قضايا اقتصاديةقضايا سياسية

الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في ليبيا

مقدمة :
تشهد ليبيا بعد مضي خمسة سنوات على سقوط القذافي 2011 حالة من عدم الاستقرار السياسي نتيجة إخفاق الحكومات المتتالية في تحقيق الاستقرار، ونتيجة الصراعات السياسية المستمرة بين الميليشيات المسلحة، وبين الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر وميليشيات الإخوان المسلمين. فبعد عام من اتفاق الصخيرات (17 ديسمبر 2015) لاتزال ليبيا تتقاسمها حتى اليوم ثلاث حكومات، تدعي كل واحدة منها الشرعية، وخاصة عودة حكومة المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس، والتي بعد أن انسحبت من الحياة السياسية إثر وصول حكومة الوفاق إلى العاصمة، إلا أنها سرعان ما تراجعت وطالب رئيسها خليفة الغويل وزراءه بالعودة إلى مقراتهم، وعدم الاعتراف بحكومة السراج، وانقسمت مؤسسات الدولة، خاصة مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط بين معسكرين اثنين، مجلس النواب في طبرق وحكومة الوفاق الوطني. فمصرف ليبيا المركزي، انقسم إلى مصرفين، واحد في العاصمة طرابلس والآخر في مدينة بنغازي، ولكل منهما محافظ وعملته الخاصة. ففي بنغازي يتم صك العملة وطباعتها في روسيا، وفي طرابلس تتم العملية في بريطانيا[1].
ويمكن الإشارة فيما يلي إلى بداية التدخل الأجنبي في ليبيا والمستمر حتى الآن، ثم الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة، وكذلك الوضعية الراهنة للاقتصاد الليبي، وأخيراً أهم المشروعات الأجنبية المستثمرة في ليبيا، والفرص الاستثمارية والتحديات الاقتصادية.
 
