المقدمة :

الأزمات – باستثناء أزمات الطبيعة – مثل الزلازل والعواصف، والبراكين، وحرائق الغابات الناجمة عن الصواعق.. الخ، هي فعل أو رد فعل إنساني؛ فعل يهدف إلى توقف، أو انقطاع نشاط من الأنشطة، أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع، بهدف إحداث تغيير في هذا النشاط، أو الوضع لصالح مدبره، وهو ما يعرف ” بالإدارة بالأزمات“. ومن قبيل ذلك سعي العاملين في مشروع اقتصادي ما إلى الإضراب عن العمل، من أجل زيادة أجورهم، أو المشاركة بنسبة في الأرباح، أو تكوين نقابة خاصة بهم، أو خفض ساعات العمل أو الحصول على غير ذلك من مزايا عينية وتسهيلات، أو محاولة رب العمل من جانبه طرد بعض المحرضين على الإضراب، بهدف تحقيق الانضباط.

 وقد تفلح محاولة أي من هذين الفريقين ( العمال أو أرباب الأعمال )، وهنا يقال إن تسبب أيهما في خلق ” الأزمة ” قد أفلح في تحقيق مراده، ونجحت محاولته للإدارة بالأزمات” management by Crisis “، وقد تفشل مثل هذه المحاولة، فيجد مدبر الأزمة نفسه وقد أصبح في مأزق حقيقي. وتمثل محاولاته للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة إدارة للأزمة Crisis Management ، فإذا فشل الإضراب مثلاً في تحقيق أهدافه، ونجحت جهود المحرضين عليه في إقناع صاحب العمل بمجازاتهم في تحقيق أهدافه، ونجحت جهود المحرضين عليه في إقناع صاحب العمل بمجازاتهم بخصم بضعة أيام من أجورهم بدلاً من فصلهم، فإن ذلك في حد ذاته يمثل إنجازاً لهم في تحجيم خسائرهم ، أو نجاحاً في إدارتهم للأزمة.

بيد انه وإن كان المثال السابق يمثل نموذجا خاصاً بالجمع بين ” الإدارة بالأزمات”، و “إدارة الأزمات” من قبل طرف واحد من أطراف الأزمة، فإن الحياة العلمية لا تفترض حتمية الربط بين هذين الأسلوبين من قبل جانب واحد، والمثال الأكثر شيوعاً هو قيام أحد أطراف الأزمة باستخدام ” الإدارة بالأزمات”، يقابله لجوء الطرف الآخر المدبرة الأزمة ضده إلى أسلوب ” إدارة الأزمات”.

كما أنه على الرغم من أن النتيجة المفترضة نظرياً لتقاطع هذين الأسلوبين، أو للتفاعل القائم بينهما، هو أن يحقق أحدهما قدراً من المكاسب يعادل ما يتكبده الطرف الآخر من خسائر، أو ما يعرف” بالمباراة  ذات الحصيلة الصفرية ” Zero-Sum- game   إلا أن الواقع العملي لا يحتمل دائماً مكسباً كلياً مقابل خسارة تامة، وإنما يحقق كل من الطرفين قدراً من المكاسب والخسائر المزدوجة. وفي المثال الذي سقناه آنفاً، فإن نجاح صاحب العمل في فصل العمال المضربين قد يؤدي إلى نقص في الإنتاج، أو إلى تكرار الإضرابات من جانب باقي العمال تعاطفاً مع زملائهم المفصولين، مما يهدد بتوقف نشاط المشروع الاقتصادي، كما أن نجاح العمال المضربين في الحصول على زيادة في أجورهم قد يدفع صاحب العمل إلى التنكيل ببعض متزعمي الإضراب، أو تشديد الجزاءات الموقعة على من يخطئ منهم.

