Print Friendly, PDF & Email

إن ارتباط الإقتصاديات الوطنية واعتمادها على بعضها البعض، ظاهرة قديمة جـدا وارتبطـت بمختلف المراحل التطورية التي مرت بها الإنسانية في مختلف المجـالات الإقتصـادية والإجتماعيـة والسياسية، إلا أن ما هو حديث نسبيا هو ذلك الإهتمام المتزايد الذي أبداه البـاحثون تجـاه الظـاهرة، ومكانة هذه الأخيرة في السياسات الإقتصادية الوطنية.
حيث أصبح من الضروري وذلك منذ أزمة ثلاثينات هذا القرن، البحث عن كيفيـة إدارة شـؤون الإقتصاد العالمي، وكان ذلك أيضا الدافع الأساسي لإنشاء أولى الهيئات الدولية المكلفة بالإشراف علـى تنظيم وتوجيه الأنشطة الإقتصادية على المستوى الدولي، كالبنك العالمي للإنشاء والتعميـر، صـندوق النقد الدولي … الخ، تبعتها فيما بعد مؤسسات أخرى إقليمية و جهوية.
وبعد الحرب العالمية الثانية، وبشكل خاص من السبعينات بـدأت ظـاهرة العولمـة المتزايـدة للأنشطة الإقتصادية بشكل لم يسبق له مثيل وذلك بسبب دخول الإقتصاد العالمي مرحلة جديدة تميـزت بالمنافسة الشديدة بين مختلف القوى الإقتصادية العالمية. وكان لهذه العولمة وازدياد درجة الإرتباط بين مختلف الإقتصاديات الوطنية تأثيرهما على مختلف الدول، إلا أن هذه التـأثيرات علـى دول الشـمال المتطورة لم تكن هي نفسها على دول الجنوب النامية وكانت تخضع طبيعتها لمكانة وأهمية كـل دولـة في العلاقات الإقتصادية الدولية، وقدرتها على التكيف الهيكلي مع التطورات التكنولوجيـة والتنظيميـة الناتجة عن التحولات في دواليب وميكانيزمات عمل العلاقات الإقتصادية الدولية.

ولقد وجدت الدول النامية نفسها، أمام هذا الوضع الجديد الذي أصبح يميز الإقتصاد العالمي أمام خيارين أساسيين هما :
1- إما انتهاج سياسة الإعتماد على الذات والعزلة دون مراعاة التغيرات الخارجيـة بحجـة بنـاء إقتصادات وطنية، بعيدا عن مشاركة رؤوس الأموال الخارجية وتوجيهات المؤسسات الماليـة الدولية، وهو اختيار تبينت فيما بعد محدوديته وعجزه عن تحقيق أهداف التنمية التـي كانـت تصبو إليها هذه الدول.
2- أو اعتماد سياسات إقتصادية انفتاحية يكون فيها للتجارة مكانة معتبرة ،مع الأخذ بعين الإعتبار الطابع التنازعي للعلاقات الإقتصادية الدولية الراهنة والذي في غير صالح الدول النامية، ممـا يقلل من دور هذه الأخيرة في توجيه هذه العلاقات، وفق ما تتطلبه عملية التنميـة الإقتصـادية والرقي الإجتماعي.

وانطلاقا من وعيها بعجزها عن بلوغ أهداف التنمية المنشودة، وازدياد الفجوة بـين مسـتويات المعيشة والتطور الإقتصادي بين دول الشمال والجنوب وافتقارها إلى القوة الكافيـة لتغييـر القواعـد المسيرة للعلاقات الإقتصادية التي تربطها بالدول المتطورة، بدأت الدول النامية في التفكير والبحث عن سبل ووسائل جديدة للتخفيف من الانعكاسات السلبية للتقسيم الدولي الراهن للعمـل، وتبنـي مقاربـات جديدة، لمعالجة المشاكل التي تعترض مسيرتها التنموية، تتجاوز الإطار الوطني الضيق الـذي أبـدى عجزه ومحدوديته، هذه المقاربات التي تحاول المساعدة على الإستفادة جماعيا من مختلـف المـواردوالطاقات والخبرات المتوفرة على مستوى منطقة معينة، والتي تعجز الدول منفردة عن الإستفادة منهـابشكل كبير وكذلك لتعزيز مكانتها وقدرتها التفاوضية على المسـتوى الـدولي، خاصـة و أن ظـاهرة التكتلات والتجمعات الإقتصادية أصبحت من السمات المميزة للعلاقات الإقتصـادية الدوليـة، وهـي ظاهرة لا تخلو منها أي منطقة من العالم سواء كانت تضم دول متقدمة أو أخرى نامية، بما فـي ذلـك المنطقة العربية ومنطقة المغرب العربي جزء منها والتي انتهجت طريق التكامل الإقليمي منذ حصولها على الإستقلال والحرية وهو ما تختص به دراستنا هاته.

وقبل أن نتعمق في تفاصيل الموضوع فإن أدبيات الدراسة الأكاديمية العلمية تتطلب أن نتنـاول في الفصل الأول الإطار المفاهيمي والنظري للظاهرة المدروسة (ظاهرة التكامل)، وقد قسم هذا الفصل إلى مبحثين، جاء في المبحث الأول الإطار المفاهيمي للتكامل ونتعرض فيه بالشـرح والتحليـل مـن خلال ثلاث مطالب لمفهوم التكامل من الناحيـة اللغويـة، وا لإصـطلاحية بـالتركيز علـى الجانـب الإقتصادي والسياسي للتكامل، وفي المطلب الثاني تم التطرق لأهداف التكامل الإقتصادية- الإنمائيـة، والسياسية – الأمنية. ودرجاته المتعارف عليها اقتصاديا حسب طرح العالم الإقتصادي بيلا بالاسا، أما المطلب الثالث فتم تخصيصه للتكامل الإقليمي ومراحل تطوره والتي قسمت إلى مرحلتين أساسـيتين، مرحلة الإقليمية القديمة ومرحلة الإقليمية الجديدة، أما المبحث الثاني فقد تضمن المرتكـزات النظريـة للتكامل، واشتمل هذا المبحث على مطلبين ففي المطلب الأول تم اعتماد المقاربـة الو ظيفيـة الجديـدة وفرضياتها على اعتبار أن التكامل المغاربي تكامل إقليمي جهوي كما أنه يمثـل منظمـة إقتصـادية مشتركة للمنطقة المغاربية. أما المطلب الثاني: فقد خصص للمقاربة المؤسسـاتية الليبراليـة الجديـدة وطرحها للتعاون على افتراض أن التكامل المغاربي جاء كرد فعلي للبيئة الدولية والتي تتميـز بعـودة دور المؤسسات والتجمعات الإقتصادية بعد نهاية الحرب الباردة في ظل نظام عـالمي جديـد يتميـز بالفوضى التي تسمح بالتعاون.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للتكامل

يعد موضوع التكامل والإندماج الإقتصادي سواء كان في إطاره الدولي أو الإقليمي، الموضـوع الأبرز والأهم فيما يتعلق بدراسة التعاون على مستوى العلاقات الدولية، خاصة وأن ظـاهرة التكامـل صارت تعرف انتشارا كبيرا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبشكل أكبر في الفترة التي تزامنت مـع نهاية الحرب الباردة، وبروز العامل الإقتصادي بقوة كمؤشر مؤثر في العلاقات الدولية.

وعليه فإن محاولة التأسيس المفاهيمي للتكامل يعد أمرا مهما لتبيان مدى حدوث هذه الظاهرة في سياق التغيرات الإقتصادية الحاصلة في البيئة الدولية.

المطلب الأول : تعريف التكامل

من مسلمات نظرية المعرفة (Epistemology) أن أي مصطلح علمـي يكـون تعريفـه أكثـر صعوبة أو بالأحرى أقرب إلى السهل الممتنع كلما كان المصطلح أكثر عمومية وشمولا ففكرة التكامل لصيقة بأي مجموعة من العناصر ترتبط فيما بينها بروابط متبادلة، وينطبق ذلك على الكائنات الحيـة، بما في ذلك البشر والكائنات غير الحية، أي عناصر الطبيعة والمجتمع على حد سواء .

 ولقد تعددت تعاريف التكامل واختلفت بإختلاف الزوايا التي ينظر له بها، وبناءا على ذلـك سـيكون تعريف التكامل من الناحية اللغوية والإصطلاحية لنخلص إلى تعريف إجرائي للتكامل.

الفرع الأول : التعريف اللغوي للتكامل

من الناحية اللغوية الصرف، فإن أصل كلمة التكامل هو: كﹶمـلَ وقد جاء في الصحاح تحت هذا الأصل.

الكمال : التمام و فيه ثلاث لغات ” حالات ” ، كﹶمـلَ و كﹶملَ و كﹶملَ والكسر أردؤها و تﹶكﹶاملَ و أَكﹾملَ.

والتكميل والإكمال : الإتمام.

ومن الواضح أن الفعل الخماسي ” تكامل ” على وزن تفاعل الذي يمثـل أهميـة مباشـرة لموضـوع الدراسة، يشير إلى اجتماع واقتراب أجزاء شيء ما إلى بعضها البعض، نحو الكمال والتمام في إطـار الكل الذي يجمع بين هذه الأجزاء  .

فكلمة التكامل في اللغة معناها وضع الجزأين بجانب بعضهما البعض فيصبحان وحـدة واحـدة،وإذا قلنا أن هذين العاملين متكاملان، وكان كل منهما يقوم بعملية إنتاجية معينة فإن مجهـود العامـلالأول يكون غير ذي موضوع بدون مجهود العامل الثاني.

فمعنى التكامل ينطوي على تلازم وتقابل وتضافر وتبادل بين العناصر المشمولة بفعله، أي أنها تشترك معا في الفعل وأنه لا يمكن أن يعمل أو يوجد أحدها بدون العناصر الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى تعدد مصطلحات التكامل ذاتها، ففي اللغة العربية تستخدم هذه الكلمة بالتبادل مع كلمة الإندماج دون تمييز محدد، وأحيانا يستعملان معا جنبا إلى جنب حيث أن الإنـدماج يـوحي ويستعمل عادة للتعبير عن درجات أعلى وحالات أكثر نضجا للتكامل بما في ذلك الإتحـاد أو الوحـدة الكاملة، بل تضاف كلمة الإندماج إليها لإضفاء مزيد من القوة عليها، كأن يقال وحدة إندماجية، ولعـل هذه الكلمة تعني الإنضمام إلى تنظيم تكاملي واحد في المعنى المشار إليه أعلاه.

الفرع الثاني : التكامل اصطلاحا

استحوذ موضوع التكامل على اهتمام العديد من الباحثين في العلوم السياسية والعلوم الإجتماعيـة الأخرى، ولذلك هناك الكثير من النظريات والإفتراضات والتعريفات الخاصة بالتكامل مثارة في أكثـر من مجال.

ووفقا لطبيعة الموضوع سنعتمد على الجانب الإقتصادي والسياسي في التعريف الإصطلاحي للتكامل.

ولابد أن نشير قبل الشروع في عرض التعاريف أن هناك اتفاق بين علماء الإقتصاد والسياسة على أن التكامل قد يكون عملية أو حالة.

فهو عملية لأنه ينطوي على التدابير والإجراءات والوسائل التي تسـتخدم فـي إنجـاز العمليـة التكاملية، وهو حالة لأنه يعمل على إلغاء صور التفرقة بين إقتصاديات الدول الأطراف، وينقلهـا مـن حالة تفرقة وتمايز إلى حالة التحام وانسجام.

أولا : في علم الإقتصاد

يقصد بالتكامل الإقتصادي عادة >> اتفاق مجموعة من الدول المتقاربة في المصالح الإقتصـاديةأو في الموقع الجغرافي، على إلغاء القيود على حركة السلع والأشخاص، ورؤوس الأموال فيما بينهـا بالتنسيق بين سياساتها الإقتصادية، لإزالة التمييز الذي يكـون راجعـا إلـى الإخـتلاف فـي هـذه السياسات<< .

