خلال الحرب العالمية الثانية، ونتيجة للمصاريف الضخمة التي كانت تصرفها بريطانيا على الأمور الحربية، ساءت أحوال الشعب في شرق الأردن، بعد إهمال الزراعة والصناعة فتدهور الاقتصاد، وتفاقمت الأحوال من جراء تزايد الضرائب المفروضة على الأهالي بشكل مأساوي، فبينما كانت الضرائب المباشرة بقيمة 183 الف ليرة فلسطينية لسنتي 1938-1939، أصبحت بقيمة 213 ألف في سنتي 1943-1944. ونتيجة لكل ذلك بدأ الفلاحون يفقدون أراضيهم بسرعة، وانتشر الفقر والجوع، وقلت مساحة الأراضي المحروثة، وهبط المردود الزراعي، وانخفض عدد رؤوس المواشي.

    في المقابل توسعت مشاريع التجارة والوساطة بسبب عدم قيام الرقابة على الأسعار، وكانت العمليات التجارية معفاة من ضريبة الدخل، وكان التجار ملزمين فقط بدفع رسم إجازة الاستيراد، وقدرها مبلغ بسيط جدًا( ). ولقد نشطت في هذه الأثناء تجارة الترانزيت، وتطورت عمليات إعادة التصدير، هذا الازدهار التجاري في قطاعي التجارة والوساطة كان مؤقتًا، لأن ظروف الحرب العالمية الثانية كانت قاسية جدًا، وأثرت على جميع البلدان التي دخلت بشكل أو بآخر لها، وبقي الوضع الاقتصادي سيء جدًا في شرق الأردن.

     في عام 1941، أعلن ممثل فرنسا الحرة استقلال سوريا ولبنان، وفي عام 1945 بعد أحداث أيار/ مايو الدامية، توحدت سوريا وانضمت إليها نهائيًا حكومة جبل الدروز والعلويين، وفي عام 1946 جلت الجيوش الأجنبية عن سوريا ولبنان.

    بدأ ظهور حركات التحرر في العالم العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية . ومع تأسيس جامعة الدول العربية 1945 كمنظمة إقليمية عربية قامت استجابة للشعور العربي العام المتمثل في أهداف واحدة، وخصائص لغوية وثقافية واجتماعية واحدة، والتي قامت تثبيتًا للعلاقات الوثيقة والروابط العديدة بين الدول العربية.

      وتعود فكرة تأسيس جامعة الدول العربية إلى بريطانيا، حيث كانت تحاول امتصاص الجماهير العربية التي اشتد حماسها بعد الحرب العالمية الثانية مع الانتفاضة الوطنية والقومية لتحقيق آمالها في الوحدة العربية.

    وسط ذلك جاء دخول بريطانيا الحرب العالمية الثانية، وتبني التيارات الوطنية العربية اشتراك بريطانيا في الحرب، والوقوف إلى جانبها حتى النصر، مقابل منحها الاستقلال التام( ). مع سقوط فرنسا في حزيران/ يونيو 1940، أعطى للبلاد العربية الواقعة تحت الانتداب البريطاني الأمل في انتهاء السيطرة البريطانية.

      جاء تغير موازين القوى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من (1939- 19459، حيث تغيرت خارطة العالم المعاصر بانتهاء الاستعمار القديم، وولادة استعمار جديد له وجه مختلف تمامًا، وكانت أهم صفاته طرد المستعمر القديم من العالم العربي وغيره ليحل مكانه، أي الولايات المتحدة الأمريكية المنتصر الأكبر في تلك الحرب، ومن بعده الاتحاد السوفياتي الذي خرج من الحرب منهوك القوى.

     مع ظهور منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كبديل لعصبة الأمم، التي كانت دساتيرها تنص على شعارات كبيرة أهمها: فض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، والامتناع عن التهديد بالقوة، أو استخدامها ضد الاستقلال السياسي لأي دولة أو سلامة إقليمها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما.

معاهدة 1946 واعلان الاستقلال

      بعد التحركات النضالية التي قام بها الشعب الأردني في عدة مناطق، وبعدما اشتدت الحركة الشعبية المناهضة للانتداب الانجليزي في جميع أنحاء البلدان العربية، خاصة في مصر وسوريا ولبنان، سارع البريطانيون إلى اعادة النظر في سياستهم الاستعمارية في المشرق العربي، وخاصة في شرق الأردن، وذلك لخشيتها من أن توضع الأردن تحت وصاية جماعية من هيئة الأمم المتحدة( ). اضافة إلى أن بريطانيا كانت قد وعدت شرق الأردن خلال الحرب العالمية الثانية بالاستقلال، وحين انتهاء الحرب كان على بريطانيا الوفاء بوعدها.

      في تاريخ 27 حزيران/ يونيو 1945، قدمت حكومة شرق الأردن مذكرة إلى المندوب السامي مخاطبة الحكومة البريطانية مبلغة أن الوقت قد حان لكي تفي بريطانيا بوعدها باستقلال الأردن، وإعلانه في أقرب وقت. في هذا الوقت وجهت دعوة للأمير عبدالله من أجل زيارة بريطانيا واجراء مباحثات تتعلق بمستقبل شرق الأردن، والدعوة إلى تحديد موعد الاستقلال.

     في نهاية شهر شباط/ فبراير 1946، وصل الأمير عبدالله إلى لندن، وسارت المفاوضات بيسر( ). وفي 22 آزار/ مارس تم توقيع معاهدة التحالف بين الأردن وبريطانيا تنص على الغاء الانتداب البريطاني عن شرق الأردن، والاعتراف باستقلاله( )، وقد وقع هذه المعاهدة في لندن رئيس الوزراء ابراهيم هاشم مع ممثل الحكومة البريطانية المستر بين، وتعتبر هذه المعاهدة فترة انتهاء عهد الانتداب البريطاني ودخول الأردن عصبة الأمم المتحدة كدولة مستقلة صاحبة سيادة وحدود، وهذا وفقًا لما ورد في جريدة الجزيرة في مقالها حول “استقلال شرق الأردن”، حيث جاء فيها “…لقد وقع هذه المعاهدة فخامة ابراهيم باشا هاشم سي بي أي، رئيس وزراء حكومة شرق الأردن بالنيابة عن الحكومة الأردنية، والمستر ارنست بين وزير الخارجية والمستر أ، كربش جونس مساعد وزير المستعمرات (وفي غياب مستر. ه. هول وزير المستعمرات الذي لم يستطع الحضور) بالنيابة عن حكومة جلالته، أن نصوص هذه المعاهدة لا تنشر قبل الأسبوع القادم حين تعرض على البرلمان. وأن المعاهدة هي اشارة انتهاء عهد الانتداب البريطاني، وظهور شرقي الأردن كدولة مستقلة. بالنظر للرغبة المتبادلة فإن حلفًا وثيق المرى سيخلد روابط الصداقة الحاضرة بين البلدين”.

    وقد ألحقت بهذه المعاهدة بنود المعاهدة الأردنية البريطانية التي نصت على 14 مادة أهمها: مسؤولية الدفاع عن شرق الأردن من قبل بريطانيا، والعمل السريع من أجل التمثيل الدبلوماسي، اضافة إلى ذلك يسمح لبريطانيا أن تحتفظ بقواتها في شرقي الأردن وتمنح هذه القوات بعض التسهيلات، كل هذا أن تقدم بريطانيا مساعدة مالية لحكومة شرقي الأردن( ). وقد صادق مجلس الوزراء على المعاهدة وسمو الأمير عبدالله بتاريخ 30 آزار/ مارس 1946( ). وكانت مدتها 25 سنة.

