د. عبد التواب بركات – المعهد المصري للدراسات

بدأت فكرة سد النهضة بدراسة فنية قدمها مكتب الاستصلاح الأمريكي لإثيوبيا في سنة 1964 لبناء سد مائي على مجرى النيل الأزرق في موقع سد النهضة بالقرب من الحدود السودانية الإثيوبية باسم “سد بوردر” أو السد الحدودي بالقرب من الحدود السودانية، بسعة تخزين 11.1 مليار متر مكعب. وظل السد فكرة على الورق حتى أعلن رئيس الحكومة الإثيوبية الراحل، ميليس زيناوي، عن بناء السد في إبريل سنة 2011، وغير الإسم من السد الحدودي إلى “مشروع إكس” وقرر زيادة سعة التخزين إلى 14 مليار متر مكعب.

ثم أعلن زيناوي في نفس السنة عن تغيير مسمى السد للمرة الثانية إلى “سد الألفية الإثيوبي العظيم” مع زيادة سعة الخزان إلى 17 مليار متر مكعب. وفي سنة 2012 أعلن للمرة الثالثة عن تغيير الاسم إلى “سد النهضة الإثيوبي العظيم” مع زيادة سعة الخزان للمرة الرابعة إلى 62 مليارا، ثم أعلن في نفس السنة عن زيادة حجم خزان السد إلى 74 مليار متر مكعب. ليصل إرتفاع السد إلى 145 متر، وستغمر بحيرة السد الضخم مساحة 1680 كيلومتراً مربعاً من الغابات في شمال غرب إثيوبيا، ويكون خزاناً يبلغ حجمه ضعف مساحة بحيرة تانا، أكبر بحيرة طبيعية في إثيوبيا، بتكلفة 4.8 مليارات دولار أمريكي، وستبلغ طاقته الطاقة الكهربائية المتوقعة للسد نحو 6000 ميغاوات.  

إعلان زيناوي عن بناء السد كان أحادي الجانب، ودون إخطار مسبق أو تشاور مع دولتي المصب مصر والسودان، كما تنص القوانين الدولية المنظمة لاستخدامات الأنهار الدولية في الأغراض غير الملاحية. وادعت الحكومة الإثيوبية أن سد النهضة سيوفر الكهرباء للشعب الإثيوبي الذي يعيش في الظلام، وأنه سيكون مفتاح التنمية وعلاج للفقر من خلال تصدير 1000 ميجاوات من الكهرباء للدول المجاورة، وتصدير الفائض إلى أوروبا عبر مصر والسودان. بل ادعت أن السد له فوائد إيجابية على مصر والسودان وليس له أي ضرر على الحياة فيهما، رغم أنها لم تعلن عن أي دراسة للتقييم البيئي والاجتماعي.

وأعاد رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي، آبي أحمد التأكيد على أن بلاده تقوم ببناء السد بهدف توليد الطاقة بحيث تتمكن من إخراج سكانها الكثيرين الذين لم يشهدوا الكهرباء من قبل من الظلام، وللتخفيف من حدة الفقر في إثيوبيا بتصدير كهرباء السد للدول المجاورة وأوروبا، وذلك عند إعلانه عن انتهاء الملء الثالث وتدشين ثاني توربينات توليد الكهرباء من السد النهضة في يوم 12 أغسطس/ آب الماضي.

وفي مقال سابق فندنا الجدوى الاقتصادية للسد، وكشفنا مبالغة الحكومة في تقدير قدرة السد الكهربائية والتنموية من خلال دراسات خبراء طاقة الإثيوبيين الذين شككوا في قدرة السد على إنتاج الطاقة المزعومة، خاصة دراسة الخبير الإثيوبي ميهاري بيين، المتخصص في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية، والتي نشرها في 20 يوليو/تموز 2011 تحت عنوان: ما هي كفاءة سد النهضة الإثيوبي الكبير؟! وأثبت أن كفاءة سد النهضة في توليد الكهرباء لن تزيد عن 33% فقط.

