لا شَكَّ أنَّ التأسيس لدولة العدل والقانون، هو مراد كلُ شخصٍ يسعى ويعمل أو حتى يحلم باِزدهار وطنه، لكن من العوائق التي تحول دون بلوغ هذا المطمح هو اضطراب الأمن القانوني في أي بلد، بما يجعل النصوص والمواد القانونية مطاطية يمكن استعمالها في أكثر من وجه، مثلما يمكن اخضاعها لتوجهات وأفكار سياسية للقاضي، بل ويمكن استخدامها سياسيا وأمنيا، وهو ما حذر منه مختصون وحقوقيون وأساتذة جامعيون في حديثهم إلى “الخبر السياسي”.

 صرح المحامي عبد الغني بادي، بأن “الجزائر أمام أزمة أمن قانوني حقيقية”، وهذا بسبب وجود “النصوص غير الآمنة (وخاصة منها النصوص العقابية) والتي تأخذ صياغات عامة ومطاطية ومبهمة ولا تُحدد كيفية تطبيقها بشكل واضح ودقيق ومفصل”، ووجود مثل هذه النصوص، يضيف بادي “يدفع القاضي إلى تجاوز المبدأ العالمي بعدم التوسع في تفسير المادة القانونية وعدم الأخذ بما يراه هو مناسبا”.

وكمثال على مطاطية النصوص، أشار بادي في تصريحه لـ”الخبر السياسي”، إلى تهمة المساس بالوحدة الوطنية التي تُوبع بها مئات المواطنين، حينا بسبب رفع الراية الأمازيغية، وحينا آخر بالدعوة إلى عدم المشاركة في الانتخابات أو غيرها من الوقائع المختلفة.

وأكد محدثنا بأن “مطاطية النصوص والمواد القانونية، تعتبر قمة الدوس على حق المواطن في التطبيق السليم للقانوني”.

وعليه دعا بادي لأن تكون جميع المواد والنصوص القانونية واضحة ومفهومة وغير قابلة لأي تأويل، أو تفعليها بما يتوافق مع فكر أو توجه سياسي لهذا القاضي أو ذاك، حتى لو كان النص يدل على أكثر من نقطة واحد، وجب، حسب مصدرنا، تحديدها بالشكل الذي يضمن عدم تأويلها من طرف القاضي.

وفي الوقت الذي نادى وينادي مختصون وحقوقيون بضرورة تعزيز الأمن القانوني، قال بادي “إن المشرع الجزائري بقي يستحدث النصوص القانونية المطاطية، على غرار المادة 87، التي توظف سياسيا وأمنيا من طرف السلطة ضد ما تعتقد أنهم خصومها”.

وعليه، فمن المفيد للعدالة والوطن “الثبات على نصوص قانونية غير مبهمة، وتكون قوية وآمنة للحديث عن دولة الحق والقانون”، خاصة وأن غياب الأمن القانوني، يضيف “سيتسبب في كوارث على المستوى القضائي بما في ذلك انتهاكات وأحكام غير عادلة وظلم للناس، وآثار اجتماعية أسوأ بتواجد مواطنين في السجون ظلما وتشريد وتفكيك لعائلاتهم”.

وفي شق آخر، أشار بادي إلى آثار غياب الأمن القانوني، على الاقتصاد مثلا كون “الكثير من النصوص في إطار مكافحة الفساد غامضة وقابلة للتأويل وتتسبب في كوارث على الاستثمار في الجزائر وإدخال أبرياء للسجون”، مشيرا إلى المادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية، التي قيدت النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية، وتسبب بالتالي في آثار وخيمة بعد سنة 2015، قبل أن تلغى في بداية الحراك الشعبي.

وانتهى بادي إلى الدعوة لضرورة “مراجعة كل نص أو مادة قانونية غير واضحة، لأن لها انعكاسات على الصعيد السياسي، الاجتماعي والاقتصادي، وتدمر أشياء على المدى القريب والمتوسط والبعيد”.

وحسب الأستاذ الجامعي، والمحامي ونائب رئيس رابطة حقوق الإنسان، عبد المطلب قنان، المتحدث لـ”الخبر السياسي”، فإنّ الواقع القضائي صار إلى عهد “يجهل فيه أحيانا المتقاضي وحتى هيئة دفاعه خلفيات الحكم الصادر في حقه”، وشرح محدثنا بالقول إن “بعض الأحكام القضائية تُعْجِزُ محامين عن فهمها، فضلا عن توضيحها للمتقاضي”، وتفتح تساؤلات من قبيل “هل هو سوء فهم من القاضي للمواد والنصوص القانونية؟ أو وقعت تدخلات في إصدار الأحكام؟ أو أُخْضِعَ النص القانوني لميولات سياسية أو فكرية لدى القاضي؟ أو حتى أفكار قبلية أو مسبقة وضعها القاضي عن المتقاضي حسب شكله تكون قد اثرت على الحكم؟”

كلها تساءلات، قال قنان، إن المحامي صار يطرحها على نفسه في أحيان كثيرة وهو يسمع لأحكام قضائية لا علاقة لها بالوقائع، وتدخل أخيرا في خانة إضطراب الأمن القانوني الذي يخول للقاضي قراءة خاصة للمادة القانونية وبالتالي إصدار حكم يوصف بـ”البعيد عن الواقع”.

وذكر قنان بأنه “لا أدل عن غياب الأمن القانوني، من قضايا الموقوفين بسبب الحراك الشعبي، حيث أن نفس القضية بنفس الوقائع تكون بحكمين مختلفين تماما، إذ يصدر ضد متهم أمر بإيداع الحبس ثم إدانة، وضد آخر بعقوبة مع وقف التنفيذ وضد آخر بالبراءة”، وكل هذا، يضيف المتحدث “بدون معيار ظاهر يتيح التفريق بين الحكم والآخر”. وذهب الأستاذ الجامعي إلى التساؤل حتى “إن كان جميع المنتسبين لقطاع العدالة قد تلقوا دروسا في جامعة واحدة، ويحتكمون إلى نفس النصوص القانونية”.

ومن بين أسوأ آثار غياب الأمن القانوني، هي “فقدان الثقة في العدالة”، وهو ما أشار له نائب الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، سعيد صالحي في حديثه مع “الخبر” السياسي، إذ أكد أن الأمن القانون “مهم لإرساء الثقة في العدالة والسلطة التشريعية وكذا لتطبيق القانون”، مُفيدا بأنَّ “المواطن الجزائري لا يزال يخاف من العدالة ومن تطبيق القانون حتى لو كان لصالحه، وهو اشكال حقيقي يضرب حتى في مصداقية العدالة ويفتح مجال النقاش هو استقلاليتها، وهي مسألة جوهرية وأساسية”.

وحتى بالنسبة للمواطن البسيط، قال صالحي، إنه متمسك بهذا الحق، ويعتبره جوهريا، حيث تعالت الدعوات منذ الأسابيع الأولى من الحراك الشعبي لـ22 فيفري 2019 إلى التأسيس لدولة القانون واستقلال العدالة وفصل السلطات وفتح كل مجالات الطعن وغيرها”، كما دعا صالحي إلى “فتح نقاش وطني واسع حول الموضوع مع تجنيد كل الهيئات القضائية والتشريعية وحتى السلطة السياسية كون ضرب مصداقية العدالة هو ضرب للقانون، وضرب للانسجام والأمن الوطني جعل المواطن يطعن حتى في الهيئات الأمنية والقانون وصرنا إلى دولة الغاب”.