وهناك بعض الأزمات التي قد تسفر عن فائدة مشتركة للطرفين، ولا يزال المثال السابق الرائد في التمثيل لهذا النوع من الأزمات، وذلك في حالة ما إذا ترتب على هذا الإضراب نجاح العمال في الحصول على زيادة في أجورهم، في مقابل العمل ساعات إضافية لزيادة إنتاجية المشروع.[1]

3/1- مفهوم الإدارة بالأزمات:

الإدارة بالأزمات تقوم على افتعال الأزمات، وإيجادها من عدم كوسيلة للتغطية والتمويه على المشاكل القائمة التي تواجه الكيان الإداري، فنسيان مشكلة ما، يتم فقط عندما تحدث مشكلة أكبر وأشد تأثيراً، بحيث تطغى على المشكلة القائمة، وهكذا يظل الكيان الإداري المهترئ يتعرض لأزمة تلو أزمة، وتتعاقب عليه الأزمات متلاحقة حتى يتم تدميره بالكامل. أو يهدي الله إليه من يأخذ بيده إلى بر النجاة.

ومن هنا يطلق البعض على الإدارة بالأزمات علم صناعة الأزمة للتحكم والسيطرة على الآخرين. والأزمة المصنوعة المخلقة، لها مواصفات حتى تبدو حقيقية، وحتى تؤتي ثمارها، وأهم مواصفاتها هي الإعداد المبكر، وتهيئة المسرح الأزموي، وتوزيع الأدوار على قوى صنع الأزمة، واختيار التوقيت المناسب لتفجيرها، وإيجاد المبرر والذريعة لهذا التفجير.[2]

وللأزمة المصنوعة إيقاع سريع متدفق الأحداث، ومتلاحق التتابع، ومتراكم الإفرازات والنتائج، وكل منها تصب في سبيل تحقيق الهدف المراد الوصول إليه، فلكل أزمة مصنوعة هدف يتعين أن تصل إليه، وبدون تحقيق هذا الهدف لن يتلاشى الضغط الأزموي، أو يخف التأثير العنيف الصاخب لإفرازات الأزمة، وكذا لن تهدأ قوى صنع الأزمة أو تتراجع حتى تحقيق هذا الهدف.

ومن ثم وللتعامل مع الأزمات المفتعلة أو المصنوعة يتعين أن تحصل على إجابات سريعة ووافية عن الأسئلة التالية:

  • كيف ظهرت الأزمة وتطورت أحداثها؟
  • من هم الأطراف الصانعة للأزمة سواء العلنيون أو الذين يعملون في الخفاء؟
  • لماذا تم صنع الأزمة في الوقت الراهن؟
  • ما الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه قوى صنع الأزمة؟
  • ما المدى الذي لا يتعين أن تتجاوزه قوى الضغط الأزموي؟ وما هي المحاذير الموضوعة لكل منها؟ والحدود المتفق عليها بينها؟[3]

وتقوم عملية الإدارة بالأزمات على خلق أزمة وهمية يتم من خلالها توجيه قوى الفعل السلوكي والاقتصادي إلى تكريس الأزمة، أو إلى سلوك معين بشأنها.

 وخير مثال على ذلك ما يعمد إليه بعض التجار من أصحاب الموقع الاحتكاري من خلق أزمات في بعض السلع من خلال تخزين هذه السلع وعدم عرضها بالسوق لتعطيش المستهلك لها، وإشاعة أن هناك أزمة شديدة في إنتاج هذه السلع، مما يدفع المستهلكين إلى البحث عنها بأكثر من احتياجاتهم، وهنا يقوم هذا التاجر بعرضها سرا لتحقيق أرباح طائلة.

ومثل هذا الأسلوب في الحقيقة يكون مدمراً للتاجر وللمنتج لهذه السلع، حيث يعمد المستهلك إلى البحث عن بديل متوفر، وقد يكون أفضل، كما يدفع هذا الوضع بعض المنتجين الجدد إلى الدخول إلى ميدان إنتاج هذه السلعة وتقديمها بشروط أفضل للمستهلكين… وهكذا.

