دراسات سياسية

الإستراتيجية كفئة من الصراع

الإستراتيجية كفئة من الصراع

1-  فائدة التصنيف:

أصبحت الصلة الوثيقة بين الإستراتيجية والحرب في موضع تساؤل في العقود الأخيرة، مما أدى لظهور فئات وتقسيمات جديدة لمفهوم الإستراتيجية. للوصول إلى أفضل مقاربة لتلك الفئات تم اللجوء إلى علم التصنيف taxinomie ، بمعنى ترتيب كل المفاهيم المتقاربة من اجل وضع الإستراتيجية في البنية السياسية- العسكرية.

أ – الثلاثية trilogie الكلاسيكية 

نشوء الثلاثية:

 ظهرت الحاجة إلى ترتيب تسلسلي لمستويات فن الحرب منذ نشوء الفكر الاستراتيجي. اليونان مثلا فصلوا التكتيك taktika عن strategia . ميز  Dietrich von Bulow بينهما كالآتي: الإستراتيجية هي الحركات التي تتم أثناء الحرب بين جيشين،لكن خارج دائرة المعارك المتبادلة، أي خارج الدائرة المرئية. مهارة الحركات التي تتم بوجود العدو ، بحيث تكون إمكانية رؤيته قائمة دون قدرة مدفعيته على بلوغ الأهداف، هذه المهارة تسمى التكتيك.

تم تبني مفهوم الثلاثية عالميا، بحيث نعرفها كما يلي: السياسة تحدد أهداف الحرب في إطار حكومة البلد، االاستراتيجية موقعها ضمن الحرب: إنها تضع في العمل الوسائل العسكرية من اجل تحقيق أهداف سياسية، أما التكتيك فانه يضع في العمل القوات لكن في إطار الفعل العنيف نفسه.

  • السياسة تحدد أهداف الحرب:

         لقد دافع Clausewitz بقوة عن هذه الفكرة في أطروحته: الهدف السياسي، كدافع أساسي للحرب، يقدم حجم الهدف المطلوب  من خلال العمل العسكري. الفكرة الأساسية لهذه الصيغة هي أن : الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. الحرب ليست فقط عمل سياسي، لكن أداة سياسية حقيقية، متابعة للأهداف السياسية، تحقيق لها بوسائل أخرى.

لكن ، في المقابل، هذه الفكرة لم تلق تأييدا عند العسكريين ، ومنهم رئيس هيئة الأركان الألماني في عام  1866  Moltke  ( في عهد بسمارك) . حسب الأخير: الحكومة المدنية لا تتدخل في قيادة العمليات العسكرية. إذن، الحرب لم تعد استمرار للسياسة، بل وكيل للسياسة. بمعنى آخر، السياسة تتدخل في مرحلة ما، لكن عند اندلاع الأعمال العسكرية على السياسة أن تخلي الساحة للإستراتيجية.

الجنرال Lewel كان واضحا في هذا الشأن، حيث يعتبر أن المهارة العسكرية ليس لها علاقة بالسياسة ولا يجب عليها أن تهتم بالأخيرة، مبادئ الحرب مستقلة تماما عن طبيعة الحرب أو عن الأسباب التي أدت إلى وقوعها. تجب الإشارة هنا إلى أن هذا النموذج paradigme بقي غالبا حتى الحرب العالمية الأولى. كأمثلة على هذا النموذج نذكر هنا الجنرال الفرنسي  Joffre الذي لعب دورا مستقلا عن حكومته عندما قام بإصلاح البحرية ومن ثم إعلان العمليات الهجومية في عام 1915 . كذلك الجنرال الالماني  Ludendorf الذي دعا إلى تغييب التبعية  للسلطة السياسية ، بل إلى إلغاءها  تماما ، حيث على السلطة السياسية عدم التدخل لا في قيادة العمليات ولا حتى في قيادة الحرب. هذه (الامبريالية) الإستراتيجية ، بمعنى السيطرة المطلقة للإستراتيجية، التي تنكر مقتضيات السياسة، ساهمت بشكل حاسم في هزيمة ألمانيا : حيث أن الأخيرة  أطلقت ما سمي حرب الغواصات بدون الأخذ بعين الاعتبار الدول المحايدة مما أدى لدخول الولايات المتحدة في الحرب.