وقال بيين في دراسته إن هايليماريام ديسالين، وزير الخارجية الإثيوبي في حينه ورئيس الوزراء لاحقا، قال في مقابلة تلفزيونية إن سد النهضة يستند إلى دراسة أجرتها وزارة الاستصلاح الأمريكية عام 1964، واقترحت الدراسة سداً أصغر بكثير وبطاقة 1400 ميجاوات، وبارتفاع 85 متراً، وخزاناً يبلغ حجمه خُمس حجم سد النهضة الإثيوبي الكبير، تقريبا 14 مليار متر مكعب، وبتكلفة 1.5 مليار دولار أمريكي.

 وكذلك من خلال دراسة الخبير الإثيوبي، أصفاو بييني، أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة ولاية سان دييغو كاليفورنيا، الذي أثبت أن حجم السد أكبر من حجمه الطبيعي بنسبة 300 %. وقال أن الطاقة التي تعلنها الحكومة هي محل شك، حيث تم تصميم السد لإنتاج 6000 ميغاوات من الكهرباء. وحسب معدل تدفق مياه النهر، يقول أصفاو إن معدل الإنتاج المنطقي سيكون 2800 ميغاواط في أحسن الأحوال. وتساءل بيين وقال، لماذا يتم تصميم السد أكبر من حجمه بمعدل 3200 ميغاواط إضافية وبتكلفة أعلى؟

وفي هذا المقال نثبت أن سد النهضة الإثيوبي له أهداف سياسية غير تنموية، تبدأ بالتحكم في مياه النيل الأزرق بواسطة محبس سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا بإصرار يوما بعد يوم ومن ثم التحكم في شريان حياة مصر كلها ورهن القرار السياسي والأمن القومي المصري، ومساومة مصر على توصيل المياه لإسرائيل في مقابل الإفراج عن حصتها المائية، أو بيع المياه لها بالأسعار التي تحددها هي، أو زراعة ملايين الأفدنة الزراعية وريها خصما من حصة مصر المائية، أو تعريض الحياة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني للخطر الوجودي في النهاية بعد استنزاف المخزون الإستراتيجي لبحيرة السد العالي من المياه. ولن نأخذ هنا بأدلة وتحليلات الخبراء المصريين، لنفوت الفرصة على من يدعي أن آراءهم نابعة عن الانحياز الطبيعي لقضيتهم الوجودية في نهر النيل.

السيطرة والتحكم في مصر

اقتراح بناء السد في آخر حدود إثيوبيا وبالقرب من الحدود السودانية يعني التحكم في كل مياه حوض النيل الأزرق، الذي يمد مصر ب85% من مياه النيل، بما فيه من أنهار قصيرة تنبع من هضبة جودجام وأنهار طويلة نسبيا كنهر جيما في الشرق. هذا المشروع يتجاوز أهدافه المعلنة فى توليد الطاقة الكهربائية، إلى ما يمكن وصفه «كميناً محكماً ومخططاً» للإيقاع بمصر، مائياً وسياسياً وعلى جميع المستويات، فى إطار محاولات بعض الأطراف النيل من مكانتها وتهديد مستقبلها الريادي، مما يعتبر خطراً محدقاً مهدداً لمركزها ومحاصراً لدورها على النحو الذي وقع مع كينيا والصومال، وقد قطعت المياه عن كل من البلدين بعد بنائها السدود على نهر «اومو» المشترك مع كينيا، رغم وعودها لهم بعدم المساس بحصصهم المائية.

بعد إعلان إثيوبيا منفردة عن إنتهاء الملء الأول لسد النهضة، كتب ديفيد هيرست، الكاتب البريطاني المخضرم، في 4 أغسطس سنة 2020 مقالا في موقع ميدل إيست آي تحت عنوان، كيف أصبح سد النهضة الإثيوبي نكبة مصر؟، قال فيه إن سد النهضة بالنسبة لإثيوبيا هو تحقيق حلم يعود إلى عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي في الستينيات، ولطالما كانت السيطرة على نهر النيل حلم لإثيوبيا، وفي سنة 1874 كانت هناك محاولة إثيوبية للسيطرة على النيل الأزرق، ودخلت مصر في حرب مع إثيوبيا لإفشال المحاولة، ولذا كان على رأس قائمة قضايا الأمن القومي لمصر في العصر الحديث.