وتستخدم الدول الكبرى الإدارة بالأزمات كأسلوب لتنفيذ إستراتيجيتها الكبرى في الهيمنة والسيطرة على العالم Globalization، ولتأكيد قوتها، وفرض إرادتها وبسط النفوذ وبشكل لا يفقدها أصدقائها ولتحييد أعدائها وتدمير مصالحهم، وفي الوقت ذاته لتقوية تحالفاتها القديمة.

 بل ولتحقيق أهدافها الخفية طويلة المدى التي لا تستطيع الإعلان عنها أو حتى مجرد التنويه عنها، وهو ما استخدمه أدولف هتلر عند اشتعال الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب المدمرة التي كلفت البشرية 50 مليون إنسان قتلى حرب، فضلاً عن تكاليفها المادية الباهظة، وقد استخدم هتلر الإدارة بالأزمات ببراعة ودهاء شديدين، دون اعتبار لأي قيم أو مثل، لإيجاد المبرر، ولكسب التأييد الشعبي لغزو بولندا، وتحييد دول العالم أمام هذا الغزو، حيث بدأت الحرب من سبتمبر عام 1939 باجتياح القوات الألمانية حدود بولندا.

ولكن قبل الاجتياح تم افتعال أزمة ببراعة وحنكة، محورها تصوير الغزو الألماني على انه مجرد دفاع عن النفس ومرحلة تأديب لبولندا التي خانت المعاهدات وعلاقات حسن الجوار، وفي الوقت ذاته الوصول بالموقف العالمي إلى أزمة حافة الحرب.

وقد بدأت صناعة الأزمة في الليلة السابقة لقيام الحرب، حيث أخذت قوات العاصفة الألمانية النازية 12 سجيناً بولندياً من معسكر اعتقال بالقرب من برلين، وألبستهم ملابس الجيش البولندي، ثم أطلقت عليهم الرصاص وألقت بجثثهم في غابة على الحدود الألمانية البولندية، مع إضافة بعض المؤثرات لتصوير الموقف على أنه عملية قذرة عسكرية قامت بها بولندا ضد ألمانيا، ليتم عرضهم على مراسلي الصحافة الأجنبية، وتصويره على انه بداية غزو بولندي لألمانيا، وأن الحرس الألماني استطاع إحباط المحاولة وقضى على عدد كبير من الغزاة، وفي الوقت نفسه قامت قوات العاصفة بمهاجمة محطة إذاعية ألمانية على الحدود البولندية الألمانية وهي ترتدي ملابس الجيش البولندي، وتصطحب سجيناً بولندياً آخر، ثم قامت القوات بإطلاق الرصاص في كافة الاتجاهات، وقتل عدد من العاملين الألمان بالمحطة، وإجبار السجين البولندي على إذاعة بيان بقيام القوات البولندية بغزو ألمانيا، ثم هربوا تاركين الأسير البولندي جثة هامدة بعد أن أطلقوا عليه الرصاص، وأحد العاملين الألمان بمحطة الإذاعة مصاباً إصابة بسيطة ومغمى عليه من هول الصدمة، ليحكي عما شاهده من قيام الجيش النظامي البولندي بمهاجمة المحطة وقتل من فيها من الألمان أمام ممثلي الصحافة العالمية، وأمام جهات التحقيق الألمانية.

وبعد إتمام صنع الموقف الأزموي بنجاح، قام هتلر في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، أول سبتمبر، مرتديا

” المعطف المقدس”، بزيارة الرايخستاخ “البرلمان الألماني ” وإلقاء كلمة قصيرة، قال فيها:

” لأول مرة يجرؤ الجنود البولنديون النظاميون على مهاجمة وطننا، فقمنا منذ الساعة السادسة إلا ربعاً صباحاً بالرد على النيران. ومنذ الآن فصاعداً سنرد بالقنابل على القنابل”.

وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية بأزمة مدبرة مفتعلة.[4]

 وصناعة الأزمة هي في حقيقتها عملية جراحية جذرية في الكيان الإداري الذي صنعت فيه، وبهدف تأكيد وضمان استمرار المصالح الحيوية القائمة، وتدعيم قوى الاستقرار والتوازن المتواجدة، أو إيجاد قوى استقرار وتوازن جديدة. ومن ثم فقد تؤدي عملية صناعة الأزمة على المستوى الدولي إلى ابتلاع دول، وتفتيت إمبراطوريات، وتفكيك تحالفات وإقامة أحلاف جديدة، وضم أجزاء لدول أخرى، وإعادة رسم الخرائط السياسية، وإعادة ترتيب الأوضاع والقوى، وذلك كله من خلال عملية صنع الأزمة.[5]

فعملية الإدارة بالأزمات أسلوب تتبعه المنظمات والشركات والدول والحكومات والعصابات، ويتسع مداه ويستخدمه الأفراد أيضاً، وهو أسلوب أدى إلى إسقاط حكومات، وإشعال حروب، وحصد آلاف من أرواح البشر، وتدمير آلاف الملايين من الدولارات.

وأوضح مثال على صناعة الأزمات ما تعرضت له السلطة الفلسطينية بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في 25 / 1 / 2006م وتشكيلها الحكومة…

هذه الأزمة التي لما تنته بعد والتي أخذت أوجهاً متعددة ستتضح للقارئ جيداً بعد الانتهاء من قراءة الصفحات التالية.

3/2- صناعة الأزمة:

الأزمة ليست فقط وليدة تفاعل ذاتي، وإنما أيضاً هي عملية يمكن صناعتها، وصناعة الأزمة تخضع لأساليب علمية تتولى خلق المناخ الفكري والظروف المناسبة لتفجير الأزمة المفتعلة، وتعبئة كافة الأدوات والوسائل الدافعة والمؤيدة والمحفزة لذلك.

وصناعة الأزمات فن مستحدث للسيطرة على الآخرين، وإخضاعهم وابتزازهم.

ويتم افتعال الأزمات عن طريق برنامج زمني محدد الأهداف والمراحل التي يمكن توضيحها فيما يلي:

3/2/1-  مرحلة الإعداد لميلاد الأزمة:

ويطلق عليها البعض مرحلة التمهيد للأزمة، نظراً لأنها تقوم على تهيئة المسرح الأزموي لافتعال الأزمة، وإيجاد وزرع بؤرتها في الكيان الإداري، وإحاطتها بالمناخ والبيئة  التي تكفل نموها وتصاعدها. وأهم الخطوات التنفيذية التي تتم في هذه المرحلة ما يلي:

  • استخدام الضغوط الاتصالية على الكيان الإداري وحلفائه لإفقاده توازنه، ودفعه رويداً رويداً إلى حافة الهاوية، ومن خلال حسابات الفعل وردود الفعل القائمة على دراسة متأنية لسيكولوجية متخذ القرار في الكيان الإداري المزمع إحداث الأزمة فيه.
  • تشويه حقيقة القائمين على الكيان الإداري وإطلاق الشائعات المبنية على حقائق جزئية، والأكاذيب المدعمة للشائعات،وتصويرهم على أنهم فاقدو الأهلية والرشاد، وأنهم خطر على الأمن والاستقرار، أو أنهم مجرمون خطرون على المجتمع الدولي والشعوب.
  • كسب المؤيدين لأي تدخل عنيف ضد الكيان الإداري، سواء من خلال الإعلام المكثف المصاغة والمعدة رسائله بشكل ممتاز، أو من خلال شبكة المصالح والارتباطات، أو من خلال تسريب المعلومات المغلوطة أو الحقيقية، أو هي جميعاً.[6]

 

3/2/2-  مرحلة إنماء وتصعيد الأزمة:

ويطلق عليها البعض مرحلة التعبئة الفاعلة والمكثفة للضغط الأزموي، وحشد كل القوى المعادية للكيان الإداري المستهدف نيله بالأزمات العنيفة، حيث يتم اصطياد هذا الكيان ووضعه في فخ

الأزمة ومن خلال مجموعة متكاملة من التكتيكات يظهرها لنا الشكل التالي:

المصدر: الخضيري، محسن أحمد، 2003م، مرجع سابق، ص (18).

وهي تكتيكات قد تستخدم في شكل بدائل، أو في شكل متكامل مع بعضها البعض، وفقاً لحجم الكيان الإداري المستهدف نيله بالأزمات، واستنزافه، وحله بشكل مخطط خبيث، وبشكل متصاعد متنام

ويتم التصعيد بموجب ثلاثة تكتيكات خطيرة هي:

تكتيك التصعيد الرأسي:

وهي تقوم على الدفع المباشر لقوى صنع الأزمة وزيادة قدرتها وقوتها، وتكثيف تواجدها في منطقة صنع الأزمنة، و بشكل سريع متعاظم لتأكيد التفوق الكاسح لقوى صنع الأزمة ولعدم تمكين الطرف الآخر من التقاط الأنفاس، والرضوخ للتهديد الصريح العلني للقوة الضاغطة لقوى صنع الأزمة، وزيادتها ونموها ذاتياً مع الوقت.

تكتيك التصعيد الأفقي:

ويقوم على كسب مزيد من الأصدقاء والحلفاء والمؤيدين لقوى صنع الأزمة، وانضمامهم لها في عملية زيادة الضغط الأزموي، واتساع وتوسيع نطاق المواجهة لتشمل مجالات جديدة ومناطق جديدة، وأبعاداً جديدة متسعة، تجعل من عملية مواجهة الأزمة عملية معقدة وصعبة تستنزف الكيان الإداري الذي تم صنع الأزمة لديه، وتقوض دعائمه وتهدم أركانه وبنيانه.

تكتيك التصعيد الدائري المتراكم:

وهذا النوع من التكتيكات ذات الطبيعة الخاصة التي تستخدم في صناعة الأزمات بشكل فعال لزيادة الضغط الأزموي، وإرباك الطرف الأخر إرباكاً شديداً. حيث يتم التصعيد للأزمة باستخدام كافة الأدوات والوسائل، والتخفيف مرحلياً، والتصعيد بشكل كامل.

حيث يتم التصعيد بشكل متكامل ومتنام لفترة يعقبها مرحلة تجميد، وبعد التجميد يتم التصعيد مرة أخرى، وهكذا.

 وتستخدم هذه الطريقة في الأزمات الدولية ذات الطبيعة الخاصة، التي من خلالها يتم إرهاق وإرباك الكيان الإداري المستهدف نيله بالأزمة، وتخويخ هيكله، وضعضعة عناصره وإفقاده الثقة بقيادته، وفوق كل هذا إحداث حالة من التفسخ واليأس والإحباط وبشكل يدفع أفراد هذا الكيان إلى أعمال طائشة هوجاء، وتدفع بالقوى المعارضة الكامنة تحت السطح، أو تحت الأرض في الخفاء إلى الظهور العلني، والتحرك بشكل سريع ومؤثر لاستثمار الخلل في هذا الكيان، ومن ثم زيادة هذا الخلل وتوسيع نطاقه وإجبار الخصم على التقهقر والتسليم بالمطالب التي تطالب بها، والاستجابة لها بشكل كامل.

وأياً ما كان فإن عملية تصعيد وإنماء الأزمة يجب أن تدرس بعناية، وفي ضوء الحساب الختامي المتوقع لها، خاصة في إطار احتمالات قيام الخصم بتصعيد مماثل ومتقابل في هذه العملية.

 وفي هذه المرحلة يتم استخدام أدوات مادية ذات تأثير مباشر على التصعيد الأزمة، من خلال:

  • قطع المساعدات وفرض الحصار الاقتصادي على الكيان الإداري، سواء كان دولة أو مؤسسة أو شركة، أو حتى أسرة، وإحداث إرباك مالي ونقدي وعيني، وإشعار كافة المستفيدين من هذه المساعدات بأهمية التخلص من الأفراد الذين يعارضون سياستنا، أو من القيادة التي استنفذت الغرض منها.
  • استخدام الوثائق والمستندات الحقيقية، أو ذات التزوير المتقن لتأكيد صدق الشائعات السابق إطلاقها في المرحلة الأولى، وتسريب بعض منها إلى أجهزة الإعلام الدولية الواسعة الانتشار.
  • افتعال الأحداث وتنميتها وتصعيدها بشكل كبير لإيجاد المبرر للتدخل العنيف ضد الكيان الإداري، أو ضد قيادة هذا الكيان.[1]

3/2/3-  مرحلة المواجهة العنيفة والحادة:

وهي تلك المرحلة التصادمية بين الكيان المنشئ للازمة، والكيان المطلوب صنع الأزمة فيه أو له.

ويشترط لنجاح هذه المرحلة ما يلي:

  • اختيار التوقيت غير المناسب للكيان الخصم المراد تحطيمه أو استنزافه بالأزمات. وعلى أن يمثل في ذات اللحظة الوقت المناسب لنا لافتعال الأزمة.
  • اختيار المكان غير المناسب للخصم، والذي فيه لا يستطيع السيطرة على الأحداث أو على تداعياتها، ويكون لنا فيه القدرة على توجيه الأحداث والسيطرة عليها.
  • اختيار المجال غير المناسب للخصم لإحداث الأزمة فيه، سواء كان هذا المجال اقتصادياً، أو سياسياً، أو اجتماعيا، أو ثقافياً… الخ، والذي نملك فيه القدرة على تحريك قوى الفعل وإدارة الأزمة.

ويشترط لنجاح التصادم حدوث حادث معين، يطلق عليه حادث ( × ) الذي يكون بداية الشرارة وانطلاق اللهيب، ويفضل أن يكون هذا الحادث طبيعياً عفوياً أو تلقائياً، فإذا لم يتوافر هذا الحادث، كان علينا أن نوفره، وبشكل يبدو تلقائياً عفوياً.

3/2/4-  مرحلة السيطرة على الكيان الإداري للخصم:

وهي مرحلة الاستفادة من حالة انعدام الوزن لدى الخصم، وعدم قدرته على الحكم على الأمور، وتعرضه للاستهواء، ومن ثم من خلال العناصر التي تم زرعها لديه، والمحيطة به يمكن توجيهه بالشكل المطلوب، ومن ثم إفقاده القدرة على الرؤية الذاتية، وفي الوقت نفسه تخليه عن أهدافه الأصلية التي كان يتجه إليها، واستبدال هذه الأهداف بأهداف جديدة تتناسب معنا، بل وربطه بعلاقات تبعية يصعب عليه الفكاك منها، أو الخروج عنها، ما لم يتحمل تكاليف باهظة لا يقدر على دفع ثمنها.

3/2/5-  مرحلة تهدئة الأوضاع:

وهي المرحلة التي يتم فيها تخفيض الضغط الأزموي، وإعادة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، واستخدام أساليب التعايش الطبيعي، والتخفيف من حدة التوتر القائم على الضغط الأزموي، والاستجابة الهامشية لبعض مطالب الطرف الثاني، والتي تكون بمثابة امتصاص لقوى الرفض والاستثارة الداخلية لديه، وفي الوقت نفسه إعطاء الفرصة كاملة للقوى المؤيدة لنا للسيطرة عليه، وإحكام عملية توجيه، وفي الوقت ذاته استخدام الحكمة الكاملة في امتصاص كل غضب جماهيري، والاستعانة بقادة الرأي والفكر المعتدلين والموالين لنا، وفي إطار حملة إعلامية مخططة ومدروسة جيدا، يتم إعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية، بعد أن تم تكييفها بالشكل المناسب لمصالحنا ورغباتنا وأهدافنا البعيدة المدى.

3/2/6-  مرحلة سلب وابتزاز الطرف الآخر:

ويطلق عليها البعض مرحلة جني المكاسب والغنائم والمغانم، والتي يتم فيها حلب الخصم كما تحلب البقرة الحلوب تماماً، وبالتالي يتم في هذه المرحلة حصد نتائج الجهود المثمرة التي تمت في المراحل السابقة، ويتخذ جني المكاسب عادة جانبين، هما:

  • جانب سلبي في إجبار الطرف الآخر على الامتناع عن القيام بأي عمل من شأنه تهديد مصالحنا.
  • جانب إيجابي في إقناع الطرف الآخر بالقيام بعمل معين من شأنه تقوية مصالحنا ومكاسبنا.[2]

ومن هنا، فإن الإدارة بالأزمات هي افتعال الأزمات الحادة وليس علاجها.

 وتقوم عملية افتعال الأزمة على عدة قواعد أساسية، هي:

  • خلق علاقة تبعية وانقياد وسيطرة على الكيان المزمع افتعال الأزمة فيه، حتى يمكن جني المكاسب المستهدفة من وراء افتعال الأزمة، وفي الوقت نفسه لضمان عدم اتساع رد الفعل إلى مدى وأبعاد غير مطلوبة.
  • زرع مجموعة عناصر موالية تتولى مواقع حساسة في أجهزة الكيان الإداري، يمكنها في الوقت المناسب إعاقة حركة الكيان، وتوجيه قادته، وتقليل رد فعل وبشاعة افتعال الأزمة.
  • اختيار التوقيت المناسب الذي يكون افتعال الأزمة مؤثراً فيه، وقدرة العناصر الموالية لنا على توجيه متخذ القرار وإفقاد التأثير الأزموي للازمة مرتفعة، ومن ثم القدرة على امتصاص التأثير الأزموي وابتلاعه.
  • إيجاد المسار البديل في شكل مصلحة جانبية يحرص الكيان الإداري على الحصول عليها، وفي سبيلها يمكن أن يتغاضى عن الأزمة التي تم افتعالها، أو يمكن للعناصر الموالية توجيه سلوكه بها.
  • افتعال الأزمة بشكل سريع ومؤثر، وجني مكاسبها وتحقيق الهدف منها، ثم عقد لقاء امتصاص مع متخذ القرار في الكيان الإداري الذي حدثت فيه الأزمة، وذلك بهدفين، هما:
    • هدف خفي، وهو التحقق من النتائج التي أفرزتها الأزمة المفتعلة، ومن استقرار علاقة التبعية مع الكيان الإداري، وعدم تأثرها بالأزمة.
    • هدف علني، وهو امتصاص الانفعال، وتجديد الروابط، وتنقية العلاقات، وفتح صفحة جديدة، ونسيان ما مضى.

 وتستخدم في ذلك مجموعة إدعاءات ومبررات، من بينها:

  • الشرعية.
  • الاضطرار.
  • الحتمية.
  • التنبيه للخطر.
  • الحفاظ على الاستقرار.
  • الحفاظ على الأمن.
  • الحفاظ على السلام.
  • حماية النفس والدفاع عنها وعن المصالح.[3]