لكن نموذج (الأولوية للإستراتيجية) لم يستطع التفوق بشكل دائم على نموذج (الأولوية للسياسة). الجنرال  Poirier اقترح ما أسماه الإستراتيجية الكاملة، حيث لم يرفض مبدأ تحديد الغايات من خلال السياسة. يعرف الإستراتيجية كسياسة في إطار الفعل أو التطبيق، إنها المهارة وفن المناورة الذي تتبعه القوات من أجل الوصول إلى غايات السياسة، الغايات المترجمة في أهداف إستراتيجية.

  • الإستراتيجية تعرف وتضع في التطبيق الوسائل من أجل تحقيق النصر في الحرب:

وضعت تعاريف عدة للإستراتيجية في القرن التاسع عشر وتحديدا بين 1820 – 1830 ، تم اعتبارها كنتيجة للمناخ الفكري الذي ساد آنذاك، وللأثر الذي تركته المعارك الكبرى لنابليون. يمكننا ان نذكر مثلا التعريف الذي قدمه المارشال Marmont بانها التحركات التي تتم في منأى عن نظر العدو وقبل المعركة، هدفها تحقيق تفوق عددي في يوم المعركة. Clausewitz يقدم تعريفا أكثر شمولا حيث يعتبر الإستراتيجية استخدام القتال من أجل غايات الحرب. يجب عليها أن تحدد، من كل فعل الحرب،غاية تتعلق بالهدف من الحرب. بمعنى أن تضع خطة الحرب حسب الهدف المراد وأن يتم تنفيذ الخطة وفق سلسلة من الأفعال التي يجب أن تقود إلى تحقيق هذا الهدف.

لقد ظهرت نظرية بديلة تميز الاستراتيجية كمفهوم عن التكتيك كتنفيذ. من روادها الجنرال البروسي Ruhle Von Lilienstern  – )وهو من المبشرين بقدوم   (Clausewitz   حيث قدم تعريفا شبه فلسفي : الإستراتيجية تنظر إلى الطريقة التي من خلالها يجب أن تقاد الأشياء، التكتيك بالمقابل هو السبب الذي يجعل شئ ما يحدث أو ينتج أو يتحقق بطريقة أو بأخرى. الأولى تسبق في الزمن التنفيذ الحقيقي، إنها بالنتيجة مختلفة تاريخيا عن الثانية، مختلفة في طبيعتها حتى في سلوكها ، بالنسبة للفعل action، كالكلام بالنسبة  للتنفيذ acte.

تم الآخذ بهذه الأفكار فيما بعد ، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث يعتبر الكولونيل الفرنسي Blume أن الإستراتيجية تحدد للجيش الهدف والاتجاه. أما التكتيك فيقع على عاتقه أمر بالتنفيذ. في فرنسا نجدها في دراسات الحرب للجنرال Lewel كذلك في محاضرات الجنرال Bonnal في المدرسة الحربية العليا: الإستراتيجية هي فن التصور، أما التكتيك فهو علم التنفيذ.

لكن يوجد من طعن بصحة هذه المقاربة كالقائد العسكري Grouard أو الأميرال Castex حيث يعتبر الأول أنه من عدم الدقة القول أن التكتيك ينفذ ما ترسمه الإستراتيجية: لأنهما ليسا التصور والتنفيذ للشئ نفسه. إنهما يعالجان مواضيع مختلفة والقواعد التي يتبعانها تنطبق على مراحل غير متزامنة، لكن تالية لعملية عسكرية…. التكتيك ، كما كل الأعمال الحياتية،يسلك التصور والتنفيذ. أما الثاني فيعتبر أن كل شخص، وفي كل مستويات القيادة يقوم بفعل استراتيجي وتكتيكي في آن معا. يخلص Castex  إلى أن التكتيك هو القتال أما  الإستراتيجية فهي كل الحرب قبل وبعد القتال. هنا نعود إلى نقطة البدء التي لا تحل مشكلة الدرجة التي منها تبدأ الإستراتيجية: إذا الإستراتيجية ليست إلا القيادة العامة للعمليات، الفن الأرقى الذي يمارسه القادة في مناصب عليا تسلسلية، يبقى القول أن  قيادة العمليات ليست إلا القتال تحت هذه العتبة. عدد من الكتاب يعتبر أن قيادة العمليات من اختصاص اللوجستيك logistique أي فن أو علم نقل الجنود وإمدادهم.