يقول هيرست، إن برقية للسفارة الأمريكية مؤرخة في عام 2010 ونشرتها بعد ذلك ويكيليكس كشفت عن أن المصريين فجروا معدات في طريقها إلى إثيوبيا في منتصف السبعينيات. وقال المصدر الذي صنف موثوقيته من قبل مسؤوليه الأمريكيين والذي كان على اتصال بحسني مبارك ومدير المخابرات العسكرية عمر سليمان للأمريكيين: “لن تكون هناك حرب.. سوف نرسل طائرة لقصف السد أو نرسل قواتنا الخاصة لتخريب السد، انظر إلى العملية التي قامت بها مصر في منتصف السبعينيات، فجرنا المعدات أثناء سفرها عن طريق البحر إلى إثيوبيا” المصدر السابق.

وفي 15 يوليو 2020، أذاع التلفزيون الإثيوبي الوطني خبر بداية الملء الأول لسد النهضة. ثم تراجعت الحكومة الإثيوبية عن إذاعة الخبر بعد ساعات معدودة وأنكرت بدء الملء واعتذرت. وزعم وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، سيليشي بيكيلي، أن الصور التي نشرتها رويترز تظهر المياه في بحيرة السد من “الأمطار الغزيرة” فقط وليست بسبب بدء الملء. ولكن بعد أن أكد السودان خروج العديد من محطات مياه الشرب عن الخدمة بسبب التدهور المفاجئ في مياه النهر، اضطرت إثيوبيا إلى إطلاق المياه وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي عن انتهاء الملء.

 يقول هيرست، بشعارات الانتصار وبالتخلي عن كل مظاهر الدبلوماسية وبشكل لا يصدق قال وزير الخارجية، جيدو أندارغاتشو، “مبروك لقد كان نهر النيل وأصبح النهر بحيرة! لن يتدفق بعد الآن إلى النهر، سيكون لدى إثيوبيا كل التنمية التي تريدها منه، في الواقع، النيل لنا!”. وأضاف “إن ما قمنا به من بناء سد النهضة هو بمثابة تغيير الرؤية والأهداف وأحدثنا تغييرا في التاريخ والجغرافية السياسية للمنطقة”.

وفي 31 مايو 2021، قال رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، إن بلاده ستبني أكثر من 100 سد، وكشف عن الهدف من بناء السدود المائة، وهو استخدامها في قطع المياه عن دول بعينها بقوله، إن بناء السدود هو “السبيل الوحيد لمقاومة أي قوى معارضة لإثيوبيا” وذلك وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية. ما يؤكد بما لا يدع مجال للبس أن أهداف إثيوبيا من بناء سد النهضة هو السيطرة والتحكم في دول المصب مصر والسودان من خلال التحكم في مياه النيل الأزرق الذي يرفد مصر بـ 85% من مواردها المائية.

وإذا كان من حق إثيوبيا كدولة منبع أن تستخدم مياه النيل الأزرق في التنمية، فليس من حقها بناء تنميتها على حساب الحصة التاريخية لدولتي المصب، مصر والسودان، والتي نصت عليها المادة السادسة من اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية 1997 والتي تلزم الدول المشاطئة بمراعاة “الاستخدامات القائمة والمحتملة للمجرى المائي”، وكذلك المادة السابعة من الاتفاقية التي تلزم الدول المشاطئة بعدم التسبب في ضرر ذي شأن وأن “تتخذ دول المجرى المائي، عند الانتفاع بمجرى مائي دولي داخل أراضيها، كل التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبب في ضرر ذي شأن لدول المجرى المائي الأخرى”.

بيع المياه لمصر

بعد أيام من انسحاب إثيوبيا من مفاوضات واشنطن في نهاية شهر فبراير سنة 2020 ثم الإعلان عن الملء الأول للسد، طرح المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حلاً سياسياً للأزمة من خلال ورقة بحثية عنوانها: “الصراع على مياه النيل: التعويض بدلاً من الوساطة” في 9 مارس/آذار 2020، حيث قام المعهد المصري للدراسات بترجمة الورقة إلى اللغة العربية ونشرها على موقعه في 10 مارس 2020، أي بعد يوم واحد من نشرها على موقع المعهد الألماني الذي يُعد المطبخ السياسي للحكومة والبرلمان الألماني، ويقدم الاستشارات السياسية في الشؤون الدولية والسياسات الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة. 

وفي مقال لي على موقع العربي الجديد في 22 مارس 2020، بعنوان: “حل أوروبي لأزمة سد النهضة“، قلت إن الورقة البحثية التي نشرها معهد SWP الألماني هي الأولى في تاريخ الصراع على سد النهضة التي يُظهر فيها أكبر معاهد السياسة الأوروبية القلق من تداعيات السد على أمن القارة الأوروبية ومخاطر الهجرة غير الشرعية المتوقعة جراء تهديد السد المباشر للأمن والاستقرار في مصر والسودان. حيث اقترح الخبراء الأوروبيون حلاً للنزاع الدائر على مياه النيل يقوم على مبدأ التعويض المالي، أو شراء المياه بطريقة غير مباشرة، ولا يقوم على المحاصصة في توزيع المياه في ظل القيادة الأوروبية للأزمة. بحيث تقوم إثيوبيا بإبطاء عملية ملء الخزان بالمياه لسنوات أطول لتقليل الآثار السلبية للسد على الحياة في مصر، وفي المقابل تقوم مصر “بتعويض” إثيوبيا عن الآثار السلبية الناتجة عن إبطاء عملية الملء على الاقتصاد الإثيوبي، مع استخدام نفس المبدأ في المستقبل للتحكم في مستوى المياه في السد.

وقال المقترح الأوروبي إنه ينبغي إشراك دول الخليج في المفاوضات، لتمويل التعويض، بصفتها أهم الشركاء لدول النيل الثلاث المتضررة، إذ ستستفيد من التوصل إلى حل سلمي ومستدام للصراع بالنظر إلى استثماراتهم الضخمة في حوض النيل ولا سيما في القطاع الزراعي. وكذلك يتعين على ألمانيا وشركائها الأوروبيين تزويد مصر بالدعم المالي لإنشاء آلية لهذا التعويض في ظل عجز مصر المالي. وهذا من شأنه أن يعزز الاستقرار في المنطقة المجاورة لأوروبا والتي مزقتها الصراعات، ويقلل من الضغط الذي تمثله الهجرة غير الشرعية.

وعلى مصر، وفق المقترح، القبول بتمويل هذه الآلية، على الرغم من أنه بموجب القانون الدولي يحق لها الحصول على حصة عادلة ومنصفة من مياه النيل، لكن نظام الحصص بالنسبة لموقف مصر سيكون من المستحيل تقريباً تنفيذه عملياً أو حسب القانون في ظل القوة التفاوضية المتزايدة لإثيوبيا، وعلى أوروبا وجهات التفاوض أن يعترف بشكل أساسي بعد فرضها سياسة الأمر الواقع الذي فرضته أثيوبيا.

وفي فبراير 2021، اقترح السودان دور الوساطة للاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وليس مجرد مراقب لحل الأزمة. وأعلنت مصر تأييدها مقترح السودان.

وأعلن وزيرا الخارجية في الدولتين تمسّكهما بالمقترح، ودعَوَا في بيان مشترك الأطراف الأربعة إلى تبنّي المقترح والإعلان عن قبولهم له، وإطلاق المفاوضات في أقرب فرصة ممكنة.

ومن جهته، أعلن الاتحاد الأوروبي بعد أيام من المقترح السوداني أنه على استعداد تام لمواصلة القيام بدور فعال في تقريب وجهات النظر بين البلدان الثلاثة، فيما يتعلق بمفاوضات سد النهضة. وقال بيكا هافيستو، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي، إن الاتحاد الأوروبي على أهبة الاستعداد لمواصلة دوره الفعال في هذا الأمر، سيما أنه كان مراقبا خلال جولات التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق. وفي نفس التوقيت أعلنت إثيوبيا للمسؤول الأوروبي استعدادها لإستئناف المفاوضات.