أولاً: التدخل الأجنبي في ليبيا
بدأ التدخل الأجنبي في ليبيا بقيام القوات الغربية بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى مثل قطر بإسقاط نظام القذافي في ليبيا، غير أن هذا التدخل الأجنبي لم ينته بسقوط القذافي، وما يعكس أن الهدف الغربي لم يكن تخليص الشعب الليبي إنما السيطرة على ثروات ليبيا، ومن ثم لم تهتم هذه الدول بتحقيق الاستقرار وتركت تنظيم داعش وميليشيات الإسلام السياسي حرة طليقة، وقد كشف تقرير لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني عن اهتمام الدول الغربية بمصالحها على حساب الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، وهذا ما جعلها تتنافس في دعم طرف على حساب الآخر، حسب ما يتوافق مع مصالحها، وقد كشف التقرير عن مصالح فرنسا في الحصول على حصة أكبر من إنتاج النفط في ليبيا، وزيادة النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا، واهتمام الجيش الفرنسي باستغلال الفرصة لإعادة تأكيد مكانته في العالم[2]، وكانت النتيجة أنه بعد مضي ما يقرب من خمسة سنوات، هناك حوالي 3000 جندي فرنسي، وحوالي 5000 جندي إيطالي، وحوالي 1000 جندي بريطاني، فضلاً عن القوات الأميركية الخاصة في ليبيا، إضافة إلى وجود إيراني وقطري في ليبيا لدعم الميليشيات الإسلامية وتهريب السلاح الليبي إلى السودان ثم نقله إلى الجماعات المسلحة في مصر ودول أخرى.
وقد أشار التقرير إلى وجود قوات فرنسية خاصة في ليبيا، لدعم الجيش الوطني الليبي في قاعدة مطار بنغازي. وقد أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عن هذا الانتشار عقب مقتل ثلاثة جنود بعد سقوط مروحيتهم خلال عملية قرب بنغازي في يوليو عام 2016. وأشار إلى وجود قوات بريطانية واحتمال نشر قوات بريطانية في ليبيا لتدريب القوات الليبية، وأشار التقرير إلى أن القوات البريطانية قد تلعب دورا في تدريب الجيش الليبي وقوات الأمن[3].
ولا يقتصر التدخل الأجنبي في ليبيا على التدخل الغربي ولكن هناك نشاط واضح للحرس الثوري الإيراني، ولا تتورع إيران عن الإعلان باستمرار عن أنشطتها السرية والإرهابية في المنطقة، حيث أكد ذلك محمد علي جعفري، قائد قوات الحرس الثوري الإيراني، حينما صرح بالقول بأن: “أحد المكاسب الرئيسية لإيران من التطورات الإقليمية هو تجنيد ما يزيد عن مائتي ألف مقاتل في ميليشيات شعبية في سوريا والعراق وليبيا. لا يوجد جيش، بما في ذلك الجيش الأميركي والإسرائيلي، يمكنه إلحاق الهزيمة بهم. و”أن التطورات في العراق وسوريا وليبيا أفادت إيران بتعزيز العلاقات مع السكان المحليين، وهي علاقات لم تكن موجودة قبل أن يبدأ تنظيم الدولة “داعش” العمل في البلدين”. وأشار إلى: “استيلاء إيران على الأسلحة من ليبيا من قبل وحدات القدس التابعة للحرس الثوري، التي سافرت إلى ليبيا من قاعدتها في جنوب السودان. وبناء على أوامر تلقتها من قادة الحرس الثوري”، حيث استغلت الفوضى التي عمت ليبيا بعد انهيار نظام معمر القذافي للاستيلاء على “كميات كبيرة” من الأسلحة المتطورة. ووفقاً لضباط الاستخبارات العسكرية في ليبيا، شملت هذه الأسلحة المسروقة من قبل إيران صواريخ روسية متطورة (صواريخ SA-24 ) كانت قد بيعت إلى ليبيا في عام 2004. وصواريخ قادرة على إسقاط طائرات تحلق على بعد 11 ألف قدم، وتعادل الصواريخ الأميركية “ستينغر” التي كانت تستخدم من قبل المجاهدين التي تدعمهم الولايات المتحدة لهزيمة القوات السوفيتية في أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضى. وهو يشبه السلاح الذي استخدمه تنظيم القاعدة في المحاولة الفاشلة لإسقاط طائرة ركاب إسرائيلية كانت تقلع من مطار مومباسا في كينيا في عام 2002[4] .