  • التكتيك يضع موضع العمل وسائل القتال ناظرا إلى تحقيق النصر في المعركة:

 يشمل التكتيك بشكل أساسي قيادة المعركة، ما أن تصل هذه الأخيرة إلى درجة معينة من التمام، بمعنى أنه يجب ألا تقود إلى معارك أخرى منفردة. يأتي من النظام الإغريقي، من التنظيم ، الجاهزية. كذلك، كما تقول Joly de Maizeroy في كتابها نظرية الحرب،  هذا المصطلح بمعناه العسكري يعني الوضع الخاص للرجال الذين يشكلون قواتا أيا تكن، وضع قوات مختلفة تشكل جيشا، وضع تحركاتها، عملها، والعلاقات فيما بينها. Jean de Vignay  يقول في الترجمة الفرنسية للكلمة – التي ظهرت بين 1310 و 1320  أن التكتيك هو   mestres d’armes  . لكن تعتبر انكلترا أول من تكلم عن التكتيك: تمت الإشارة إلى هذه الكلمة -tactice  – عام 1570 .  في فرنسا ، ظهرت في السياسة العسكرية التي اتبعها Paul Hay du Châtelet  عام 1968 . كما توجد الكلمة في قاموس Furetière لعام 1690. ظهرت في قاموس أكسفورد عام 1766 . أما الفرنسي Mesnil Durand فيكتب في العام 1770 : لم يكن لدينا أي عمل عن التكتيك قبل عشرين عاما.. حيث بالكاد كنا نعرف ما هو التكتيك، موضوعه وتعريفه، العسكريون ليسوا تماما متفقين فيما بينهم.

يعتبر Clausewitz أن التكتيك هو النظرية النسبية لاستخدام القوة المسلحة في المعركة. انه العملية التي تستخدم الذكاء، المعرفة والتنظيم كما يشير نابليون في أحد تعليقاته. يعتبر Antoine Grouard في كتابه للاستراتيجية : موضوع- ارشاد- عناصر والصادر عام 1895 أن التكتيك له ثلاثة أجزاء: التكتيك الأولي، أو التكتيك المفصل، يضم أساليب القتال للوحدات الصغيرة في كل جيش؛ تكتيك المجموع أو للجيوش الثلاثة (المشاة، الفرسان، المدفعية) يعمل لمعرفة دور كل جيش في المعركة؛ التكتيك الكبير أو تكتيك الوحدات الكبيرة، وهو مهارة قادة الجيش ، الفن الذي يتبعه قائد الجيش لتحديد دور كل من جيوشه في المعركة، للنصح باستخدام قوات الاحتياط، وجعلها تتدخل في الوقت المناسب وفي الشروط الملائمة.

  • يجب تمييز التكتيك عن القتال:

     يجب التمييز بين التكتيك و القتال البدائي الذي يدعو إلى القوة والشجاعة. في هذا الوسط يمكن أن تتحطم الحسابات العلمية كنتيجة لردود فعل أولية لا يمكن ضبطها.  نذكر هنا حالات الهلع التي تسيطر على القوات مهما كانت قوتها كما حدث لقوات الحماية الفرنسية في Malplaquet عام 1709 . في بداية القرن العشرين، كرس الجنرال الفرنسي Jean Colin جزءا من كتابه – تحولات الحرب Transformations de la guerre-   للحديث عن القتال الأولي أو البدائي، حيث يستنتج أن علم التكتيك لديه مبرر لوجوده؛ لكنه غير فعال في حال أن الجنود غير مشبعين بروح الشجاعة والحماس وإرادة النصر. بالطبع، لم يفقد هذا المعطى الأساسي من أهميته رغم تطور وسائل الحرب فيما يتعلق بقوة النيران أو القوة الكترونية. الأمثلة هنا موجودة من الحرب العالمية الثانية كمعارك Bir-Hakeim  ، Stalingrad أو Budapest .

     الشكل الآتي يوضح التيبولوجيا  الكلاسيكية لتسلسل هرم القيادة، حيث  تأتي السياسة في أعلى التسلسل ، أي أنها المسؤولة عن رسم الخطط الإستراتيجية:

  • اللوجستيك Logistique كبعد ثانوي:

     لم يعط الكتاب الكلاسيكيون أهمية كبيرة لأمور الإمداد بمستلزمات العيش، إذ برأيهم على الجيش أن يتدبر أمره. مثلا Guibert يقترح عدم الإكثار من التجهيزات اللازمة للمؤونة، وهذا ما وضعه نابليون موضع التطبيق.