كما يشير مصطلح التكامل الإقتصادي إلى >> العملية التي يتم بموجبها إلغاء كافة القيـود التـي تعوق حركة التجارة، بين الدول الأعضاء في منطقة التكامل الإقتصادي، والعمل على تجميع وتعبئـة المواد الإنتاجية والبشرية والمالية المتوفرة لدى هذه الدول حتى تصبح وكأنها إقتصاد واحد، تتوافر فيه حرية إنتقال السلع والأفراد ورؤوس الأموال لينتهي الأمر إلى تنسيق السياسات الإقتصادية فـي كافـة المجالات << .

وفي إطار المفهومين أعلاه فالتكامل الإقتصادي، قد يكون ” تكاملا عام وشامل” كما قد يكــون ” تكامل قطاعي ” حيث يقصد بالنوع الأول أن تطبق إجراءات التكامل في وقت واحـد علـى جميـع قطاعات الإقتصاد في الدول الأطراف فيه، أما التكامل القطاعي فهو الذي تكون عملية التكامـل فيـه مقصورة على قطاع واحد أو قطاعات محدودة من إقتصاديات الأطراف المعنية.

وفيما يلي سنتطرق لمجموعة من التعاريف لأبرز علماء الإقتصاد .

1- ” جون بيندر ” John pinder ” >> يرى أن التكامل الإقتصادي يشمل كلا من إزالة التمييز بـين الفاعلين الإقتصاديين المنتمين للدول الأعضاء، وصياغة وتطبيق سياسات منسقة وموحدة بالقدر الـذي يضمن تحقيق الأهداف الإقتصادية والرفاهية الرئيسية << .

فهذا التعريف ركز على ضرورة تنسيق وتوحيد السياسـات ا لإقتصـادية كمـدخل لتحقيـق التكامـل الإقتصادي.

2- ” ميردال ” Myrdal : >> التكامل الإقتصادي عبارة عن العملية الإجتماعية والإقتصـادية التـيتزال فيها الحواجز ما بين الوحدات المختلفة، وتؤدي إلى تحقيق تكافؤ الفرص أمـام جميـع عناصـرالإنتاج ليس فقط على مستوى دولي بل أيضا على المستوى الإقليمي << .

3- ” بيلا بالاسا ” Bela Balssa : فهو يرى بأن التكامل بالمفهوم الحديث يتضمن >> إقامة علاقـات وثيقة بين القطاعات الإقتصادية لدولتين أو أكثر، بإتجاه تحقيق الإندماج بينهما، وإزالة مظاهر التمييـز القائمة بين هذه القطاعات وتكوين وحدة إقتصادية جديدة متميزة << . والملاحظ مـن التعريـف أن بيلا بالاسا يعرف التكامل على أنه عملية وحالة في آن واحد.

4- أما ” فاجدا ” vajda : فقد ميز بين نوعين من التكامل التجاري وهما:

– التكامل من خلال السوق : والذي يكفل إمكانية تداول المنتجات داخل نطاق المجتمع التكـاملي دون عائق.

التكامل من خلال الإنتاج : والذي يتم بواسطة رفع مستوى الفروع الإنتاجية الذي لا يمكـن أن يبلـغ حدودها المثلى ضمن الحدود الوطنية إلى المستوى الإقليمي .

أما عبد الغني عماد فهو يعرف التكامل بأنه >> جمع ما ليس موحدا في إطار علاقة تبادلية تقوم علـى التنسيق الطوعي والإرادي، بهدف توحيد أنماط معينة من السياسات الإقتصادية بـين مجموعـة مـن الدول تجمعها خصائص ومميزات محددة تستهدف المنفعة المشتركة من خـلال إيجـاد سلسـلة مـن العلاقات التفضيلية <<  فهو يؤكد على ضرورة وجود عناصر مشتركة بـين الـدول التـي تقـرر التكامل فيما بينها.

وما يمكن أن نستشفه من التعاريف الإقتصادية السابقة أنها تتفـق حـول مسـائل مشـتركة لا يمكـن الإختلاف فيها يمكن إيجازها فيمايلي :

– أن التكامل الإقتصادي يكون بين دول متقاربة في المصالح الإقتصادية أو الموقع الجغرافي كعامـل مشترك محفز للتكامل.

– التكامل هو نتاج تفاعل إجتماعي وإقتصادي للدول الأعضاء.

– يأخذ التكامل صورتين إما تكامل قطاعي متدرج أو تكامل شامل.

– يهدف التكامل إلى توحيد السياسات الإقتصادية للدول المعينة عن طريق تحرير حركة إنتقال عواملالإنتاج من رؤوس الأموال السلع و الخدمات، اليد العاملة والإستثمارات … الخ.

ثانيا : في علم السياسة

يشكل مفهوم التكامل جدالا واسعا لدى منظري التكامل في علم السياسة في كونه عملية أو حالـة وذلك حسب الزاوية التي ينظر له منها، وعليه سنعتمد في هذا العنصر على تقـديم تعـاريف للتكامـل بإعتباره عملية ثم كونه حالة وبعدها نخلص لتعريفه حسب الرأي التوفيقي الذي يعتبره عملية وحالة فـي آن واحد.

يعرف ” أرنست هاس ” Ernest Haas ” مؤسس الوظيفية الجديدة التكامل بأنه >> عملية تحاول بمقتضاها مجموعة من الوحدات السياسية تحويل ولاءاتها وأهدافها ونشاطاتها السياسية إلـى مركـز أو وحدة أوسع وأشمل والتي تمتلك مؤسساتها أو تهدف إلى إمتلاك شرعية قانونية علـى ال دولـة الوطنيـة المعينة << .

يريد هاس من خلال تعريفه للتكامل كعملية أن يوضح أن التكامل هو تلـك الإسـتراتيجية التـي تتبناها الدول المشاركة في هذه العملية من أجل بلوغ أهداف معينة تتلخص عادة في بناء السـلم الـدولي وتخفيف حدة الصراع بين الدول وتحقيق الرفاه وهي أهداف مرتبطـة بإنشـاء المنظمـات الإقليميــة والدولية .

أما ” ليون ليندبرغ ” Leon Lindberg يرى أن التكامل هو : >> العملية التي تجد الدول نفسها راغبة أو عاجزة عن إدارة شؤونها الخارجية أو شؤونها الداخلية الرئيسية بإستقلالية عن بعضها البعض وتسعى بدلا من ذلك لإتخاذ قرارات مشتركة في هـذه الشـؤون أو تفوض أمـرها فيهــا لمؤسسـة جديدة << .

ويمثل اميتاي ايتزيوني Amitai Etzioni الإتجاه الذي يعتبر أن التكامل حالة ويعرفه على أنـه >> الحالة الناتجة عن إمتلاك المجتمع لنخبة سياسية فعالة يكون بمقدورها إسـتعمال أدوات العنـف أو الإكراه، وتكون بمثابة الجهاز المقرر داخل المجتمع، كما تحدد الهوية السياسية للشعب وهو بذلك يرمـي إلى تحقيق التوحيد السياسي الذي يلي التكامل << .

فهو يتحدث عن النتائج المترتبة عن التكامل بمعنى أن وجود التكامل سابق على التوحيد والـدور الـذييلعبه التوحيد هو تعزيز الروابط بين القوى أو الوحدات التي تشكل في مجموعها المجتمع أو النظام .

والرأي التوفيقي بين الموقفين يتمثل في تعريف ” كارل دويتش ” Karl Deutsh الـذي يعتبـرالتكامل عملية وحالة، فهو ينظر للتكامل السياسي كعملية قد يؤدي إلى التكامل السياسـي كحالـة عنـدما يتوفر شرط أساسي ألا وهو الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم، داخل كل وحدة سياسـية طرفـا فـي التكامل، مما يترتب عن ذلك تحقيق الإستقرار والأمن والسلم.

وهذا الرأي التوفيقي لدويتش يوضح لنا أن التكامل لا يكون ناجحا إلا إذا تـم علـى مسـتويين الرسمي (السلطة السياسية الحاكمة) والقاعدي ( الجماهير، الرأي العام والمشاركة السياسية .

حيث يعرف التكامل على أنه : >> إنجاز داخل الإقليم، للمؤسسات وتطبيقات قويـة، وواسـعة الإنتشار بشكل كاف لضمان الإستمرار لوقت طويل إعتمادا على توقعات التغيير السلمي بين مجتمـعات الإقليم << . حيث يعتبر كارل دويتش أن غاية التكامل في تكـوين مجتمـع آمـن يصـنع الوحـدات المتكاملة، وتختفي فيه إحتمالات نشوب حرب فيما بينها بسبب ما ينشأ بينهما من كثافة الإعتماد المتبـادل وما تتبناه من آليات وإجراءات لفض المنازعات سلميا، وإحلال التعاون محل الصراع.

الفرع الثالث : التعريف الإجرائي للتكامل

التكامل هو عملية ترابط موضوعي متبادل وثيق، يتسم بقدر كاف مـن ا لإنتظـام وا لإسـتقرار والتوازن بين العناصر المكونة له، بحيث أنها تكون نظاما وكيانا إقتصـاديا واحـدا، يتوقـف وجـوده وإستمراره على تضافر وتكامل أداء هذه العناصر مجتمعة، كل يؤدي دورا أو وظيفة معينة، من خـلال جهاز مؤسساتي يتسم بالديمومة والفعالية والتطور، استجابة للمعطيات الداخلية والخارجية بمعنى أن هـذا الجهاز مرنا منفتحا على بيئته. لأجل تحقيق أهداف اقتصادية بالدرجة الأولى وأهداف سياسية للوحـدات المكونة له، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية على ضوء الإمكانات المتوفرة.

المطلب الثاني : أهداف ودرجات التكامل

من المتعارف عليه أن الدول تتجه إلى التكامل لغرض تحقيق أهداف معينة وذلك بإتباع خطوات ودرجات إقتصادية متصاعدة بمعنى أن نجاح الخطوة الأولى يؤدي إلى الإنتقال إلى درجة أعلـى و أهـم وأكثر تنسيقا.

الفرع الأول: أهداف التكامل

تتعدد أهداف التكامل التي تتعدى الأهداف الإقتصـادية الصـرف إلـى الأهداف الإسـتراتيجيةوالسياسية- الأمنية والأهداف الإجتماعية الثقافية والحضارية، وتكتسب هذه الأهداف أهمية متزايـدة في العصر الراهن في ظل العولمة، نظرا لتكامل مختلف جوانب حياة المجتمع البشري، وللدرجة العالية من التسييس الذي وصلت إليه العلاقات الدولية.

وهذا يعني أن التكامل وإن نشأ إقتصاديا فإن أهدافه وآفاقه ليست إقتصادية صرف، وإنما هادفـة وشاملة منذ البداية لكل جوانب الحياة الأخرى، التي تخضع للتطور المستمر جنبا إلى جنب مع خطـوات التكامل مدعمة ومحفزة لبعضها.

واعتبارا لما تقدم سيتم تنـاول أهداف التكامل فـي مجموعتين الأهداف الإقتصادية- الإنمائيـة والأهداف السياسية- الأمنية.

أولا: الأهداف الإقتصادية – الإنمائية

لا شك أن الأهداف المباشرة للتكامل هي أهداف اقتصادية إنمائية وأساسا لـذلك نـرى أن كـل التجمعات التكاملية هي إقتصادية أو تبدأ كذلك ثم تتطور إلى أشكال أكثر عمقا.

ويمكن أن نوجز أهم الأهداف الإقتصادية – الإنمائية في العناصر الآتية:

1- توسيع حجم السوق

التكامل الإقتصادي يتيح إقامة الصناعات الكبيرة والإستفادة من مزايا الإنتاج الكبير والتي تتمثـل في انخفاض نصيب الوحدة من المنتج من النفقات الثابتـة، وكـذلك زيـادة درجـة تخصـص العمـال والموظفين وأجهزة الإنتاج إلى أقصى درجة، بالإضافة إلى أن الوحدات الإنتاجية الكبرى تستطيع إنشـاء أجهزة البحوث وتمويلها وإمدادها بالعلماء والفنيين وهذا يساعد على تطوير المنتجات وكل هـذه المزايـا تنبثق عن المزية الأساسية وهي اتساع حجم السوق.

2- زيادة التنمية الإقتصادية

وهذه نتيجة لتوسيع حجم السوق الناتج عن التكامل الإقتصادي الـذي يـوفر خفـض تكـاليف الإستثمار وزيادة عوائده، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج لتلبية الزيادة في الطلب والتي تؤدي بدورها إلـى الزيادة في الدخل والإستثمار والتشغيل، وبالتالي زيادة معدل النمو الإقتصادي للدول الأعضاء.

3- زيادة التشغيل

اتساع السوق والتوسع في الإنتاج والنشاطات الإقتصادية يتيح قدرا أكبر من فـرص التشـغيل،خاصة وأن سوق العمل تتوسع لتصبح سوقا واحدة لدول التكامل وهي قادرة على استيعاب فائض العمـلالموجود لدى بعضها وترتفع إنتاجية العمل .

4- الإستخدام الأمثل للموارد المتاحة

على نحو أفضل مما يتيسر لكل دولة منفردة، ولهذا الأمر أهمية بالنسبة للدول النامية التي تعاني تفاوتا حادا في الندرات النسبية لمواردها القطرية، ومن قصور في كثير من الموارد اللازمـة للتنميـة، وتشير التجارب المختلفة إلى أن هذا الهدف تأثر بمدى ومواقع وفرة العوامل الحاكمة للنشاط الإقتصـادي وبخاصة رؤوس الأموال والمعرفة التكنولوجية .

5- تحسين شروط التبادل التجاري

بتوفير الظرف الأمثل والأحسن في مجال التعامل الدولي، مقارنة بما كان عليه وضع هذه الدول منفردة قبل التكامل وهذا اعتبارا من أن التكامل يمكن من قيام كتلة إقتصادية واحـدة، لهـا مـن القـوة والأهمية على النطاق الدولي ما يمكنها من اكتساب مزايا أكبر من حيث شـروط تعاملهـا مـع الـدول الأجنبية .

6- تحقيق تكامل العناصر والمكونات المختلفة للإقتصاديات الوطنية

تكامل الصناعات الوطنية والقطاعات الإنتاجية الوطنية عموما (بما في ذلك القطاعات الزراعية) مما يمكن هذه الدول من إقامة مجمعات إنتاجية متكاملة ( تكامل إنتاجي )، صناعية أو زراعية- صناعية على مستوى التكتل الإقتصادي، وإنتاج تشكيلات إنتاجية أكثر تنوعا وأعلى جودة وأقل تكلفة .

7- رفع المستوى العلمي والثقافي

من الأهداف الإنمائية للتكامل الإقتصادي أنه وسيلة يمكن عن طريقها رفـع المسـتوى العلمـي والثقافي لمواطني التكامل نتيجة لدخولها في نموذج تكاملي .

8- تحقيق القوة الإقتصادية

في ظل العولمة يصبح التكامل الإقتصادي الإقليمي هو السبيل الوحيد أو شبه الوحيـد لمواجهـةتحدياتها، واستثمار الفرص التي تتيحها، ولتعزيز إمكانيات الإقتصادات الوطنية ومكانتهـا فـي التقسـيمالدولي للعمل والنظام العالمي للقوة، كما يحقق للدول المتكاملة مناعة أكبر ضد الهـزات وا لإضـطرابات الداخلية والإقليمية والدولية واحتمالات الإعتداء وفرص العقوبات والحصار.

ثانيا : الأهداف السياسية- الأمنية

من الواضح أن أي تكتل إقتصادي مهما كان بسيطا في شكله أو محدودا في نطاقه لا يمكـن أن يقتصر على تحقيق أهداف تجارية أو إقتصادية فقط، وإنما لابد أن يشتمل على أهـداف سياسـية أمنيـة وإستراتيجية وفي الواقع فإن التداخل والتكامل بين الأهداف الإقتصادية والسياسية كبير حيث يبدأ التكامل إقتصادي مع حد أدنى من التوافق السياسي ثم يكتسب طابعا سياسيا متزايدا حتى الوحدة السياسية.

وتتلخص أهم الأهداف السياسية والأمنية في :

1- تعزيز الروابط السياسية

يهدف التكامل إلى تعزيز الروابط السياسية بين الدول وإشاعة أجواء الثقـة والتفـاهم المتبـادل وحسن الجوار، والإستقرار السياسي في المنطقة فمما لا شك فيه أن علاقات تجارية وإقتصادية متوازيـة تحقق مصالح الدول الأعضاء، هي أفضل سبيل لتحسين الأوضاع والأجواء السياسية علـى المسـتويين المحلي والإقليمي، وكلما كانت هذه العلاقات أكثر تطورا كلما قطعت مسيرة التكامل الإقتصادي أشـواطا أبعد كلما أصبح انتكاس أو تراجع العلاقات السياسية أكثر صعوبة .

2- تعزيز القوة السياسية

يعد التكامل الإقتصادي أساسا لتعزيز القوة السياسية، للدول الأعضاء مجتمعـة وتأثيرهـا فـي السياسة العالمية والمنظمات الدولية سواء على صعيد التصدي للمشكلات الكبرى التي تواجه العالم بصفة عامة، والعالم النامي على وجه الخصوص أو تعزيز القوة التفاوضية للدول المتكاملة من خـلال إيجـاد علاقات إقتصادية سياسية أكثر عدلا وتوازنا مع الدول الصناعية والمنظمات الدولية التي تتحكم بها هـذه الدول.

3- حل النزاعات

من خلال محاولة القضاء نهائيا على بعض الخلافات والنزاعات الجهوية أو خلافـات الجـوار،ففي حالة الإعتماد المتبادل في الجانب الإقتصادي ووجود شبكة من المصالح المشتركة، ورغـم أنهـا لاتنهي وتقضي بالضرورة على مصادر النزاع إلا أنها تقلل من احتمالات وقوعه .

4- تحقيق الأمن والإستقرار

مع تعميق العلاقات الاقتصادية التكاملية وتحسين الأجواء السياسية، يتشكل الإطار الإقتصادي- السياسي للأمن القومي والإقليمي وإزالة بؤر التوتر والصراع، والخلافات الحدودية وغيرها ويتحـقق الإستقرار الإقتصادي والسياسي والأمني في آن واحد .

وأفضل سبيل لتحقيق الإستقرار والأمن هو الإطار التكاملي والتنمية المشتركة لدول التكامل.

5- الدفاع الخارجي

ينظر للتكامل الإقليمي على أنه أداة، تستطيع بمقتضاها الدول أن تؤمن نفسـها ضـد احتمـالات الغزو الخارجي، ولذلك تلجأ هذه الدول الكبرى والصغرى على حد السواء إلى التكامل الإقتصادي.

لأجل إنشاء قوة واحدة في مواجهة التهديدات والأخطار الخارجية، بمعنى أن التعدي على أحد دول هـذا التكتل يعد تعديا على كل الدول المكونة للتكامل.

الفرع الثاني درجات التكامل الإقتصادي

التكامل الإقتصادي كمنهاج، يأخذ عدة أشكال أو عدة درجات، وتزداد درجة التكامل كلما انتقلنـا من شكل إلى آخر حتى نصل إلى الإنصهار في وحدة واحدة، وهي آخر درجات التكامل وهذه الخطوات أصبحت شائعة ونمطية في أدبيات التكامل الإقتصادي، وتقوم على المـدخل التجـاري ويعتبـر العـالم الإقتصادي بيلا بالاسا Bela Balssa أول من حدد هذه الدرجات وهي خمس خطوات أساسية نوضحها في الآتي :

1- منطقة التجارة الحرة Free Trade Area

تعد أبسط مراحل التكامل الإقتصادي يتم فيها تحرير المبادلات التجارية بين الـدول الأعضـاء، بإلغاء التعريفة الجمركية والقيود الكمية على تدفق السلع فيما بينها وفي نفس الوقت تحـتفظ كـل دولـة عضوة بحقها في فرض ما تراه مناسبا من قيود على باقي دول العالم خارج منطقـة التجـارة الحـرة، وأبرز صور المناطق الحرة في العصر الحالي منطقة التجارة الحرة الأوروبية وتضم سـبع دول والتـي أنشئت بموجب معاهدة ستوكهولم عام 1959م ويطلق عليها اختصارا الإفتا .

2- Customs Union اتحاد جمرك

يتضمن هذا الشكل قيام الدول الأعضاء بإلغاء كافة الرسوم الجمركية وكافة القيود الكميـة علـى السلع، بالإضافة إلى توحيد التعريفة الجمركية إزاء العالم الخارجي.

3- Common Market سوق مشتركة

يذهب هذا الشكل خطوة أبعد من الإتحاد الجمركي عن طريق إزالة كافة القيود أيضا على حركة انتقال العملة ورؤوس الأموال بين الدول الأعضاء . وعلى ذلك تشكل الدول الأعضاء سوقا موحـدة، يتم من خلالها انتقال السلع والأشخاص ورؤوس الأموال بحرية تامة. وقد حقق الإتحاد الأوروبي مرحلة السوق المشتركة أواخر سنة 1992م.

4- Economic Union اتحاد اقتصادي

يعتبر هذا الشكل من أكثر أشكال التكامل الإقتصادي تطورا حيث يشتمل على نفـس خصـائص وشروط السوق المشتركة، من إلغاء للرسوم الجمركية وتحرير عوامل الإنتاج، لكن يضاف إلـى ذلـك تنسيق السياسات الإقتصادية وكذا إنشاء العديد من المؤسسات الإقتصادية التي تكتسب سلطة تحقيق هـذا التنسيق وفي هذا الإطار فإن الدول الأعضاء في الإتحاد الإقتصادي تتنازل عـن جـزء مـن سـيادتها الإقتصادية .

5- Economic Integration اندماج اقتصادي

هذه هي المرحلة الأخيرة التي يمكن أن يصل إليها أي مشروع للتكامل الإقتصـادي إذ تتضـمن بالإضافة إلى المراحل الأربع السابقة:

* توحيد السياسات الإقتصادية كافة.

* إيجاد سلطة إقليمية عليا وعملة موحدة للتداول عبر دول المنطقة التكاملية وجهاز إداري موحد لتنفيـذ هذه السياسات.

وفي هذه المرحلة تتفق كل دولة عضو على تقليص سلطاتها التنفيذية الذاتية وخضوعها في كثيـر مـن المجالات للسلطة الإقليمية العليا، وهذا يعني أن التكامل الإقتصادي التام لا يحتاج إلا لخطوات محـدودة للوصول إلى وحدة سياسية فعلية .

ويلاحظ من خلال عرض درجات أو خطوات التكامل أنه على أي مستوى كان عادة ما يبدأ عندمداخل أو مخارج العملية الإنتاجية، أي يبدأ من السوق أو التداول أو التجارة ثم ينتقل إلى الإنتاج وإلـىبقية مجالات وقطاعات النشاط الإقتصادي وغير الإقتصادي السياسي والإجتماعي، وهذا ينطبـق علـىالتكامل الإقليمي والدولي الذي يبدأ بأحد أشكال التكامل التجاري.

المطلب الثالث : التكامل الإقليمي ومراحل تطوره

التكامل الإقتصادي على مستوى الدول هو تكامل إقليمي من حيـث الأسـاس، فمـن النـاحيتين المنطقية والواقعية فإن دول العالم لا يمكن أن توسع مجالها الجغرافي خصوصا في الوقـت الحاضـر، حيث لم يعد في مقدور دولة أن تلجأ عمليا إلى الإستيلاء والإنضمام لدول أو أراض أخرى – ( ما عـدا حالات محدودة جدا، مازلنا نحن العرب أول من يعاني منها )- إلا عبر شـكل مـن أشـكال التكامـل والإندماج فيما بينها والذي يتعين إذا ما أريد له الإستمرار والتطور أن يقوم على أسس سـليمة قوامهـا الإرادة المشتركة نحو تحقيق التنمية.

وعليه سيكون هذا المطلب مخصص لتحديد مفهوم التكامل الإقليمي ومستوياته وكـذلك مراحـل تطـور التكامل الإقليمي.

الفرع الأول : مفهوم التكامل الإقليمي

يعرف ” هانس فان جينكل ” التكامل الإقليمي بأنه >> عملية تقوم بها الدول في إقليم محدد، تزيد من مستوى التفاعل مع الأخذ بعين الإعتبار الجوانب الإقتصادية الأمنيـة السياسـية، وكـذلك القضـايا الإجتماعية والثقافية، ومنه فإنه يجمع الدول المتفردة داخل إقليم في كل أوسع بحيث تكون درجة التكامـل تعتمد على مدى رغبة والتزام دول السيادة المستقلة بتقسيم سيادتها للحصول على تكامل إقليمـي أكثـر فاعلية من المفهوم التقليدي للسيادة << .

ويعرف التكامل الإقليمي كذلك على أنه >> التكامل بين أنواع أو فروع مختلفة من الأنشـطة أو الوظائف ذات الصلة بها، أو السياسات والقرارات المتخذة بصددها منظورا إليها في نطاق مكاني معـين قد يضيق ليتحدد بمنطقة صغيرة أو إقليم محلي في بلد معين أو يتسع ليشمل عددا من البلدان تشكل إقليما جغرافيا << .

ما يمكن أن نستنتجه من التعريفين أن هناك ربط وعلاقة بين التكامل الإقليمي والإقليم والذي يعد المجال أو الفضاء الجغرافي للتكامل الإقليمي بمعنى تصبح الجغرافيا إطارا طبيعيا للتكامـل الإقتصـادي بين الدول مشكلة بذلك مجالا أو فضاءا حيويا للدول ذات العلاقة ( علاقة التكامل الإقليمي ).

الفرع الثاني : الإطار الجغرافي للتكامل الإقليمي

  Géographique Région أولا : الإقليم الجغرافي

يعد الإقليم الإطار الجغرافي للتكامل الإقليمي الإقتصادي والذي يضم عددا من الدول المتجـاورة التي توحد فيما بينها خاصية أو أكثر من الخصائص المشتركة وفي مقدمتها الموقع مثال ذلك : شـمال أو شرق إفريقيا، شرق أو جنوب شرق آسيا …الخ. وهنا قد يمتد مفهوم الإقلـيم Région ليشـمل قـارة بكاملها وعادة ما يتحدد الإقليم الجغرافي بحدود جغرافية – طبيعية معينة إلى جانـب الموقـع كالبحـار والمحيطات أو الجبال أو الصحاري .

ويشكل الإقليم الجغرافي الأساس الذي يعتمد من قبل المنظمات الدولية فـي تقسـيم دول العـالم وإقامة المنظمات الإقليمية المختلفة، الإطار الرئيسي للتكامل الإقتصـادي الإقليمـي وإقامـة التكـتلات الإقتصادية من مختلف الأحجام والأشكال بما في ذلك التكتلات القارية وما فوق القارية والتـي أخـذت تبرز في ظل العولمة، علما بأنه حتى في ظل هذه الحالة الأخيرة فإن الجوار بالمعنى الواسع والتواصـل المكاني يشكلان إطارا جغرافيا لمثل هذا التكامل والتكتلات العملاقة مثل : التكامل عبر المحيط الهـادئ (أبيك) والتكامل عبر المحيط الأطلسي بين أمريكا الشمالية وأوروبا (التكامل الأطلسي) . وهذا ما يعني أن للتكامل الإقليمي عدة مستويات.

ثانيا : مستويات التكامل الإقليمي

يقسم التكامل الإقليمي إلى ثلاث مستويات رئيسية وهي:

1- المستوى الأدنى (شبه أو تحت الإقليمي) Sub-Régional Level

ويضم إقليم التكامل هنا عددا من الدول المتجاورة والأكثر تقاربا وتماثلا من الناحية الجغرافيـة مثل منطقة الخليج العربي، المغرب العربي …الخ ويمكن أن يشكل هذا الإقليم المحدود المصغر أساسـا لإقامة تجمعات شبه أو ما تحت إقليمية .

2- المستوى (الإقليمي) Régional Level

وهو الإقليم بالمعنى الدقيق والمعروف ويشمل جغرافية كاملة وتتمثل عادة بجزء حيوي من قارة معينة مثل غرب أوروبا، شرق آسيا، جنوب إفريقيا… الخ ويشكل الإقلـيم فـي هـذا المعنـى أسـاس التقسيمات الإقليمية في العالم المعاصر. وقد يتسع الإقليم بهذا المعنى ليشمل منطقة أوسع مثال ذلك شرق وجنوب إفريقيا، شرق وجنـوبآسيا، البلاد العربية في إفريقيا وآسيا التي غالبا ما يشار إليها بـ ” شمال إفريقيا والشرق الأوسط ” علـى الرغم من أنها تشكل إقليما جغرافيا متكاملا.

3- المستوى الأعلى فوق الإقليمي Supra-Regional Level

ويشكل إطارا لإقامة تكتلات ما فوق إقليمية تشمل قارات بكاملهـا مثـل : الإتحـاد الأوروبـي والإتحاد الإفريقي.

الفرع الثالث : مراحل تطور التكامل الإقليمي

ارتبط الفكر التكاملي بالتوجهات التي سادت بعض الأقاليم نحو توثيق العلاقات فيما بينها والتـي استهدف بعضها إحداث إندماج ووحدة سياسية كبيرة.

والتوجه الأوروبي نحو التكامل هو الرائد في هذا المجال حيث بني على هدف إحـداث السـلام وإغلاق باب الصراعات و محاكاتا بالتجربة الأوروبية، بدأت حركة كبيرة في العالم بالتوجه نحو التكامل الإقليمي وقد عرف هذا التكامل مرحلتين أساسيتين في تطوره المرحلة الأولى عرفت بالإقليمية القديمـة والمرحلة الثانية أطلق عليها الإقليمية الجديدة.

أولا: الإقليمية القديمة

وهي تلك الموجة التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الثانية إذ وصفت هـذه المرحلـة بأنهـا تمثل ” عصر التكامل الإقليمي “، وقد جاءت هذه الحركة متأثرة بإنشاء الجماعة الإقتصـادية الأوروبيـة بسنة 1951م، إذ أن التقدم الذي حدث على صعيد الإندماج الأوروبي جعل من فكرة التكامل والإنـدماج الإقتصادي فكرة جذابة للعديد من القادة السياسيين والإقتصاديين في العالم .

وأهم ما يميز هذه الإقليمية:

1- يقوم التكامل الإقليمي بين دول متجاورة لها تجانس وتقارب في المسـتويات الإقتصـادية بـين دول متقدمة ( شمال- شمال ) أو بين بعض الدول النامية ( جنوب – جنوب )، والواقع أن معظـم التكـتلات الإقليمية بين الدول النامية لم يكتب لها النجاح.

2- تأكيد التقارب الإجتماعي والثقافي لتمكين الوحدة كهدف نهائي.

3- يقوم على الإحلال محل الواردات والإنسحاب من الإقتصاد العالمي.

4- الإعتماد على التخطيط والقرارات السياسية في تخصيص الموارد مع قيود على حركـة الإسـتثمار الأجنبي المباشر وأغلب هذه التكتلات دفعتها الجهود الحكومية.

5- تنسيق السياسات تدريجي مع توسيع صلاحيات سلطة فوق وطنيـة يشـارك فيهـا كـل الأعضـاء بالتساوي.

6- الدافع للتكامل هو تحقيق الأمن والسلام وإيقاف الحروب.

7- الهدف من التكامل هو الوصول إلى وحدة إقتصادية على أمل الوصول إلى وحدة سياسية .

وقد استمرت هذه الموجة أو المرحلة حتى نهاية الحرب الباردة أين بـرزت مرحلـة جديـدة للتكامـل الإقليمي.

ثانيا : الإقليمية الجديدة

شهدت حركة التكامل على المستوى العالم نهضة جديدة منذ بداية عقد التسعينات إذ انطلـق مـا يعرف بالإقليمية الجديدة، حاملة معها خصائص وسمات تميزها عن الإقليمية القديمة.

ووصفها بالجديدة ينصرف إلى توجه مفاده إنشاء تجمعات إقليميـة تـرتكن للأسـس الإقتصـادية دون الإيديولوجية التي تراجعت اثر الإنتصار النسبي الذي حققته الرأسمالية على الشيوعية والذي تبلور لحظة تفكك الإتحاد السوفياتي .

وقد ساهمت مجموعة من العوامل بظهور هذا النوع من الإقليمية وهي :

1- انهيار الإتحاد السوفياتي وما عرف وقتئذ بإنتصار الرأسمالية ونهايـة الحـرب البـاردة، فلقـد أدت تداعيات نهاية الحرب الباردة إلى ظهور مفاهيم جديدة على صعيد العلاقات الإقتصادية والتجارية الدولية وحدوث حالة من النشاط والديناميكية على مستوى الدول في مختلف المناطق، في آسيا وإفريقيا وأمريكـا اللاتينية وأيضا في شرق ووسط أوروبا لإصلاح سياساتها الإقتصـادية وتطبيـق نظريـات الإقتصـاد الحر.

2- التحول في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية المناوئة للتكتلات الإقليميـة وذلـك عقـب شـعورهابالإحباط من تعثر المفاوضات متعددة الأطراف لتحرير التجارة، لذلك تم الإعلان عن منطقة تجارة حرة بينها وبين كندا ثم تحولت إلى منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية النافتا بإنضمام المكسيك إليها عـام 1994م .

3- الإتجاه إلى غلبة إيديولوجية إقتصادية وسياسية جديدة في عالم ما بعـد الحـرب البـاردة ب إنتصـار المعسكر الرأسمالي وبالتالي إنتصار إقتصاد السوق وآليات السوق والليبراليـة السياسـية، ممـا دعـى فوكوياما المؤلف الياباني الأصل الأمريكي الجنسية إلى إعلان نهاية التاريخ .

إذن هي كلها عوامل ساهمت في بروز ظاهرة الإقليمية الجديدة في فترة التسعينات والتـي مـن أبـرز ملامحها نذكر :

1- تكوين تجمعات إقليمية جديدة مع محاولة إحياء التجمعات الإقليمية القديمة أو الساكنة .

2- تقوم التكتلات الإقتصادية من خلال التفاف مجموعة من الدول النامية حول دولة متقدمة أو مجموعة من الدول المتقدمة وهو ما يجعلها تجمعا بين إقليمين أو أكثر وليس لإقليم واحد، أي أن المعيار فيها هـو تباين مستويات النمو حيث يعهد للطرف المتقدم القيادة بمعنى لم يعد التقارب الجغرافي أساس للإقليمية.

3- السماح بالخصوصيات والعمل على تفاعلها وتفاهمها.

4- تقوم على التوجه نحو التصدير والإندماج في الإقتصاد العالمي.

5 – تعتمد على قوى السوق وحرية دخول الإستثمار الأجنبي المباشر في تخصيص الموارد.

6- إعطاء وزن أكبر لمطالب الشركات عابرة القوميات والأعضاء.

7- الدافع هو دعم الإستقرار السياسي وتحجيم الأصولية وكل عوامل التـذمر والكراهيـة إزاء الـدول المتقدمة وهدف الإقليمية الجديدة هو تحرير التجارة وحركة رأسمال في العالم.

إذن الإقليمية الجديدة لا تشترط أن يتم التعاون الإقليمي بين دول متجاورة جغرافيا ولا تشـترط التماثـل الثقافي أو الإيديولوجي والسياسي وليس شرطا أن تكون هناك مؤسسة إقليمية ويكفي أن توجد ترتيبـات لتعاون متعدد الأبعاد .

المبحث الثاني : الإطار النظري للدراسة

سبق وأن وضحنا أن التكامل قد عرف مرحلتين في تطوره، وقد رافـق هـذا التطـور علـى المستوى العملي الواقعي تطورا نظريا لمحاولة التنظير والتأسيس والتفسير لهذه الظاهرة وقد تجل ذلـك في إسهامات المدرسة الوظيفية الجديدة منذ نهاية الخمسينات إلى منتصف الثمانينـات، أي أنهـا تابعـت مسار الموجة الأولى للتكامل الإقليمي، وفي المرحلة الثانية شاهدنا صعود العديد من المقاربات النظريـة، التي حاولت التنظير لمثل هذه الظواهر التعاونية في العالم وكان مـن أبرزهـا المقاربـة المؤسسـاتية الليبرالية الجديدة والتي ظهرت بقوة بنهاية الحرب الباردة.

وعليه سيتم اعتماد الوظيفية الجديدة وفرضياتها وكذا المقاربة المؤسسـاتية الليبراليـة الجديـدة كإطار نظري للدراسة.

المطلب الأول : الوظيفية الجديدة Neo-Functionalism

جذبت حركة التكامل التي ظهرت في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانيـة اهتمـام علمـاء السياسة والإقتصاد والإجتماع والقانون، وكذلك رجال السياسة وكان نتيجة ذلك انبثـاق فكـر حـاول أن يشرح ويحلل كل مرحلة من مراحل التجربة الأوروبية .

ويعد الإسهام الأبرز في هذا المجال المتمثل في انجازات المدرسة الوظيفية الجديدة ومـا قدمتـه حول التكامل الإقليمي.

فجل تحاليل المدرسة الوظيفية الجديدة ركزت علـى محـاولات التكامـل الجهـوي Régional Intégration خاصة على التجارب التي تمت في أوروبا الغربية، ثم فيما بعد توسعت لتشـمل المنـاطق الجغرافية الأخرى و هذا التحول إلى التركيز على المناطق الجهوية جاء نتيجة فشل أطروحات الوظيفيـة الأصلية التي تقوم على أساس الإجماع في توحيد مصالح الدول.

الفرع الأول: الأصل والمرتكزات

تعد الوظيفية الجديدة امتداد ورد فعل للوظيفة الأصلية في آن واحد، فهي امتـداد للوظيفيـة لأن هذه الأخيرة تمثل المرجعية الفكرية للوظيفية الجديدة على مستويات المنهج، الإطار المفهوماتي، النظري ووحدة التحليل فكلاهما يعتمد في دراسته للظاهرة التكاملية على المنهج التحليلي الإستقرائي، الذي يدرس هذه الظاهرة انطلاقا من جزئياتها وصولا إلى كلياتها ومن خصوصياتها إلى عمومياتها وكلاهما يعتمـد على مفهوم التكامل كعملية وكحالة وعلى مبدأ الإنتشار أو التعميم وعلى الكيفيات النظرية للوصول إلـى التكامل بين الأطراف المشاركة على المستويين الداخلي والخارجي.

على المستوى الداخلي من خلال توافر القيم المشتركة وأهمية العملية التكاملية المكاسب والفوائد، وعلـىالمستوى الخارجي من خلال عنصر الإكراه (النخب والقوى الخارجية) متخذين بذلك الفـاعلين عبـر – وطنيين في إطار التفاعلات الإجتماعية الإقتصادية، السياسية والعسكرية الشاملة كمستوى للتحليل، ومـن الوظيفة كأداة أساسية للتحليل الوظيفي، وإن كانت الوظيفية الجديدة تركز على التكامل الإقليمي بدلا مـن التكامل الدولي كما فعلت الوظيفية الأصلية.

ولقد طرأت على الوظيفة الأصلية عدة تطورات وإضافات علمية أعطتهـا فيمـا بعـد مسـ مى الوظيفية الجديدة، تتطلب لفهمها عرض لأهم فرضيات الوظيفية الأصلية لنعرف كيـف بـدأت الفكـرة الوظيفية وماذا كانت افتراضاتها الأولية ؟

أولا : الوظيفية الأصلية Functionalism

أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية، إلى إلقاء الضوء على مدى إفلاس المدارس الفكريـة التـي شغلت نفسها بقضايا الحرب والسلام في العالم فقد اتضح من ناحية أن الأفكار الخاصة بتـوازن القـوى والتحالفات الدولية التي ركزت على التسليم المطلق بالحقوق السياسية للدول القومية لا يمكن أن تفضـي تلقائيا إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين، وفي الوقت نفسه أثبتت تجربة عصبة الأمم فشل الأفكار المتعلقة بالأمن الجماعي وزعزعت الثقة في المنظمات التي يغلب عليها الطابع السياسي.

وكان من هنا البدء في البحث عن الطريق للوصول إلى وسيلة لتجاوز إطـار الدولـة القوميـة والالتفاف حول فكرة السيادة التي أعتبرت مسؤولة إلى حد كبير عن اشتعال الحروب ونشر الدمار فـي العالم وقد تجسد هذا المجهود النظري من خلال المدرسة الوظيفية الأصلية ومنهجهـا لتحقيـق السـلام العالمي والتي أرسى دعائمها ” ديفيد متراني ” David Mitrany .والتي تجلت بصفة أساسية في كتابه الذي يحمل عنوان :Working Peace System الذي تـم نشـره خلال الحرب العالمية الثانية عام 1943م.

وحاول متراني بلورة أفكاره لإعطاء نموذج جديد لنظام دولي خال من الإضطرابات ويـرى أن الحل يكون بإضعاف سلطة الدولة وسيادتها وتحويل الإهتمام لتعاون الشعوب .

ونقطة البداية في الوظيفية الأصلية هي أن الدولة كأهم وحدة تنظيمية في النظام الدولي لـم تعـد قادرة على تلبية الحاجيات الأساسية للإنسانية.وذلك لسبب واحد وهو تموقعهـا علـى رقعـة جغرافيـة محدودة، بينما حاجيات الإنسانية تمتد إلى أبعد من تلك الرقعة الأرضية.

والوظيفة الأصلية تؤكد على أولوية الإقتصاد على السياسة بحيـث يـرى مترانـي أن القاعـد ة الإجتماعية والإقتصادية تمهد نحو الإتفاق في الميادين السياسية، فعندما يتم تنظيم المجتمع الدولي علـى أساس وظيفي عن طريق تكوين شبكة من المنظمات الدولية متمحورة حول الإحتياجات الأساسية لشعوبالعالم بغض النظر عن الإختلافات الموجودة بينها يمكن استئصال جذور النزاعات والحروب بين الـدول مما يمهد الطريق نحو السلام العالمي الدائم.

فالوظيفيون التقليديون يؤكدون على أساس أن العنف والحروب لا ترجع بالضرورة إلى طبيعـة الإنسان الأنانية، لكنها مرتبطة أساسا بالطريقة والظروف التي تتكـون وتتطـور فيهـا هـذه الطبيعـة الإنسانية. وعليه فالأوضاع والظروف الجديدة تؤدي إلى خلق بيئة جديدة يمكن أن تتطور فيها مؤشـرات ومحددات التصرف السلمي وعليه فالتعاون بين الدول في مجالات معينة يؤدي إلى التقليل والقضاء على عوامل الإختلاف ومن ثم إنهاء الحروب والنزاعات بينها .

إذن الوظيفية الأصلية ترجع سبب العنف واندلاع الحروب إلى العامل الإقتصادي أو مـا تطلـق عليها بالحاجيات الإنسانية. والوظيفية الأصلية تعتمد على رؤية تقنية واسعة للعلاقات الدوليـة متحديـة بذلك النظام الدولي القائم على الدولة كوحدة تحليل أساسية من خلال سعيها لتحقيق الرفاهيـة والرخـاء، فهي نظرية غير سياسية وإنما تقنية من خلال تركيزها على التعاون بدلا من الصراع عن طريق خلـق شبكة كثيفة من المصالح والنشاطات والإهتمامات المشتركة عبر حدود الدول .

وقد حددت الوظيفية الأصلية لأجل التعاون وتحقيق السلم الدولي منهجـا وظيفيـا يقـوم علـى الفرضيات التالية :

1- ينطلق التعاون الدولي من قضايا السياسة الدنيا الإقتصادية والتقنية والتي يمكن فصلها عـن قضـايا السياسة العليا كالشؤون السياسية ومسائل الأمن الوطني وتلك ذات الأهمية الإيديولوجية والقيمية.

2- يقوم المنهج الوظيفي الدولي للتكامل والإندماج على مبدأ التعميم أو الإنتشار Ramification الـذي يقتضي أن بدء التعاون الوظيفي الدولي في حقل معين يؤدي بالضرورة إلى خلق مجالات أخـرى لهـذا التعاون إذ أن بداية التعاون في حقل معين كان ناتجا أساسا عن الشعور بالحاجة الجماعية المشتركة لهذا التعاون، وتحقيق هذه الحاجة سوف يؤدي حتما إلى ظهور حاجات جديدة مرتبطة بالحاجـة الأولـى أو مكملة لها وهكذا إلى أن يتم التكامل الدولي، فالتكامل حسب الوظيفيـون هـو نتـاج مســار مرحلـي وتراكمي .

3- لتجسيد التعاون إلى واقع ملموس يقترح متراني البناء التدريجي لشبكة من المنظمـات الإقتصـادية والإجتماعية عبر- وطنية يرتكز على زيادة الاعتماد المتبادل بين الوحدات السياسية وصـناع قراراتهـا مع العمل على إقناع الجماهير بأهمية ولائها لهذه المنظمات وما يترتب عنه من منافع ومكاسـب حتـى تكون على استعداد لتقبل التكامل الدولي والتكيف معه وفي نظر ميتراني ينجم عنه تقلـيص دور الدولـةوفقدان مفهوم السيادة لقيمته الفعلية لصالح المنظمات الوظيفية المتخصصة .

وما يمكن استخلاصه أن للمنهج الوظيفي خصائص ومميزات هامة في رؤيته للتكامل الدولي والتي يمكن إيجازها في:

* المرحلية والتدرج.

* الحركة من أسفل إلى أعلى عن طريق إطلاق العملية التكاملية بدءا بقطاعات فنيـ ة محـدودة تتوسـع تدربيجيا ووضع هذه القطاعات تحت سلطة مؤسسية أعلى من سلطة الدول التي تقبل الدخول فـي هـذه العملية.

* تنازل الدول عن جانب من سلطاتها تدريجيا لصالح المؤسسات المشتركة .

ثانيا : الإنتقادات الموجهة للوظيفية الأصلية

تعد الوظيفية الأصلية كمنهج نظري للتكامل الدولي وذلك من خلال إنشـاء المنظمـات الفـوق الوطنية الفنية على درجة كبيرة من الأهمية في محاولة منها لإبداع طريقة جديدة عن أداة الحـرب فـي إقامة السلم الدولي وتحقيق الرفاهية وإشباع حاجات الشعوب هذا من جهة، ومن جهـة ثانيـة احتـوت الوظيفية على العديد من النقائص وجوانب القصور ويمكن أن نتطرق لجانب منها :

1- لقد أخذ على الوظيفية الأصلية مثاليتها المطلقة من حيث تقسيمها النظري للقضـايا – سياسـة عليـا وسياسة دنيا- وهذا التقسيم لا يمكن أن يحدد نظريا أو أن يعمم فهو ينتج في الواقع عن رؤية كل سـلطة سياسية وتثمينها للقضايا التي تواجهها .

2- عند تحليل الوظيفية الأصلية لأسباب الحرب والنزاع، يظهر أنها ركزت على الجانـب الإقتصـادي والإجتماعي، بحيث ترى أن تدهور مستوى المعيشة والفقر من بين الأسباب الرئيسية، التي تدفع الفـرد إلى الميول نحو التصرف العدواني، وهنا يظهر أن هذا التحليل مبسط إلى درجة كبيــرة، بحيــث أن الخلافات والحروب تعود إلى عدة أسباب معقدة ومتداخلة .

3- الوظيفية الأصلية لم تحدد الكيفية التي يبدأ بها التكامل، لو لم تكن هناك إرادة سياسية فعليـة Real Political Will ناتجة عن تحمس صناع القرار للوحدات السياسية المعنية نظرا لأهمية النتائج المترتبـة عن عملية التكامل فيما بينها .

4- إن قضية تحويل الولاء من الدولة القومية إلى المنظمات الدولية المتخصصة أضحت عملية صـعبة ومستحيلة، فرغم تكوين العديد من المنظمات الدولية فإن النزعة القومية بعد الحرب العالمية الثانية كانت أقوى بكثير من أي مؤشر آخر في العلاقات الدولية وما يدعم هذا الإتجاه هو أن أغلبيـة مـوظفي هـذه المنظمات الدولية يتم توظيفهم من طرف الدول الوطنية، إذن فهم يمثلون هذه الدول داخل هذه المنظمات أكثر من كونهم يسعون إلى خدمة مصلحة دولية مشتركة .

الفرع الثاني : الطرح الوظيفي الجديد للتكامل

الوظيفية الجديدة كإمتداد للوظيفية الأصلية ورد فعل لها اعتمدت بشكل واضح على إسـهامات ” آرنست هاس ” Ernest Haas الذي رفض فكرة عزل القضايا التقنية على السياسة كمـا فعـل سـابقه ديفـد ميتراني .

بالإضافة إلى إسهامات العديد من المنظرين الذين ينتمون للوظيفيـة الجديـدة أمثـال ” اميتـ ايايتزيوني” Amitai Etzioni “وكارل دويش ” Karl Deutsch و ” جوزيف ناي ” J.Nye، و “ليـون ليندبيرغ” Leon Lindberg وغيرهم، وتمثل كل مساهمة من هذه المساهمات مرجعية فكرية لا يسـتهان بها للظاهرة التكاملية وخاصة على المستوى الأوروبي، إذ تشكل الوظيفية الجديـدة بزعامـة ” آرنسـت هاس ” الإطار الفكري النظري للمجموعة الأوروبية من خلال تركيزها على خلق مؤسسـات مركزيـة إقليمية لخدمة التكامل الإقتصادي للدول الأعضاء في المجموعة الأوروبية.

وترتكز الوظيفية الجديدة على مجموعة من الفرضيات التي يتفق حولها معظم منظري الوظيفيـة الجديدة على الرغم من تباين تصوراتهم وهي :

1- التكامل يكون بالشروع في القطاعات الحيوية التي تحتل مكانة متميزة في إقتصاديات الـدول التـي تدخل في المسار التكاملي.

2- الإعتماد على التكامل الجهوي بدلا من التكامل في الإطار الدولي.

3- وجوب إدراج جماعات المصالح والنخب والأحزاب السياسية في العملية التكاملية .

كما يتفق باحثو ظاهرة التكامل من المنطلق الوظيفي الجديد، على الملامح العامة، لهذه الظاهرة ،لا سيما وأن اهتمام بعضهم يدور حول الكيفية التي يتم بها تحويل الولاء من مركز إلـى آخـر إضـافة لعنصر أنماط الإتصال بين الوحدات المتكاملة، فطبقا لدويتش وايتزيوني، فإن الشعوب تعلمـت اعتبـار نفسها أعضاء في مجتمع معين كنتيجة لنماذج الإتصال القائمة داخل تلك المجتمعـات والبـاحثون فـي التكامل يعتقدون أن السلوك التكاملي- الرغبة لدى الأفراد في التكامل – يعود إلى تماثل فـي التوقعـات سواء الثواب- كالحصول على مكاسب- أو العقاب- رد خطر معين- والملاحظ أن هذه التوقعات تتطور بشكل أساسي بين أفراد النخبة داخل المجتمع سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، ونجـاح عمليـة التكامل يعتمد بشكل أساسي على قدرة النخبة في تذويت Internalize عملية التكامل- أي تجعلهـا همـا لها- وتحدد الإتجاه الذي سيسير فيه التكامل وقد استخدم دويتش وايتزيوني وهاس نظريـة الـنظم فـي تطوير نماذج التكامل، إذ أكد ثلاثتهم على تأثير التكامل في قطاع معين على قدرة الأطراف في تحقيـق تكامل في قطاعات أخرى .

ووفقا لما تقدم سنعتمد على أعمال كل من آرنست هاس وكارل دويتش واميتاي ايتزيوني فـي طـرحهم للتكامل.

أولا : آرنست هاس وتكامل القطاعات

يعد ” آرنست هاس ” : E.Haas المؤسس الفعلي للوظيفية الجديدة وقد كـان متـأثرا بتطـور التجربة التكاملية في إطار السوق الأوروبية المشتركة، ووظيفية هاس تركز على ثلاثة عناصر أساسـية هي :

1- مبدأ التعميم أو الإنتشار الذي يعني أن التكامل في قطاع يؤدي إلى التكامـل فـي بقيـة القطاعـات الأخرى.

2- التسييس التدريجي من خلال الإنتقال من المسائل التقنية- الفنية إلى المسائل السياسية.

3- عنصر الولاء للتنظيم الدولي إقليميا كان أو دوليا لإنشاء العملية التكاملية .

ويعتمد هاس في تحليله للتكامل والإندماج على نظرية الجماعة Group Theory التي بمقتضاها يعتقد أن بداية أي تجربة تكاملية يجب أن تقترن بموافقة ومساندة الجماعات والفئات الفاعلة في المجتمـع التعددي الديمقراطي، وهذه العملية لا تتطلب موافقة الأغلبية المطلقة في المجتمـع ولا تتطلـب تجـانس الأهداف وهذه الجماعات يمكن أن تكون صناعية، سياسية، عمالية.

ينتقل هاس بعد هذا إلى المؤسسات التكاملية الرئيسية التي يجب أن ينتقل إليها مركز القرار فـي مجموعة الدول المعنية بعملية التكامل ويعتقد هاس أن الوسيلة الرئيسية لتدعيم هذه المؤسسات تكمن فـي الجماعات الرئيسية ذات المصالح داخل منطقة التكامل، وهذا الدعم يمكن المؤسسات من وضـع قـوانين ومعايير تسيير وإدارة موحدة داخل قطاع معين، لكن تدعيم ومساندة جماعات المصالح يرتكـز أساسـا على حساب الفوائد التي يمكن أن يتحصل عليها هؤلاء من عملية التكامل فهذه الجماعات مستعدة لتحويل ولائها إلى هذه المؤسسات الجديدة في حالة ما إذا تبين أن مسار التكامل سيعود عليها بفوائـد لا يمكـن تحقيقها في إطار آخر، وهنا يرى هاس بأنه من المتوقع أن تلعب جماعات المصالح الإقتصـادية الـدور القيادي لهذه العملية نظرا لأن التكامل يسمح لهم بإيجاد أسواق جديدة والحصول على موارد مالية جديـدة وتوسع في مجال الإستثمارات…الخ، التي لا يمكن تحقيقها في إطار النشاط القطري الضيق.

ولأن المحاولات الأولى للتكامل تكون في الحقل الإقتصادي لتنتشر فيما بعد لتشمل بقية الحقول الأخـرى فالوظيفية الجديدة تفترض وجود قوة دفع مستمرة في اتجاه العمل التكاملي أو ما يسمى بالتدفق الإنتشاري Spill-Over فالعملية التكاملية تبدأ بتحقيق التعاون في أحد الميادين أو القطاعات الفنيـة ويفتـرض أن يكون للنجاح المتحقق فيها قوة دفع تكفي لحث قطاعات أخرى على مزيد من التكامل بسبب التشابك بـين مختلف القطاعات الفنية، مما يؤدي إلى إزالة الشكوك المتبادلة بين نخب دول التكامل.

وهذا يعني أن الذين يحققون منافع من المنظمات فوق القومية في قطاع محـدد يميلـون بشـكل ملحوظ إلى تأييد التكامل في قطاعات أخرى.

وينبه هاس إلى أن التعميم لا يحدث بشكل آلي ولكنه مرتبط بإرادة الأطراف واسـتعدادها للتكيـف مـع الواقع الجديد من جهة وتعميمها للنجاح في قطاع على قطاعات أخرى من جهة ثاني.

ويقول هاس >> لكي يتم تحقيق تقدم فعلي في مجال التكامل لابد من التوافق في الإلتـزام بـين النخبة والقيادة الحكومية حول الأهداف والوسائل، أما إذا كانت العلاقة في هذين المجالين غير مبلورة أو عندما تكون القيادات الحكومية تسعى لأهداف إقتصادية في حين تدعو النخبة إلى اتخاذ إجراءات سياسية جذرية فإن التكامل يصبح واقفا على أرضية مهتزة، بل إن الوضع قد يكون أكثر تعقيد إذا كانت القيادات الحكومية مهتمة بقضايا سياسية في الوقت الذي تتطلع فيه النخبة إلى الجانب الإقتصادي<< .

لذلك لابد من حدوث توافق وتوازن بين الجانبين حتى لا يحدث تراجع أو انتكاسة لمسار التكامل Spill-Back ولأجل استمرار التكامل لابد من تحقيق توازن بين التقـدم فـي ال مسـتويين الإقتصـادي والسياسي، فوجود تطور إقتصادي فقط يصعب استمراره دون مستوى مناسـب ومـواز مـن التطـور

السياسي يدفعه ويعززه، فالتوجه الإقتصادي يتأتى ويتحدد عبر إطار وموقف سياسـي مقابـل، فتـوافرالتوافق السياسي أو انعدامه يمكن أن تكون له آثار دافعة أو تفكيكية والتي عبرت عنها النظرية بمصطلحSpill-Back

ويتفق هاس مع دعاة الوظيفية الجديدة في قولهم أن الولاء السياسي هو نتيجة للرضا عن انجـاز مؤسسات العمل الإقتصادي المشترك وهذا ما ينتج جماعة سياسية Political community التي يعتقد هاس أنها الهدف الإسمي والنهائي لأي تجربة تكاملية، وهي المرحلة التي يظهر فيها الأفراد والجماعات ولاء أكبر للمؤسسات السياسية المركزية أكثر من ولائهم لأي سلطة أخرى وهذه المرحلة التـي يهـدف التكامل إلى تحقيقها. فالتكامل في معناه النهائي هو العملية التي يجري فيها رفع مستوى المصالح المشتركة بين الدول.

وفي رأي هاس أن تعميم التكامل الإقتصادي إلى تكامل سياسي يعتمد على ثلاثة مجموعات مـن المتغيرات التي يبدو أنها تتدخل في إمكانية تحقيق ما نسميه بالإتحاد السياسي انطلاقا من قاعدة الإتحـاد الإقتصادي.

– المجموعة الأولى : المتغيرات القاعدية مثل حجم الوحدات ، التعـددية الإجتماعية داخل الوحدات

[ أديان، لغات، قوميات …. الخ ]، الإتساق النخبوي، معدل التعامل بين الوحدات .

– المجموعة الثانية : متغيرات الإتحاد الإقتصادي وتضم حجم السلطة المفوضة، مستوى المشاركة فـي أعمال الحكومة وأهدافها .

– المجموعة الثالثة : وهي خاصة بشروط المسار Process وتحتوي على نوعية عملية اتخـاذ القـرار ووتيرة نمو المبادلات، تأقلم وتغير سلوك الأفراد والمجموعات والحكومات.

ويرى هاس أن هياكل وأجهزة الجماعة السياسية الجديدة لا يجب أن تكون مختلفة مـن ناحيـة شكلها وتنظيمها عـن الأجهزة والهياكل التي تتميز بها الوحدات السياسـية المعنيـة بعمليـة التكامـل والإندماج، فالإختلاف الوحيد يكمـــن فـــي المجال والأهمية بالنسبـة لتحسين حيـ ـاة الأفـراد والجماعـات داخـل هــذه الوحـدات .

ثانيا : كارل دويتش ودور الإتصال في التكامل

يعتبر ” كارل دويتش ” Karl.w.Deutsh من بين المنظرين الأوائل الذين ساهموا فـي تطـوير التكامل الجهوي Regional Integraion ، وهناك ارتكازين حقيقيين لعمل الأستاذ كارل دويتش.

1- تأثره الكبير بنظريتي الإتصال والنظم مستفيدا من دراسات وأبحاث ” نـوربرت وينـر ” Norbert wiener و ” تالكوت بارسونز ” Talcott parsons في المجال السوسيولوجي كون أن هذه الدراسـات تتعامل مع التكتلات الإجتماعية كمنظمات لا كمجتمع لأفراد، وعنصر الإتصال هو الرابطة التي تنشـئ هذه المنظمات الإجتماعية.

2- الإرتكاز عمليا على دراسة منظمة شمال الأطلسي The North Atlantic Area

انطلاقة كارل دويتش كانت من التركيز على عامل الإتصال ويعتقد أن هذا العامل هو العنصر الأساسـي لتحقيق التكامل بين المجتمعات السياسية ويعبر عن هذا بقوله:

>> إن الأقطار أو الدول ليست إلا حشودا من الأفراد تتحد فيما بينها نتيجة تـدفق الإتصـالات ونظم النقل بينها وتنفصل عن بعضها بأراض قليلة السكان أو خالية إلى حد ما والشعوب تحقق وحـدتها كلما اتسعت الموضوعات التي تتصل فيما بينها من أجلها، ولذا فإن الحدود تمثل المناطق التي تتنـاقص فيها الكثافة السكانية والإتصالات بشكل كبير، وحتى يمكن أن نطلق اصطلاح بلد أو دولة فإنه لابد مـن وجود اعتماد متبادل ومباشر في قطاع واسع من السلع والخدمات المختلفة بين الأفراد << .

ويربط دويتش عنصر الإتصال بتاريخ العلاقات بين الوحدات السياسية المعنية بالتكامـل، فكلمـا تميزت هذه العلاقات بالود والتعاون كلما أدى ذلك إلى تفعيل قنوات الإتصـال …. فالعلاقـات الوديـة، تعمل على تمتين الروابط والأواصر بين الدول وتزيد من رغبة وإلحاح الأطراف نحو التكامـل وتكـون الوحدات السياسية المتاخمة لبعضها البعض أوفر حظا في مسألة تدفق الإتصالات والمعلومات فيما بينهـا من تلك التي تقع في مساحات جغرافية متباعدة عن بعضها البعض، وهنا يبرز الـدور الفعـا ل للعامـل الجغرافي في تحقيق التكامل بين الوحدات السياسية من خلال عنصر الإتصال .

وبالإضافة إلى مساهمة دويتش في تطويره لنظرية الإتصالات الإجتماعية ساهم بنظرية جديـدة وهي نظرية المبادلات والتي تهتم بمجالات التداخل بين أعضاء المجتمع الدولي، ففي رأيـه أن وجـود مبادلات متينة وسريعة وقابلة للتطور بين هذه المجموعة من الدول يشكل الركيزة الأساسية لأية عمليـة تكامل ويضيف أنه لتقييم أي تنظيم سواء كان دوليا أو جهويا فإنه يجب علينا قيـاس حجـم، محتـوى، مجال، ووتيرة التبادل الذي يتم بين أعضائه فبالنسبة لدويتش فإن توفر عامل الإتصال والمبـادلات بـين مجموعة من الدول سوف يسهل من عملية التكامل بينها.

فالتكامل في نظر دويتش عبارة عن تحقيق وبلوغ الشعور بالإنتماء إلى الجماعة السياسية داخـلرقعة جغرافية معينة وبواسطة مؤسسات وتصرفات عملية كفيلة لضمان – في الأمد البعيـد – الإعتمـادالجماعي المتبادل والتحول الإجتماعي السلمي، فهذا الشعور بالإنتماء الجماعي لهذه الجماعـة السياسـية الجديدة يعني اقتناع القادة والشعوب بالجماعة واعتقادهم بأن كل مشاكلهم يجب أن تحـل عـن طريـق التحول السلمي داخل هذه الجماعة .

فغاية التكامل عند كارل دويتش هو تكوين مجتمع آمن يضم الوحدات المتكاملة.

ثالثا : اميتاي ايتزيوني وفرضيات التوحيد السياسي

يقع عمل الأستاذ ايتزيوني ضمن موجة السياسة المقارنة، حيث ركـز دراسـته علـى الوحـدة السياسية التي قامت بين دول محددة وهي :

1- فدرالية دول الكراييب 1958م-1962م.

2- جمعية الدول الإسكندينافية 1953م-1964م.

3- اتحاد الجمهورية العربية : 1958م-1961م.

4- السوق الأوروبية المشتركة : 1958م-1964م .

وقد استخلص ايتزيوني من خلال دراسته للتجارب الوحدوية الأربعة إلى النتائج أو الفرضـيات التالية :

‌أ- فرضية أهمية النخبة الخارجية: إذ رأى أن النخبة الخارجية تشجع وتدعم عملية التوحيد، إذا تطابقـت أهدافها مع أهداف النخبة المحلية أو الداخلية في الدول التي تسعى للتوحيد.

‌ب- فرضية الإتحادات الفاعلة هي المحكومة بنخبة النظام لا بنخبة الفرد وفي هـذه الفرضـية يفضـل ايتزيوني ضآلة عدد النخب.

‌ج- كلما كانت المنفعة الناتجة عن مبادرة وتوجيه النخبة أكبر كلما تدعمت الهوية الإجتماعيـة للإتحـاد أكثر كلما كانت احتمالات النجاح أكبر.

‌د- البطء في جهود التوحيد يكون أكثر فاعلية عندما تكون قوى معارضـة الوحـدة كبيـرة ومـؤثرة، والإسراع في الخطوات يكون أكثر فاعلية عندما يصل الإتحاد إلى المرحلة النهائية.

و- إن مكافئة الحصول على المنافع أكبر قدر ممكن من الوحدات الرئيسية والفرعيـة المشـاركة فـيالإتحاد هو عامل هام لدفع النجاح لحده الأعلى، إذ أن توزيع المنافع يساهم في اتساع دائرة التأييد حيث يصبح لدى الأطراف منافع مكتسبة تساهم في تصليب موقفها عند مواجهة الإتحاد لأية أزمات .

ما يلاحظ على الفرضيات أو النتائج المستخلصة عند ايتزيوني أن النخبة هي المحرك الأساسـي لعملية التكامل، ويقصد بها نخب النظام وهي نخب منفعية، نخب تعريفية، نخب عسكرية إكراهية.

رابعا : انتقادات الوظيفية الجديدة

على اعتبار أن كل أفكار الوظيفيين الجدد متعلقة بتطور مسار التجربة الأوروبية والتـي تمـر الآن بمرحلة تقييم وتجسيد فإنه من الصعب توجيه انتقادات للوظيفية الجديدة ومـع ذلـك هنـاك بعـض الحقائق التي أثبتت قصور بعض الطروحات النظرية منها:

1- لم تثبت دائما صحة الإفتراض بتطور العملية التكاملية في اتجاه التصـاعد عـن طريـق الإنتشـار

(Spill-Over) وإنما يمكن أن تحدث انتكاسة إذا تفاقمت المشاكل في قطاع معين، مما قد يـؤدي إلـى بداية موجة من الإنحسار في العملية التكاملية (Spill-Back) .

2- إهمال موضوع الصراع الذي يلعب دورا في التكامل أو الوحدة، على الرغم من أن دارسي الصراع بحثوا دوره في التكامل، أي أن دارسي التكامل أهملوا موضوع الصراع في حين ركز دارسو الصـراع على دوره في التكامل .

3- لم يأخذ الوظيفيون الجدد بعين الإعتبار دور البيئة الدولية، في حين ركزوا انتباههم على الوظـائف والعمليات أو بنى التجمع الإقليمي، فمواقف الأفراد والدول وكذلك أهدافهم الإقليميـة وا لإتفاقـات التـي يتوصلون إليها والعمليات التي يلزمون بها أنفسهم هي عوامل مهمة في تفسير التكامـل إذ أن المناسـبة كبيرة لتوسيع تحدي الأعضاء الفواعل المجبرون أو المخيرون من طرف البيئة الدوليـة، فهـم وحـدات عضوة في النظام الفرعي الإقليمي للعلاقات الدولية والذي بدوره يؤثر ويتأثر بالنظام الدولي ككل .

المطلب الثاني : المؤسساتية الليبرالية الجديدة

يعتبر بروز العديد من الدراسات في الحقل الأكاديمي أهم السمات البارزة في فترة ما بعد نهايـة الحرب الباردة، فنجد المقاربات النظرية التي ظهرت في هذه الفترة تركز على التحولات التـي رافقـت نهاية الحرب الباردة.

ولقد عرفت المقاربة الليبرالية تطورا بظهور المقاربة الليبيرالية الجديدة، والتي جـاءت نتيجـةلتحولات عديدة حاسمة وعميقة شهدها المجتمع الدولي منذ منتصف الثمانينات وحدثت أهم هذه التحولاتعلى ثلاث مستويات :

1- تركيبة المجتمع الدولي : ويتمثل في تزايد عدد المنظمات الإقليميـة والدوليـة والحكوميـة وغيـر الحكومية مع اختفاء بعض الدول والأحلاف كالإتحاد السوفياتي سابقا، وحلف وارسـو، وتغيـرت بنيـة مجلس الأمن حيث حلت روسيا الإتحادية محل الإتحاد السوفياتي سابقا ودول أخرى تطالـب بالعضـوية كألمانيا.

2- تغير نمط التفاعل : كتراجع مؤشرات المنافسة العسكرية نحو المنافسة الإقتصادية وإحـلال القطـاع الخاص بدلا من القطاع العام بنسبة هامة من اقتصاديات العالم.

3- التغير في قيم التعاون : إحلال التعاون بدل الصراع وذلك عن طريق تحول التعاون مع المشـكلات الدولية من منطق التنافس والهيمنة إلى التعامل معها على أساس تسويتها بأفضـل الأسـاليب الإداريـة كالمساومة .

وعموما أهم ما طورته المقاربة الليبرالية الجديدة هو مفهوم الإعتماد المتبادل ثم طورت العلاقة الكلاسيكية بين الديمقراطية والسلام ثم أعادت إحياء دور المؤسسات في العلاقات الدوليـة مـن خـلال المقاربة المؤسساتية الليبرالية الجديدة، حيث أصبحت تركز بشكل أكبر على الطريقة التي يستطيع فيهـا التعاون الدولي أن يتغلب على النتائج السلبية للفوضى، وكان ذلك من خلال البحث في موضـوع تـأثير المؤسسات الدولية في سلوك الدول، ضمن حالة من الفوضى الدولية، حيث اعتقد أصحاب هذه النظريـة بدور المؤسسات في التغلب على الفوضى وتحقيق التعاون.

الفرع الأول : المبادئ والفرضيات أولا : مبادئ المؤسساتية الليبرالية الجديدة

يمكن تركيز المبادئ الجوهرية لهذه النظرية في المبادئ الأربعة التالية:

1- الطرف الفاعل Actor

يعتبر أنصار هذا التوجه أنه من المسلم به أن الدولة ممثل شرعي للمجتمع ومـع أن روبـرت كيوهان أكد على أهمية الأطراف الفاعلة من غير الدول في عمله السابق عن التعددية، فإن فهمه للمذهب المؤسسي الليبرالي الجديد يقر بأن الأطراف الفاعلة من غير الدول تخضع للدول.

2- Structure البنية

يسلم الليبراليون بشكل عام بالوضع البنيوي للفوضى في النظام الدولي، لكن الأمر الحاسم هـوأن الفوضى لا تعني أن التعاون بين الدول شيء متعذر، كما يبين وجـود الأنظمـة regimes الدوليـة وانتشارها والخلاصة هو أنه يمكن للأنظمة والمؤسسات الدولية أن تلطف الفوضى مـن خـلال خفـض تكاليف التحقق، وتعزيز المعاملة بالمثل وجعل معاقبة الإبتعاد عن المعايير أسهل تنفيذا.

3- Process العملية

إن التكامل على الصعيدين الإقليمي والعالمي في ازدياد وهنا يعتبر الإتجاه المسـتقبلي للإتحـاد الأوروبي حالة اختبار حاسمة بالنسبة للمذهب المؤسسي الليبرالي- الجديد.

4- Motivation الحافز

 تدخل الدول في علاقات تعاونية حتى لو كانت دولة أخرى ستكسب أكثر من التفاعل، وبعبـارة أخرى فإن ” المكاسب المطلقة أكثر أهمية من المكاسب النسبية “.

ثانيا : فرضياتها

السؤال المحوري للمؤسساتية الجديدة يدور حول : كيفية الشروع في التعاون والمحافظة عليـه في ظروف الفوضى وما يسهل هذه المهمة هو إنشاء المؤسسات والمنظمات الدولية.

وتعتمد المؤسساتية الليبرالية الجديدة على مجموعة من الفرضيات أهمها :

1- أنصار هذه النظرية يؤكدون الحاجة إلى الأنظمة والمؤسسات للتغلب على المشـاكل التـي يولـدها النظام الدولي الفوضوي.

2- الدول لاعبة عقلانية وموحدة وهي المسؤولة عن إقامة الأنظمة.

3- تزدهر الأنظمة على أفضل وجه عندما يشجعها ويحافظ عليها مهيمن حميد النوايا، وأنشطة الطـرف المهيمن في النظام الدولي يمكن مقارنتها مع دور الدولة عند تناول فشل السوق (السوق كأداة للتحليل).

4- الأنظمة والمؤسسات تظهر كنتيجة لسعي الدول إلى التغلب عن الضغط الدافع لها للتنافس فـي ظـل ظروف الفوضى وهذا ما يفسر ظهور العديد من التجمعات الإقتصادية في فترة ما بعد الحرب الباردة.

5- يرى كيوهان أن النظام التجاري الحر يوفر الحوافز للتعاون لكنه لا يضمنه، فهو يميز هنـا تمييـزا هاما بين التعاون والإنسجام فهو يقول أن التعاون ليس شيئا تلقائيا بل يحتاج إلى التخطيط.

6- يؤكد المؤسساتيون على وجود منافع مطلقة من التعاون الدولي بتحقيق الحد الأقصـى مـن المنـافع الإجمالية للأطراف كافة، فهم يعتمدون في تحليلهم على الإقتصاد الجزئي ونظرية المباريات .

الفرع الثاني : التفسير المؤسساتي الليبرالي الجديد للتعاون الدولي

تفترض المؤسساتية الليبرالية الجديدة أن المؤسسات الدولية تتمتع بخاصية تقليص اللايقينية التيتكتنف السلوكات الدولية .

فنظرية النسق الوظيفي عند روبرت كيوهان وأغلب الإتجاهات المؤسسـاتية ( أعمـال سـتيفن

كراسنر 1983م، دونكال سندال 1986م) يشتركون مع الواقعية ( وولتـز 1979م ) فـي الإفتراضـات القاضية بأن الدولة فاعل موحد وعقلاني لها خيارات ثابتة، فهي تعتبر فاعلا أساسيا في السياسة الدوليـة والمكاسب الدولية تتجه نحو التعاظم نتيجة لبعض أنماط التفاعل الإسـتراتيجي، والمحـددات الأساسـية لتغيير في سلوك الدولة هو التغير الثابت في بنية النظام الدولي وكيوهان يركز علـى أهميـة اللايقينيـة والمعلومات ويستقيها من الصفقات والمكاسب، فالمؤسساتيون يركزون على المباريـات ذات المحصـلة الإيجابية ويشددون على أهمية المعلومات كوعاء لبنية النظام الدولي.

والتفكير المؤسساتي يؤكد على أن وحدات النظام الدولي في سلوكها الخـارجي وهـي تسـعى لتعظيم مكاسبها تعتمد مبدأ التعاون، وهي تقدم على ذلك حينما ترى أن هذا الإجراء يسمح لها بالحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب المطلقة.

ومن أجل ضبط تفاعلاتها ومراقبة سلوكها التعاوني تؤسس الدول الأنظمة الدولية والمنظمات التي تندرج ضمن المفهوم العام للمؤسسات الدولية وتوكل للمؤسسات الدولية عدة وظائف يعددها كيوهان Keohane في أربع نقاط :

1- تخفيض تكاليف عقد الصفقات لصالح عقد اتفاقيات وضمان احترامها والإلتزام بها.

2- إرساء الشفافية وما يترتب عنها من إرساء الثقة.

3- تزويد الأعضاء بأدوات مناسبة لحل الخلافات.

4- توفير المساعدة والدعم التقني لأجهزة اتخاذ القرار.

وبإختصار فإن المؤسساتيون يرون بأن المؤسسات كالقائم بالوساطة وكوسائل لإحـراز التعـاون داخـل النظام العالمي، إذن الأنظمة والمؤسسات تساعد الحكم التنافسي والنظام العالمي الفوضوي وتشـجعهما، ومن حين لآخر تفرض التعددية والتعاون كوسائل لصيانة المصالح الوطنية.

يركز المؤسساتيون الليبراليون في الصعيد الإقتصادي على الطريقة التي تسمح بهـا الأنظمـة والمؤسسات للدول أن تتغلب على معيقات التعاون والتي يفرضها التركيب الفوضـوي للنظـام الـدولي، حيث تنشأ الحاجة إلى الأنظمة لأن هناك دائما خطرا في النظام الفوضوي مـن غلبـة الإسـتراتيجيات التنافسية ولذلك يركز تحليلهم على طرق ردع الإستراتيجيات التنافسية.

وقد اتبع المؤسساتيون الليبراليون طريقتين مختلفتين في محاولتهم توضيح ظهـور المؤسسـات والأنظمة فقد اعتمدوا على : نظرية الألعاب (معضلة السجين)، و على عمـل المختصـين با لإقتصـاد الجزئي وذلك من خلال كون الوحدات الإقتصادية تنافس عن طريق آليات السوق الحرة، حيث تسـتخدم السوق كشبيه للنظام الدولي الفوضوي في ظروف السوق (ظروف دولية)، حيث يقـل إنتـاج الحسـنات العامة ويزيد إنتاج السيئات العامة، وبظهور مشاكل عامة هنا لابد من ظهور تعاون بدل تنافس من خلال هيئة متدخلة أكبر، بمعنى ظهور مشاكل عامة تستدعي حلول مشتركة، وهذه الآلية تظهـر عنـد فشـل السوق بالنسبة لنظرية الإقتصاد الجزئي أي يصبح على اللاعبين الإقتصاديين التعاون بدل التنافس.

والهيئة المتدخلة تتمثل في الطرف المهيمن الذي يستطيع أن يستخدم القوة للضغط على الـدول الأخرى لكي تتعاون وتراعي نظاما ما، ويقول كيوهان في هذا الصدد >> إن النظام التجاري الحر يوفر الحوافز للتعاون لكنه لا يضمنه، وإن التعاون ليس شيئا تلقائيا بل يحتاج إلى التخطيط والمفاوضـات <<، فالتعاون حسبهم من منجزات الأفراد والمؤسسات وليس جزء من النظام الطبيعي.

وعلى الصعيد السياسي فإن الدول القوية ضمن النظام الدولي تستطيع استعمال وضغط المـذهب المؤسساتي كوسيلة لضم الدول غير الليبرالية سابقا إلى النظام العالمي الليبرالي وكذلك عليها التوجه إلى إقتصاد السوق، بمعنى عليها أن تثبت أهليتها الليبرالية، وقد طبقت هذه العملية في العلاقات بـين الـدول الشيوعية سابقا والإتحاد الأوروبي، والهدف الذي ترمي إليه الدول الغربية في استخدام الضغط المؤسسي هو التلاقي الإقتصادي الكلي السريع بين الدول الراغبة في الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي واقتصـاديات الدول الأعضاء القائمة.

 بالنسبة للعلاقات مع العالم الثالث حيث تقل احتمالات ضغط مؤسسي إقليمي فإن أنجح الوسـائل

هي الإشتراطية Conditionality أي السياسات التي يتعين على الدول النامية إتباعهـا مقابـل المزايـا الإقتصادية مثل القروض أو الإستثمارات وشرط تحرير وخصخصة القطاع الإقتصادي، الحكم الصـالح والإلتزام بحقوق الإنسان، وهذا ما حدث مع نهاية الحرب الباردة.

الفرع الثالث : الإنتقادات الموجهة للنظرية

قدمت لهذه النظرية انتقادات عديدة يمكن تلخيصها في النقاط التالية :

1- منظور متفائل أعطى للتعاون في العلاقات أبعاد كبيرة تعبر دائما عن رغبة الدول شعوبا أو حكامـا في التعاون بل في تحقيق المصالح.

2- دور المؤسسات الدولية كثيرا ما يتوقف على دور الدول التي تعتبر المحرك الأساسي لها.

3- ترى أن عودة الإقتصاد والقيم عامل ايجابي غير أن هذه النظرية لا يؤيدها الكثير، وذلك من خـلال سعي الدول أو التكتلات الإقليمية للمحافظة على ذاتها.

وعلى الرغم ما تقدم فإن المنظور الليبرالي عمل في ترسيخه لفكرة التكتلات الإقليميـة حيـث ذهب الأستاذ ” تشمبيل ” E.Jempiel بأن إقرار السلام بين الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانيـة جاء نتيجة لإنشاء منظمات على المستوى الإقليمي، كالمجموعـة الأوروبيـة واعتبـر أن تـأثير هـذه المؤسسات هو كتأثير الديمقراطية والاعتماد المتبادل في نشر السلام .

كما أكدت على هذا المعنى النظريات الوظيفية في التكامل والاندماج الدولي.

خلاصة

لقد تطورت العلاقات الإقتصادية الدولية بإتجاه التكامل الإقتصادي هذه الظاهرة التـي عرفـت توسعا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة للتطورات الإقتصادية التي شهدها العالم في هـذه الفتـرة، والتي فرضت على الدول الإتجاه نحو التكامل وإنشاء التكتلات الإقتصادية، ولعل السبب الأساسي يكمـن في محاولة تحقيق أهداف إقتصادية – إنمائية وأهداف سياسية- أمنية لأجل الوصـول لتحقيـق الغايـة الكبرى للتكامل وهي التنمية الإقتصادية والأمن، وذلك من خلال إتباع خطوات إقتصادية متدرجـة تبـدأ من منطقة التجارة الحرة ثم اتحاد جمركي، سوق مشتركة، اتحاد إقتصادي وأخيرا إندماج إقتصادي تـام يمهد للوحدة السياسية.

وقد عرف التكامل الإقتصادي والذي هو تكامل إقليمي بالأساس في مسـار تطـوره مـرحلتين متميزتين :

1- مرحلة الإقليمية القديمة والتي تجسدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الحـرب البـاردة ويركز هذا النوع من الإقليمية على العامل الجغرافي والتجـانس الإقتصـادي كأسـاس لقيـام التكامـل والتكتلات الإقتصادية.

2- مرحلة الإقليمية الجديدة بدأت مع مطلع التسعينات وترتكز على العامل الإقتصادي لقيام التكـتلات، وقد يقوم هذا النوع بين دولا متفاوتة في النمو الإقتصادي (شمال-جنوب) وشهدت هذه المرحلـة إعـادة إحياء لبعض التجمعات القديمة.

وموازاة مع هذا التوجه والإهتمام بظاهرة التكامل على المستوى الواقعي كـان هنـاك اهتمـام أكاديمي علمي نظري حاول أن يؤسس لظاهرة التكامل، ويعود الإسهام الأكبر للمدرسة الوظيفية بشـقيها الأصلي والجديد، حيث قدمتا منهج وظيفي لتحقيق التكامل من خلال التكامل في مجالات السياسة الـدنيا وصولا إلى مجالات السياسة العليا وضرورة الشروع في القطاعات الحيوية لإقتصاديات الـدول المقبلـة على التكامل، وكذلك إدراج جماعات المصالح والنخب والأحزاب السياسية في العملية التكاملية.

وقد أكدت الوظيفية الجديدة وهي التي تم اعتمادها للدراسة على أولوية التكامل الجهوي الإقليمي بدلا من التكامل الدولي الذي دعت إليه الوظيفية الأصلية.

كذلك ساهمت المقاربة المؤسساتية الليبرالية الجديدة التي سايرت موجة الإقليمية الجديـدة مـع نهاية الحرب الباردة للتنظير لظاهرة التكامل من خلال البحث في تـأثير المؤسسـات الدوليـة ضـمن الفوضى الدولية على سلوك الدول والدفع بها نحو التعاون والتكامل بدل الصراع والتنافس، حفاظا علـى مصالحها الإقتصادية.

من اعداد رقية بلقاسمي، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية  والعلاقات الدولية، تخصص دراسات مغاربية بعنوان التكامل الإقليمي المغاربي :  دراسة في التحديات والآفاق المستقبلية