وقد استغل الحرس الثوري هذه العلاقات الوطيدة مع السودان في إنشاء عدد من معسكرات التدريب التي تستخدم لتدريب الجماعات الإرهابية. ولذلك يخشى المراقبون الآن من انتقال هذه الصواريخ والأسلحة الأخرى إلى أيدي المتطرفين لتنفيذ هجمات إرهابية. حيث يتم تهريب الكثير من الأسلحة، والتي تشمل قذائف الهاون والأسلحة المضادة للدبابات عبر الحدود إلى الجزائر، ما يثير مخاوف متزايدة داخل دوائر الاستخبارات الغربية من أن تقع في أيدي تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات الإرهابية. وبرغم تقليل الخبراء العسكريين من أهمية الصواريخ أرض-جو المهربة من ليبيا، بحجة أن الجماعات المسلحة تفتقر إلى المعرفة والمعدات اللازمة لإطلاق النار عليهم، لكن هذا لن يكون مشكلة بالنسبة لقوات الحرس الثوري، فلديهم تدريب متخصص في إطلاق مثل هذه الأسلحة. الخوف الآن هو أن إيران سوف تستخدم الأسلحة الليبية لتزويد الجماعات الإرهابية في المنطقة، بما في ذلك جماعة الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان والقاعدة وتنظيم الدولة وغيرها[5].
لاشك أن العلاقات الإيرانية – السودانية التي توطدت في ظل العزلة الغربية التي فرضها الغرب على السودان قد ألقت بظلالها الكثيفة على الأوضاع في ليبيا منذ ثورة فبراير 2011، حيث تلتقي الأجندة الإيرانية مع الأجندة السودانية في دعم حركات الإسلام السياسي في ليبيا[6]. وفي الاجتماع الذي عقد في يوليو 2014، إلى كشف شحنة الأسلحة التي أرسلتها السودان عن طريق البحر الأحمر إلى عبدالملك الحوثي (زعيم حركة الحوثيين الشيعية المتمردة في اليمن)”. وإرسال النظام السوداني أسلحة إلى جماعة فجر ليبيا (الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة) والتي تقاتل ضد قوات المشير خليفة حفتر. ومما لاشك فيه أن علاقة النظام السوداني مع إيران والإخوان المسلمين تثير ريبة دول الخليج بشكل عام، وقد فسر دبلوماسيون غربيون ذلك برغبة الرئيس عمر البشير العمل على مسارين في نفس الوقت، وهو ما أكده اللواء الركن يحيى محمد خير وزير الدولة لشؤون الدفاع حينما قال “لن نضحي بعلاقاتنا بإيران والإسلام من أجل علاقة مع السعوديين ودول الخليج. من الممكن أن نسعى إلى تفاهمات (معهم) تخدم فقط مصالحنا الاقتصادية من جهة الاستثمارات”. لكن اللواء محمد عطا، مدير جهاز المخابرات السوداني ذهب إلى أبعد من ذلك. واعترف خلال الاجتماع بعلاقات الخرطوم مع التنظيمات المتشددة وأن النظام السوداني يستخدم تلك التنظيمات للوصول إلى أهدافه. وقال عطا إن النظام يعتقد أن السعودية دعمت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في السودان في سبتمبر 2013، وأن السعوديين “يخشون من تحريض جماعات جهادية داخل أراضيها للأخذ بالثأر[7].
وتعمل التنظيمات الإرهابية كوكلاء عن إيران والسودان في ليبيا، وهناك وجود لحزب الله في شرق ليبيا منذ عام 2011، وهناك عدد قليل من الضباط الإيرانيين والسودانيين وصلوا بالفعل إلى بنغازي من السودان في الأسبوع الثالث من شهر فبراير 2011، والتقوا مع كبار الضباط الليبيين الذين انشقوا عن المتمردين. وأنشأ الحرس الثوري مركز قيادة في بنغازي في مارس 2011. وقد اختار الحرس الثوري الإيراني العميد مهدي رباني- أحد المقربين من قائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائب قائد الحرس الثوري قائداً للعمليات في ليبيا. وفي ابريل 2011 في أواخر مارس 2011، وصلت قوافل صغيرة في طريقهم إلى السودان عن طريق الكفرة. وقد بدأ الإرهابيون في إرسال قوافل من الشاحنات كاملة من الأسلحة والذخائر من شرق ليبيا عبر تشاد إلى القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب) ومنطقة الساحل (وخصوصا النيجر ومالي). وفي الوقت نفسه، وبالتحديد في خريف عام 2011، خدمت الفوضى الليبية لتجميع عدد من الكيانات الإرهابية. إلا أن الأمر استغرق تدخل – الدول الراعية للإرهاب – وخاصة إيران – للانتشار في جميع أنحاء ليبيا. وبدأت الأنشطة الإرهابية في شرق ليبيا تتسارع مع أوائل 2014 بسبب الحاجة إلى دعم جماعة الإخوان المصرية، والقاعدة وبناء “الجيش المصري الحر” في شرق ليبيا تحت رعاية قطرية وتركية وإيرانية. واعتبارا من ربيع 2014، تم ربط الحركات الإرهابية في ليبيا بالحركة الإرهابية في المغرب العربي ومنطقة الساحل. وأعلنت القاعدة ببلاد المغرب الإسلام دعمها لداعش. وفي الوقت نفسه، قامت مجموعة من المجاهدين الليبيين في منتصف يونيو 2014 بتشكيل مجموعة إرهابية تكفيرية في شرق ليبيا تسمى كتائب البتار. وكان الهدف الأساسي من كتائب البتار فرض سيطرتها على مدينة درنة. وفي الوقت نفسه، واصلت كتائب البتار التعاون مع تنظيم القاعدة وأنصار الشريعة، وتسريع حركة نقل الأسلحة بين سوريا والعراق وليبيا [8].
 