      عند اليونان كلمة logisteuo تعني الإدارة. أشارت الكلمة في القرن xviii إلى فرع من فروع الرياضيات ( علم الحساب الرمزي) حسب قاموس Trévoux. أما Jomini فقد أدخل الكلمة في المجال العسكري، حيث يعتبر أن اللوجستيك هو ما تقوم به هيئات الأركان في الجيوش، إذ تقوم بتوجيه الأوامر والتعليمات، تنظيم وسائل النقل، خدمة المعسكرات. برأيه،  جزء الأساسي  من اللوجستيك هو تقنية التحركات (فرع قريب من الإستراتيجية)، أي عندما يتحرك الجيش، (وفرع أخر قريب من التكتيك) أي عندما ينتقل الجيش من أمر السير إلى أوامر القتال. لا يعتبر أن اللوجستيك في أي من الأحوال كجزء من فن الحرب متعلق بالتزويد أو التموين.

     تشير الكلمة في العالم الانكلوساكسوني إلى معنى مادي، حيث  هو فرع من العلم العسكري مرتبط بحركة، بوقوف ، اصطفاف، وتموين الجيوش. يذكر James A. Huston في كتابه -مصدر قوة الحرب The sinews of war – أنه لن يتم الاعتراف باللوجستيك، كفرع هام من فن الحرب، إلا أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما يقوم الأمريكيون بوضع طرق ومفهوم ما يسمى  logistics : فن تخطيط وقيادة التحركات العسكرية، الإجلاء والتموين. يشار أنه في الترجمة العربية للكلمة تعني: السوقية- بفتح السين- وتعني فن أو علم نقل الجنود وإمدادهم بالطعام وإيوائهم.

  • البعد التنظيمي:

      لم يعط الكتاب الكلاسيكيون من أمثال Clausewitz أهمية كبيرة للعمليات أو لفن الحرب بمعناه الضيق، على العكس من Nockern de Schorn في القرن xviii والذي شدد على ضرورة تحديد ما أسماه (البنية العامة للوضع العسكري)، والتي تشكل جزءا من علم الحرب مثلها مثل الإستراتيجية أو التكتيك: يجب تعميق المبادئ التي تساعد على بناء الوضع العسكري بشكل عام، توفير ما يلزم لصيانته والقيام بكل التدابير من أجل استمراره بحالة جيدة؛ كل ذلك يشكل مدخلا الى علم الحرب و أول جزء منه هو بناء الفن العسكري.

تزايد الاهتمام بما يسمى – تنظيم القوات- في القرن التاسع عشر وخاصة بعد هزيمة فرنسا أمام ألمانيا عام 1870 ، حيث دافع الكولونيل الفرنسي Lewel عن فكرة التنظيم العقلاني Organisation rationnelle  : التكوين العقلاني للجيوش الفعالة له أهمية لم تكن موجودة قبل 12 عاما فقط. لذلك من الإجباري البحث عن الشروط الضرورية من أجل الوصول إلى أفضل النتائج. تكلم عن الجزء التنظيمي Partie organique عند دراسة الحرب، والذي أخذ صدى واسعا في ايطاليا حيث عرفه Giovani Sechi بأنه الجزء من الفن العسكري المرتبط بالإعداد organisation  وبتحضير  العتاد والأشخاص. بالرغم من أهمية هذا الفرع من العلم العسكري إلا انه لم يتم الاعتراف به كفرع مستقل كالإستراتيجية مثلا.

ب ـ :   تقسيم الإستراتيجية في القرن العشرين:

– ارتقاء الإستراتيجية:

أصبحت الثنائية إستراتيجية- تكتيك في موضع تساؤل خاصة بعد تزايد أعداد المقاتلين في الجيوش. إذ أنه اعتبارا من القرن التاسع عشر أصبح تعداد بعض الجيوش مئات الآلاف، مما  جعل من الضروري تعدد مستويات القيادة، وهذا ما جربه نابليون فعلا عندما أوكل قيادة الجيوش إلى ماريشالاته أثناء الحملة ضد ألمانيا عام 1813. خلال سنوات العشرينيات من القرن المنصرم يشير الكولونيل Culmann إلى أن هدف الإستراتيجية هو إدارة مجموعات الجيوش وكذلك الجيوش المنفردة. أما مع الحرب العالمية الثانية فإننا نلاحظ ارتقاء مستوى العمليات، والتي من الآن فصاعدا في علاقات متبادلة ودائمة رغم توسع مسرح الحرب.

التطور الثاني تقني. إذ أنه في السابق، ونتيجة لبطء نقل المعلومات، كانت عملية القيادة المركزية للحرب مستحيلة. أما مع ظهور التلغراف، ومن ثم التلفون، سكة الحديد، الاتوموبيل، الطائرة، أصبح من الممكن للقيادة المركزية متابعة الحرب عن بعد أو التنقل شخصيا إذا اقتضت الضرورة. كذلك مع هذه التطورات فان  تصور خطة الحرب وقيادة العمليات لم تعد منفصلة بالكامل كما في السابق حيث تمتع القادة الميدانيون بحرية تصرف كبيرة نتيجة صعوبة التواصل مع المركز.