وفي اعتراف إثيوبي صريح بالتفكير في بيع المياه لمصر، وبعد إعلان إثيوبيا في فبراير سنة 2021، أنها ستقوم بالتعبئة الثانية لسد النهضة وأنه لا علاقة للمفاوضات بذلك، أكد المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي أحقية بلاده في بيع المياه الفائضة عن حاجتها بعد الملء الثاني لسد النهضة. وقال في برنامج المسائية على شاشة الجزيرة مباشر في 3 إبريل سنة 2021، أنه لا توجد مشكلة على الإطلاق في بيع حصة بلاده من مياه السد!.

وفي رده على سؤال بخصوص بيع المياه بعد اكتمال السد، قال مفتي “ما الذي يمنع؟ كل شيءٍ وارد، الفائض من المياه، والكهرباء أيضاً”. ولتأكيد المعلومة، سأل مقدِّم برنامج المسائية، أحمد طه، المسؤول الإثيوبي: لقد فهمت منك أنكم ستبيعون المياه والكهرباء؛ فهل هذا صحيح؟ ليجيب مفتي “بالتأكيد، ما المانع إذا كانت هناك زيادة عن حاجتنا؟”. وقال مفتي إن الدولة التي تملك الحصة الكبرى من المياه -والتي تنبع منها المياه- لديها الحق في توزيع المياه، واستدرك قائلاً، “لا نود أن ننتقص من حصة المصريين والسودانيين، نتحدث عن توزيع عادل”. وفي سؤال مباشر بخصوص تقارير تشير إلى أن أديس أبابا ستبيع مياه السد إلى تل أبيب، امتنع مفتي عن التعليق قائلاً “لا أود التعليق على هذه الجزئية”. وقبل نهاية المداخلة طلب مفتي مرة أخرى الكلمة وتراجع عن تصريحه ولكن بعد أن أفصح بوضوح عما تخطط له الحكومة الإثيوبية.

وكدليل آخر، في يونيو سنة 2022، قام المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي، مايك هامر، بزيارة إلى مصر والإمارات وإثيوبيا، من أجل “الدفع باتجاه حل دبلوماسي لأزمة سد النهضة”، بحسب الخارجية الأمريكية. وطرحت الزيارة أسئلة حول السيناريوهات الأمريكية المطروحة للتعامل مع الأزمة.  وتعليقا على الزيارة، قال مسؤول سابق في وزارة الموارد المائية والري في مصر، وهو عضو سابق في وفد التفاوض المصري حول سد النهضة، قال إن “هناك سيناريوهات عدة مطروحة حالياً للتعامل مع أزمة سد النهضة، بينها اقتراح أن يتم تعويض كمية المياه التي ستفقدها مصر بسبب سد النهضة، عبر بيعها تلك الكمية من إثيوبيا بثمن قليل لفترة مؤقتة تدفعه الإمارات، وقد تمتد تلك الفترة من 10 إلى 20 عاماً، على أن يتم بعدها الاتفاق على أسعار جديدة”.

هذا السد لم تستطع إثيوبيا إكماله إلا بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومن ورائهما الدول الكبرى المتحكمة في سياسات المؤسستين، ولذلك فإن أي محاولة أمريكية لإيجاد حل لأزمة سد النهضة، يجب التعامل معها بحذر شديد، لأنها بطبيعة الحال سوف تساهم بشكل غير مباشر في أن تظل دول المنطقة العربية تعيش في إطار التبعية لسياسات واشنطن، من خلال التحكم في موارد المياه، التي تعد أهم الأسلحة الاقتصادية المستقبلية للسيطرة على الدول”.

ولم يستبعد دبلوماسي مصري سابق متخصص في الشؤون الأفريقية أن “يتم طرح الفكرة في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة”. واستغرب الدبلوماسي السابق “التصريحات الأمريكية حول زيارة مايك هامر، والتي أشارت إلى الإمارات كمحطة ضمن جولته في المنطقة والتي لا تشمل السودان”. وقال المصدر للعربي الجديد إن “حرص المبعوث الأمريكي على زيارة الإمارات، يؤكد أن أبوظبي سوف تلعب دورا مهما في الخطة الأمريكية الخاصة بالأزمة”. وأن “الحديث عن فكرة بيع إثيوبيا حصة من المياه إلى مصر بتمويل إماراتي، أمر من الصعب تحقيقه حالياً، لكنه يمكن أن يطرح كفكرة على طاولة المفاوضات يمكن اللجوء إليها في المستقبل”.

توصيل المياه لإسرائيل

كشف موقع ميدل إيست أوبزرفر  في تقرير نشر في نوفمبر سنة 2016 عن سر إنشاء الجنرال السيسي أنفاق في سيناء بهدف توصيل مياه نهر النيل إلى إسرائيل. وأكد الموقع أن الهدف من إنشاء ستة أنفاق – غير معلن عنها – في سيناء شمال شرقي مصر، هو إيصال مياه النيل إلى إسرائيل. وقال الموقع الذي حصل على صور حصرية من مواقع العمل في هذه الأنفاق – في تقريره إن الحكومة المصرية أعلنت أنها ستبني ثلاثة أنفاق للسيارات ونفق واحد للقطارات إلا أنها لم تعلن أي شىء عن 6 أنفاق أخرى جاري العمل بها، مرجحاً أن الغرض من الأنفاق الستة الأخرى هو إيصال مياه النيل إلى إسرائيل.

وكشف الموقع حصريا عن أن العمل أسند إلى بعض الشركات المملوكة للجيش بالإضافة إلى أوراسكوم المملوكة لعائلة ساويرس القطب الاقتصادي المقرب من الحكومة. وأشار التقرير إلى العلاقات الإسرائيلية-المصرية المميزة، حيث صرح السفير الإسرائيلي في القاهرة “حاييم كورين” في وقت سابق أن العلاقات المصرية-الإسرائيلية تمر بأفضل أوقاتها.

لم يكن تقرير ميدل إيست أوبزرفر عن نقل مياه النيل لإسرائيل الاكتشاف الأول من نوعه. ففي عام 1974 طرح اليشع كالي، رئيس هيئة تخطيط موارد المياه في إسرائيل، تخطيطاً لمشروع يقضي بنقل مياه نهر النيل إلى إسرائيل، ونشر المشروع تحت عنوان “مياه السلام”، وهو يتلخص في توسيع ترعة الإسماعيلية لزيادة تدفق المياه فيها، وتنقل هذه المياه عن طريق أنفاق تمر تحت قناة السويس.

وفي مشروع آخر؛ قدم الخبير الإسرائيلي شاؤول أولوزوروف، النائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيلية، مشروعاً للسادات خلال مباحثات كامب ديفيد، يهدف إلى نقل مياه النيل إلى إسرائيل من خلال شق ست قنوات تحت مياه قناة السويس، وبإمكان هذا المشروع نقل 1 مليار متر مكعب، لري صحراء النقب.

وكان هناك اقتراح ثالث عن نفس المشروع، ولكنه الأخطر حيث اقترحه السادات في حيفا عام 1979، وقالت مجلة أكتوبر المصرية في حينه: إن الرئيس السادات التفت إلى المختصين وطلب منهم إجراء دراسة عملية كاملة، لتوصيل مياه نهر النيل إلى مدينة القدس، لتكون في متناول المترددين على المسجد الأقصى وكنسية القيامة وحائط البراق. وهو ما سعى السادات إلى تنفيذه في سنة 1979 بحفر ترعة السلام لهذا الغرض، لكن المشروع مات بموته، ويبدو أن السيسي يسعى إلى إحيائه من جديد.