ثانياً: الأوضاع السياسية والأمنية :
شهدت ليبيا مع بداية 2016 العديد من التحولات الهامة بعد توقيع اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر 2015، حيث تولت حكومة الوفاق السلطة ولكنها لم تنل ثقة مجلس النواب الذي رفض منحها الثقة مرتين لأنها لم تحظ بإجماع وطن. ثم بدأت عملية البنيان المرصوص لتحرير سرت والتي انتهت بتطهيرها في ديسمبر2016، وخلال تلك الفترة تمكن الجيش الليبي من السيطرة على الأوضاع في المنطقة الشرقية ثم السيطرة على الموانئ النفطية، ولاتزال حكومة الوفاق تحاول استعادة السيطرة على الموانئ، وحاولت حكومة الوفاق في ديسمبر 2016 استعادة سيطرتها على منطقة الهلال النفطي، لكن محاولاتها باءت بالفشل، وقد بات واضحاً أن الصراع يتمركز حول تلك المنطقة، وكأن من يسيطر على منطقة الهلال يسيطر على ليبيا[9].
وعلى الصعيد السياسي، تواجه ليبيا العديد من التحديات السياسية خاصة بعد فشل الاتفاق السياسي، فبعد مرور عام على الاتفاق السياسي، زادت حالة الانقسام والاستقطاب السياسي، وأسفرت كل محاولات الحوار السياسي دون تحقيق نجاحات تذكر وأصبح الاتفاق عبارة عن وثيقة سياسية لم تحقق الكثير لإنهاء الانقسام بين الفرقاء الليبيين، وبات لزاما لتجاوز هذا الجمود السياسي، إما خيار الفشل وتعقد المشهد، أو تعديل الاتفاق ومعالجة مخاوف الأطراف الرافضة للاتفاق (برلمان طبرق – الجيش الليبي)، للمضي قدما في إنقاذ ليبيا من مخاطر الإرهاب والفوضى الأمنية المتصاعدة.
وعلى الصعيد الأمني، تشهد الساحة الليبية العديد من المشكلات الأمنية، وعلى رأسها الصراع بين هذه الميليشيات المسلحة وبعضها، ثم بين هذه الميليشيات والجيش الليبي. وقد تنامى نشاط هذه التنظيمات الإرهابية بسبب إجراءات تطبيق بنود الاتفاق السياسي (اتفاق الصخيرات 2015)، وتحديدا مسألة الترتيبات الأمنية قد تسببت في خرق كبير، حيث أخفق المجلس الرئاسي في تنفيذها، فبعد دخول المجلس طرابلس، أبقى على التشكيلات المسلحة وأعاد تدويرها، وهي ذاتها المتورطة بانتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة، ما أدى إلى تفاقم حالة انعدام الأمن وتصارع المجموعات المسلحة فيما بينها في طرابلس. وكان المتفق عليه ضرورة إحلالها بقوات نظامية فور دخول المجلس العاصمة، وفشل في تحقيق أهم المهام والركائز الرئيسة، المتعلقة بالشأن الأمني وتوفير المناخ للعمل دون ضغوط أو إملاءات.
والآن، تشهد ليبيا بعد عام من الاتفاق السياسي صراعاً عسكرياً مستعراً حول النفط والسيطرة على المواقع والمدن الاستراتيجية، وذلك لاستباق المفاوضات المنتظرة أن تستأنف بين القوى السياسية لتعديل الاتفاق السياسي، وتدرك القوى أن قدرتها التفاوضية سوف تتأثر بموقع وقوتها الميدانية، ولذلك تحافظ قوات الجيش الليبي على سيطرتها على منطقة الهلال النفطي، بينما تحاول الميليشيات المدعومة من حكومة الوفاق استعادة سيطرتها على المنطقة. وبرغم أن تطهير سرت من تنظيم الدولة في ليبيا، يعني تراجع طموحات التنظيم في شمال أفريقيا، لكن ما تزال البلاد غير مستقرة، وسط صراعات متواصلة بين الكتائب المتناحرة، وما تبقى من المسلحين، ما قد يعيق حكومة الوفاق الوطني.
ثالثاً: الوضع الاقتصادي:
أضر الصراع السياسي بشدة بالاقتصاد، الذي ظل في حالة ركود للعام الثالث على التوالي في 2016. وما زال الصراع السياسي وضعف الظروف الأمنية، يُضعِف جانب العرض من الاقتصاد الذي انكمش بنسبة 10 في المائة في 2015. وانخفض إنتاج النفط الخام لأدنى مستوى له إلى نحو 0.4 مليون برميل يوميا أو ربع الطاقة الإنتاجية للبلاد. واستمر ضعف القطاعات غير النفطية بسبب اختلالات في سلاسل توريد المستلزمات المحلية والأجنبية، ونقص التمويل. وتسارعت وتيرة التضخم ليصل معدله إلى 9.2 في المائة في 2015، فيما يرجع أساسا إلى زيادة نسبتها 13.7 في المائة في أسعار الغذاء. وأدَّى نقص التمويل اللازم للواردات (لاسيما الأغذية المدعومة) إلى نقص السلع واتساع نطاق السوق السوداء. وقفزت أسعار الطحين إلى أربعة أضعاف[10].
وأضر استمرار الجمود السياسي مع انخفاض أسعار النفط العالمية بالمالية العامة بشدة. وانخفضت إيرادات الميزانية العامة للدولة من القطاع النفطي إلى خمس مستواها قبل الثورة، ولكن ظل مستوى الإنفاق مرتفعا. وبلغت حصة فاتورة أجور موظفي القطاع العام من إجمالي الناتج المحلي مستوى قياسيا 59.7 في المائة، فيما يرجع أساسا إلى تعيينات جديدة لموظفين عموميين. وفي الوقت نفسه، كانت الاستثمارات غير كافية لتوفير خدمات عامة كافية في مجالات الصحة والتعليم والكهرباء وإمدادات مياه الشرب والصرف الصحي. بيد أنه تحققت وفورات في الإنفاق على إعانات الدعم التي انخفضت 23.6 في المائة بفضل تشديد الرقابة على سلاسل توريد المنتجات المدعومة وانخفاض أسعار الواردات. وبوجه عام، ارتفع عجز الميزانية من 43 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2014، إلى 75 في المائة من الإجمالي في 2015. وتم تمويل العجز في معظمه من ودائع الحكومة في البنك المركزي الليبي.
وتدهور وضع ميزان المدفوعات في 2015. فقد انخفضت صادرات النفط إلى 0.3 مليون برميل يوميا. وتشير التقديرات إلى أن عائدات تصدير النفط وصلت إلى أقل من 15 في المائة من مستواها في 2012. وفي الوقت نفسه، ظل مستوى الواردات التي يُحرِّكها الاستهلاك مرتفعا. وانتقل رصيد ميزان الحساب الجاري من التوازن في 2013 إلى عجز يُقدَّر بنسبة 75.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2015. ولتمويل هذا العجز، يجري استنفاد صافي احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة. وانخفضت هذه الاحتياطات بمقدار النصف من 107.6 مليار دولار في 2013 إلى ما يقدر بنحو 56.8 مليار دولار بنهاية 2015. وواصل سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي مقابل الدولار تراجعه، إذ سجَّل هبوطا آخر يزيد على تسعة في المائة في 2015. وفي السوق الموازية، انخفضت قيمة الدينار نحو 160 في المائة بسبب القيود على معاملات النقد الأجنبي التي ينفذها البنك المركزي الليبي. ويتوقَف تحسُّن الآفاق الاقتصادية بصورة حاسمة على موافقة مجلس النواب على حكومة الوفاق الوطني التي تم تشكيلها تحت رعاية الأمم المتحدة. وتنبئ آفاق المستقبل الاقتصادية والاجتماعية أن حكومة الوفاق الوطني ستبدأ حكم البلاد باستعادة الأمن وإطلاق برامج لإعادة بناء مرافق البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، من المتوقع أن يتحسَّن إنتاج النفط إلى نحو مليون برميل يوميا بنهاية عام 2016. وعلى هذا الأساس، من المنتظر أن يُسجِّل إجمالي الناتج المحلي زيادة نسبتها 22 في المائة. إلا أن عجز موازين المالية العامة والحساب الجاري ستستمر في 2016، إذ إن عائدات تصدير النفط لن تكفي لتغطية النفقات المقررة في الميزانية وتكاليف الواردات التي يُحرِّكها الاستهلاك. وسيُبقِي هذا عجز الميزانية عند نحو 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وعجز الحساب الجاري عند 70 في المائة من الإجمالي. وعند بلوغ إنتاج النفط طاقته الكاملة، من المتوقع أن يتعافى النمو بنسبة 46 في المائة في عام 2017 و15 في المائة في 2018 قبل أن يستقر عند مستوى يتراوح بين خمسة و5.5 في المائة بعد ذلك. وستشهد موازين المالية العامة والحساب الجاري تحسُّنا كبيرا، ومن المتوقع أن تُسجِّل الميزانية العامة فوائض من عام 2018 فصاعدا، وسيتراجع عجز ميزان الحساب الجاري تدريجيا إلى أقل من 0.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2019. وستبلغ احتياطيات النقد الأجنبي في المتوسط نحو 22 مليار دولار في فترة 2017-2019 أي ما يعادل تكاليف واردات 8.2 شهر.
 