التطور الثالث يتجلى في أن الحرب الحديثة تتطلب حشدا ضخما للوسائل ومن كل الأنواع. تتطلب الحرب تعديلا للنشاطات الصناعية من أجل إنتاج كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر، وأن تأخذ الدولة على عاتقها عملية التقنين وضبط التجارة الخارجية وتنظيم دعاية منظمة فيما يتعلق بسكان أكثر تعليما  واطلاعا من الماضي، ولذلك فهم اقل إذعانا.

نمت درجة شمولية وتجرد الإستراتيجية مع  تصنيع   industrialisation الحرب، بحيث أنها توسعت وارتقت إلى درجة الفكاك عن التكتيك. مفهوم الإستراتيجية السائد ما بين الحربين أصبح متداولا فبما بعد الحرب العالمية الثانية. هذا التوسع أدى إلى تقسيمها وظهور مستوى وسيط سمي: الفن العملياتي.

  • إستراتيجية كبيرة، إستراتيجية عامة، إستراتيجية متعلقة بالعمليات العسكرية :

للإستراتيجية جناحان: سياسي وعسكري. تضمن الإدارة العامة للحرب وللازمات والقيادة العامة للعمليات أو للأعمال العسكرية. في هذا الإطار يعرفها Herbert Rosinski بأنها المفهوم المركزي الموجه الذي ينظم كل العناصر ويوجهها نحو غاية محددة سلفا.

1 – تتطابق الإستراتيجية، في القيادة العامة للحرب وفي إدارة الأزمات،مع السياسة في الفعل، لا بل تستحوذ على مجمل قيادة العمل حيث في هذه الحالة تندمج السياسة التقليدية في الإستراتيجية العامة، وهنا تتنوع المسميات حسب الدول.

الإستراتيجية الكبرى مفهوم أنكلوسكسوني، أصبح متداولا في منتصف القرن الماضي. يعرفها Liddell Hart  في كتابه strategy على أنها سياسة الحرب؛ هدفها تنظيم وإدارة كل موارد الأمة أو تحالف ما من أجل الوصول إلى هدف سياسي للحرب. بهذا المعنى إن الحرب استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى . يفضل الأمريكيون الحديث عن إستراتيجية قومية ، والتي قسموها مؤخرا إلى إستراتيجية الأمن القومي وإستراتيجية الأمن العسكري، الأولي تتعلق بالإستراتيجية الكبرى.

فضل الفرنسيون في سنوات الخمسينيات مفهوم الإستراتيجية العامة. ورد تعريفها في برنامج التعليم حول استخدام القوات المسلحة لعام 1959 والذي تم استبداله ببرنامج عام 1984 على أنها الفن الذي يجمع كل الوسائل التي تستحوذها السلطة السياسية من اجل الوصول إلى الأهداف التي وضعتها.

ميز الروس بين السياسة العسكرية والإستراتيجية العسكرية. كما يشرح Jacques Laurent  في عمله outil pour la pensée militaire soviétique أو أداة من أجل الفكر العسكري السوفييتي فان  الأولى تتعلق بالتحضير وباستخدام وسائل القوة المسلحة من اجل الوصول إلى الأهداف السياسية؛ أما الثانية فهي جزء أساسي ومجال أعلى من الفن العسكري يشمل النظرية والتطبيق فيما يتعلق بتحضير القوات المسلحة أو بلد ما للحرب. يمكن أن نفسر رفض الروس للإستراتيجية الكبرى على أنه رفض من جانب الحزب الشيوعي لإخضاع الغايات السياسية للوسائل ، في إشارة واضحة إلى اقتسام سلطته المطلقة مع المتخصصين.

2 – في القيادة العامة للعمليات وللأعمال العسكرية، الإستراتيجية تمارس دورها التقليدي، خاصة العسكري، حيث تخضع لقيادة عليا في صلة وثيقة مع الحكومة. الأميركيون يسمونها الإستراتيجية العسكرية القومية. في فرنسا، ممارسة القيادة في أعلى مستوى عسكري يشمل تصور، تحضير وقيادة العمليات العسكرية[1].

القيادة العامة للعمليات تسير وفق اتجاهين: الإستراتيجية القديمة على الأرض من الآن فصاعدا تسمى الإستراتيجية العملياتية: تضعها موضع التطبيق القيادات العسكرية العملياتية، مجموعات الجيش، القوات البحرية أو قيادة مسرح العمليات، و إستراتيجية الوسائل التي تقوم، من خلال الموارد المتاحة،  بالتنظيم والإمداد اللوجستي .

بالتدريج، الصلة بين الإستراتيجية والعمليات تتفكك:حيث أن الفن العملياتي سوف ينافس الإستراتيجية العملياتية، لا بل سيحل محلها.

هنا انتهتت المحاضرة الثانية 

  • الفن العملياتي opératique :

من المتداول أن  المنظرين السوفييت هم أول من اوجد مفهوم الفن العملياتي art opératif  في عشرينيات القرن الماضي. لكن الفكرة كانت موجودة في بدايات القرن حيث ميز الجنرال الاسباني Richardo Burguete  القطيعة التكتيكية – الحاصلة على جبهة المعركة  نتيجة لهجوم قوي جدا-، القطيعة العملياتية- الحاصلة على آلية التنظيم بمجملها وذلك عندما نصل من خلال المعركة إلى تدمير هذه الآلية.  في القطيعة العملياتية يجب، ومن خلال ضربات سريعة كالبرق ، التغلب على المجموعات القريبة الواحدة بعد الأخرى. يفترض الجنرال أن الأولى مستحيلة وان الثانية لا يمكن تحقيقها بإتباع طرق نابليون، إذن : النتيجة لا تأتي إلا من تجمع قطيعات وسطى بين التكتيكية و العملياتية.

يشير المفهوم حسب المدرسة السوفييتية إلى أن توسع الجبهات يجعل من المستحيل من الآن فصاعدا تدمير العدو من خلال معركة واحدة، هذا لايمكن حصوله إلا من خلال سلسلة متعاقبة من العمليات المرتبطة فيما بينها. الفن العملياتي يقيم الصلة بين التكتيك والإستراتيجية ( انظر الشكل في نهاية الفقرة)، كما يشرح Alexandre Svechin مخترع المفهوم : المعركة هي وسيلة العملية، التكتيك هو أساس الفن العملياتي. العملية هي وسيلة الإستراتيجية والفن العملياتي هو أساس الإستراتيجية[2]. في سنوات السبعينيات، عرفت الأنسكلوبيديا العسكرية الروسية الفن العملياتي على انه نظرية وتطبيق التحضير وقيادة العمليات فيما بين الجيوش المجتمعة أو المستقلة، هذه العمليات تقاد من خلال تشكيلات كبيرة لمختلف أنواع القوى (بحرية، مشاة، فيالق…). يضيف:  في عدد من البلدان الأجنبية نستخدم في النظرية العسكرية بدلا من الفن العملياتي مصطلحات من قبيل التكتيك الكبير أو الإستراتيجية الصغيرة.

الجيش الأميركي تبنى هذا المفهوم عام 1982 ، البحرية الأمريكية أخذت به في الوثيقة العقائدية المعنونة 2020 vision : A Navy for the 21st Century : هدف الخيارات الإستراتيجية كسر إرادة العدو أو تعديل نواياه؛ الخيارات العملياتية تهاجم البنية التحتية للعدو، المكونات العسكرية والصناعات المدنية التي تسمح لقواته بالقتال بفعالية؛ هدف الخيارات التكتيكية هزيمة القوات العسكرية للعدو على ارض المعركة. يتبين لنا أن التمييز بين الخيارات الإستراتيجية العملياتية يبقى مصطنعا أو بكلمة أخرى سطحيا.

في فرنسا ميز الجنرال Beaufre في كتابه- مدخل إلى الإستراتيجية- بين العمليات والقتال. الأولى هي مجموع التدابير والمناورات المخصصة للدخول في القتال وبشروط مثالية، لكنه لم يضف مستوى عملياتي بين الإستراتيجية والتكتيك؛ ظهر وكأنه يضع الخطوط العريضة لتمييز ثلاثي في عمله المذكور، لكن فيما يتعلق بالسلاح النووي التكتيكي.  فيما بعد الجنرال Poitier  دافع في كتابه- الإستراتيجية النظرية – عن المفهوم العملياتي opératique . أما الكولونيل Francart فيشير في مجلة  Objectif 21 المتخصصة (عدد 2 ، الفصل الأول 1996) إلى انه  في المستوى العملياتي العملية مخططة، مدعومة ومقادة ، من اجل الوصول إلى هدف استراتيجي على مسرح العمليات. هذا هو مستوى توحيد أفعال مختلف الجيوش وتحت مسؤولية القائد العسكري في مسرح العمليات.