الاستزراع على حساب حصة مصر المائية

في مرحلة مبكرة من الإعلان عن السد في 2011، أبدت منظمة الأنهار الدولية ريبتها من توسيع الحكومة الإثيوبية عمليات تأجير الأراضي المخصصة للزراعة حول السد والسدود الأخرى المقامة على النيل الأزرق، بالإضافة إلى سرية المعلومات التي تخفيها بشأن مخاطر السد على دولتي المصب، مصر والسودان.

خزان سد النهضة سوف يغطي مساحة 1874 كيلومترا مربعا، ويمتد طوله إلى مسافة 264 كيلومترا. وهي مساحة كبيرة تزيد من فرص إنشاء مشاريع زراعية وصناعية حول بحيرة السد الوليدة وتستمد منها المياه اللازمة المقتطعة من الحصة المائية لمصر والسودان من دون رقيب ولا حسيب. ما يثير الشكوك أيضاً، أن إثيوبيا دعت في الشهور الأخيرة وبالتزامن مع الإعلان عن البدء في ملء وتشغيل سد النهضة، إلى استثمار دولي في مجال النشاط الزراعي على أكثر من ثلاثة ملايين هكتار من أراضيها. وهي مساحة ضخمة إذا عرفت أنها تعادل 80% من جملة الرقعة الزراعية في مصر.

وكذلك روجت إلى زراعة قصب السكر وخاصة على النيل الأزرق وإنشاء 10 مصانع لإنتاج السكر، وهو ما يزيد عن عدد مصانع قصب السكر في مصر بمصنعين. وأطلقت حزمة من الحوافز لجذب الاستثمارات الأجنبية لهذه المشاريع الزراعية مثل الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية على الصادرات والواردات لمدة تصل إلى 9 سنوات.  هذه المشاريع سوف تستهلك مليارات الأمتار المكعبة من المياه على حساب حصتي مصر والسودان المائية.

اتفاق إعلان المبادئ الموقع في مارس سنة 2015 منح الشرعية لسد النهضة، ومكن إثيوبيا من استخدام مياه السد في الزراعة وأغراض أخرى غير توليد الكهرباء. ذلك أن المبدأ الثاني في الاتفاق نص على أن الغرض من سد النهضة هو “توليد الطاقة، المساهمة في التنمية الاقتصادية” ولم ينص صراحة على أن يكون الغرض من السد هو توليد الكهرباء فقط. وهي صياغة ملتوية غير قاطعة، إذ استخدمت كلمة “المساهمة” في التنمية، وليس “للمساهمة” في التنمية، وهو ما يفتح الباب أمام إثيوبيا لاستغلال مياه السد في مشاريع الري والزراعة على حساب حصة مصر والسودان، وربما بيعها المياه لكلتيهما.

ومن المتناقضات أن الإمارات والسعودية من أكبر المستثمرين الزراعيين الأجانب في إثيوبيا. وفي نهاية 2015، أعلنت وزارة الزراعة السعودية أن السعودية تحتل المرتبة الثالثة بين المستثمرين الأجانب في إثيوبيا بنحو 294 مشروعاً، معظمها في مجالي الزراعة والإنتاج الحيواني، ويمتلك رجال الأعمال السعوديون استثمارات كبيرة في مزارع البن في إثيوبيا، الذي تستورد منه الرياض نحو 80 ألف طن سنويا، ما يجعلها أكبر مستوردي البن الإثيوبي في العالم. وأعلن القنصل العام الإثيوبي في جدة، مروان بدري، أن الاستثمارات السعودية في إثيوبيا تبلغ نحو 13 مليار دولار.

وبينما كانت مفاوضات سد النهضة جارية برعاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي عاقب إثيوبيا بحجب معونات عنها لانسحابها من المفاوضات، بينما أعلنت حكومة آبي أحمد حصولها على قرضين من السعودية بقيمة 140 مليون دولار، لتمويل مشاريع للبنية التحتية والطاقة، وأنه سيتم توجيه القرضين إلى إنشاء طرق ومشاريع الطاقة وإمداد المياه. وقبلها في عام 2016، وبموجب اتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي والأمني بين السعودية وإثيوبيا، زوّد صندوق التنمية السعودي 305 مستثمرين سعوديين و69 شركة سعودية بالتمويل لتطوير الإمكانات الإثيوبية.

وتسابقت الإمارات والسعودية لتقديم المساعدات المختلفة لإثيوبيا في ظل تصاعد الأزمة بينها وبين القاهرة. ورصدت “العربي الجديد” أوجه التعاون بين إثيوبيا والإمارات والسعودية، ودعمها لإثيوبيا في عدة قطاعات متعلقة بمشروع السد، وكذلك استثماراتهما في المجالات التي ستحقق استفادة مباشرة من تشغيل السد، إلى درجة دفعت مسؤولا دبلوماسيا مصريا للقول إن “إثيوبيا مطمئنة تماما أن خلافها مع مصر لن يتصاعد، لأن الأموال والاستثمارات في سد النهضة تعود لحلفاء القاهرة”.

وكانت إثيوبيا قد أعلنت في يونيو/ حزيران 2018 عن التزام الإمارات بضخ 3 مليارات دولار في الاقتصاد المحلي، حيث ستوجه مليار دولار كوديعة في البنك المركزي، وملياري دولار كاستثمارات مباشرة تتركز في مجالات الزراعة، كما بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات وإثيوبيا نحو 850 مليون دولار.

وبحسب تصريحات رسمية وتقارير غير رسمية، استحوذت شركات إماراتية على ملايين الأفدنة مؤخرا في إثيوبيا ضمن خطة إماراتية لتأمين احتياجاتها من الغذاء، حيث قدرت تلك التقارير ما حصلت عليه الإمارات مؤخرا بنحو 40 مليون فدان. وبحسب تقارير غير رسمية حدث نمو كبير في الاستثمارات الأجنبية الموجهة لمجالات الزراعة والإنتاج الحيواني في إثيوبيا، حيث بلغ حجم الاستثمارات في هذا المجال خلال الأعوام الثلاثة الماضية نحو 8 مليارات دولار، معظمها استثمارات خليجية، وهو ما يوضح أسباب التمسك الإثيوبي بالحصول على حصة ثابتة من مياه النيل تمكنها من العمل بنظام الري الدائم وعدم الاعتماد على الأمطار الموسمية فقط.

وكما أوضحنا أعلاه، أنه إذا كان من حق إثيوبيا كدولة منبع أن تستخدم مياه النيل الأزرق في التنمية، فليس من حقها بناء تلك التنمية المنتظرة على حساب التنمية القائمة أو الحصة التاريخية لدولتي المصب، مصر والسودان، المكفولة بالاتفاقيات التاريخية بين الدول الثلاث، والمنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لسنة 1997. ولا يعد إنكار إثيوبيا الاتفاقيات التاريخية المنظمة لحقوق مصر والسودان في مياه النيل، أو عدم توقيعها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لسنة 1997 مبرراً لبناء سد النهضة دون إخطار مسبق والإضرار بالحقوق المائية لمصر والسودان لأي غرض اقتصادي أو ابتزاز سياسي.

أخيرا، فإن محاولة إثيوبيا بناء سد النهضة بحجم 74 مليار متر مكعب والتحكم في مسار النيل الأزرق بهدف السيطرة والتحكم في القرار السياسي المصري، أو بيع المياه لمصر، أو توصيل المياه لإسرائيل، أو استخدام جزء من حصة مصر المائية في الزراعة حول بحيرة السد، كل ذلك من شأنه أن يهدد السلم والأمن في إقليم حوض النيل، وينثر بذور الحرب على المياه لإستعادة الحقوق. وسوف تنشب تلك الحرب بمجرد نفاد مخزون المياه من بحيرة السد العالي، وربما قبل رحيل نظام السيسي الذي قصَّر في حماية حقوق مصر المائية، ومكَّن إثيوبيا، بالتوقيع على اتفاق مبادئ الخرطوم في مارس سنة 2015، من بناء السد وفرض أمر واقع ينسف الاتفاقيات التاريخية المنظمة للحقوق المائية ويتعارض مع مبادئ القانون الدولي والأعراف الدولية المعمول بها في أحواض الأنهار الدولية.