التحديات الاقتصادية التي تواجه ليبيا:
تعاني ليبيا من عجز في الموازنة يصل إلى حوالي 70 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي. يعد أكبر عجز في الميزانية في العالم مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي. وتقلصت الاحتياطيات المالية الليبية من 108 مليار دولار عام 2013 إلى 45 مليار دولار. وستواجه البلاد انهيارا اقتصاديا ما لم يطرأ تغيير ما. ومن المتوقع أن يعود النمو إلى التعافي في السنوات القليلة القادمة مع وصول انتاج النفط إلى كامل طاقته ليصل إلى 46 في المئة في 2017 و15 في المائة في 2018.
 
رابعاً: فرص الاستثمار الأجنبي وأهم مشروعات الاستثمار الأجنبي في ليبيا:
من أهم مجالات الاستثمار في ليبيا القطاع الصناعي، وهو أحد القطاعات الرئيسية لتحقيق التنمية، ويتميز بوجود قطاعين: الصناعات الكبيرة الحجم، مثل البتروكيماويات والغاز، والثاني هو قطاع الصناعات المتوسطة والصغيرة. ومن أهم فرص الاستثمار صناعة الألومنيوم، صناعة البلاستيك، صناعة المواد الغذائية والصناعات الهندسية، صناعة التأمين في ليبيا، القطاع السياحي وإقامة الفنادق السياحية والمنتجعات[11].
 
