكرانية. ومن الخطأ الاعتقاد أن الجزائر تملك عصا سحرية لرفع طاقة إنتاجها بين عشية وضحاها، لأن الأمر يحتاج إلى استثمارات ضخمة وموارد مالية كبيرة ليس من السهل توفيرها لاعتبارات متعددة.

ومع ذلك ظلت الجزائر تدفع دم قلبها، ومن مواردها الخاصة، لاستمرار استثماراتها لتطوير إنتاجها من النفط والغاز، فقط لتحافظ على كلمتها في السوق بأنها “شريك موثوق به”، في إمداد الخارج باحتياجاته من الطاقة، مهما كانت الظروف، بالرغم من ثقل الاستثمارات النفطية المالية وصعوبة استرجاعها خصوصا في ظل تذبذب أسعار النفط والغاز على مدار أيام السنة، بفعل السماسرة والمضاربين الذين يتحكمون في البورصات العالمية.

إن أضعاف ما تجنيه الدول المستوردة للغاز والبترول، من وراء الضرائب والرسوم التي تفرضها تلك الدول على استهلاك مواطنيها لمشتقات البنزين والمازوت والغاز، يعد أضعاف ما تربحه الجزائر من وراء تصديرها للذهب الأسود، رغم أنها لم تدفع فلسا واحدا في مشاريع الاستثمار في الجزائر، ومع ذلك لا تجد أي حرج للمطالبة “هل من مزيد”؟ وسمعت منذ أيام رئيس الجمهورية يعلن أن الجزائر ستستثمر 39 مليار دولار لأجل تطوير القطاع النفطي، من مواردها الذاتية، ولم أسمع للأسف أي دولة من التي تطالب الجزائر بزيادة إمداداتها من الغاز بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، أعلنت أنها ستضع يدها في جيبها لتساهم مع الجزائر في هذه الفاتورة الاستثمارية الثقيلة، سواء بالاستثمار في الاستكشاف أو في تطوير الحقول الحالية أو حتى في قطاعات خارج المحروقات، وهو الحد الأدنى الذي يجب تقديمه كواجب لشكر “الشريك الموثوق به”، الذي يوفر الطاقة بانتظام لزبائنه حتى يضمنوا “أمنهم الطاقوي”.

نعم المساهمة في تحقيق “الأمن الطاقوي”، يفرض مساهمة “هؤلاء” في المجهود الاستثماري الذي ظلت الجزائر تقوم به بمواردها الذاتية، في غياب الاستثمارات الأجنبية التي يتحجج أصحابها مرارا بمبررات واهية للهروب من هذه الحقيقة، لأنهم ببساطة يبحثون عن مصلحتهم ليس إلا، ويريدون “الزبدة ودراهم الزبدة”.

 لقد ظلت الجزائر دوما من وراء شركة سوناطراك، تدفع دم قلبها وعرق خيرة أبنائها وإطاراتها، من أجل الوفاء بالتزاماتها في مجال الطاقة بتوفيرها وبأسعار مقبولة، لكن إذا كانت هذه الوضعية صالحة إلى وقت ليس ببعيد، فإنها اليوم أصبحت في حكم “القسمة ضيزى”، بحيث يتعين على الدول المستهلكة أن تساهم في الفاتورة الاستثمارية، خصوصا في ظل شح الموارد النفطية ونضوب الحقول مقابل ارتفاع الاستهلاك العالمي، ما يعني أن الأمن الطاقوي مسؤولية جماعية وليست فردية.

وضمن هذا السياق سمعت ذات مرة، وزراء أوروبيين يتهمون الصين بأنها تغزو الأسواق الأوروبية بمنتوجاتها من النسيج، فكان رد وزير التجارة الصيني أن بلاده لكي تشتري طائرة “إيرباس” واحدة، تحتاج لإنتاج 15 مليار قميص، أي أنها توفر قميصين على الأقل لكل سكان الكرة الأرضية، فقط لكي تستطيع توفير أموال شراء طائرة واحدة، ومع ذلك ما زالت الدول المستهلكة للنفط والغاز تتهم الدول المنتجة وتريد الحصول على البرميل بثمن بخس ولا تستثمر سنتيما واحدا للمساعدة في استخراجه من باطن الأرض من عمق كيلومترات وتحت درجة حرارة لا يتحملها بشر.. فمتى تقلب المعادلة؟