الاتحاد السوفييتي- المجال العسكري

الفن العملياتي متعلق بكل أنواع الجيوش، من الإجباري التنسيق بين القوات البرية والجوية، أو الجوية والبحرية… مع ذلك أعد السوفييت فنونا عملياتية خاصة بكل نوع من القوات، بما فيها فنا عملياتيا لحماية الخطوط الخلفية وللدفاع المدني.

ـ التكتيك.

التكتيك هو أقل شأنا أو درجة من الإستراتيجية،يهدف إلى تنفيذ الالتزامات التي تم وضعها ضمن نطاق الإستراتيجية العملياتية وبغرض الوصول إلى الأهداف المثبتة بواسطة الإستراتيجية العامة. لكن التكتيك ليس بالضرورة يهدف إلى قيادة العمليات أو الصراع،بل يمكن أن يستخدم في العمليات التحضيرية.[1] بعد الجنرال Lewal، الجنرال Iung اقترح تعريفا بقي صالحا لزمن طويل :” التكتيك العسكري يشكل مجمل الأحكام أو التنظيمات القادرة على تنظيم توظيف مهارات الإنسان،الوسائل و الأماكن، بهدف تحقيق هدف فوري”. [2]

وقد عرف السوفييت التكتيك في السابق ” هو النظرية والتطبيق للتحضير ولقيادة الصراع بواسطة الوحدات الصغيرة، والوحدات الكبيرة من مختلف أنواع القوى، المسلحة أو القوى التابعة للعمليات الخاصة”. [3] في الواقع هذا التعريف يضم فكرتين قويتين :

ـ التكتيك،كما الإستراتيجية، لديه وجهين،نظري وعملي.

ـ التكتيك يظهر في المستوى الأساسي،بمعنى على مستوى الوحدات الصغيرة، ولكن يظهر أيضا في المستويات الأكثر ارتفاعا. حيث أن التكتيك السوفييتي تألف من :

ـ التكتيك العام.

ـ تكتيك القوى ( الإستراتيجية،المشاة،الدفاع الجوي، القوى الجوية، القوى البحرية).

ـ تكتيك الأسلحة ( كل نوع من القوة العسكرية ينقسم وفق الأسلحة المستخدمة).

ـ تكتيك الوحدات الخاصة ( كل سلاح يمتلك وحداته الخاصة).

إن نمو وتنوع الوسائل ساهم بشكل كبير بزيادة الاعتبار للجانب المتعلق بالتكتيك. الجنرال Poirier يعرف التكتيك بعد أن يشير إلى تعقيداته المتنامية :” فن التوفيق، أثناء العمليات، بين سلوك وأفعال جميع الوسائل العسكرية”. [4]

ت ـ تنظيم أو فصل المستويات.

ـ سياسة و إستراتيجية.

إن الصلة أو العلاقة التي وضعت من قبل منظري الإستراتيجية في القرن التاسع عشر أو قبل وبعده،بين السياسة و الإستراتيجية و الحرب و الإستراتيجية ،ظلت قائمة لم تتغير حتى من قبل كبار منظري هذا العلم في القرن العشرين. ولكن الإشكاليات التي يمكن طرحها في إطار العلاقة بين السياسة و الإستراتيجية (بمعنى علم الحرب) هي إشكاليات تتعلق بالسلطة المدنية وعلاقتها بالسلطة العسكرية. فالمدنية وبشكل طبيعي لها نزعة تجاوز مناخها أو بيئتها من أجل التدخل في قيادة العمليات،بينما الثانية تطعن في محاولة تجاهلها.

نجد هذا الشكل من الصراع بين السلطتين في جميع المجتمعات.وقد طرحه مسبقا ” Sun Bin”، وهو من أهم مؤسسي العلوم الصينية الحربية،بطريقة ظلت تحتفظ بقيمتها حتى الآن : ” لا نتعدى على حقوق أو سلطات الجنرال. أوامر الملك يجب ألا تتجاوز أبواب المعسكرات،وهذا ما يضمن حالة أو وضع الجنرال. وإذا الأوامر تجاوزت أبواب المعسكر ،الجنرال لن يخدم طويلا و الجيش لا يمكن أن يحافظ على بقائه”.[5]

ـ الإستراتيجية و التكتيك.