المشاريع الأجنبية الحالية في ليبيا

  • من أهم الدول المستثمرة في ليبيا، البحرين وتعتبر أكبر الدول من حيث حجم استثماراتها في حوالي 20 مليار دولار دولار(4 مشروعات+ 4 شركات)، أما هولندا فقد بلغت استثماراتها حوالي مليار دولار و481 مليون دولار (5 مشروعات+ 4 شركات)، أما الإمارات العربية المتحدة فقد بلغ حجم استثماراتها 874 مليون دولار (14 مشروع+ 13 شركة)، (جدول 2: أهم الدول المستثمرة في ليبيا).
  • من أهم الشركات المستثمرة في ليبيا: خلال الفترة (2011-2015)، مثل شركة الخليج للتنمية (Al khaleej Development (Tameer))، وهي شركة بحرينية برأس مال (20 مليار دورلار)، البترول البريطانية British petroleum، وبرأس مال 900 مليون دولار، وشركة الودسيد الاسترالية Woodside Energy برأس مال 722 مليون دولار، والشركة الهولندية (Multi Development)، برأس مال قدره 697 مليون دولار. (جدول (33) أهم الشركات الأجنبية المستثمرة في ليبيا خلال الفترة (يناير 2011- ديسمبر 20166).
  • من بين أهم القطاعات الجاذبة للاستثمارات الأجنبية قطاع الطائرات (22.412.9 مليار دولار)، ثم قطاع النفط والغاز (6.561.1 مليار دولار)، البناء ومواد البناء (129.4 مليار دولار)، الفنادق والسياحة (974.8 مليون دولار)، (جدول رقم (4): توزيع الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب التوزيع القطاعي (يناير 20111- ديسمبر 20155).

