المبحث الأول: مفهوم القرار وبعض المفاهيم المتصلة به.

عرفت دراسة القرارات اهتماما بالغا ومتزايدا باعتبار القرار عنصر أساسيا في العملية السياسية، كما يعتبر الموضوع الرئيسي في نظرية صنع واتخاذ القرار في السياسة الخارجية. لذلك تعددت التعاريف فيما يخص القرار (The Decision).

فحسب ما جاء في المنجد في اللغة والأعلام هو « حافز عليه الرأي في الحكم في مسالة حقيقية أو يعني المستقر الثابت أو فصل أو حكم في مسالة أو قضية أو خلاف أو يعني الاختيار بين بدائل مختلفة».(1)

اصطلاحا: عرفه جوزيف فرانكيل (JOSEPH FRANKEL) انه « عمل مقرر محدد بين مجموعة من الأعمال تتعقبها مجموعة من الاختيارات المدروسة».(2)

وقد عرف ديفيد ايستون(David Easton) القرار في نظريته للأنساق على انه « مخرجات النظام السياسي الذي توزع السلطة على أساسها القيم داخل المجتمع».(3)

ويعرف حامد الربيع القرار السياسي « انه نوع من الإعلان السلطوي على أسلوب التخلص أي حالة من حالات التوتر من جانب الطبقة الحاكمة»(4)، نفهم هنا أن القرار هو فعل يعلنه صانع القرار اتجاه موقف معين أو سلوك ما.

ومن خلال هذه التعاريف نرى أن كل باحث عرف القرار من زاوية وأسلوب معين لكن من خلال ذلك يظهر لنا أن القرار النهائي أو خروج القرار أو إخراج القرار تتخلله أو تؤثر عليه عدة عوامل سواء عن طريق المؤثرات الداخلية والخارجية، أو بالنسبة للهيئة التي تتخذ ذلك القرار. وعليه فالقرار هو الفعل المختار بين عدة اختيارات نتيجة لتأثير مجموعة من المتغيرات المحيطة بالهيئة التي تتخذ القرار سواء كانت فرد أو مجموعة من الأفراد.

من خلال هذا التعريف يتبين لنا أن القرار يرتبط بعدة مفاهيم، فالقرار قبل خروجه يمر عبر عمليتين هما: عملية صنع القرار، وعملية اتخاذ القرار:

بالنسبة لمفهوم صنع القرار (Making Decision): يعني عملية ممتدة للغاية تتداخل فيها عوامل متعددة نفسية، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وتتضمن عناصر عديدة.(1)

بمعنى أن صنع القرار هو العملية الأولى التي تشمل عناصر عديدة ومراحل معينة يتم من خلالها جمع عدة اختيارات وبدائل وحلول تساعد صانع القرار في اتخاذ قراره، بمعنى أنها عملية اختيار الحلول لمشكلة معينة.

بالنسبة لمفهوم اتخاذ القرار: هو الاختيار بين عدد من البدائل المتاحة التي تتسم بعدم اليقينية في نتائجها.(2) بمعنى أنها عملية أو ذلك الأسلوب الرشيد الذي قام به صانع القرار من خلال دراسته وتحليل تلك القرارات والبدائل الموفرة لديه والتي لها تأثير داخلي وخارجي للخروج بالاختيار السليم.

والتعريف بالمصطلحين يتضح لنا الفرق بينهما ودرجة تأثيرهما في عملية خروج القرار والإعلان عنه، كما يرتبط بمفهوم القرار عدة مفاهيم، كالبيئة القرارية، والتي تعني الوضعية الخارجية والداخلية التي يتخذ من خلالها القرار، وأيضا الهيئة القرارية وهي تلك الوحدة أو المجموعة التي تناقش وتحلل البدائل المتاحة للخروج بالقرار كما هو مطلوب.

من خلال هذه الدراسة الدقيقة لفهم وتحديد المصطلحات المتعلقة بالقرار وكل المفاهيم المتصلة به، فان نظرية صنع القرار تعني تلك الدراسة الدقيقة والشاملة لمختلف المتغيرات البيئية الداخلية والخارجية والسيكولوجية(3) الواجب اتخاذها بعين الاعتبار عند تحديد سياسة معينة وتحديد التفاعل فيما بينها. وعليه فالقرار هو تحصيل لكل هذه المتغيرات.

المبحث الثاني: مراحل عملية صنع واتخاذ القرار

عرفنا من خلال التعرض لمختلف التعاريف المتصلة بالقرار في السياسة الخارجية أن القرار هو ناتج عن عملية متكاملة ومتناسقة عبر خطوات علمية دقيقة يتم من خلالها اتخاذ القرار في السياسة الخارجية، وهذه العملية تتم عبر عمليتين فرعيتين هما: عملية صنع القرار، وعملية اتخاذ القرار باعتبار أن كل منهما يختلف عن الآخر بمعنى أن صنع القرار لا يعني اتخاذ القرار والعكس.(1)

يرى بعض المحللين والأكاديميين في العلاقات الدولية بصفة عامة والسياسة الخارجية بصفة خاصة أن عملية صنع القرار تنتهي إما بمجرد اتخاذ القرار أو بعد تنفيذه، غير أن القرار ليس هدفا في حد ذاته كما تدعي المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وإنما وسيلة لتحقيق هدف معين، ولذا فان عملية صنع واتخاذ القرار تشمل مراحل وخطوات يتم من خلالها الإعلان عن القرار والخروج به إلى الواقع. ومن هنا أصبح لزاما علينا أن ندرس المراحل التي تتضمن عملية صنع القرار وهي الخطوات الو المراحل الأولى السابقة لعملية اتخاذ القرار وتتمثل في:(1)

مرحلة تحديد الموقف أو المعيار الرئيسي: تعني التعريف بالمتغيرات الداخلية والخارجية والسيكولوجية المحيطة بصانع القرار، إذ يلجا هذا الأخير إلى إدراك الموقف معتمدا في ذلك على معلوماته الخاصة، ومعلومات قنوات الاتصال وخاصة منها الدقيقة، والتي ينظر إليها على أنها المستلزمات الضرورية للقرار الناجح.

مرحلة تحديد الهدف: وهي إجابة على السؤال لماذا اتخذ هذا القرار؟ لان السياسة الخارجية وسيلة لغاية، وهي المرحلة الموالية لتحديد الموقف والتي يرمي صانع القرار عبر نشاطه إلى تحقيقها خدمة لأهداف ترتبط بالمصلحة الوطنية، وطبيعة الهدف تتحدد وفقا لمدى معرفة وإدراك صانع القرار للتفاعل الموجود بين الثالوث البيئي المتكون من المتغيرات السيكولوجية والداخلية والخارجية، وهناك من يقسم هذه الأهداف إلى أهداف قصيرة المدى مثال: كالدفاع عن دولة عن أي عدوان خارجي أو داخلي، وأهداف متوسطة المدى كالقيام بنشر قيم معينة، وأهداف طويلة المدى وهي أهداف إستراتيجية وكل هذه الأهداف ترتبط بالمصلحة الوطنية والتي تتباين من دولة إلى أخرى حسب حجم أي دولة.

مرحلة اختيار البدائل: بعد تحقيق الهدف المراد من طرف صانع القرار تأتي عملية البحث عن البديل الأنجح والأفضل لبلوغ ذلك الهدف، غير أن عملية اختيار البدائل عادة ما تكون خاضعة لاعتبارات شخصية أو بعبارة أخرى أن اختيار البديل يتأثر بشكل أو بآخر بشخصية صانع القرار، ففي بلدان الجنوب نجد أن عملية اختيار البدائل تكون من طرف صانع القرار نفسه وحتى القرار يتخذ من طرف صانع القرار. وتعد الأنظمة الدكتاتورية من النظم التي تلعب فيها المتغيرات الشخصية لصانعي القرار الدور الأساسي في عملية صنع واتخاذ القرار.(1) وذلك للضغط الذي يمارسه ذلك القائد على جميع المؤسسات والرأي العام . مثال: الحكم في عهد نظام صدام حسين في العراق، أما في الدول المتقدمة ذات نظام سياسي مفتوح تساهم كل المؤسسات البيروقراطية والسياسية أو المحيطة بصانع القرار في عملية اختيار البدائل. وكمثال على صنع القرار في بلدان الجنوب يمكن دراسة قرار انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية سنة 1994 كان قرار فردي من طرف الرئيس مع انه كانت هناك معارضة من طرف مؤسسة صنع القرار والجماعات الأخرى.

مرحلة تقييم البدائل: ما يهم صانع القرار هنا في عملية تقييمه واختياره للبدائل هو تجنب اختيار إحدى القرارات التي قد تؤدي إلى الفشل كقرار التدخل في الفيتنام لأنه كان مبني على الخطأ الإدراكي، ولذلك على صانع القرار هنا حساب وتقييم كافة الاحتمالات والتأثيرات التي من الممكن أن يتركها القرار الناتج عن اختيار بديل معين، بمعنى أن صانع القرار يدرس الفعل ورد الفعل.

وبعد التطرق لخطوات عملية صنع القرار نأتي إلى الخطوات الأخيرة والتي تدخل ضمن عملية اتخاذ القرار وهي:

مرحلة اتخاذ القرار وتنفيذه: وهي المرحلة التي يتم فيها الإعلان عن القرار وتنفيذه وهنا يتخذ القرار بالنسبة للأنظمة الرئاسية من قبل الرئيس، كذلك من قبل رئيس الوزراء أو الوزير الأول، وبالنسبة للأنظمة البرلمانية أو الرئيس نفسه بالنسبة للأنظمة السياسية المغلقة أو الملك بالنسبة للدول ذات النظام الملكي في دول العالم الثالث كالأردن والمغرب.

مرحلة رد الفعل: وهنا تبرز تأثيرات القرار، وقد تكون تأثيرات داخلية وحتى خارجية، مثال: قرار زيارة السادات للكنيست اليهودي عام 1978 كان له تأثيرات داخلية وأخرى خارجية.  

            المبحث الثالث: أهم المسلمات التي انطلق منها أصحاب النظرية.

حاول المحللون في السياسة الخارجية الإحاطة بجميع التساؤلات المتعلقة بالمتغيرات المؤثرة في عملية صنع واتخاذ القرار، لذلك تعددت النماذج في هذا المجال محاولة الوقوف على أهم المسلمات أو العوامل المؤثرة في عملية صنع واتخاذ القرار في السياسة الخارجية وذلك انطلاقا من دراسات وتعمقات في بعض الظواهر السياسية.

وقد توصل سنايدر وفريق من الأكاديميين في جامعة بريستون الأمريكية سنة 1954 إلى بلورة نظرية متكاملة لعملية صنع القرار السياسي انطلاقا من دراسة لقرار الحكومة الأمريكية سنة 1950 بالدخول في حرب كوريا.(1) ومن هذا المنطلق نفهم أن الأساس الذي انطلقت منه الدراسة النظرية لـسنايدر كان بناء على واقع أو فترة معينة ومرتبطة بتحليل قرار وحدة سياسية معينة وهنا يتبادر إلى ذهننا تساؤل إلى أي مدى يمكن إسقاط نموذجه على صنع السياسة الخارجية لدول أخرى تختلف عن الدولة التي طبقت عليها النظرية.

وقد قدم ريتشارد سنايدر (Richard C. Cnyder) نموذجا نظريا لفهم وتحليل نشاطات عالم السياسة الدولي ويركز سنايدر وأصحاب النظرية أمثال روبنسون وجوزيف فرانكيل في تحليلهم لصناعة القرار في السياسة الخارجية على عدة مرتكزات يمكن أن نجملها في النقاط التالية:(2)

– يركز أصحاب النظرية على دراسة العلاقات الدولية ليس على أساس الدول وإنما على أساس تشخيص الدولة، بمعنى الخروج من دائرة اعتبار القرارات المتخذة في السياسة الخارجية هي قرارات الدولة دون البحث من وراء عملية صنع واتخاذ القرار. حيث يؤكد ذلك سنايدر في قوله: « إننا نحدد الدولة بأشخاص صانعي قراراتها من الرسميين الذين تمثل قراراتهم الناجمة عن موقعهم السلطوي قرارات الدولة… ولذل فسلوك الدولة هو سلوك الذين يعملون باسمها» وهنا يتبين لنا النقلة أو التحول الذي أحدثه هذا الطرح في العلاقات الدولية وذلك بالخروج من النظرة المجردة للدولة بمعنى دراسة الأطراف الفاعلة داخل النظام والمؤثرة في عملية صنع القرار الخارجي سواء كان ذلك من طرف فرد أو جماعة من الأفراد أو ما يسم بالهيئة القرارية، وهذا ما يؤكده جوزيف فرانكيل في كتابه “صنع السياسة الخارجية” على أن قرار الدولة لا يصنع من طرف الدولة ولكن من طرف الأفراد أو مجموعة من الأفراد.(1)

– كما اقترحوا لتحليل العوامل التي يأخذها صناع القرار بعين الاعتبار يقترح سنايدر مجموعة من العناصر، ويتمثل الإطار النظري لـسنايدر في: (2)

  • البيئة الداخلية: من بين المتغيرات الداخلية التي تؤثر في عملية صنع واتخاذ القرار نجد المتغيرات المادية والمتمثلة في المتغيرات الجغرافية والاقتصادية والديموغرافية.

ففيما يخص المتغيرات الجغرافية نجد في هذا السياق قوة الولايات المتحدة الأمريكية أدت بها أو جعلتها تتخذ قرارات تتميز بالقوة والهيمنة على القارة الأمريكية. أما من ناحية المتغيرات الديموغرافية أو السكانية، فيمكن القول أن وجود الأقليات داخل الدول يؤثر بشكل أو بآخر على عملية صنع واتخاذ القرار بداخلها.

أما فيما يتعلق بالتأثيرات البنيوية يمكن إجمالها في:

الرأي العام: هو عبارة عن تعبير يدلي به مجموعة من أفراد المجتمع لتلبية حاجاتهم ومطالبهم ويتجلى تأثير الرأي العام عندما تمس مصالحهم، ولقد ظهر تأثير الرأي العام واضحا في حرب الفيتنام، إلا أن الملاحظ حاليا خاصة فيما يخص التدخل في العراق نجد أن تأثير الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية لم يؤثر كما في السابق.

الجماعات الضاغطة: وهي عبارة عن جماعات مصالح اقتصادية وسياسية يتمثل دورها فبالضغط على النظام الحاكم في بلد معين لاتخاذ قرارات معينة تتماشى ومصالحها.

أنماط مؤسساتية: يمكن حصرها في التحليل الدستوري والجهاز المقرر (الجهاز التنفيذي) كما هو الحال بالنسبة للكونغرس الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصيغة حسب الدستور.

  • البيئة الخارجية: حيث أن للبيئة الخارجية تأثير كبير على عملية صنع القرار السياسي وتتمثل متغيرات البيئة الخارجية في الوضع السياسي الدولي بمعنى تأثير الوضعية العامة للنظام الدولي كسياسة القطب الواحد أو تعدد الأقطاب وغير ذلك، إضافة إلى متغير المنظمات الدولية فقد كانت من أهم الفواعل في السياسة الدولية ولا تزال وتهدف إلى تحقيق الاستقرار الدولي من خلال محافظتها على السلم والأمن العالميين كهيئة الأمم المتحدة وتأثير الرأي العام العالمي الذي كان يلعب دورا كبيرا في توحيد الشعوب إذ بفضله تكونت الأمم المتحدة كما أن أي سلوك خارجي لصانع القرار يكون بإقناع الرأي العام العالمي، إلا أننا شهدنا في عالم ما بعد الحرب الباردة أن هذا المتغير لم يعد يلعب هذا الدور، حيث تناقص دوره، وهذا ما لاحظناه في التدخل الأمريكي في العراق، كما أن متغير المصالح الاقتصادية يلعب دور وتأثير أيضا في عملية صنع القرار حيث أن الدول التي تملك المواد الأولية تسعى دائما إلى اتخاذ قرار يقضي بتأييد الدول التكنولوجية بالمقابل امتلاك الدول العربية للبترول يؤدي بالدول غير المنتجة له اتخاذ قرار يقضي بضرورة التعاون معه،وتعتبر الأخلاقيات الدولية من اعقد المتغيرات وهي تربط بالخلفيات التاريخية والتربوية وكذا بمسائل حقوق الإنسان ويظهر تأثيرها على المستويين الشعبي والدولي، وقد تجلى تأثير هذه الأخلاقيات واضح في مؤتمر هلسنكي عام 1975.
  • البنية الاجتماعية والسلوكية: وتشمل نظام القيم في المجتمع ممكن تصنيف هذه القيم إلى نوعين قيم مجتمعية مؤثرة على الجماعات المقررة والمتمثلة في السوابق التاريخية وقيم متصلة بصانع القرار، وهذا يعني أن التكوين الشخصي للفرد يؤثر على عملية صنع واتخاذ القرار.
  • عملية صناعة القرار: وترتبط هذه العملية بمجال الصلاحيات والأهداف كما تتطلب توفير مجال واسع للمعلومات والتي لها أهمية خاصة في السياسة الخارجية.
  • الفعل أو السلوكية السياسية: وهو الفعل الصادر عن صناعة قرار معين، كما انه تحصيل حاصل لكل المتغيرات البنيوية السابقة.

ولذلك يركز سنايدر على انه من المهم معرفة العمليات والتفاعلات التي يتبعها للوصول إلى القرار وان العوامل التي تؤثر على صناع القرار هي في النهاية لا تخرج عن ثلاثة متغيرات: البيئة الداخلية والخارجية وعمليات صنع القرار.(1) وقد لخص سنايدر كل هذا في نموذج متكامل يفسر فيه هذه التفاعلات وهو الموضح في الشكل -1- حيث أننا نفهم من هذا الشكل انه سنايدر قدم لنا ثلاث أنواع من التفاعل، تفاعل على مستوى الحكومات وتفاعل على مستوى غير حكومي، وتفاعل على مستوى حكومي وغير حكومي.

الإطار النظري لنموذج ريتشارد سنايدر(1)

– كما يركز أصحاب النظرية على دراسة وحدة صنع القرار واتخاذه في إطار البيئة النظامية التي توجد فيها هذه الوحدة بمعنى أن صاحب القرار يتخذ القرار وفق إدراكه للبيئة المحيطة، وقد اختلف أصحاب النظرية حول هذه النقطة فيما يخص البيئة كما هي مدركة في ذهن صانع القرار، فـسنايدر يعتبر الأساس في تحديد الموقف يكون كما يراه صاحب القرار، في حين جوزيف فرانكيل يرى ضرورة الأخذ بالبيئة الموضوعية.(1) بمعنى البيئة السيكولوجية والبيئة العملية، أي انه قد يكون هناك موضوعات في ذهن صانع القرار لا يتماشى مع ما هو محكوم في البيئة.

– والنقطة الأساسية التي يركز عليها أصحاب هذه النظرية هي الدوافع لان الدوافع هي جزء من هذه العملية، لذلك يميز سنايدر بين نوعين: الدوافع من اجل (in order to) والدوافع بسبب كذا (Because of).(2) حيث أن الدوافع من اجل، ويعرفها البعض بالدوافع الشكلية وتعني أن صاحب القرار اختار بوعي منه ليحقق أهداف معينة كتحقيق السلم لكن في كثير من الأحيان هذه التبريرات تضفي نوع من الشرعية على سلوك معين مثل: القرار الأمريكي للدخول إلى العراق سنة 2003. أما الدوافع بسبب كذا، والتي تعرف بالدوافع الحقيقية ويصعب إدراكها لارتباطها بمتغيرات شخصية بمعنى وعي وخبرة والخلفية التاريخية لصانع القرار لذلك يرى سنايدر ضرورة دراسة وتحليل القرارات التي اتخذها صانع القرار في فترات معينة وليس تحليل نفسيته فقط، إذن فالقرار هو تحصيل حاصل للتفاعل الموجود بين البيئة الداخلية والخارجية والسيكولوجية.

وتأثير البيئة المحيطة بصانع القرار له دور كبير في عملية صنع القرار وقد قدم ديفيد ايستون “David Easton” نموذجه النسقي الوظيفي في مؤلفه “The Political System ” ويوضح في الشكل-2- الموضح أدناه أن الجهاز السياسي الذي يقوم على صنع القرار لا يعمل منفردا بل يتأثر بعوامل تأتيه من بيئته، وقد حصر ايستن وظيفة الجهاز السياسي في عملية بث القيم وبتحقق ذلك عبر عملية ميكانيكية تمر بها مدخلات الجهاز السياسي وهي التي عبر عنها ايستن بالحاجات الاجتماعية، وقد تكون مطالب مادية (كالمطالبة برفع الأجور). وهذه المطالب تضغط على الجهاز السياسي ثم تأتي عملية تحويل هذه المدخلات داخل الجهاز إلى مخرجاته في شكل قرارات كما هو في الشكل الموضح.(3) وعليه فأصحاب النظرية ينطلقون في تفسيرهم لعملية صنع واتخاذ القرار من تفسير التفاعل الموجود بين الثالوث البيئي.

وتكمن ميزة هذه الدراسة في انه يأخذ بالبعد الإنساني في عملية صنع السياسة الخارجية، ولتحسين هذا النموذج أضاف كل من روبنسون وسنايدر مفهوم “مناسبة صنع القرار” والذي يشير إلى خصائص الموقف القائم.(1)

(1)  – رزاقي بسمة، القوى الفاعلة في صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية، مذكرة لنيل شهادة الليسانس في العلوم السياسية، فرع العلاقات الدولية، جامعة باتنة، كلية الحقوق، دائرة العلوم السياسية، 2003-2003، ص 12.

(2)  – نفس المرجع، ص 12.

(3)  – جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، المرجع السابق، ص 305.

(4)  – عبد الناصر جندلي، نظرية صنع واتخاذ القرار، محاضرة مقدمة لطلبة السنة الرابعة علاقات دولية، جامعة باتنة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2004-2005.

(1)  – رزاقي بسمة، المرجع السابق الذكر، ص 13.

(2)  – جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، المرجع السابق الذكر، ص 305.

(3)  – نفس المرجع، ص 307.

(1)  – عبد الناصر جندلي، المرجع السابق الذكر.

(1)  – عبد الناصر جندلي، المرجع السابق الذكر.

(1)  – جنس لويد، تفسير السياسة الخارجية، ترجمة: محمد السيد سليم ومحمد بن احمد مفتي،ـ الرياض، عمادة شؤون المكتبات بجامعة الملك سعود للنشر، الطبعة الأولى، 1989، ص16.

(1)  – منصف السليمي، صناعة القرار السياسي الأمريكي، المرجع السابق، ص 97.

(2)  -جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، المرجع السابق، ص 308.

(1)  – Joseph Frank, the making of foreign policy, OXFORD University Press, 1963 P.2.

(2)  – ناصف يوسف حتي،النظرية في العلاقات الدولية، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1985) ص

(1)  – جمال علي زهران، عملية صنع القرار في السياسة الخارجية المصرية في نصف قرن، مجلة السياسة الدولية، العدد 149، يوليو 2002، ص23.

(1)  – ناصف يوسف حتي، النظرية في العلاقات الدولية، ص 180.

(1)  – جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، المرجع السابق، ص 308.

(2)  – نفس المرجع، ص 318.

(3)  – عادل فتحي ثابت عبد الحافظ،النظرية السياسية المعاصرة: دراسة في النماذج والنظريات، الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 1997، ص 183.

(1)  – جنس لويد، تفسير السياسة الخارجية، المرجع السابق، ص8.