على الرغم من الأهمية القصوى لمفهوم الأمن القومي وشيوع استخدامه إلا أنه مفهوم حديث في العلوم السياسية وقد أدى ذلك إلى اتسامه بالغموض. ولا شك أن هذا الغموض يثير عدة مشاكل فمن ناحية لا يعد مصطلح الأمن هو أفضل المصطلحات للتعبير عن الأمن القومي للدولة المعاصرة. ومن ناحية أخرى لم يتبلور المفهوم لكي يصير حقلا علميا داخل علم السياسة تطبق عليه قواعد نظرية المعرفة بدءا من وضع الفروض وتحديد مناهج البحث الملائمة واختيار أدوات التحقق العلمي وقواعد الإثبات والنفي وإمكانية الوصول إلى نظرية عامة والوصول إلى قانون يحكم ظاهرة اظلمن القومي إلا خلال السنوات العشرين الأخيرة. ويعود استخدام هذا المصطلح إلى نهاية الحرب العالمية الثانية حينما أنشئ مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1947. ومنذ ذلك الحين انتشر استخدام المفهوم بمستوياته المختلفة حسب الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

وهنا من المهم أن نشير إلى أن ميثاق جامعة الدول العربية والذي وضع عام 1944 وأنشئت الجامعة على أساسه في مارس عام 1945 لم يذكر مصطلح الأمن القومي، وغن كان قد تحدث في المادة السادسة منه عن مسألة الضمان الجماعي ضد أي عدوان يقع على أية دولة عضو في الجامعة سواء دولة خارجية أو دولة أخرى عضو بالجامعة. كما أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والموقعة عام 1950 قد أشارت إلى الأمن والاستقرار ولكنها لم تشر إلى الأمن القومي، كما أشارت إلى الدفاع وليس إلى الأمن القومي، ونصت المادة الثانية منها على مسألة الضمان الجماعي وحثت الدول الأعضاء على ضرورة توحيد الخطط والمساعي المشتركة في حالة الخطر الداهم كالحرب مثلا، وشكلت مجلس الدفاع العربي المشترك والذي يتكون من وزراء الدفاع والخارجية العرب، وأنشأت كذلك اللجنة العسكرية الدائمة والتي تتكون من رؤساء أركان الجيوش العربية. وعلى الرغم من ذلك فإن كافة مشروعات تطوير ميثاق جامعة الدول العربية تؤكد على النص على مسألة الأمن القومي العربي.

الظروف والعوامل التي تدفع إلى الاهتمام بظاهرة الأمن القومي

أولا: التحول في مفهوم المصلحة القومية إلى مسألة ضمان الرفاهية بما يعنيه ذلك من تامين لمصادر الموارد. ومن ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية.

ثانيا: ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلى حروب. ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.

ثالثا: ازدياد الشعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها المتصلة بأمنها القومي. فمن ناحية تعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديدا لأمنها السياسي والاقتصادي، وتحد بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الإستراتيجية. وتبلغ قيمة هذه الديون أكثر من 2000 مليار دولار، هذا فضلا عن تكلفة خدمة الديون وهي تكلفة تنوء عنها كواهل معظم الدول الصغرى والمتوسطة المدينة.

ومن ناحية أخرى تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ليس فقط لتحقيق مصالحا ولكن للإضرار بالمصالح القومية والأمن الذاتي للدول الصغرى. ولعل ما فعلته الولايات المتحدة بالعراق وأفغانستان وغيرها تحت مظلة الأمم المتحدة من احتلال وتدمير لقدراتها العسكرية الدفاعية والهجومية وتحطيم الإمكانيات الاقتصادية، لا يغيب عن ذهن تلك الدول. بعبارة أخرى، يزيد الشعور لدى الدول الصغرى بضعفها أمام اختراق الدول الكبرى لمنها، وإحساسها بأنها معرضة دائما للخطر.

رابعا: تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي والذي يمكن أن يتحول إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى. فبعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال  لاتزال كثير من تلك الدول تعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع. ولا شك إن الإحساس بالحرمان النسبي لدى المواطنين من شانه أن يزيد من الشعور بالإحباط ومن ثم الانخراط في علميات عنف ضد النظام السياسي. كما أن الفراغ الفكري الذي نجم عن سقوط الشيوعية بسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية قد دفع إلى البحث عن أيديولوجية بديلة أخذت طابعا متطرفا سواء أكانت علمانية ولكنها قومية أو وطنية متطرفة، أو دينية أصولية ذات ميول راديكالية.

ولاشك أن هذين المسارين الأيديولوجيين  من شأنهما أن يدفعا الدول الصغرى إلى الاتجاه مرة أخرى إلى زيادة الإنفاق على التسلح سواء لبناء مؤسسة عسكرية قوية وعصرية أو لبناء قوات بوليس مجهزة ومدربة لمواجهة المتطرفين قوميا أو فكريا (أو عرقيا) أو مذهبيا أو دينيا. ويمكن أن يقود ذلك إلى موجة جديدة من الدول البوليسية بالمعنى الذي استخدمه  هارولد  لآسو يلHarold Lasswell  في كتابه بعنوان Hypotheses Today (1973) The Garison- State من قبل الدولة العسكرية Garison State أو دولة الأمن Security state وهي دولة تغص في الحياة العسكرية وحد أدنى من الحياة المدنية وهي دولة تنشأ نتيجة الحرب أو الخوف من الثورة أو التغيير أو المغالاة في إنتاج واكتساب الأسلحة التقليدية والنووية أو اكتساب التكنولوجيا العسكرية، وتستهدف  صيانة الاستقرار والنظام في الشئون الداخلية والدفاع عن الوضع القائم في العلاقات الدولية. في مثل هذه الدولة كما يقول دانيال يارجن في كتابه السلام الممزق Shattered Peace: The origin of the Cold War and the National Security state  والتي يسيطر عليها ماديا ونفسيا وفكريا مفهوم المن العسكري فإن دور المدنيين يكون محدودا للغاية إذ ينظر إليهم على أنهم عنصر تهديد للأمن وليس عنصر تدعيم له.

خامسا: كما يثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولا كالنظام الفيدرالي، أو التجمعات الاقتصادية الدولية، كالمجموعة الأوروبية أو مجموعة أمريكا الشمالية، أو مجموعة الباسفيك أو جنوبي شرق أسيا، ففي كلتا الحالتين تثار تساؤلات حول مصير الأمن الوطني للدولة القومية وعلاقته بالأمن  القومي للدولة أو الجماعة المنشأة، وكيف يتم توزيع مسئوليات المن، وتأمين المواطنين في داخل الكيان الجديد ومدى تحقق شعورهم بالأمان.

خامسا: وأخيرا يثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكك الدول الكبرى وخاصة الفيدرالية إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة، ويثار الأمن القومي هنا من عدة زوايا، منها: من يتحكم في مقومات الأمن القومي وخاصة المقومات العسكرية أي الجيوش والمعدات، خاصة إذا كانت معدات أو أسلحة نووية، ومن يحمي الجمهوريات أو الدول الوليدة، خاصة إذا كانت ذات مسحة عرقية، وكيف تتحقق الرفاهية في الدول الجديدة، وما إذا كانت عملية التحلل تتم بصورة سلمية أم بصورة عنيفة وصراعية. ويتضح من التجارب الماضية والمعاصرة لعمليات التفكك والتحلل مدى التهديد الذي يشكله بعضها للأمن القومي أو الإقليمي سواء تعلق ذلك بالجمهوريات المنسلخة عن الاتحاد السوفيتي السابق أو الدول الناتجة عن انقسام يوغوسلافيا السابقة أو ما يتهدد اليمن والعراق وفلسطين.

ولاشك إن هذه الظروف جميعا تجعل من دراسة الأمن القومي مسألة هامة للغاية.

 

التعريف بالأمن القومي

ليس هناك إجماع حول المقصود بظاهرة الأمن القومي، لا من حيث التعريف ولا من حيث المستهدفين بالأمن ولا من حيث مصادر التهديد ولا من حيث سبل وأدوات واستراتيجيات تحقيق الأمن القومي. ويمكن أن نشير إلى تعريفات عديدة تتراوح ما بني القيم المجردة أو الاعتبارات الإستراتيجية المحددة أو المفاهيم المجتمعية ذات الطبيعة الشمولية.

وتعرف موسوعة العلوم الاجتماعية الأمن القومي بأنه “قدرة الأمة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية”. ويرى والترليبمانWalter Lippmann أن الأمة الآمنة “ليست في خطر التضحية بالقيم الأساسية إذا اضطرت إلى تجنب حرب ما، وأنها قادرة – إذا تم تحديها- على صيانتها بالانتصار في تلك الحرب”. ويرى ولفرزArnold Walfers أن الأمن يعني “حماية القيم التي تم اكتسابها وغياب الخوف من أي هجوم على تلك القيم”. أما تريجر وكروننبرج        Trager and Kronenboryفي كتاب “الأمن القومي والمجتمع الأمريكي” National Security and American Society يريان أن “القيم القومية الحيوية تشكل جوهر سياسة  الأمن القومي” ويتحدد الأمن لديهما بأنه ذلك الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف إيجاد شروط سياسية دولية ووطنية ملائمة لحماية أو توسع القيم الحيوية ضد الأعداء الحاليين أو المحتملين”. ويرى كل من بركويتز  Berkowiz Morton وبوك Bock P.C. في كتاب “الأمن القومي الأمريكي” American National Security أن الأمن يعني حماية الدولة من الخطر الخارجي”.

وقد توسع مفهوم الأمن القومي وانتقل من التجريد إلى الواقع الاقتصادي وذلك في أعقاب الحظر النفطي  عام 1973 وأزمة النفظ الأولى عام 1974. وانتقل الحديث عن الأمن الاقتصادي بمعنى تجزئة الأمن القومي إلى ميادين وأبعاد، إذ يعرف كروز ونايLawrence Krause and J. Nye   في كتابهما بعنوان “تأملات في الاقتصاد والسياسة في المنظمات الدولية” Reflections on the Economics and Politics of International OIrganizations  يعرفان الأمن الاقتصادي بأنه “غياب التهديد بالحرمان الشديد من الرفاهية الاقتصادية”.

ويرى روبرت مكنمارا  Robort Mc Namara وزير الدفاع الأمريكي الأسبق في كتابه “جوهر الأمن” The Essence of security أن “الأمن يعني التنمية…”” وقد كان هذا التعريف فاتحة الاتجاه وتيار أقوي إلى ربط للربط بين الأمن القومي والرفاهية الاقتصادية والتوازن بالإضافة إلى القدرة العسكرية”.

وقد ذهب البعض إلى البحث في المتغيرات المحيطة بالأمن القومي بدلا من الانشغال بالتعريف، إذ يرى عازارEdwar Azar ومون Chung-in Moon في كتابهما “الأمن القومي في العالم الثالث”  National Security in the Third Worldأن الأمن القومي يدور حول مجموعتين من المتغيرات: بيئة الأمن، ومدى توافر الاستعداد المادي، وتشير بيئة الأمن إلى التهديدات الخارجية وأنماط التحالفات، بينما يشير مدى توافر الاستعداد إلى القدرات المادية العسكرية والاقتصادية ، هذا بالإضافة إلى المبادئ الإستراتيجية وهيكل القوة والاستخبارات اختيارات الأسلحة.

ويرتبط الأمن بكل من الشرعية والتكامل والقدرة على رسم السياسات العامة.

 

الانتقادات التي وجهت إلى النظر إلى الأمن القومي من المنظور العسكري

لقد وجهت عدة انتقادات للنظر إلى الأمن القومي بالمنظور العسكري بمعنى  المغالاة في الإنفاق على الدفاع والشئون العسكرية بقصد بناء مؤسسة عسكرية قوية تستطيع أن تحافظ على الدولة من أي عدوان خارجي. ولعل أهم تلك الانتقادات ما يلي:

  • أن التركيز على القوة العسكرية وحدها يشير إلى أن التهديدات التي تصيب الأمن القومي لا تعدو أن تكون تهديدات خارجية، ومن ثم تغفل التهديدات أو المصادر الداخلية للتهديد، وهذه المصادر لاتقل في درجة وشدة تهديدها للأمن القومي عن التهديدات الخارجية.
  • أن المغالاة في الإنفاق العسكري يترتب عليه كذلك توجيه جزء كبير من الموارد القومية إلى قطاع واحد فقط وإغفال بقية القطاعات، وخاصة القطاعات الخدمية كالتعليم والصحة والسكان. وتثور هذه المعضلة بصفة خاصة في الدول النامية أو المتنامية حيث يوجد تنافس كبير على الموارد بين القطاع العسكري من ناحية والقطاعات المدنية من ناحية أخرى. وتأخذ هذه المعضلة في الدول النامية الصيغة التالية:

السلاح أو الطعام (الزبد)     Guns  (versus) /Or Butter

أما في الدول المتقدمة فتأخذ صيغة مختلفة هي:

السلاح من أجل الطعام (الزبد)    Guns for Butter

 حيث أن الإنفاق على السلاح والقطاع العسكري والصناعة العسكرية يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد الغ ربي وزيادة الموارد وتنمية صادرات السلاح وخلق فرص عمل بالسلاح والحروب Creating Jobs.

  • كما أن المغالاة غيب الإنفاق العسكري من شأنه أن يؤدي إلى زيادة قوة هذا القطاع، ومن ثم زيادة نفوذه في النظام السياسي على بقية القطاعات الأخرى، مما يخلق الدول البوليسية أو دولة الأمن حيث يسيطر على النظام السياسي المتخصصون في العنف.

ومن ثم كان لابد من البحث عن تعريف للأمن يتطابق وظروف الدول الصغرى وفي نفس الوقت يتضمن من المتغيرات ما يواجه مصادر التهديد الملحة أو المؤجلة للأمن القومي..ولذلك لابد من نأخذ عند تعريفنا للأمن القومي ثلاثة متغيرات:

  • الرفاهية الاقتصادية وما يرتبط بها من توزيع وإشباع للحاجات الأساسية.
  • التوازن بما يعنيه من فتح قنوات للمشاركة وتحقيق إجماع داخلين وسلام إقليمي وعالمي.
  • القدرة العسكرية سواء تعلقت بالأفراد أو المعدات الإستراتيجية.

هل يتم نشر إستراتيجية الأمن القومي ؟

إن إستراتيجية الأمن القومي تعني:-مفهوم شامل للعناصر التي تشكل الاحتياجات الضرورية للوطن، متضمنة الحماية الذاتية واستقلال الكيان الوطني ، حماية وسلامة أراضية، ورفاهية شعبه الاقتصادية, بناء دولة المؤسسات الدولة عصرية).وترتكز على عدة عناصر أبرزها:- ضرورة توافق القيادات الوطنية القادرة على إدارة هذه الخطط, صياغة مجموعة من الخطط والمبادئ التي تحدد الأهداف القومية للوطن مستنداً على الغاية القومية، مع مراعاة مبادئ الأمن القومي واعتباراته. وأن هـذه المبادئ ليست مطلقة وإنما تتحدد على أساس القوة المتاحة وقدراتها القومية والتهديدات الخارجية والتحديات المحلية وطبيعة النظام الدولي المعاصر وانه تصور استراتيجي نابع من متطلبات حماية المصالح الحيوية الأساسية لأية امة ومستمد من تاريخها وما أفرزته معطيات موقعها الجغرافي ومورثها التاريخي والاجتماعي للمحافظة على الوجود الحي لها, أي أنها وثيقة سرية في غالبية مفاصلها وترتكز على أبعاد وعناصر أساسية وضرورية ولم يذكر التاريخ يوما إن دولة ما نشرت إستراتيجيتها للأمن القومي بالكامل في المحافل الإعلامية خصوصا في ظل أزمة الاحتلال, وأي أمن قومي ينشر في الصحف.

 أولاً: علاقة الأمن الوطني، بالمصطلحات الوطنية الأخرى

يمتلئ الحقل السياسي بالعديد من المصطلحات، وهي ذات علاقة متشابكة مع بعضها ببعض. بـل إن بعضاً منها يمتد ليتعدى الأسوار السياسية، كما تمتد النباتات المتسلقة، ليتشابك من مصطلحات أخرى في الحقول المجاورة. هذه العلاقة المتشابكة، فرضت ضرورة التعرف عليها، ومعرفة اتجاهها، حتى يمكن فهم المصطلحات، والقصد منها بشكل أفضل، والتوصل إلى حقيقة المفاهيم والتعريفات، كما أراد قائلها وما كانوا يعنوه بها في وقتها.

 تمثل العلاقة بين المصطلحات، البيئة المحيطة بها، وهي التي تمكن من رؤيتها بشكل طبيعي صحيح، فهي الوسط الفني التي تستوعب من خلاله. فالفهم المجرد للمصطلح، خارج تلك البيئة، قد لا يعطي الانطباع السليم، خاصة لغير المتخصصين، وهو ما يصعب معه الاسترسال في متابعة الموضوع، وتقل درجة التركيز فيه، ثم تتناقص حتى تتوقف، دون أن تتعدى قراءة الصفحات الأولى، ليستبعد الموضوع عن دائرة الاهتمام.

  1. الأمن الوطني والإستراتيجية الوطنية National Strategy

وضع عدد من الباحثين تعريفات للإستراتيجية، كل منها اتجاهاً خاصاً، يقيس اتجاه مجرد من وجهة نظر قائلها. إلاّ أنها في مجملها انقسمت إلى اتجاهين،

الاتجاه الأول: كان يقتصر على الجانب العسكري من الإستراتيجية ونما مفهومه في كنف العسكرية والحروب.

 أما الاتجاه الثاني، فقد كان أوسع إدراكاً، وأشمل تحديداً ليتضمن كل القدرات التي يمكن استغلالها. وهو اتجاه عصري، ظهر عندما وضح أن هناك قوى فاعلة أخرى غير القوة العسكرية (السياسة، الاقتصاد، المجتمع).

أولا:  ومن تعريفات الاتجاه الأول الشهيرة ما يلي:

  • تعريف الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز Carl Von Clausewitz ، الذي عرّف الإستراتيجية بأنها “فن استخدام المعارك، كوسيلة للوصول إلى هدف الحرب، فالإستراتيجية تضع مخططات الحرب، والتطور المتوقع للمعارك الحربية، كما تحدد الاشتباكات التي ستقع في كل معركة”.
  • وكان الجنرال فون مولتكه، رئيس هيئة الأركان العليا الألمانية وصاحب الخطط الإستراتيجية الشهيرة قبل الحرب العالمية الأولى، أكثر وضوحاً حيث وضع تعريفاً أفضل من سابقه، وإن اقتصر على الجانب العسكري للإستراتيجية فقط، يقول: “إنها إجراء الملائمة العلمية للوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد، إلى الهدف المطلوب”. ويعني ذلك مطابقة الأهداف مع الإمكانات المتيسرة.

أما تعريفات الاتجاه الثاني، فمن أشهرها:

1تعريف ميجور جنرال د. ك. بالت، الهندي الجنسية، وأحد مشاهير الكتاب العسكريين المعاصرين، الذي تناول تعريفه المفهوم الواسع للإستراتيجية، بأنها “فن تعبئة وتوجيه موارد الأمة (أو مجموعة من الأمم) لدعم وحماية مصالحها من أعدائها الفعليين أو المحتملين”. وهي بهذا الشكل المبسط، تعد أفضل توزيع للإمكانات المتاحة، لاستخدامها الاستخدام الأمثل، لتحقيق الهدف (الأهداف). والإمكانات المتاحة هي قوى الدولة، التي تكوّن موارد الأمة المشار إليها في التعريف، (القدرات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية، والمعنوية) والتنسيق بينها سلماً وحرباً، لتحقيق أهداف وغايات الدولة الوطنية. وهي بذلك تستخدم أبعاد الأمن الوطني وأدواته (التي هي نفسها تلك القوى الخمس)، التي بتحقيقها تتحقق أهداف الأمن الوطني.

ويتوافق تعريف الإستراتيجية، في الاتجاه الثاني، مع تعريف مفهوم الأمن القومي. حيث يشمل كل منهما عدة قوى. لذلك كان:

2- تعريف الجنرال الفرنسي الشهير أندريه بوفر، عن الإستراتيجية: “أنها استخدام الإمكانيات القومية المتاحة تحت جميع الظروف، من أجل إنتاج أقصى سيطرة ممكنة على العدو، عن طريق التهديدات، بهدف تحقيق مصالح الأمن الوطني للدولة”. وهو التعريف الذي يوضح مدى ارتباط مصطلحيّ الأمن الوطني والإستراتيجية، باستخدامهما الأدوات نفسها، وهي الإمكانيات القومية المتاحة (السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية، والمعنوية).

ويعكس ذلك تصوراً خاصاً للعلاقة بين المصطلحين، يمكن التعبير عنها بأنها تجسيد للأمن الوطني، بخططه ومبادئه. حيث تستخدم الإستراتيجية أبعاد الأمن الوطني السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والمعنوية، وهي نفسها الإمكانات والقدرات التي تحسب الشامل للدولة في إطار مجموعها، ثم تعكس مكونات الأمن الوطني في إستراتيجيات تخصصية للأبعاد نفسها، أي أن الإستراتيجية الوطنية هي تطبيق عملي لنظرية الأمن الوطني.

  1. الأمن الوطني، والسياسة الوطنية العليا National Policy

تعرف السياسة الوطنية العليا بأنها، “الموائمة بين الغايات والأهداف الوطنية، وبين الإمكانات والقدرات الفعلية، بما يحقق توجه قوى الدولة، لتحقيق أمنها الوطني”. ويصيغ صانعوا القرار عادة السياسة الوطنية العليا، في ضوء الأهداف والغايات الوطنية، خلال مرحلة محددة. وقد يكون التحديد المرحلي زمنياً، أو فترة حكم بعينها، أو خلال حدث وطني هام يجري الإعداد له. ويتفرع من السياسة الوطنية العليا، سياسات تخصصية في مجالات مختلفة. تشمل كل مجالات الأمن الوطني وأبعاده. ومن تلك السياسات تتفرع الإستراتيجيات المتخصصة، التي هي مرتبطة أصلاً بالإستراتيجية الوطنية النابعة من السياسة الوطنية العليا، وهو ما يضمن ـ عند تحقيقها ـ تحقيق النتائج المستهدفة للأمن الوطني.

  1. الأمن الوطني، والقوى الشاملة للدولة

تحسب قوة الدولة، بتجميع كافة الإمكانات، وتأثيراتها الإيجابية والسلبية. وهو ما تعارف عليه بأنها ناتج تجميع القوى المختلفة للدولة، السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، والجيوبولتكية بكل سماتها وخصائصها (قوتها وضعفها)”، وهو ما ينتج عنه تأثيرات إيجابية للسمات القوية فتحسب بالإضافة، وأخرى سلبية للسمات الضعيفة يتم حسابها بالخصم، ويكون الناتج النهائي هي محصلة كَمْيّة تسمى “قدرة الدولة على تحقيق مصالحها في المجتمع الدولي وفي التأثير على غيرها”.

مقارنة تلك المحصلة أجمالاً، أو مقارنة مفرداتها (القوى الشاملة) مع نظيرها لدولة أخرى، يُمكِّن من قياس قوة الدولة وقدراتها في المجتمع الدولي، أو مقابل خصومها.

ويشترط عند قياس قوة الدولة الشاملة، ثبات معيار القياس المستخدم، حتى تكون نتائج المقارنة صحيحة، وذات دلالة هادفة. وهناك عدة معايير للقياس، والاختلاف بينها، هو اختلاف العناصر الأساسية المستخدمة في القياس، نوعاً وعدداً، باختلاف العلماء المُنَظِّرين. حدد العالم فوكس Fucks متغيرين لحساب قوة الدولة الشاملة من خلال العلاقة بينهما، بينما وضع العالم جيرمان German مصفوفة رياضية من 26 متغيراً، في أربعة عناصر أساسية، هي: السكان، والموارد، والمساحة، وقوة العمل. واعتمد العالم الأمريكي كلاين Ray Cline على خمسة متغيرات، هي: الكتلة الحيوية والقدرة الاقتصادية، والقدرة العسكرية، والهدف الإستراتيجي والإرادة القومية.

ويضيف بعض الأكاديميين العسكريين متغيرين آخرين، هما القدرة الدبلوماسية، وقدرة ممارسة النفوذ، دولياً وإقليمياً. ويتضمن النموذج المصري الأكاديمي سبعة عناصر أساسية متغيرة، يشتمل كل منها على العديد من التفاصيل الدقيقة ليمكن قياسه كمياً، قبل أن توضع القيمة في النموذج الرياضي التالي:

  1. P. = (C + E + M + I) x (S + W + D)

حيث:

  1. P = قوة الدولة المدركة (إجمالي القوى الوطنية الشاملة) Total Percieved Power

C   =      الكتلة الحيوية Critical Mass

E   =      القدرة الاقتصادية Economic Capability

M =      القدرة العسكرية Military Capability

I    =      قدرة ممارسة النفوذ دولياً وإقليمياً Image (Influence)

S   =      الهدف الإستراتيجي للدولة Strategic Purpose

W =      الإرادة القومية Will to pursue national strategic

D =      القدرة الدبلوماسية Diplomacy Capability

ويُدرس كل قدرة من كافة مكوناتها، في منظور إقليمي متكامل.

إنّ العناصر المقاسة قيمياً، والموضوعة في النموذج الرياضي، ما هي إلا متغيرات القوى الوطنية، التي هي أبعاد الأمن الوطني. وهي بذلك تحول الأمن الوطني إلى قيمة حسابية ضمناً. كما تُهيئ مفرداتها التفصيلية، دراسة وافية لأبعاد الأمن الوطني، التي منها تتحدد السياسات المتخصصة (لكل بُعد)، والإستراتيجيات المتخصصة النابعة من السياسات. ويصيغ صانعوا القرار، الإستراتيجية الوطنية على أساس حساباتهم للقوى الوطنية الشاملة، وسياسات الأمن الوطني لها.

  1. الأمن الوطني وإعداد الدولة للدفاع

يتطلب إعداد الدولة للدفاع تنفيذ خطة عامة (مركزية)، وخطط مرحلية تخصصية، تهدف جميعها إلى تأمين قطاعات خاصة بالدولة، وحشد طاقات قوى بعينها، كذلك، لصد أي عدوان خارجي، أو الاستعداد له.

ويشمل إعداد الدولة للدفاع، عدة عناصر أساسية، هي:

أ.   إعداد السياسة الخارجية للدولة.

ب. إعداد القوات المسلحة.

ج.  إعداد الاقتصاد الوطني.

د.   إعداد أراضي الدولة.

هـ.  إعداد أجهزة الدولة.

و.  إعداد الشعب.

وتهدف خطط الإعداد، إلى تأمين تلك العناصر، وكذلك ردع الاعتداء ومجابهته بحسم، والانتصار عليه في أقصر وقت، وبأقل خسائر. وتلك الخطط، هي استخدام آمن لقوى الدولة الشاملة، التي هي (كما سبق القول) أبعاد الأمن القومي (سياسية واقتصادية وعسكرية ـ واجتماعية، وجيوبوليتيكية). فيكون إعدادها للدفاع وتأمينها، هو تأمين لأبعاد الأمن الوطني في إطار إستراتيجية وطنية.

  1. الأمن الوطني وتوازن القوى Balance of Power والردع Deterrence

يُعَرّف الردع على أنه “فن استخدام الوسائل والقوى لتحقيق الهدف، دون الوصول إلى مرحلة الاشتباك. ويكون هدف الردع، منع أي قوة معادية من اتخاذ قرار باستخدام الأسلحة، أو منعها ـ أي القوة المعادية ـ من الإقدام على فعل (أو رد فعل) إزاء موقف معين. ويفشل الردع عندما يبدأ القتال”.

وتعريف الردع كان يرتكز على المفهوم العسكري فقط ثم طور ليشمل كافة قوى الدولة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية) التي زادت فعالياتها، وأصبحت ذات تأثير واضح على قرارات الدول. فمنع الخصم من الإقدام على فعل، أو رد على فعل، إزاء موقف محدد، بالتلويح باستخدام إحدى أو بعض قوى الدولة ضده، هو أحد أشكال الردع بالمعنى المتطور.

يُعَرّفْ توازن القوى، بأنه: “الحالة التي يتعذر على الأطراف في ظلها اللجوء إلى استخدام القوى (أي كان نوعها) لفض المنازعات. وإذا اضطرت لذلك، فيكون في أضيق الحدود”. لذلك، فإن ممارسة سياسة ما (حسب تخصصها اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية أو سياسية) بلا قوة تساندها؛ يفقدها مصداقيتها، وتحقيق التعادل بين الأطراف المتنازعة في القوى المختلفة (التوازن)، يحقق الاستقرار، الذي لا بد له من قوة، فهي التي تحقق الردع.

ويُدخل توازن القوى في حسبانه، المؤثرات العديدة على مكونات القوى. لذلك، فإن ظهور خللٍ في توازن القوى، يعني خللاً في القوى المختلفة (أو إحداها)، وهو يعني تلقائياً تهديداً للأمن الوطني، الذي تكون أبعاده هي القوى نفسها، وهو الأمر الذي لا يمكن الاستعاضة عنه، باستعارة قوى من دول أخرى (تحالف)، فإنه يقع تحت طائلة خطرين بدلاً من واحد، فسوف يهدد الدولة الخطر الأول، الناتج عن خلل القوى أصلاً، والخطر الثاني، الناتج عن تدخل الحليف باستخدام قواه وقدراته لإحداث التوازن المطلوب، خاصة عندما يكون الحليف أجنبياً، ذا مطامع، وأن تكون معونته بالوجود داخل الدولة، في أي بعد كان.

  1. الأمن الوطني والمجال الحيوي للدولة

يرتبط مفهوم المجال الحيوي أساساً، بظاهرة الاستعمار الغربي لدول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا، وفرضها السيادة والهيمنة على مناطق الثروات الطبيعية بهما، منذ عصر الكشوف الجغرافية، حتى القرنين الأخيرين في أشكال متعددة شملت الاحتلال والاستيطان والحماية والتحالف والتعاهد، ولجأت إلى تقسيم القارتين إلى مناطق إقليمية، تشكل بالنسبة لتلك الدول الأوروبية المستعمرة، مجالها الحيوي، الذي تتحرك وتتفاعل فيه مع المنطقة، للوصول لأقصى استغلال مفيد من وجهة نظرها الخاصة، مانعة تداخل أي قوى أخرى معها في هذا المجال، وإلاّ فإن الصدام المسلح واقع لا محال.

تخلق السياسة المجالات الحيوية طبقاً للمصالح، التي أساسها في عصر الاستعمار الغربي اقتصادي وتجاري. ثم يتطلب الأمر تأمين تلك المجالات، من خلال إستراتيجيات للسيطرة والنفوذ والسيادة والحروب. وقد يصل الأمر إلى إعادة تنظيم المنطقة المتداخلة والمؤثرة في المجال الحيوي، بما يضمن تلك المصالح. وتتشابك الإستراتيجيات والسياسات، لكونها محصلة لأهداف وطنية واحدة، لتضع أسس تأمين المجال الحيوي ضمن خططها الرامية، إلى تأمين الدولة ذاتها من العدائيات، وهو ما يُدخل المجال الحيوي في الأبعاد الأمنية الوطنية ومجالاته، على أن تهديدات المجال الحيوي تكون أسبقياتها أعلى، لكونها مؤشراً لتهديد مصالح الدولة.

التعريف بالأمن القومي

ليس هناك إجماع حول المقصود بظاهرة الأمن القومي، لا من حيث التعريف ولا من حيث المستهدفين بالأمن ولا من حيث مصادر التهديد ولا من حيث سبل وأدوات واستراتيجيات تحقيق الأمن القومي. ويمكن أن نشير إلى تعريفات عديدة تتراوح ما بني القيم المجردة أو الاعتبارات الإستراتيجية المحددة او المفاهيم المجتمعية ذات الطبيعة الشمولية.

وتعرف موسوعة العلوم الإجتماعية الأمن القومي بأنه “قدرة الأمة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية”. ويرى والترليبمانWalter Lippmann أن الأمة الآمنة “ليست في خطر التضحية بالقيم الأساسية إذا أضطرت إلى تجنب حرب ما، وأنها قادرة – إذا تم تحديها- على صيانتها بالانتصار في تلك الحرب”. ويرى ولفرزArnold Walfers أن الأمن يعني “حماية القيم التي تم اكتسابها وغياب الخوف من أي هجوم على تلك القيم”. أما تريجر وكروننبرج        Trager and Kronenboryفي كتاب “الأمن القومي والمجتمع الأمريكي” National Security and American Society يريان أن “القيم القومية الحيوية تشكل جوهر سياسة  الأمن القومي” ويتحدد الأمن لديهما بأنه ذلك الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف إيجاد شروط سياسية دولية ووطنية ملائمة لحماية أو توسع القيم الحيوية ضد الأعداء الحاليين أو المحتملين”. ويرى كل من بركويتز  Berkowiz Morton وبوك Bock P.C. في كتاب “الأمن القومي الأمريكي” American National Security أن الأمن يعني حماية الدولة من الخطر الخارجي”.

وقد توسع مفهوم الأمن القومي وانتقل من التجريد إلى الواقع الاقتصادي وذلك في أعقاب الحظر النفطي  عام 1973 وأزمة النفظ الأولى عام 1974. وانتقل الحديث عن الأمن الاقتصادي بمعنى تجزئة الأمن القومي إلى ميادين وأبعاد، إذ يعرف كروز ونايLawrence Krause and J. Nye   في كتابهما بعنوان “تأملات في الاقتصاد والسياسة في المنظمات الدولية” Reflections on the Economics and Politics of International Organizations  يعرفان الأمن الإقتصادي بأنه “غياب التهديد بالحرمان الشديد من الرفاهية الإقتصادية”.

ويرى روبرت مكنمارا  Robort Mc Namara وزير الدفاع الأمريكي الأسبق في كتابه “جوهر الأمن” The Essence of security أن “الأمن يعني التنمية…”” وقد كان هذا التعريف فاتحة الاتجاه وتيار أقوي إلى ربط للربط بين الأمن القومي والرفاهية الاقتصادية والتوازن بالإضافة إلى القدرة العسكرية”.

وقد ذهب البعض إلى البحث في المتغيرات المحيطة بالأمن القومي بدلا من الانشغال بالتعريف، إذ يرى عازارEdwar Azar ومون Chung-in Moon في كتابهما “الأمن القومي في العالم الثالث”  National Security in the Third Worldأن الأمن القومي يدور حول مجموعتين من المتغيرات: بيئة الأمن، ومدى توافر الاستعداد المادي، وتشير بيئة الأمن إلى التهديدات الخارجية وأنماط التحالفات، بينما يشير مدى توافر الاستعداد إلى القدرات المادية العسكرية والاقتصادية ، هذا بالإضافة إلى المبادئ الإستراتيجية وهيكل القوة والاستخبارات اختيارات الأسلحة.

ويرتبط الأمن بكل من الشرعية والتكامل والقدرة على رسم السياسات العامة.

الانتقادات التي وجهت إلى النظر إلى الأمن القومي من المنظور العسكري

لقد وجهت عدة انتقادات للنظر إلى الأمن القومي بالمنظور العسكري بمعنى  المغالاة في الإنفاق على الدفاع والشئون العسكرية بقصد بناء مؤسسة عسكرية قوية تستطيع أن تحافظ على الدولة من أي عدوان خارجي. ولعل أهم تلك الانتقادات ما يلي:

  • أن التركيز على القوة العسكرية وحدها يشير إلى أن التهديدات التي تصيب الأمن القومي لا تعدو أن تكون تهديدات خارجية، ومن ثم تغفل التهديدات أو المصادر الداخلية للتهديد، وهذه المصادر لاتقل في درجة وشدة تهديدها للأمن القومي عن التهديدات الخارجية.
  • أن المغالاة في الإنفاق العسكري يترتب عليه كذلك توجيه جزء كبير من الموارد القومية إلى قطاع واحد فقط وإغفال بقية القطاعات، وخاصة القطاعات الخدمية كالتعليم والصحة والسكان. وتثور هذه المعضلة بصفة خاصة في الدول النامية أو المتنامية حيث يوجد تنافس كبير على الموارد بين القطاع العسكري من ناحية والقطاعات المدنية من ناحية أخرى. وتأخذ هذه المعضلة في الدول النامية الصيغة التالية:

السلاح أو الطعام (الزبد)     Guns Or Butter

أما في الدول المتقدمة فتأخذ صيغة مختلفة هي:

السلاح من أجل الطعام (الزبد)    Guns for Butter

حيث أن الإنفاق على السلاح والقطاع العسكري والصناعة العسكرية يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد الغ ربي وزيادة الموارد وتنمية صادرات السلاح وخلق فرص عمل بالسلاح والحروب Creating Jobs.

  • كما أن المغالاة غيب الإنفاق العسكري من شأنه أن يؤدي إلى زيادة قوة هذا القطاع، ومن ثم زيادة نفوذه في النظام السياسي على بقية القطاعات الأخرى، مما يخلق الدول البوليسية أو دولة الأمن حيث يسيطر على النظام السياسي المتخصصون في العنف.

ومن ثم كان لابد من البحث عن تعريف للأمن يتطابق وظروف الدول الصغرى وفي نفس الوقت يتضمن من المتغيرات ما يواجه مصادر التهديد الملحة أو المؤجلة للأمن القومي..ولذلك لابد من نأخذ عند تعريفنا للأمن القومي ثلاثة متغيرات:

  • الرفاهية الاقتصادية وما يرتبط بها من توزيع وإشباع للحاجات الأساسية.
  • التوازن بما يعنيه من فتح قنوات للمشاركة وتحقيق إجماع داخلين وسلام إقليمي وعالمي.

القدرة العسكرية سواء تعلقت بالأفراد أو المعدات الإستراتيجية

الأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية

Print Friendly, PDF & Email