 
والجداول التالية من (1) إلى (5) تبين توزيع المشروعات الأجنبية في الجزائر، وأهم الدول المستثمرة، وأهم الشركات الأجنبية المستثمرة، وتوزيع الاستثمارات الأجنبية حسب القطاعات، وكذلك توزيعها حسب المصادر والاقاليم الجغرافية المصدرة لها.

  • ‌أ- أهم المشروعات الأجنبية في ليبيا:

الجدول رقم (1) : الاستثمار الأجنبي المباشر في دولة ليبيا – حسب المشروعات
(2003- 2014)

العامعدد المشروعاتالتكلفةبالمليون دولارعدد الوظائفعدد الشركات
20034278.01154
200471.321.214507
2005131.962.7137711
2006122.973.0709012
2007213.157.8422421
2008372.978.5850534
2009171.813.0403115
201019973.3289818
2011544.22175
20121088.136010
201312143.545812
20143179.24443
الإجمالي16033.90431169148
المصدر: المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات: النشرة الشهرية، السنة الرابعة والثلاثين، العدد الفصلي الثاني، يونيو 2016.

  • ‌ب-
    أهم الدول المستثمرة في ليبيا

الجدول رقم (2): أهم الدول المستثمرة في ليبيا.
(يناير 2011 – ديسمبر 2015)

الدولةعدد المشروعاتالتكلفةبالمليون دولارعدد الوظائفعدد الشركات
البحرين420.181.435244
هولندا51.610.935274
المملكة المتحدة151.481.4173014
الولايات المتحدة10948.5116510
الإمارات العربية المتحدة14874.3227313
إيطاليا10772.621179
النرويج6755.56996
استراليا3721.64701
سنغافورة6649.120453
روسيا7623.710817
أخرى805.284.61253877
الإجمالي16033.90431169148
المصدر: المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات: النشرة الشهرية، السنة الرابعة والثلاثين، العدد الفصلي الثاني، يونيو 2016.

 
ج- أهم الشركات المستثمرة في ليبيا:
جدول رقم (3): أهم الشركات المستثمرة في ليبيا
(يناير 2011- ديسمبر 2015)

الدولةالدولةعدد المشروعاتالتكلفة بالمليون دولار
Al khaleej Development (Tameer)البحرين120.000 
British petroleumالمملكة المتحدة1900 
Woodside Energyاستراليا3722 
Multi Development( multi Vastaged)هولندا1697 
Italcementإيطاليا1650 
Norsk Hydroالنرويج2622 
Royal Dutch Shell Plcهولندا3603 
Office Cherifien des Phosphates(OCP)المغرب1500 
Ran Hillماليزيا1413 
Hotelpropertiesسنغافورة3392 
أخرى 1438.406 
الإجمالي 16033.904 
المصدر: المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات: النشرة الشهرية، السنة الرابعة والثلاثين، العدد الفصلي الثاني، يونيو 2016.