      وتم اعلان شرق الأردن مملكة مستقلة يتولى حكمها الأمير عبد الله الذي أصبح ملكًا عليها، وأستبدل اسم “شرق الأردن” باسم المملكة الهاشمية الأردنية “الأردن”. وفي 25 ايار/ مايو 1946 عقد المجلس التشريعي الأردني الخامس جلسته الثالثة لدورته فوق العادة، ولدى تلاوة مقررات المجالس البلدية المبلغة إليه، والمتضمنة رغبات البلاد الأردنية العامة، ثم تلاوة مذكرة مجلس الوزراء المتضمنة تأييد تلك المقررات واقتراح تلبيتها، وتعديل القانون الأساسي الأردني، وبناء عليه فقد أصدر المجاس التشريعي الأردني بالإجماع القرار التاريخي الآتي:

-اعلان البلاد الأردنية دولة مستقلة استقلالًا تامًا، وذات حكومة وراثية نيابية.

-البيعة بالملك لسيد البلاد ومؤسس كيانها، ووريث النهضة العربية عبدالله بن الحسين، بوصفه ملكًا دستوريًا على رأس الدولة الأردنية بلقب حضرة صاحب الجلالة “ملك المملكة الأردنية الهاشمية”.

-اقرار تعديل القانون الأساسي الأردني على هذا الأساس طبقا لما هو مثبت في لائحة (قانون تعديل القانون الأساسي) الملحق بهذا القرار.

-رفع هذا القرار إلى سيد البلاد عملًا بأحكام القانون الأساسي، ليوشح بالإرادة السنية.

    بناء على ما تقدم، فقد قام أعضاء المجلس التشريعي الأردني بتقديم مراسيم الولاء والبيعة لجلالة الملك. وقد حضر حفل التتويج مسؤولون كبار من بريطانيا وشرق الأردن، والعراق، ووفد لبناني، وعدد من زعماء العشائر والقبائل السورية والعراقية، وأمين الجامعة العربية عبدالرحمن عزام.

       وقد شهد توقيع معاهدة استقلال شرقي الأردن ردود أفعال متباينة، حيث عبر الملك فاروق عن تأييده لمبدأ استقلال الأردن، لكنه شعر بأن بريطانيا تصرفت بتهور، أما الصحافة السورية، فقد اعتبرت ملحق المعاهدة العسكري منافيًا للاستقلال، غير أن الحكومة السورية كانت سعيدة في سرها، لأن الملحق واعتماد عبدالله المستمر على بريطانيا شكل ضربة قاتلة موجهة إلى مطالبة عبدالله بعرش سوريا( ). كما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية الواقعة تحت ضغوط الحركة الصهيونية في كل من فلسطين، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية إلى معارضة استقلال شرق الأردن الذي اعتبروه مناقضًا مع العقيدة الصهيونية الجامدة القائمة على أن شرق الأردن جزء من فلسطين، وقد ساهم هذا الضغط في تأخير الاعتراف الأمريكي بشرق الأردن.

     محليًا، فقد قوبلت المعاهدة بالسخط من الأردنيين، مما حدا بالملك عبدالله أن يطالب بريطانيا تخفيف بعض بنود المعاهدة لذلك عقد تحالف آخر بينهما، حيث أنهما لا يختلفان عن جوهر السيطرة البريطانية في الأردن.

البيعة للملك والمملكة والولاء للجيش

       هي بدايات حضرت في الخامس والعشرين من مايو/ أيار 1946 عندما بُويع الأمير عبد الله بن الحسين ملكًا دستوريًا على البلاد وظل يواصل مساعيه في تنمية الجيش وتعزيز الروح العسكرية فيه رغم الصعوبات التي كانت تواجهه آنذاك.

      ظل الملك المؤسس يرعى الجيش العربي ويعمل على تنميته وتطويره حتى أصبحت قوة الجيش العربي في مايو/ أيار عام 1948( )، تتألف من أربع كتائب آلية، وبطاريتي مدفعية وسبع سرايا مشاة، وكان للجيش العربي مشاركته في حرب فلسطين عام 1948 في بوابات القدس واللطرون، وباب الواد وجنين وغيرها وسقط منه العديد من الشهداء( )، وعندما وجد الملك عبد الله بن الحسين أن جبهة المواجهة مع إسرائيل أخذت تزداد( )، وأصبحت أكثر اتساعاً( )، دفعه ذلك إلى إعادة تنظيم سرايا المشاة وتشكلت الكتيبتان الخامسة والسادسة وتواصلت عملية النمو والتوسع في الجيش العربي.

     في عديد النواحي التاريخيّة الموثقة، نجد الأردن رغم أنه أقل الجيوش العربية عددًا وعدة صاحب الانتصارات الوحيدة في حرب 1948، وقد استطاع الجيش العربي الأردني أن يحقق انتصارات ميدانيّة مهمّة واستثنائيّة( ). وكانت ثمرة البطولات العسكريّة الأردنيّة أن تم تحرير القدس والحفاظ عليها وطرد اليهود منها وإفشال المخططات الإسرائيليّة، آنذاك، في احتلال الضفة الغربيّة، التي خاض فيها الجيش العربي الأردني معارك ضارية( )( )، ومستميتة في الحفاظ عليها. وقد حددت مهام الجيش الأردني بالزحف نحو القدس ورام الله فقط فحررهما إلا أن تخلف القوات العربية الأخرى أدى إلى اتساع جبهة القتال الأردنية.

     سبق أن صرح بن غوريون – الزعيم الصهيوني ورئيس وزراء إسرائيل: «إن مصير الحرب، يتوقف على القتال بين الجيش الإسرائيلي، والجيش الأردني، فإمّا أنْ يخترق الجيشُ العربي الأردني مثلثنا، أو أن نقوم نحن، باختراق مواقعه، فإذا نجحنا، نكون قد أوشكنا أن نكسب الحرب، فالجبهة الرئيسية التي تواجهنا، هي التي يتمركز بها الجيش الأردني، في منطقة القدس وجبالها (منطقة وسط فلسطين)، وليس تلك التي يتمركز بها الجيش المصري في النقب، أو الجيش السّوري في الجليل. إنني أحترم قدرة الجيش العربي الأردني، وشجاعة جنوده».

     لقد خاض الجيش العربي الأردني 39 معركة ضارية حاسمة ضد القوات الصهيونية التي هاجمت المناطق العربية عام 1948 كان من أبرزها كانت معركة اللطرون هي واحدة من المعارك التي خاضها الجيش الأردني ضد إسرائيل في مدينة القدس في الحرب العربية الإسرائيلية (حرب 1948)( ). تبعت هذه المعركة معركة أخرى هي باب الواد والتي من خلالها تم تحرير القدس( )( ). استمرت معركة اللطرون 10 أيام (من 15-23 مايو/ أيار عام 1948) وكانت مقدمة لتحرير القدس وإخراج القوات اليهودية منها( ). كانت خسائر القوات الإسرائيلية كبيره في هذه المعركة، وكان من بينهم الضابط الأمريكي ديفيد ماركوس الذي وقف بجانب الإسرائيليين، وقد قتل عن طريق الخطأ بواسطة إطلاق نار من أحد الجنود الإسرائيليين.

     لقد اشتبك الجيش الأردني (كتيبة المشاة الرابعة) بقيادة حابس المجالي مع الجيش الإسرائيلي بقيادة أرئيل شارون الذي أصبح في ما بعد رئيسًا للوزراء (2001- 2006). وقد جرح أرئيل شارون في المعركة ووقع أسيرًا بيد الجيش العربي الأردني، أسره يومها النقيب حابس المجالي (المشير فيما بعد) الذي عالجه ونقله إلى الخطوط الخلفية، ثم إلى مدينة المفرق في الأردن حيث كان قد أقيم معسكر اعتقال الأسرى اليهود هناك، وتمت مبادلته بأسير عربي عندما جرى تبادل الأسرى بعد الهدنة الثانية.