1ـ بين النموذج السياسي و النموذج العسكري.

عبر التاريخ الطويل للفكر الإستراتيجي نكتشف التغيير أو الاضطراب بين ما يمكن ان نسميه بالنموذج السياسي و النموذج العسكري. الأول يربط الإستراتيجية ببعد سام ومتفوق هو البعد السياسي،و بالقيادة العامة للحرب،بينما الثاني يتمركز ضمن إطار صارم من تنظيم الجهاز العسكري وقيادة العمليات و المعارك.هذه الثنائية تم التنظير لها في القرن العشرين مع التمييز بين الإستراتيجية الكبرى أو العامة، و القيادة الدبلوماسية ـ الإستراتيجية و الإستراتيجية العملياتية. ولكن في الواقع هذا التمييز وجد منذ القرن الثامن عشر،أي منذ ظهور الفكر الإستراتيجي.

أيضا،هذه الثنائية ستوجد في العلوم الإستراتيجية المعاصرة. Jomini كان قبل كل شيء مفكرا عسكريا كما تشهد بذلك عناوين أولى مؤلفاته: ” تحليل العمليات الكبرى” ، ” التاريخ العسكري لحروب الثورة”. بينما نجد Clausewitz يربط بشكل واضح بين الحرب ونهاياتها السياسية. في الواقع، إرث Jomini سيهمن على الفكر الإستراتيجي طيلة القرن التاسع عشر، أما أولوية الفصل بين السلطة السياسية و القيادة العسكرية ستقود إلى انتصار النموذج العسكري حتى عام 1914. والسبب أن القلق الوحيد كان في كيفية الانتصار في حقل المعركة من غير الأخذ بالحسبان لمصطلحات السلام التي ستهتم بها فيما بعد السلطة السياسية.

سنرى أن النموذج السياسي في الإستراتيجية سيعود للظهور مع أواخر القرن التاسع عشر،عندما بدأ الكتاب يفكرون بما يسمى الحرب الصناعية والإيديولوجية. أيضا البعد السياسي سيظهر عند الكاتب von der Goltz في كتابه ” الأمة المسلحة”. ما بين الحربين العالميتين كان هناك اقتسام للنزعتين السياسية والعسكرية،لكن النزعة العسكرية كانت أكثر هيمنة لاسيما مع الاختراعات العسكرية الجديدة (الطائرة،الدبابة،الغواصات). أما القطيعة الحقيقية بين النموذجين كانت بعد عام 1945، حيث ظهرت قوة النموذج السياسي،وكان هذا شيئا طبيعيا بعد الوصول إلى اختراع القنبلة النووية حيث منعت التفكير بوسائل لها غايات عسكرية فقط. هذه الأولوية للسياسة بقيت حتى اليوم،حتى ولو أن بعض الكتاب العسكريين حاولوا إبقاء فكر يستلهم التكتيك مبعدين منه البعد السياسي.

2ـ إيديولوجية و إستراتيجية.

إن عودة النموذج السياسي وبقوة على الساحة،طرحت سؤالا جديدا طالما تم تجاهله، وهو العلاقات بين الإيديولوجية و الإستراتيجية. في البداية،المعرة الإستراتيجية تم إدراكها كجزء أساسي من عملية تقنية،أما كجزء من إيديولوجية عامة للمجتمع،فلم تأخذ قيمتها سوى بشكل بسيط جدا. ونكتفي بالإشارة هنا إلى أن أحد كبار الإستراتيجيين مثل Clausewitz تأثرا كثيرا بالمفكرين الألمانيين هيغل و فيخته وكبار المؤلفات الفلسفية في عصره. ويعتقد بعض مؤرخي علم الإستراتيجية أنه كان استثناءا من بين الكتاب الإستراتيجيين في ذلك الوقت.

اليوم مع تعيق الأبحاث والدراسات يمكننا فهم السياق الأيديولوجي التي ظهرت فيه النظريات الإستراتيجية، ثم تطورت وتراجعت[1]. اليوم أيضا نحدد الاختلاف بين المعنى الذي يكون إستراتيجيا خالصا للمذاهب التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر والتي تركزت على الهجوم،والإيديولوجية الهجومية التي استولت على العقول والنفوس. إذا الإستراتيجية توقف علن أن تكون معرفة “روحية” لها سمو وتفوق، لتدخل ضمن البيئة التي تعيش فيها وتصبح جزءا منها. ربما يكون من الضروري معرفة التأثيرات التي مورست على هذا الكاتب أو ذاك،ولكن هذه المعرفة لا تكفي للقول أن كاتب إستراتيجي معين استطاع بناء نظرية أو مذهب إستراتيجي فقط لأنه قرأ فيلسوفا أو مجموعة من المؤلفات الفلسفية، لأن التأثيرات الإيديولوجية والفلسفية،لوحدها، لا يمكنها أن تبني نظاما أو نسقا فكريا.

بالإضافة لذلك، حتى ولو اعترفنا بتعدد وكثرة التأثيرات الخارجية،أيضا لا يمكننا القول أنها بديل ع تفكير وتجربة الإستراتيجي أو الكاتب الإستراتيجي،كما أن النظريات الإستراتيجية أو المذاهب الإستراتيجية ليست انعكاسا بسيطا لإيديولوجية عامة سائدة.

3ـ المدارس الإستراتيجية.

بالإضافة للتعدد الذي لا يمكن تجنبه في تيارات الفكر الإستراتيجي، يمكننا أيضا تمييز ثلاثة مدارس كبيرة ظهرت بشكل متعاقب وهي ما تزال موجودة:

1ـ المدرسة الكلاسيكية، وتتركز حول قيادة الحرب،وتجمع كل المنتمين إلى المفهوم التقليدي للحرب حول نموذج واحد : هو النصر. ترى هذه المدرسة أن الإستراتيجية هي فن الجنرال وهي معرفته التي يتمتع بها كقائد أو كعبقري،معرفة تسمح له وتحدد مدى استعداده للنصر أو الهزيمة.

2ـ المدرسة الكلاسيكية الجديدة، وظهرت في نهاية القرن التاسع عشر،وقد ساهم في ظهورها تقدم العلوم الاجتماعية و الدراسات العلمية.هذه العلوم أعطت بعدا جديدا ووعيا للظروف والبيئة التي يمكن أن تحيط بالإستراتيجية. بقي نموذجها يستند على مفهوم تحقيق النصر،ولكن الحرب هي من الآن فصاعدا تدخل في أفق صراعي أكسر ضخامة واتساعا،كأن يكون لدينا إستراتيجيات للسلام ليس فيها بعد عسكري.من أهم أعلامها الأميرال Castex في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، و Bernard Brodie  في الولايات المتحدة الأمريكية،وأخيرا Beaufre في فرنسا.

3ـ المدرسة الحديثة،لم تتطور هذه المدرسة بشكل حقيقي إلا بعد عام 1945.ترك هذه المدرسة نموذج النصر الذي تسعى الحرب لتحقيقه،وبدأت تقرأ الإستراتيجية كعلم اجتماعي لا يمكن وضع حدود له فقط داخل حقل الصراع و المعارك.هذه المدرسة أو الإستراتيجية الحديثة كانت عملا أو نتيجة لباحثين مدنيين،أيضا شارك فيها العديد من العسكريين. إشكالية هذه المدرسة كانت في التمييز بين هؤلاء الذين بالفعل جددوا نظرية الإستراتيجية كما هو الحال مع Thomas Schelling في الولايات المتحدة أو الجنرال Lucien Poirier في فرنسا ؛ وأولئك الذين يكتفون بخطاب يستند على أفكار قديمة.

إن الاختلاف و الانقسام حول مفهوم الإستراتيجية في عالمنا المعاصر ليس إلا انعكاسا للانقسام والاختلاف حول النظام الاجتماعي بأكمله وخاصة في قرن عرف تغيرات جذرية وكبيرة على مستوى البشرية جمعاء.

أولا ـ الإستراتيجية كنظرية ومذهب.

يجمع الكثير من مؤرخي الإستراتيجية على أن المفاهيم التي ظهرت حولها هي ناتجة عن الفكر الاستراتيجي وعن الإستراتيجية كعلم. أو بشكل آخر،الإستراتيجية هي معرفة في خدمة الفعل أو التطبيق للإستراتيجية كفن.عمليا، العلم الاستراتيجي يتألف من جانبين مختلفين أو متميزين عن بعضهما وقد دعاهما Foch بالنظرية والمذهب[2].

1ـ النظرية.

بشكل عام النظرية تهدف إلى تعميق مفاهيم و مناهج معينة،وتريد الوصول إلى معرفة يمكن استخدامها بشكل عام وشامل،استخدام مستقل عن الجغرافية و التاريخ. إن أسس النظرية يمكن أن تكون متعددة ولكن مع ذلك يمكنها أن تؤسس نظرية موحدة. هذه التعدد وطبيعة متغيراته من الصعب تحديده. حيث نفس الوظائف والحاجات يمكن أن تؤدي إلى إجابات مختلفة بشكل كبير وذلك وفق المجتمعات. إذا يمكن القول هنا،إن بناء نظرية موحدة هو عمل في غاية الصعوبة.

مع ذلك،هذه الحالة و الصعوبة في بناء النظرية لا تؤدي بشكل أوتوماتيكي للأبحاث المتعددة والمتغيرة وفق المجتمعات التي تنشأ فيها.ومن غير أن ندخل هنا في التناقضات اللاهوتية حول طبيعة البشر،إنه من الضروري أن تنظيم المجتمعات البشرية يصل إلى درجات معينة من التعقيد المطابق لاهتمامات البشر. فبناء سياسة خارجية لدولة كبرى ولها قوة عظمى لا يشبه بناء نفس السياسة لدولة صغيرة هامشية.

عرف أحد علماء السياسة المعاصرين النظرية بأنها :” على الأقل مخطط،برنامج لتسجيل،تصنيف وترتيب المعطيات و المعارف.أيضا النظرية،على الأقل،تستطيع الحصول على قوة تنظيمية وقيمة نقدية”[3]. بالإضافة لذلك،يمكننا تنظيم وظائف النظرية حول ثلاثة محاور وفق وظائف اللغة[4] : أولا،وظيفة التعبير. فالوصول إلى الكتابة ليس تغيير بسيط،بل يجبر الكاتب ببذل جهد كبير وصارم.وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العسكريين يكتبون بشكل أكثر بساطة وعدم تعقيد،من رجال الدولة أو الدبلوماسيين ،وهذا يعني أنهم بحاجة وبشكل قوي إلى نظرية. فوظيفة التعبير،إنها النظرية الإستراتيجية في ذاتها أو هي نفسها،وهذا يعود للشخص الذي يكتبها أو يبنيها. ثانيا،وظيفة الاتصال. ومن خلال هذه الوظيفة “المعلم”ينقل معرفته إما إلى تلاميذ مختارين،كما كان في الزمن القديم،أو على قراء لا يعرفهم،كما حصل مع بداية العصور الحديثة. وتحول هذه الوظيفة من الحالة الشفهية على الكتابية حتى يتم ضمان وصول الرسالة ومعرفة أصحابها أو منظريها بشكل أفضل. ثالثا،وظيفة التمثيل.هذه الوظيفة تتخيل رموزا أو صورا إستراتيجية لم يتم وجدودها بعد. هذا البعد مرتبط بتحولات اجتماعية/سياسية تتعلق بتغيرات فن الحرب.وظيفة التمثيل أخذت أهمية كبيرة بعد النمو السريع في التقنية،ففي العالم الأكثر تعقيدا،الإستراتيجية تحتاج أكثر من أي وقت على مساندة نظرية تمثلها أو تقدمها.

إن هذه الرؤية للنظرية وأهميتها تجعلنا نطرح السؤال التالي: ما هي غاية النظرية؟ وهل هناك مقاربات مختلفة لهذه الغاية؟

المقاربة ” الواقعية” تقودنا للحديث عن الاختلاف و التنوع في البشر،ومدى قدرة النظرية على أن تُعَمَّم حيث تجردها سيصبح أكثر ضعفا،وربما تتحول إلى تاريخ. أما المقاربة”المثالية” هي أكثر طموحا،ولكنها أكثر صعوبة أيضا.فهي تتطلب دقة كبيرة في توظيف المفاهيم، هذه المفاهيم التي سيتم إدراكها كأفكار عامة ولكن ليست مطلقة.هذه المقاربة أيضا،ستضع تحت الضوء،وبالإضافة للتنوع والانقسام الذي نعرفه بعد التجربة التاريخية،جوهرا معينا سيخدم كنقاط علام من أجل بناء النظرية.الإستراتيجي الشهير Clausewitz اعترف بوجود شكلين للحرب،لأن المجابهة الواضحة للنظرية مع الخبرة الشخصية قادته للوصل إلى أن مفهوم الحرب المطلقة لا يأخذ بالحسبان شمولية الحرب الحقيقية ويضيف:” النظرية عليها أن تقبل كل هذا،ولكن واجبها هو بإعطاء المكان الأول للشكل المطلق للحرب،كنقطة مرجعية،لأن من يريد أن يتعلم الأشياء النظرية فإنه سيتعلم على ألا يفقد نهائيا الرؤية”[5].

أما تلميذه Rosinski فقد نقل تعليماته إلى الإستراتيجية البحرية :” نظرية مثالية ستشير بشكل قوي إلى أن السيطرة على البحر هي المفهوم الوحيد الذي من خلاله نظرية مطلقة ،كاملة و مرضية للحرب البحرية يمكن أن تتطور،حتى ولو أن هذا الهدف لا يصل لحد التطبيق”[6]. إذا المشكلة الحاسمة هي في المصالحة بين المتطلب النظري مع براغماتية الإستراتيجية،أو في بناء نظرية لا تكون منقطعة عن الحقيقة التي لها قيمة عملية كبيرة. فالنظرية الإستراتيجية يجب أن تترافق بجرعة تجريبية. أو أخيرا،كما يقول “ريموند آرون” :” التفكير بكل وضوح،مفهوم الحرب و حقائق الحرب”[7].

إذا كان على النظرية أن ترتبط بالواقع والتجربة، فما هي المستويات المتعددة لهذه النظرية؟

إن النظرية تفترض جهدا من التفكير حول المفاهيم وحول المناهج أو الطرائق والتي يصعب تحقيقها في الكثير من الأحيان. إذا من الضروري وداخل التمييز الجوهري بين المذهب والنظرية أن نجري عملية من التصنيف أكثر دقة. بمعنى أننا نميز بين النظرية الإستراتيجية و التحليل الإستراتيجي،وذلك وفق درجة الدقة والصفاء الفكري.فالمنظر الإستراتيجي يسعى لتقديم عمل إبداعي وفق تفكير منهجي منظم،بينما المعلق الإستراتيجي له حدود تقف عند دراسة حالة معينة،معتمدا على نظريات أو منظرين إستراتيجيين.

كذلك،وضمن هذا التحليل يمكن أن نقول بأن Jomini, Clausewitz, Mahan, Corbett, Castex, Fuller, Liddell Hart, Douhet, Beaufre, Poirier, Schelling…هم منظرون إستراتيجيون، بينما Caemmerer, Mordacq, اللذان يعلقان على كتابات إستراتيجية في القرن التاسع عشر، و Puleston , Lepotier اللذان هما امتداد للإستراتيجي Mahan وآخرون كثيرون هم محللون إستراتيجيون.

في الواقع،لا يمكن الفصل النهائي بين النظرية والتحليل.كما هو الحال في علم اللاهوت والفلسفة،حيث تعليقات وتحليلات المؤسسين ترقى إلى تجديد كبير قد يصل إلى ثورة داخل هذه العلوم. أما المعيار الأساسي هنا كما في أماكن أخرى،هو الموهبة التي توضع في خدمة مشروع ما.أيضا يمكننا أنى منظرين إستراتيجيين لا يصلون على حد بناء نظرية متكاملة وفق ما يطمحون إليه،ونرى منظرين يقدمون قيما فكرية عظيمة لكنها تنهار مع أول تجربة عملية لها.

2ـ المذهب Doctrine .

يقول Lucien Poirier :” المذهب يسبق اختيارا محسوبا داخل مجموع النظريات الموجودة. يَستخرج منها مفاهيم يفضلها في عملية التطبيق أو الفعل”. (من كتابه ” الورشة الإستراتيجية الصفحة 129). إن المذهب له طابع محلي وليس شمولي،ويتم تبنيه ضمن إطار وطني،كما أن له نهاية أو غاية عملية كما يقول Jacques Laurent :” المبادئ القائدة،عندما يتم تشكيلها، تخدم كدليل أو مرشد في بناء القرارات العملية التي سنتخذها”.( من كتابه ” أداة من أجل الفكر العسكري السوفييتي”، الصفحة 47).

وقد ورد في الموسوعة العسكرية السوفييتية تعريفا للمذهب:” بأنه نظام من وجهات النظر التي تتبناها الدولة خلال فترة زمنية معينة، منطلقا من الأمور الجوهرية، الأهداف وطبيعة حرب ما قادمة، أيضا تحضير البلاد و القوات العسكرية لهذه الحرب ووضع الوسائل الممكنة”. أما الولايات المتحدة فقد عرّفت المذهب :” هو الدليل من اجل قيادة الحروب والعمليات الأخرى غير الحروب”.

في الواقع، الحوار المذهبي الإستراتيجي يجب أن يصل إلى نتيجة في تبني مذهب رسمي يتم فرض تطبيقه،وقد تم شرحه في تعليمات أو منشورات تؤسس قواعد أو كتابا أبيضا.القوات المسلحة الأمريكية تنشر بشكل دوري نصوصا مذهبية، وقد تم نشرها وتغييرها خلال سنوات متعددة (1954، 1963،1982،1986،1993 ).

في الواقع،تربط المذهب علاقة قوية بالنظرية : فالمذهب يحتوي عادة على النظرية بشكل واضح أو مبطن،مباشر أو غير مباشر. ولكن هذه العلاقة بين طرفي علم الإستراتيجية لم تتطور بشكل مماثل في العالم المعاصر. وهنا نستطيع القول أن النظرية هي بشكل جوهري عمل تراكمي،بمعنى أنها تستند في أجزائها على كتابات ماضية،وعلى مفاهيم ومناهج من الماضي تم تعريفها مسبقا،والهدف هو إغناء هذه النظرية ومحاولة وصولها إلى الكمال. على العكس من ذلك،المذاهب تأتي بشكل متتال أو متعاقب،أي بشكل متقطع،من غير أن نراها ترتبط بالمذاهب التي سبقتها أو التي تظهر وتنشر في مكان آخر،وحتى في الشكل العملي للعلاقة بين المذاهب،القطيعة لا تكون نهائية،إلا أننا نرى العلاقة بينها بطيئة،ضعيفة وكل مذهب إذا أراد الارتباط أو الأخذ من مذهب آخر فيكون من خلال محاكاته أو تقليده.في النتيجة، إن طرق ومناهج التعبير هي مختلفة بين الجانبين،النظرية و المذهب. وتبقى النظرية الإستراتيجية هي قبل كل شيء فكر منفتح،بينما المذاهب الإستراتيجية فيها الكثير من التستر على الأسرار و الأفكار،وخاصة فيما يتعلق بالشؤون الدفاعية.

بالاستناد إلى تحليل العلاقة بين النظرية و المذهب، نستطيع تحديد بعض الأمور المتعلقة بطريقة عمل المذهب.فعلى الخلاف من النظرية أو من النموذج الأمثل لها،المذهب لم يكن في أي يوم من الأيام حياديا،فهو يدار ويحكم بواسطة مبدأ الفعالية و الثبات. وهو من الأجل الاستخدام الداخلي والخارجي في نفس الوقت.

في الداخل،يهدف المذهب لخلق مجتمع أو تجمع من الفكر بهدف القيام بفعل ما.( انظر: Foch،مرجع سابق، الصفحة 101 ).فخلال العديد من القرون،كان عمل المذهب يتركز على تعريف طريقة وعمل الأسلحة،وهذا العمل بشكل عام لم يختلف من بلد لآخر إلا بشكل بسيط جدا.إذا كانت وظيفته،بالتحديد، وظيفة عملية،ونذكر هنا أن Clausewitz أبعد من حقل ومجال التفكير الإستراتيجي كل ما يتعلق بتحضير الحرب. فمجال المذهب كان محددا بصرامة ودقة ولم تتطور هذه الوظيفة إلا بشكل بطيء.

ومع التقدم التقني السريع،كان على المذهب وضع تعريف جديد لتوظيف الأسلحة،بمعنى ما هي الأسلحة التي يجب أن نستخدمها في البداية.وفي نفس الوقت،كان عليه الموافقة بتحديد مكان لأشياء جديدة أكثر كبرا من الماضي أو قبل عام 1789. ففي العصر الحديث كان على المقررين أن يواجهوا ضرورة الاختيار بين أمور متعددة. هذه الاختيارات تنتج بشكل أقل عن تطور موضوعي لإمكانية العتاد أو المواد، وشكل أكبر عن مفاهيم يجب اختيارها. فالتأخر التقني ليس فقط نتيجة للافتقار إلى الوسائل،بل ينتج أيضا عن التأخر و الجمود الفكري.

وعلى العكس،الذي أخذوا بمقاربة “فردية” يؤيدون أن طاقة المعركة و استخدام الذكاء في حالة معينة خاصة،بالنسبة للقادة،هي عوامل نجاح ذات قوة وتأثير أكبر من المذاهب التي توضع بشكل مسبق. وعمليا هذا الرأي يتفق بشكل كبير مع Clausewitz الذي يعطي دورا مهما للصدفة و الحظ أثناء الحرب.مع ذلك،هذا الأخير كان قد تحدث في السابق عن أن المذهب المشترك هو أفضل وسيلة لضمان فهم أفضل للأوامر والأنظمة الموضوعة. ولهذا السبب،في ظل غياب مذهب معين للقيادة في الحروب و المعارك،فإن موت أحد القادة العسكريين الكبار أو القادة المباشرين قد يؤثر بشكل سلبي كبير على المعركة أو الحرب.

بالإضافة لما سبق،وفيما يتعلق بانتشار المذهب بشكل واسع أو ضيق،يمكن القول أن المذهب هنا على عكس النظرية أيضا. فالنظرية في الغالب تنتشر بين “نخبة” فكرية،بينما المذهب ينتشر بشكل واسع،فليس القادة وحدهم من يفهمه ويعرفه، بل على المنفذين له أيضا أن يمتلكوا معرفة دقيقة للمذهب.

ثانيا ـ المناهج و الطرائق الإستراتيجية.

في طرحنا أو سؤالنا عن المناهج المستخدمة في العلوم الإستراتيجية،نكون قد وصلنا إلى موضوع بالغ الأهمية يتعلق بهذه العلوم. فعلم الإستراتيجية كما الفروع العلمية الأخرى لديه أصول معرفية أو إبستمولوجية،ولديه أيضا منهجه أو طريقته. ومن الإشكاليات المطروحة في هذا الشأن أمام الكتاب الإستراتيجيين أنهم لا يمتلكون تكوينا أو معرفة فلسفية أو أكاديمية تسمح لهم بإجراءات مقاربات معينة في الأفكار والمواضيع التي يطرحونها.

Clausewitz أحد كبار الكتاب الإستراتيجيين،كان قد درس جيدا الفيلسوف الألماني الشهير فيخته لأنه وعى مبكرا على أهمية التكوين الفلسفي للكاتب الإستراتيجي.مع ذلك يرى بعض مؤرخي الإستراتيجية أنه لم يصل إلى المرحلة التي تقدم فكرا نقديا،بل كان لديه كتابات عامة. ويقول “ماكس فيبر” في الحديث عن الإستراتيجيين:” معظمهم فهم هذا الحقل العلمي أو أدركه كمعرفة موضوعية مشيدة على قواعد شاملة وعالمية،ولكن علم الإستراتيجية،في الغالب، ليس إلا ترجمة لتجربة تاريخية محدودة ومحلية”[8].

أيضا الإستراتيجي الشهير Mahan، استبعد في دراساته أية نظرية شاملة للقوة البحرية انطلاقا من دراسة تاريخ بحري واحد لأوربا الحديثة. ونذكر هنا أنه في القرن التسع عشر،دراسة التاريخ كانت المصدر المفضل، إذا لم نقل الوحيد،من أجل دراسة الحرب. وقد ذكر نابليون هذا الموضوع أكثر من مرة عندما قال :” إذا أردت القيام بحرب هجومية مثل الإسكندر،هانيبال،القيصر، أو غيرهم، اقرأ،ثم أعد قراءة التاريخ فيما يتعلق بالثلاث والثمانين حملة قاموا بها، كن مثلهم أو قلدهم،وهذه هي الوسيلة الوحيدة لتصبح قائدا كبيرا”. ( من كتاب ملاحظات نابليون الأول، الجزء السادس، الصفحة 179).

إن هذا المصدر التاريخي تحول بشكل طبيعي إلى منهج، هو المنهج التاريخي والذي وصل إلى ذروته بين عامي 1880 ـ 1914، وتم تطبيقه في كل مكان،لاسيما في الإستراتيجيات البرية والبحرية،علما أن هذا المنهج تم الخروج عليه في العديد من الحالات في فرنسا وألمانيا، وأيضا على يد كبار مؤسسي الإستراتيجيات البحرية وأهمهم الأمريكي Alfred T.Mahan و البريطاني Philip Colomb. من جهة أخرى،كان هذا المنهج في منافسة كبيرة مع منهج آخر لا يعتمد على التاريخ بل على “الحاضر” بمعنى أنه اعتمد على مقاربة أخرى وهي التقدم الكبير والجذري في المجال التقني و على الثورة الصناعية. وكانت بداية التمييز بين المنهجين مع البريطاني Reginald Custance الذي ميز بين المنهج التاريخي و المنهج المادي في بداية القرن العشرين في كتابه ” Naval Policy” الصادر عام 1907.

أما الكتاب العسكريون في نهاية القرن التاسع عشر،فقد فضلوا مواجهة المنهج التاريخي بمنهج آخر هو المنهج العقلاني ،والذي وجد أصوله في المقاربة الهندسية عند التكتيكيين في العصر الحديث. من جهتها،الجغرافية العسكرية بنت منهجها الخاص في البحث الإستراتيجي. أما بالنسبة للمنهج العقلاني والمنهج الوضعي فهما متجاوران بشكل كبير إذا لم نقل أنهما متماثلين في الكثير من الحالات،والتفريق أو التمييز بينهما يعود لاعتبارات تاريخية. أما فيما يتعلق بالمنهج الفلسفي فإنه يتميز من خلال موضوع الدراسة الخاص به أكثر مما يتميز بالطريقة،وهو ليس إلا تطبيق نوعي للمنهج العقلاني.

1ـ المنهج التاريخي.

وهو الأكثر استخداما،أو على الأقل كان كذلك حتى الثورة النووية.هذا المنهج يعتمد المقارنة و التجربة أيضا،ولكنه لا يعتبرهما عملين إجباريين في البحث. الإستراتيجي والجنرال البروسي Scharnhorst،في نهاية القرن الثامن عشر، فضّل العمل على أمثلة قليلة، ولكن على أن تتم دراستها بعمق. أما الجنرال Hubert Bonnal،في نهاية القرن التاسع عشر، وضع منهجا يتألف أو يقوم على مثال واحد بهدف الوصول لنتائج إستراتيجية أكثر منها تكتيكية. بشكل عام، المنهج التاريخي كان يهدف من خلال مقارنة التجارب التاريخية المتعددة،الوصول إلى وضع قوانين أو قواعد محددة.لقد عرف هذا المنهج العديد من الصعوبات أو عدم الوصول إلى القناعة التامة به كمنهج متكامل. من هذه الصعوبات هي الطابع غير الكامل أو غير الأكيد للمصادر خاصة القديمة منها.

2ـ المنهج الواقعي.

تحت اسم هذا المنهج تختفي الطريقة المادية القديمة التي تتأسس على وسائل موجودة في بيئة محددة أكثر مما تتأسس على معاينة موروثة من الماضي والتي ليس لديها الكثير لتقديمه لنا. فالكثير من الدروس التي استفيد منها في حروب ماضية لا يمكن الاستفادة منها الآن كما لا يمكن استخدامها.ونشير هنا أننا عندما نقول منهج “مادي” فإن هذه التسمية لا تقتصر على جانب مادي مطلق،لأن العوامل الإنسانية يبقى لها دور بالغ الأهمية،وأيضا استطاعة الوسائل المادية يجب أن تترافق و تتوافق مع الطريقة التي نريد استخدام هذه الوسائل فيها.

في الواقع،المنهج الواقعي سوف يعمل على وضع الإستراتيجيات وفق عمل وسير الوسائل الممكنة.وهو ينقسم إلى فرعين: المنهج الموضوعي والذي سيرتبط بقدرة الوسائل المتاحة، و المنهج الذاتي/الشخصي المرتبط بالمذاهب المستخدمة والتي يمكن ألا تتطابق مع القدرات القصوى للوسائل المتاحة،أو ألا تتأقلم نهائيا معها.

3ـ المنهج العقلاني/العلمي.

المنهج العقلاني أو الذي يمكن أن نسميه بالعلمي،” يُقترَح من خلال الانطلاق من أولوية وسائل الإستراتيجية، حتى الوصول ومن خلال البراهين،إلى القواعد التي ستتبع ومن أجل تحديد الأجزاء الأكثر أهمية و التي يمكن استغلالها بشكل كبير”[9]. إن الخطوات التي يتبعها هذا المنهج ليست مؤسسة على الخبرة أو التجربة ،كما في المنهج التاريخي،وليس مؤسسة على الوسائل،كما في المنهج الواقعي،بل مؤسسة على المنطق الخالص.

استُخدم هذا المنهج منذ زمن بعيد حيث ظهر في البداية بشكل أو هيئة هندسية،لاسيما عند مؤسسي الفكر التكتيكي الحديث،إن كان في الإستراتيجيات البحرية أو البرية. المارشال Puységur استند بشكل واضح على علم الهندسة ويقول في كتابه “فن الحرب”: ” قاعدة وأساس كل فن الحرب هي في القدرة على تشكيل أنظمة جيدة للمعارك وجعلها تتحرك و تتفاعل ضمن قواعد كاملة أو الأكثر كمالا في الحركة؛وهذا ما يمكن استخراج مبادئه من علم الهندسة”.

ويبدو أن معظم ،إذا لم نقل جميع، الكتاب الإستراتيجيين استندوا على هذه المبادئ من اجل تقديم تعريف القواعد و الأنظمة بشكل ناجز أو كامل،و يمكن تطبيقها في جميع الظروف من غير العودة لوضع الخصم أو اعتباراته الخاصة،أو حتى إعطاء اعتبارات خاصة للميدان.إن المنهج العقلاني المستند إلى العلوم الهندسية تحول إلى مخططات إستراتيجية عند الكثيرين أثناء المعارك وحروب الاستقلال.أما اليوم فقد اختفى هذا الإعجاب الكبير بهذا المنهج أو الطريقة،مع العلم أن المنهج العلمي عرف تطورا هاما على مستوى العمليات و التكتيك.

أخيرا، ومع بداية القرن العشرين،بدأت الكثير من الجيوش البحث عن تطبيقات أكثر خفة وسرعة.وأثناء الحرب العالمي الثاني،وضع الأمريكيون و البريطانيون مجموعات علمية مكلفة بتحسين توظيف عمل الرادارات والوسائل المضادة للغواصات. وقد أصبح البحث العلمي في العمليات شيئا دارجا ومفتوحا أمام التحليلات المنهجية.

4ـ المنهج الجغرافي.

استطاعت العلوم الجغرافية العسكرية أن تؤسس منهجا تقدم و تدرج بشكل مستمر حتى أصبح”حقلا علميا” كاملا ومطلوبا بشكل كبير وهو “الجيوإستراتيجية”. هذا المفهوم قديم جدا وأكثر مما نعتقد،فقد ظهر مع “الجيوتكتيك”،والذي لم يعرف نفس الحظ، تحت ريشة الجنرال الإيطالي Giacomo Durando في عام 1846. لكن هذا المنهج لم يتأسس بشكل حقيقي إلا في نهاية القرن التاسع عشر.وبينما المنهج التاريخي والمنهج الواقعي يهتمان كليهما “بالأداة”،أي بالقوى المسلحة؛ إلا أن المنهج الجغرافي يهتم “بالوسط” أو البيئة التي ستعمل فيها “الأداة”.الجغرافية العسكرية تهتم بصفات الأرض و الميدان،أما الجيوإستراتيجية فتهتم وتحلل المسافات ،وهذا عامل رئيسي في الحرب الحديثة.

5ـ المنهج الثقافي.

يعتبر هذا المنهج من المناهج التي وضعت حديثا،فمفهوم الثقافة الإستراتيجية لم يوضع ويفرض إلى مع نهاية السبعينات من القرن العشرين. فقد استخدمه بشكل واضح أكثر من غيره البروفسور الأمريكي في العلاقات الدولية Jack Snyder، وفي كتاب بعنوان The Soviet Strategic Culture والصادر في عام 1977. المنهج الثقافي يعتمد على مجموعة من العلوم وأهمها السيكولوجية،الإتنولوجية و السيسيولوجية. يبحث هذا المنهج عن إقامة ثقافات إستراتيجية يمكن تعريفها كالتالي:” وهي مجموعة من المواقف و المعتقدات المفضلة داخل معهد أو مؤسسة عسكرية،فيما يتعلق بالهدف السياسي للحرب والطريقة الإستراتيجية و العملاتية الأكثر تأثيرا و التي يمكن الوصول إليها”[10].

يقصد بهذا التعريف وكما هو متعارف عليه بين الكتاب الإستراتيجيين الفرنسيين،تحديد في أية أجواء ومناخات تجذرت المحاور الكبرى للإستراتيجية داخل الثقافة الوطنية بشكل أساسي،لأن هذه الثقافات الإستراتيجية الوطنية يمكن أن تترافق أو تواكب ثقافة إستراتيجية تعود لفرد أو جماعة،حيث كل جيش يستطيع أن يقول أن له ثقافته الإستراتيجية التي يمتلكها. ففي الولايات المتحدة الجيش يعطي مكانة خاصة للإستراتيجي Jomini،والقوى البحرية تعطي هذه المكانة للإستراتيجي البحري Mahan،أما القوى الجوية مع Douhet وهو منظر الحرب الجوية الإيطالية[11]. إن مفهوم الثقافة الإستراتيجية استلهم الكثير من الثقافة السياسية التي جاء بها الكتاب السياسيون الأمريكيون في سنوات الستينات مثل Gabriel Almond, Sidney Verba في كتابهما ( The Civic Culture،1963)، و Lucien Pye في

( Political culture and Political Development ،1965).

6ـ المنهج التركيبي.

هذا المنهج يتكون من مجموع المناهج السابقة.ولكن لابد من القول هنا أنه من الصعب العثور على كتابات قديمة أو كلاسيكية استخدمت هذه المناهج مع بعضها. وتشير بعض الدراسات التي أرخت علم الإستراتيجية على أن الأميرال Castex في كتابه “نظريات إستراتيجية” اقترب كثيرا من استخدام المنهج التركيبي. بعد الأميرال Castex يأتي Bernard Brodie والذي استخدم المناهج التاريخية و الواقعية معا،وخاصة في أعماله الأولى حول الإستراتيجية البحرية،ولكنه لم يعط مساحة أو مكانة واضحة للمنهج الجغرافي ،ولم يعرف أيضا قيمة المنهج الثقافي إلا بشكل متأخر.

7ـ المنهج الفلسفي.

وهو الجزء الأرقى والأصعب في علم الإستراتيجية.ويعتبر الصينيون أول من استخدم هذا المنهج أو الطريقة. وبينما الفكر الاستراتيجي الغربي امتلك قاعدة تاريخية،الفكر الإستراتيجي عند الصيني Sun Zi ومن أتى بعده كانت يرتكز على أسس فلسفية. حيث أراد الإستراتيجيون الصينيون تطبيق المنهج الفلسفي والحكمة في مجال الحرب،كما في المجالات الأخرى من الحياة الاجتماعية[12].

المنهج الفلسفي وكما يقول Clausewitz يهتم بجوهر الحرب، أو بجزء منها كما يقول Corbett  و Rosinski في عملهما عن الحرب البحرية،أما اليوم فيهتم هذا المنهج بالعلوم الإستراتيجية كعلوم معرفية،ويساند هذا المفهوم الإستراتيجي Poirier. أما الصفة المشتركة بين هؤلاء هي ما نستطيع تسميته بالمتطلب النظري،بمعنى الإرادة في تجاوز الأشياء كما هي،أو تجاوز الطبيعة المادي للأشياء من أجل فهم طبيعتها الفلسفية و المعرفية،أما الهدف النهائي فهو الوصول إلى نظرية موحدة.بالنسبة للعالم الغربي،يعتبر Clausewitz النموذج الذي لا يمكن تجاوزه،إن كان فيما يتعلق بعمق أفكاره أو من خلال قلقه الدائم من أجل ربط التطورات العملياتية بالنظرية[13].

بعد محاولة القراءة السريعة لمناهج البحث الإستراتيجي،لابد من طرح سؤال في غاية الأهمية يتعلق بجميع هذه المناهج : هل يمكننا تحديد منهج واحد من بينها يكون أكثر دقة من غيره؟

المنهج التاريخي هو منهج متغير بشكل كبير،بمعنى أنه من الصعب أن يكون منهجا شاملا وقادرا بشكل دائم على الوصول إلى الحقيقة. والمنهج الواقعي يقدم الموضوع التقني على غيره.بمعنى أن يبحث عن الوسائل الممكنة التي مصدرها التقدم التقني.أما المنهج الجغرافي،فيعطي الأولية للوسط أو البيئة.وكما رأينا ذلك مع منظري الجيوإستراتيجية في القرن العشرين. وبالنسبة للمنهج العقلاني ـ العلمي فإنه يهمل العوامل المادية ويصل إلى اختزال الحرب إلى قواعد رياضية أو هندسية.بمعنى أن هذا المنهج يبحث عن صيغة دائمة يمكن تطبيقها في جميع الظروف.

وفي المنهج الثقافي نجد أنه مرتبط بالبيئة الاجتماعية.وهنا يقترب كثيرا من المنهج الواقعي ليشير إلينا بمتغيرات الإستراتيجية حسب المكان والزمان.أما المنهج التركيبي الناتج عن التوفيق بين العديد من المناهج،وهو بالتعريف منهج متعدد ويرتكز على إستراتيجية متعددة الوسائل. وأخيرا المنهج الفلسفي الذي يرتكز بشكل جوهري على النظرية.فهو بهذه الحالة لا يستند على عامل واحد بشكل خاص ،بل يحاول فهم ظاهرة الصراع بأقصى حد ممكن من الدقة والصرامة العلمية،ثم يضعها في بيئتها الخاصة للوصول بالوسائل المستخدمة إلى الغايات النهائية المنشودة.

  ثالثا ـ مبادئ الإستراتيجية.

في قراءة و تحليل مبادئ الإستراتيجية يمكننا أن نطرح في البداية إشكالية هامة تتعلق بمدى الموضوعية في اتخاذ القرار الإستراتيجي،أو بمعنى آخر ما هي المبادئ التي نسميها أو نتخذها كمرجعية في صناعة القرار الإستراتيجي؟ وكيف نقيّم صلاحية قرار إستراتيجي معين؟

في الإجابة على هذه السؤال نرى أن مبادئ الإستراتيجية تتدخل بسرعة لمساعدتنا في صياغة ووضع الإجابة،أو بشكل آخر للقول:هل القرار الإستراتيجي الذي نتخذه يحترم معايير و قواعد أساسية تتعلق بالعلوم الإستراتيجية ،قد تم وضعها من خلال التجربة و الحدس؟ في الواقع،إن مبادئ الإستراتيجية لا يمكن تجاهلها لا على المستوى الاستراتيجي ولا على المستوى التكتيكي في الحرب أو في غيرها. فالمبادئ الإستراتيجية هي قواعد عامة تهدف للوقاية من مفاجآت العدو والتأكد من التفوق عليه في أية خطوة نختارها في التعامل معه. إن التاريخ يبين أن وضع مبادئ للإستراتيجية ثم التقيد فيها في عملية صناعة القرار هي من أكبر الصعوبات التي واجهت عمل الإستراتيجيين في زمن الحرب و السلم. وعمليا هذا ما دفع العديد منهم للقول بأن تطبيق مبادئ محددة للإستراتيجية يختلف كثيرا عن صياغتها أو وضعها،حيث أنه من المستحيل التقيد الصارم بهذه المبادئ.

إذا، هل يمكن وضع قواعد دائمة يمكنها قيادتنا لاسيما أثناء الحروب؟ إن البحث عن مبادئ إستراتيجية بدأ بشكل عملي منذ بداية تبلور الفكر العسكري الحديث. في بداية القرن السادس عشر كان ميكيافلي قد أعلن ذلك مسبقا :” لا يوجد علم لديه مبادئه العامة التي هي قاعدة لمختلف العمليات أو الممارسات التي نقوم بها”.( من كتاب فن الحرب،ميكيافلي،مرجع سابق، الصفحة 188). هذا البحث عن المبادئ طُرح بشكل واضح من قبل المارشال Marmont:” نحن نكتشف مبدأ ثم نبحث فيما بعد عن أفضل وسيلة للوصول إليه أو تطبيقه.المبادئ تكون معروفة، لكن العبقرية في تطبيقها وهنا يكمن فن الحرب”[14].

إن جميع التأكيدات حول عالمية المبادئ تصطدم بمسألة تتعلق بشكل مباشر بهذه المبادئ وهي تنوعها وتحولاتها الدائمة. فالمبادئ في علم الإستراتيجية تتغير من كاتب إلى آخر،وما هو أساسي عند هذا الكاتب ربما يكون هامشيا عند غيره. وهذا ما دفع العديد من المتخصصين للقول وهم يحاولون إيجاد حل لتحولات وتغيرات المبادئ،بأن المهم ليس إيجاد المبادئ ولكن المهم هو البحث عنها.

ـ كيف يمكن التحقق من المبادئ ؟

إن مسيرة التحقق والتعرف على مبادئ الإستراتيجية أنتجت لنا أدبا إستراتيجيا خاصا وضخما. فمثلا الجنرال و الإستراتيجي الشهير Foch ( 1851ـ 1929)،يشير في العديد من كتاباته إلى “المبدأ السامي أو الأرقى” وهو ـ اقتصاد القوى ـ ،ويضيف عليه مبدأ آخرا يرى فيه أنه مطلقا وهو ـ حرية الفعل والتصرف ـ،وهذا المبدأ الأخير يستعيره الكاتب من Xénophon عندما يقول :” فن الحرب هو بشكل جازم ونهائي فن الحفاظ على حريته”. ( من كتاب Foch ” مبادئ من أجل الحرب”،كتبه في عام 1903،الصفحة 95).

أما الميجور ـ جنرال Fuller فقد اقترح لائحة استفاد منها الجيش الأمريكي بشكل كبير في عام 1921. تم تنقيحها و تصحيحها أكثر من مرة،مع ذلك احتفظت ،ورغم تناولها من قبل مذاهب مختلفة،بقوتها ومكانتها. وفي آخر طبعة للمرجع Field Manual 100-5 الصادرة في عام 1993 عن الجيش الأمريكي،تأخذ هذه الطبعة بتسعة مبادئ هي : الهدف،الهجوم،التجمع،اقتصاد القوى،المناورة،وحدة القيادة،الأمن،المفاجأة والبساطة.أما تغيرات وتحولات المبادئ لا تنتهي وليس لها حد. لقد تحدث بعض الإستراتيجيين عن مبدأ أو مبدأين كبيرين يلخصان كل فن الحرب. الأميرال Labouerie حدد المبادئ جميعها بمبدأين فقط وهما : الصعق أو الرعب و الشك[15].

رابعا ـ القرار الإستراتيجي.

تُفهم الإستراتيجية في العادة على أنها رؤية شاملة على المدى الطويل،ولكنها تقع تحت رحمة التغيرات المستمرة وغير المتوقعة.أيضا القرارات الإستراتيجية تؤخذ في الكثير من الأحيان في أجواء من الضغط المستمر يكون بدرجة كبيرة أو قليلة. إذا ليس من المدهش القول بأن القرار الإستراتيجي هو واحد من أصعب القرارات التي يمكن أن تحدث،وأيضا من أعقدها على الإطلاق،ومن هنا ربما تأتي الندرة في وجود قادة عظام وكبار. فالقرار الإستراتيجي يقع تحت هيمنة التغيرات و التحولات،إنه يتبع مؤشرا متعددا وليس واحدا،إنه قرار يأتي بعد عدة تقييمات وتقديرات أهمها :

ـ المجازفة والرهانات.

ـ الوسائل و الإمكانيات.

ـ الأخطار.

ـ الظروف.

1ـ المجازفة و الرهانات.

وتقع على مستويات مختلفة،إنها ضرورية من أجل التمييز بين الغايات السياسية و الأهداف الإستراتيجية. هذا التمييز في العادة تصعب رؤيته أو تحقيقه كما يقع ضحية للخلط في المفاهيم. ويرى Clausewitz أنه كلما كان الرهان حيويا كلما كانت المخاطرة مبررة وتستحق الكثير من التضحيات،وإذا كان الرهان “محدودا” فنعطيه بعض الوسائل التي تتناسب معه،مع أدنى مستوى من المخاطرة.وعلى المستوي العملياتي،لابد من تقدير وتقييم التماسك لهذا الهدف أو ذاك. إن التاريخ الإنساني والعسكري بشكل خاص يعطينا أمثلة كثيرة على القرارات التي اتخذت أو استندت على أسس وتقييمات سيئة وخاطئة للرهان،إن كان على المستوي السياسي/الإستراتيجي أو على مستوى العمليات العسكرية والحروب.

2ـ الوسائل و الإمكانيات.

يرى الإستراتيجيون أنه من الناحية المبدئية،بأن الوسائل والإمكانيات رغم تحولها وتغيرها إلا أنها سهلة الفهم. مع ذلك،لابد من اختيار الوسائل التي يمكن توظيفها،ثم الاختيار فيما بينها،وبعد ذلك يجب الأخذ بالحسبان عدم الدقة والتأكد الكامل من الرأي الذي تم اتخاذه. اختيار الوسائل يعتمد،في نفس الوقت، على إمكانيات الفاعلين بمعنى (يجب التصرف وفق ما لدينا)،وأيضا على طبيعة المشكلة المطروحة بمعنى (هذا يقود للغاية التي نريد الوصول إليها).

3ـ الأخطار.

يقول نابليون بونابرت في هذا الصدد:” الحرب لا يمكن أن تكون من غير أخطار،فنحن نرى شرورها أكثر مما نرى شرور الحرب نفسها،لذلك لابد من إظهار الثقة دائما”[16]. وجميع فنون الحرب تأخذ في حسبانها دائما الأخطار وتقوم بالتخطيط لها بشكل مسبق،ومن هنا لابد للوسائل أن تتوافق مع الأخطار المتوقعة،أو على الأقل ألا تكون أقل منها بكثير. الاحتياط من الخطر يأتي على جميع المستويات،ثم يوسع هامش الحسابات للصدفة،ولكن بالمقابل يجب أن يكون هناك استعداد دائم لمعالجة النتائج التي يمكن أن يتسبب بها قرار خاطئ على مستوى عال. هذا القرار يمكن أن يسبب تراكمات خطيرة ولكن يمكن تحييدها بشكل تدريجي إذا تم التخطيط للأخطار المتوقعة.

اليوم،حساب الأخطار يختلف عن الماضي،وربما يعود هذا لأن الحرب أو حتى الميادين الأخرى أصبحت تستخدم وسائل متطورة جدا في تطبيق الإستراتيجيات. هذا الوسائل تحاول الوصول إلى ضمانات شبه مطلقة في عدم وقوع أية خسائر لا في الحرب ولا في غيرها، وقد سمي هذا التيار الجديد في التخطيط لعدم وقوع الأخطار ” صفر من الموت”،بمعنى ألا يموت أحد. ولكن على أرض الواقع ليس دائما التطور التقني والتكنولوجي هو من يحدد طبيعة تطور الأخطار،فالعدو أو المنافس في هذه الحالة هو من يلعب الدور الحاسم.

4ـ الظروف.

هناك من يردد دائما بأن التاريخ لا يعيد نفسه نهائيا،مع ذلك نرى أننا بحاجة لقراءته بشكل مستمر.في الواقع،توجد ظروف تلعب دوراها بشكل مستمر ومنها الجغرافية،التقنية و العامل الإنساني،ولكن لا يوجد حتمية في هذا الشأن،فكل حالة لها ظروفها الخاصة التي يجب أن تأخذ بالاعتبار في أي قرار إستراتيجي.هذه الظروف الخاصة تعود إلى عوامل جغرافية،ظروفٍ سياسيةٍ،دبلوماسية وعسكرية. ويبقى أن نقول بأن قدرة الخصم واستعداده يلعبان دورا حاسما.

ويرى نابليون بونابرت أن القرار و التخطيط الإستراتيجي عليهما التوافق مع الظروف التي يمكن ان تتغير بشكل ستمر:” أن تنفيذ العمليات هو تدريجي ويخضع لتأثيرات وأحداث يمكن أن تقع وتتغير كل يوم”[17] .

خامسا ـ وسائل القرار الإستراتيجي.

إن الأخذ بالحسبان لجميع معايير وتقديرات القرار الإستراتيجي لا يعني أن نبعد جميع الفرضيات المحتملة لصالح واحدة فقط. فالطابع الميز و الغالب على الإستراتيجية هي أنها لها طابع “احتمالي”. فمن بين جميع المتغيرات النظرية التي يمكن تقييمها وتقديرها بشكل موضوعي،إلا أنه يبقى لدينا جانب لا يمكن تقييمه بشكل صحيح إلا من خلال الجانب الشخصي والذي يتعلق مباشرة بتصرفات وسلوك الخصم،المنافس أو العدو.

عن الطريقة الأفضل للتقييم هي بناء شبكة كبيرة وقادرة على الحصول على جميع المعلومات المطلوبة.فرغم الصعوبات التي تعترض “مهنة”التجسس،إلى أن كبار القادة السياسيون والعسكريون يعمدون إلى تدعيم هذه المهنة مهما كانت مكلفة وحتى لو أن القوانين تحكم بأشد العقوبات على من يمارس هذه المهنة.إذا هذه الوسيلة كانت وما تزال هي من الوسائل المتبعة في عملية اتخاذ القرار الإستراتيجي.[18]

ولكن مهما كانت النوعية أو الأهمية التي تتميز بها المعلومة التي نحصل عليها،فإنه من النادر أن تسمح لنا بإبعاد كلي لعدم التأكد أو عدم اليقين،أو الحصول على معرفة كلية وأكيدة للموضوع الذي نريده.بمعنى آخر،إن التحليل الموضوعي للوضع والحالة سيترك مكانه في لحظة معينة لتقييم آخر وتطورات أخرى تتعلق بالجانب الشخصي وكما ذكرنا سابقا. ضمن هذا المجال،يوجد مدرستين تتحدثان عن المعلومات وهما متخصصتان بها. المدرسة الأولى،وتسمى مدرسة الإمكانيات أو الاحتمالات،وتنطلق من الوضع الراهن أو القائم من أجل تحديد الحلول التي يمكن إتباعها مع العدو.وهي طريقة اتبعها نابليون بونابرت والذي يقول:” يجب ألا نبحث نهائيا عن تخيل أو تصور ماذا سيفعل الخصم”.ومن مميزات هذه الطريقة أنها تحبرنا على الأخذ في الاعتبار جميع الفرضيات،ومحاول إيجاد جواب على كل حالة أو فرضية متوقع أن يقوم بها الخصم.

المدرسة الثانية، وهي المدرسة المخطَّطَة. تنطلق هذه المدرسة من حالة أو وضع،من إشارات ودلائل يمكن أن تطبعها بطابعها،من مذاهب وتيارات،ومن تجارب سابقة للخصم أو العدو،من سلوك اعتيادي يقوم به الزعيم أو الرئيس،وتبحث عن تحديد الخطط والنيات التي يرمي إليها الخصم،وإلى فهم المناورة التي ربما سيقوم بها[19].بالتأكيد هناك خطورة بتوقع فهم جميع الخطط والنيات التي يريدها الخصم وهذه من العيوب التي تشوب هذه المدرسة. كما أن هذه الطريقة تعتمد في الكثير من الأحيان على وجود عباقرة في هذا التخصص، وليس طريقة يمكن تطبيقها بشكل دائم.

[1] ـ انظر كتاب ” صوت الإستراتيجية”، صادر بالفرنسية ،تأليف Lucien Poirier.

[2] ـ Foch، ” Des Principes de la guerre”، باريس ، الصفحة 94.

[3]ـ Jean-Louis SEURIN،” مخطط من أجل تحليل مقارن للحكومات”،بالفرنسية، باريس، دار النشر الجامعية لفرنسا،1989.

[4] ـ Karl Popper في Konard Lorenz et Karl Popper ،” المستقبل مفتوح”، باريس، دار نشر Flammarion،1995،الصفحة 117.

[5] ـ Carl CLAUSEWITZ ،” الحرب”، مرجع سابق، الصفحة 673.

[6] ـ Herbert ROSINSKI،” Commentaire de Mahan”، الصفحة 55.

[7] ـ Raymond ARON،” Penser la guerre”، الجزء الأول،الصفحة 23.

[8] ـ ماكس فيبر، ” دراسة حول نظرية العلم، صادر في باريس،بالفرنسية،دار نشر Plon، سلسلة أبحاث في العلوم الإنسانية،عام 1965.

[9] ـ Antoine Grouard ،” الإستراتيجية”، مرجع سابق،الصفحة 29.

[10] ـ هذا التعريف جاء في بحث تحت عنوان “الثقافة الإستراتيجية الفرنسية”،الكاتب Bruno Colson،من مجلة “الإستراتيجي” العدد 53،الفصل الأول 1992،الصفحة 29.

[11] ـ انظر : Russel WEIGLEY، ” The American Way of War”، صادر في نيويورك ولندن، عن دار نشر Macmillan-Collier، 1973.

[12] ـ انظر ، Everett L. WHEEler، ” The Origins of Military Theory in Ancient Greece and China”، يمكن إيجاد هذا المرجع على العديد من مواقع الإنترنيت.

[13] ـ يمكن العودة هنا إلى James B. SMITH،” Some Thoughts on Clausewitz and Airplanes”، صادر عن Air University Review، آب 1986.

[14] ـ Maréchal Marmont، ” روح المؤسسات العسكرية”، الصفحة 4.

[15] ـ Guy LABOUERIE، ” مبادئ الحرب”، بحث في مجلة “الدفاع الوطني” الفرنسية،نيسان 1992.

[16] ـ من رسالة وجهها نابليون إلى الأمير Eugène في تاريخ 30 نيسان عام 1809،وجاءت في كتاب للجنرال Camon بعنوان ” الحرب النابليونية” ،الصفحة 326.

[17] ـ من كتاب،”تعليقات نابليون الأول”، الجزء الأول.

[18] ـ انظر، Ernest R.May،” Knowing One’s Ennemies. Intelligence Assessment before the Two World Wars”، Princeton University Press، 1986. انظر أيضا، Ralph D. Sawyer،” The Tao of the Spycraft, Intelligence Theort and Practice in Traditional China”، Boulder-san Francisco-London, Westview، 1998.

[19] ـ انظر، Bernis،” أجهزة المخابرات”، صدر في باريس عن دار نشر Berger-Levrault، 1934.

 

 

Print Friendly, PDF & Email