 
د- توزيع تكلفة الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب التوزيع القطاعي:
جدول رقم (4): توزيع الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب التوزيع القطاعي
(يناير 2011- ديسمبر 2015)

القطاعالتكلفة بالمليون دولار
الطائرات22.412.9
الفحم والنفط والغاز6.561.1
البناء ومواد البناء1.129.4
الفنادق والسياحة974.8
مواد كيميائية614.4
المعادن604.6
الخدمات المالية441.2
خدمات الاعمال409.2
الآلات الصناعية والمعدات والأدوات155.4
وسائل النقل123.9
الغذاء والتبغ95.9
منتجات استهلاكية73.8
تصنيع المعدات63.1
المنسوجات59.5
خدمات البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات31.2
البلاستيك29.6
مكونات إلكترونية25
الطيران23.8
الاتصالات22.5
سيراميك وزجاج22
الطاقة المتجددة/ البديلة15
معدات السيارات10.1
الفضاء والدفاع7.9
المصدر: المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات: النشرة الشهرية، السنة الرابعة والثلاثين، العدد الفصلي الثاني، يونيو 2016.

 
ه- توزيع الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب الأقاليم الجغرافية:
جدول رقم (5) توزيع الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب الأقاليم الجغرافية:

الأقاليم الجغرافيةنسبة الاستثمارات الواردة / الاستثمارات الواردة الكلية
أوروبا الغربية16.4%
الشرق الأوسط63.9%
آسيا والمحيط الهادي7.6%
بقية أوروبا4.6%
أفريقيا3.7%
أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي1.0%
المصدر: المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات: النشرة الشهرية، السنة الرابعة والثلاثين، العدد الفصلي الثاني، يونيو 2016.

 
مركز المزماة للدراسات والبحوث
18 ديسمبر 2016
 
[1] مركز المزماة للدراسات والبحوث: تقرير تقدير الموقف –الأوضاع في ليبيا/ ليبيا بعد عام من اتفاق الصخيرات (ديسمبر 2015)،(دبي، 13ديسمبر 2016).
http://almezmaah.com/2016/12/13/
[2] راجع بالتفصيل تقرير  لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني عن التحقيق في التدخل الأجنبي وخيارات السياسة البريطانية للتعامل مع إخفاقات التدخل في ليبيا:
House of Commons: Foreign Affairs Committee, Libya: Examination of intervention and collapse and the UK’s future policy options, Third Report of Session 2016–17
https://www.publications.parliament.uk/pa/cm201617/cmselect/cmfaff/119/119.pdf
[3] Ideam
[4] Dr. Raz Zimmt : Spotlight on Iran (January 17 – 31, 2016), The Meir Amit Intelligence and Terrorism Information Center, 2016
[5]Con Coughlin: Iran ‘steals surface-to-air missiles from Libya’,The Telegraph,22/9/2011
http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/middleeast/iran/8782103/Iran-steals-surface-to-air-missiles-from-Libya.html
[6] السيد عوض عثمان: النفوذ الإيراني الناعم في أفريقيا، سلسلة دوليات، (القاهرة: المركز العربي للدراسات الإنسانية،2010)، ص 76، 77
[7] العرب اللندنية: “نظام البشير يعترف بدعم إخوان ليبيا وحوثيي اليمن”، 2/12/2014
http://alarab.co.uk/?id=39438
[8] Yossef Bodansky : Libya Now Assuming a Central Place in Islamic Caliphate Thrust: Against Egypt, Maghrebi States, and Africa, March 2015, ISPSW Strategy Series
https://www.files.ethz.ch/isn/188802/327_Bodansky.pdf
[9] مركز المزماة للدراسات والبحوث: تقدير الموقف الليبي / الأوضاع الليبية / الإدارة الأمريكية الجديدة وخيارات التعامل مع الأزمة الليبية،(دبي، 28 نوفمبر 2016)
http://almezmaah.com/2016/11/28
[10] البنك الدولى: ليبيا : الأفاق الاقتصادية، ربيع 2016.
http://www.albankaldawli.org/ar/country/libya/publication/economic-outlook-spring-2016
[11] هيئة تشجيع الاستثمار: المؤتمر الوطني حول الاستثمار الأجنبي في الجماهير العظمى،طرابلس،2006، ص 10
http://www.yemen-nic.info/contents/econmic/investement/experts/beaaleebyaa.pdf

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock