د / احمد محمد صالح – دكتوراه في الحقوق

  مستشار قانونى وإدارى

إن مبدأ الأمن القانوني تم ترسيخه في ألمانيا منذ سنة 1961 حيث أكدت المحكمة الدستورية الفدرالية بألمانيا دستورية المبدأ [1]، وتم الاعتراف به دوليًّا من قبل محكمة العدل للمجموعة الأوربية في قرارها لسنة 1962 [2]وقرارات أخرى لهذه المحكمة فيما يخص الثقة المشروعة التي تقترب كثيرًا من مبدأ الأمن القانوني، وقد أكدت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان سنة 1981 على ضرورة التوقع القانوني كمطلب للأمن القانوني [3].

كما أن مجلس الدولة الفرنسي في تقريره عام 2006 ذكر أن ” مبدأ الأمن القانوني أو اليقين القضائي يحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع بموجب القانون المعمول به، ومن ثم ولكي يتم ذلك ينبغي أن تكون النصوص واضحة ومفهومة وغير خاضعة في ذات الوقت للاختلافات المتكررة”[4]، وقد أقر المجلس الدستوري الفرنسي مبدأ دستوري أصيل كي يتم إرساء الأمن القانوني واليقين القضائي وهو مبدأ وضوح القانون [5].

إلا أن ذلك المبدأ رغم أهميته ليس له وجود فى النظام الدولى، بالرغم من أن العلاقات الدولية تحتاج إلى الأمن القانونى الدولى، لأنه سوف يؤدى لاستقرار العلاقات الدولية، وعدم زعزعة المعاملات الدولية.

والأمن القانوني الدولى قوامه عدة عناصر أهمها التوازن بين العلاقات الدولية التي يحميها القانون الدولى من خلال معيار التناسب بين تلك العلاقات والتي يحميها القانون الدولى، وكذلك في اليقين القانوني الذي يتطلب وضوح نصوص القانون الدولى، ومن ثم يتولد الشعور بمصداقية هذه النصوص لدى المجتمع الدولى، سواء من خلال وضوح معناها، وبهذا اليقين تتولد الثقة ويعم الاستقرار[6].

والأمن القانوني الدولى ضرورة في النظام الدولى، بل وأحد العناصر الأساسية في المجتمع الدولى، فسيادة قواعد القانون الدولى تتحقق بالشعور بالاستقرار لدى المجتمع الدولى، لأن تنظيم العلاقات القانونية الدولية من وظائف القانون واهتزاز الاستقرار في تلك العلاقات يؤدى بطبيعة الحال لاهتزاز صورة القانون الدولى في النظام العالمى[7].  

ومن ثم فإننا نرى أن الأمن القانوني الدولى عبارة عن القواعد القانونية الدولية التي تضعها الدول كافة تعبيرًا عن سيادة تلك القواعد دون لبس أو غموض لاستقرار الأوضاع القانونية الدولية وتطبيقها على كافة دون تمييز؛ على ألا تتعارض تلك القواعد فيما بينها لاستقرار الحقوق القانونية الدولية واستتبابها.

ومن خلال ذلك التعريف يتضح أن وسائل تحقيق الأمن القانوني الدولى كالآتي:

  • سيادة القانون الدولى من خلال قواعد قانونية دولية محددة دون لبس فيها أو غموض ودون تعديلها تبعًا للأهواء والمصالح الخاصة ببعض الدول.
  • تطبيق كافة القواعد القانونية الدولية على كافة الدول، واستبعاد سياسة الكيل بمكيالين.
  • عدم التعارض بين القواعد القانونية الدولية.

ومن ثم ومن خلال السعي لتحقيق الأمن القانوني الدولى فإن تحقيقه يحقق الأهداف المرجوة منه وهي كالآتي:

  • استقرار واستتباب العلاقات الدولية.
  • تحقيق الأمن المجتمعي الدولى ومن ثم الأمن السياسي والاقتصادي للدول والمجتمع الدولى.
  • إنهاء الصراعات الدولية.

ولكن هناك بعض السياسات الدولية التى قد تخل بمبدأ الأمن القانونى الدولى، وتضر به وتهدره، وتؤدى لزعزعة العلاقات الدولية وعدم استقرارها، ومن ثم زعزعة استقرار المجتمع الدولى بأكمله، ومن تلك السياسات الآتى :

  • عدم اتخاذ إجراءات جدية لإصلاح الأمم المتحدة، وتعديل حق الفيتو بما يتناسب مع الوضع العالمى الراهن.
  • صدور قانون جاستا بالولايات المتحدة الأمريكية، والذى يسمح بمحاسبة المملكة العربية السعودية، مما يخل بقواعد القانون الدولى.
  • الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وذلك القرار الأمريكى بشأن مرتفعات الجولان، مما يضرب بالقرارات الدولية بشأنهما عرض الحائط، ويضر بالقواعد الدولية ويؤدى لعدم الثقة فى القواعد الدولية.

إن مبدأ الأمن القانونى الدولى لابد أن يكون متواجداً فى كافة القواعد الدولية والسياسات العالمية، لما لهذا المبدأ من دور فى إرساء الأمن والسلم الدوليين، ونبذ الصراعات العالمية أو الإقليمية واستقرار العلاقات الدولية.  

الهوامش

[1] – قررت المحكمة الدستورية الفدرالية بألمانيا سنة 1961 أنه ” بالنسبة للمواطن فإن الأمن القانوني يتجلى قبل كل شيء في حماية الثقة ” ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هناك علاقة قوية بين الثقة العامة والأمن القانوني. راجع في ذلك:

Jean-François Boudet – La Caisse des dépôts et consignations-: histoire, statut, fonction. les Logiques Juridiques, 2006. p. p. 27 et 28.

وراجع كذلك الورقة البحثية / عبدالمجيد غميجة – مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي – والمقدمة للمؤتمر الثالث عشر للمجموعة الأفريقية للاتحاد العالمي للقضاة – الدار البيضاء – 28 مارس 2008 –  ص 3 وقد استطرد سيادته ” أن مبدأ الثقة المشروعة يرمي إلى حماية القواعد القانونية في حين تقتضي الثقة العامة foi publique  احترام الدولة لالتزاماتها المالية  “

[2] – قضية Bosch بتاريخ 6 / 4 / 1962 وفي قضية Dürbeck بتاريخ 5 / 5 / 1981. مشار إليها في عبدالمجيد غميجة – مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي – ورقة بحثية مقدمة من المؤتمر الثالث عشر للمجموعة الأفريقية للاتحاد العالمي للقضاة – مرجع سابق –  ص 3 .

[3] – قضية Sunday Times بتاريخ 26 / 4 / 1979. مشار إليه في عبدالمجيد غميجة – مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي – المرجع السابق –  ص 3 .

[4] – Elle est ainsi définie par le Conseil d’Etat dans son rapport public 2006: «Le principe de sécurité juridique implique que les citoyens soient, sans que cela appelle de leur part des efforts insurmontables, en mesure de déterminer ce qui est permis et ce qui est défendu par le droit applicable. Pour parvenir à ce résultat, les normes édictées doivent être claires et intelligibles, et ne pas être soumises, dans le temps, à des variations trop fréquentes, ni surtout imprévisibles». Conseil d’Etat – Rapport public 2006 – Sécurité juridique et complexité du droit – Mars 2006 – p . 10.

[5] – Conseil constitutionnel : Décision n° 99-421 DC du 16 décembre 1999 – Journal officiel du 22 décembre 1999, p. 19041 – Recueil, p. 136 .

[6] – د / أحمد فتحي سرور – القانون الجنائي الدستوري – دار الشروق – الطبعة الثالثة – 2004– ص 85.

[7] – Groupe d’Etudes et de Recherches sur la Justice Constitutionnelle – Annuaire International de Justice Constitutionnelle, Presses Universitaires d’Aix-Marseille – P.U.A.M. 1999, p. 173.

وكذلك راجع أيضًا د /أحمد فتحي سرور – القانون الجنائي الدستوري – مرجع سابق – ص 84.