ومن الجدير بالذكر أنه على مستوى الوحدة الاقتصادية يستخدم بعض متخذي القرار أساليب الإدارة بالأزمات بشكل متعمد، عندما يرغب في تحقيق أرباح طائلة وغير عادية، فيقوم باستغلال ما تتمتع به الوحدة الاقتصادية من مركز احتكاري بالسوق، ويقوم بتحجيم وتقليل المعروض من منتجاتها بالسوق، وتخزين جانب كبير من إنتاجها لتعطيش السوق، وافتعال أزمة لرفع أسعار المنتجات بالسوق، وخلق طلب مغالي فيه على السلعة التي تنتجها شركته، تدفعه للتخلص من المخزون الراكد والمعيب لديه. كما قد يستخدمها متخذو القرار بشكل تلقائي، حيث إنه كثيراً ما يواجه متخذ القرار في إدارته  للشركة التي يعمل بها أزمات مختلفة، ويجد نفسه محاطاً بوقائع وأحداث تبدو له خطيرة ومقلقة، ولا يستطيع تفسيرها ومعرفة عواملها الباعثة لها، وتراكماتها الذاتية، واتجاهاتها ونتائجها، ومن ثم يزداد أمامه سمك جدار عدم التأكد.

 ومن ثم في غياب منهج علمي ورؤية تحليلية متعمقة، يلجأ متخذ القرار إلى الارتجال واستخدام سياسة رد الفعل إزاء الحدث، أو الفعل الذي خيل إليه أنه سبب فيما يواجه الشركة من أزمات، فيؤدي إلى نشوء أزمات جديدة، قد تكون أشد خطراً وأعمق تأثيراً على الكيان الإداري أو الشركة التي يشرف على إدارتها.

 ونتيجة لسياسة الفعل ورد الفعل واستمرار التهميش للقضايا والمواقف، وتغييب المستقبل، والاعتماد على أسلوب الإدارة يوماً بيوم، أن استفحلت الأزمات، بل واستخدمت الأزمات كوسيلة لتغطية بعضها على بعض، ومن ثم اعتمد أسلوب الإدارة بالأزمات كأسلوب للإدارة، لتخفي به المؤسسات مشاكلها وعجزها عن تحقيق أهدافها الموضوعة والمتمثلة في:

  • الربحية.
  • التوسع والنمو.
  • الاستمرار.

ويستخدم رجال الأعمال أسلوب الإدارة بالأزمات لفرض مصالحهم، وإملاء إرادتهم على الحكومات، وجعلها تستجيب لمطالبهم بطريقة غير مباشرة، ومن أهم الأمثلة على ذلك، أن أحد رجال الأعمال في الخليج تقدم إلى مركز للبحوث والإدارة بطلب دراسة جدوى لإنشاء حي سكني متكامل بعيداً عن المدينة، وأشار عليه المركز أن يبدأ بإنشاء الطريق وتوصيل المياه والكهرباء إلى الموقع، ولكن الرجل بعد أن استمع إلى هذا المشروع، عبث بلحيته وقال ” أنا موافق على كل شيء إلا الطريق والمياه والكهرباء”، مما دفع الباحثين إلى السخرية، ومضى الرجل في البناء حتى انتهى منه، ثم مر على جميع الصحف المحلية فشكا لها من أنه أقام حياً كاملاً للتغلب على أزمة الإسكان، ولكن الدولة لا تريد الفراغ من استكمال المرافق العامة، فقامت الصحف بحملة هجومية على الحكومة من أجل هذا التقصير، وامتد الطريق ووصلت المياه والكهرباء، دون أن يدفع الرجل شيئاً.[4]

[1] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، المرجع السابق، ص ص (17-20).

[2] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، المرجع السابق، ص ص ( 20 -21 ).

[3] الخضيري، محسن أحمد، 2003، مرجع سابق، ص ص  ( 21 – 22 ).

[4] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، مرجع سابق، ص ص ( 24 – 25 )

[1] العماري، عباس رشدي، 1993، مرجع سابق، ص ص ( 19 – 20 ).

[2] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، مرجع سابق، ص (11).

[3] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، المرجع السابق، ص ص (11-12).

[4] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، المرجع السابق، ص ص ( 12 -14 ).

[5] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، المرجع السابق، ص ص ( 14- 17 ).

[6] الخضيري، محسن أحمد، 2003م، المرجع السابق، ص ( 17).