التمييز بين الإستراتيجية و التكتيك ليس سهلا كما تريد أن تقول الأدبيات الكلاسيكية حول هذا الموضوع.حتى المفهوم الغير منتشر كثيرا والذي يعرف الإستراتيجية “كمفهوم نظري” و التكتيك”كتنفيذ” لهذا المفهوم ليس دقيقا جدا، لأنه يعني بأن الإستراتيجية تأتي قبل التكتيك وثم تترك له المكان بعد وضع اللمسات الأخيرة على المخطط،ثم تتدخل من وقت لآخر لتوجيه التكتيك. هذا المفهوم لا يمكن مساندته كثيرا كما يقول Hervé Coutau Bégarie. [6] ولكن إذا اقتربنا من المفهوم الذي يعتمده معظم الإستراتيجيين للتميز بين المفهومين،فأين يقع خط الفصل بينهما،بين الإستراتيجية والتكتيك ؟ مع Bülow و Jomini يمكن أن نفهم هذا، ومن خلال اقتراحهما معيارا سهلا هو المعركة. علما أنه ومن القرن التاسع عشر وجد من يتحدث عن ضبابية هذا المعيار. يقول Jomini:” يوجد عمليات مختلطة تشارك فيها الإستراتيجية من أجل القيادة والتكتيك من أجل التنفيذ،ويكون هذا مهما من أجل المفاجآت أو في الحروب الكبيرة..”[7] .على الصعيد النظري، يمكننا أن نضع تمييزا وضاحا جدا في حالة أن الصراع يصل إلى ذروته أو أوجه paroxystique وهذه حالة نادرة: مثال على ذلك بعض الحروب النابليونية التي كانت تحسم بساعات أو بأيام فقط كما حصل في Leipzig.

بشكل عام، يمكن أن نقول بأن الإستراتيجية و التكتيك يتميزان من خلال توقعات أو رؤى مختلفة كما يشير على ذلك Antoine Grouard في عمله ” اختيار نقاط هجوم حاسمة”. حيث “الاعتبارات التكتيكية” تقود إلى مهاجمة النقاط الأكثر سهولة، و “الاعتبارات الإستراتيجية” تقود لوضع مواقف تعطي النتائج الكبرى والحاسمة. [8] أما الجنرال Iung فقد شرح نفس الفكرة ولكن بمفردات أكثر شمولا:” التكتيك لا يختلف عن الإستراتجية إلا من خلال الهدف.وسائلهما متشابهة.فقط هدفها ليس واحد.في الإستراتيجية،لا يوجد نهائيا تصرف أو فعل فوري، بينما في التكتيك هو دائم فوري” [9].

ـ إستراتيجية ـ تخطيط عملياتي ـ تكتيك.

هذا الجدول الذي يبين التداخل في وضع وقيادة الخطط و الإستراتيجيات العسكرية وضعه الجنرال Foertsch قبل الحرب العالمية الثانية.[10]

[1] – Général LEWAL, « Etude de guerre. Tactique de mobilisation. Tactique de combat », Paris, Librairie militaire Dumaine, 1875, pp. 32-33.

[2] – Général IUNG, « Stratégie, tactique et politique », مرجع سابق، الصفحة 18.

[3] – Jacques LAURENT, « Un outil pour la pensée militaire soviétique ». p. 87.

[4] – Lucien POIRIER, « les Voix de la stratégie ».

[5] ـ Sun BIN، ” Le Traité militaire” ، مرجع سابق ، الصفحة 87.

[6] ـ مرجع سابق ،الصفحة 132.

[7] ـ Henri – Antoine JOMINI، ” تعريفات حول فن الحرب”، بالفرنسية، باريس، الصفحة ، 80.

[8] ـ Antoine GROURAD، ” الإستراتيجية”، بالفرنسية، باريس، الصفحة 18.

[9] ـ Général IUNG، ” إستراتيجية،تكتيك وسياسة”، بالفرنسية، مرجع سابق، الصفحة 305.

[10] ـ المصدر : Herman Foertsch ،” The art of Moderne Warfare” ، نيويورك، Veritas Press، 1940، الصفحة 20.

[1]  – العقيدة الفرنسية عرفت الإستراتيجية العامة على أنها جزء من الإستراتيجية الكليةGlobale  :  هذه الأخيرة تضم كل الوسائل العسكرية الاقتصادية والدبلوماسية والتي من خلالها يمكن للسلطة السياسية أن تتصرف من اجل الوصول للأهداف المحددة، فيما العامة هي خلق ، عرض ، واستخدام الوسائل من اجل الوصول إلى أهداف الإستراتيجية الكلية  . انظر le Glossaire interarmées  ,  1995 .  

[2]  تمت الاشارة اليه في Jocob W. Kipp  في مقدمة كتاب V. K. Triandafillov ، The Nature of Operations of Modern Armies ، لندن، 1994 .

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock