أ.د. على السيد إبراهيم عجوة

عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة (سابقاً)

1435هـ – 2013م

الإعلام الأمني: المفهوم والتعريف

يختلف المفهوم العام للإعلام عن المفهوم التخصصي الدقيق الذى يعرف به الباحثون العمليات الإخبارية، التي تتم بالدقة والموضوعية والحداثة والأهمية لقطاعات المجتمع الواسعة، أو لأحد هذه القطاعات ويفصلون بينه وبين الأنشطة التأثيرية الموجهة في مجالات الإقناع المختلفة.

أما المفهوم العام للإعلام كما يعرفه غير المتخصصين فيشمل أنشطة الاتصال الجماهيري التي تتم من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية الصحافة والراديو والتلفزيون التي انضمت إليها في أواخر هذا القرن شبكات المعلومات القومية والدولية. وقد اصطلح على تسمية الوسائل الثلاث الأولى مضافاً إليها وكالات الأنباء بوسائل الإعلام أو وسائل الاتصال الجماهيرية. أما شبكة الإنترنت أو غيرها من الشبكات القومية أو العالمية التي تعتمد على وجود أجهزة الحاسبات Computers لدى المشتركين، فتسمى بشبكات المعلومات.

ومن الثابت لدى الباحثين فى مجال الدراسات الإعلامية أن هذه الوسائل بشقيها الجماهيرى والبرامجى (المرتبط بالحاسبات) لا تقتصر وظائفها على الجانب الإعلامي بالمفهوم التخصصي الذي يعرف به الباحثون العمليات الإخبارية البحتة والمفترض أن يكون لها تأثير على من يتعرض لها من الأفراد أو الجماعات. وهذا التأثير من النوع التلقائى الطبيعى غير المقصود وغير المخطط وغير الموجه. فهو تأثير الحدث على من يشاهده أو يسمع عنه والذى يختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى غيره حسب تأثير هذا الحدث على مصالحه أو اهتماماته الإنسانية أو ميوله واتجاهاته فى وقت معين.

وكما قال العلامة الألمانى أوتوجروت Ottogrott “الإعلام هو التعبير الموضوعى لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها فى نفس الوقت”.

ومن هنا يكون التعريف العلمى الدقيق للإعلام هو نقل الحقائق والمعلومات الجديدة التى تهم أكبر عدد من الناس بطريقة موضوعية دقيقة وسريعة أو فورية كلما كان ذلك ممكناً أو ضرورياً..

وعلى ذلك ينبغي أن يتوافر في الإعلام الشروط الثلاثة التالية:

1- الموضوعية أو الدقة الكاملة.

2- الحداثة أو الجدة أو الآنية كلما كان ذلك ممكناً أو ضرورياً.

3- الضخامة أو الأهمية لأكبر عدد من الناس.

وتتفاعل هذه الشروط لتضع أولويات النشر أو البث ومكانه بالنسبة لما اصطلح على تسـميته بوسائل الإعلام والتي قلنا إنها لا تؤدي دوراً إعلامياً فقط وإنما تؤدي بالإضافة إلى ذلك أدواراً أخـرى أبرزها وأهمها الدور الاقناعي أو التوجيهي أو التأثيري الموجه والمخطـط والمقصـود والذي يطلق عليه اصطلاحاً علمياً يعرف بالدعاية.

وتوضيح مفهوم الدعاية من الناحية العلمية يمكن أن يلقي الضوء على سبب الاختلاف بين المتخصصين وغير المتخصصين حول مفهوم الإعلام.

فالدعاية كما يعرفها الكاتب في مؤلفه “الأسس العلمية للعلاقات العامة 1977” هي تلك الجهود المقصودة للتأثير في الغير لإقناعه بفكرة أو رأي، أو كسب تأييده لقضية أو شخص أو منظمة، أو تغيير الآراء والاتجاهات السائدة نحو قضية معينة أو شخص أو منظمة بهدف تغيير سلوك الأفراد والجماعات، أو خلق أنماط جديدة من السلوك. وتعمد أحداث التأثر هنا شرط أساسي لوجود الدعاية. فأي رسالة لها تأثير حتى ولو كانت إعلاماً لأن الرسالة الإعلامية هي تعبير عن فعل حدث، وأي فعل له رد فعل طبيعي. ولكنه يختلف عن رد الفعل المخطط لإحداثه عن طريق الرسالة التي تستهدف إحداث تأثير محدد.

والدعاية بهذا المفهوم هي ظاهرة اجتماعية ارتبطت بنشأة المجتمعات فمنذ الأزل كان هناك دائماً أفراد يبغون إشراك غيرهم فيما يرونه من أفكار ومعتقدات، أو التأثير عليهم لممارسة أنماط معينة من السلوك. وقد اختلفت أساليب التأثير هذه بين مخاطبة العقل أو الغرائز، وبين الاعتماد على الصدق والحقائق أو الكذب والأوهام. وهذا هو جوهر الخلاف في التعريفات التي قدمت للدعاية. فقد عرفها العالم الأمريكي ليونارد دوب (Doob) بأنها: “محاولة التأثير في شخصيات الأفراد والسيطرة على سلوكهم لأغراض تعتبر غير علمية أو ذات قيمة مشكوك فيها في مجتمع ما في وقت معين” وهذا لا يكون إلا في المجتمعات البدائية التي لم تنل حظها من التعليم، أو عند الأطفال الذين لم تتسع مداركهم للبحث والدراسة المنطقية، أو حينما يكون في وسع الداعية أن يعزل الأفراد والجماعات عن مصادر التأثير الأخرى.

ورغم أن جاك درينكورت Droemcpirt يرى أن “كل شى دعاية” لأن كل شيء في المجالات السياسية والاقتصادية يبدو مرتبطاً بهذه القوة التأثيرية، إلا أنه لم يعتبرها شراً خالصاً فهي كما تستخدم في الخداع أو التضليل قد تستخدم أيضاً في تحرير الأوطان وخدمة قضايا الإنسانية. وقد كان استخدام هتلر وموسوليني وغيرهما من الطغاة للدعاية في تضليل شعوبهم وقيادتها إلى مصير غير مأمون سبباً من أسباب تشويه الكلمة وتغيير دلالتها حتى أصبحت بعض الدول تسمى دعايتها إعلاماً. وأخذ بهذا التفكير بعض الدارسين بينما أخذ البعض الآخر بفكرة تعدد أنواع الدعاية والتمييز بين هذه الأنواع على الأسس التالية:

1- الدعاية البيضاء: وهي التي تخاطب العقل والعواطف السامية وتعتمد على المنطق في عرض الحقائق وتكشف عن مصادرها واتجاهها وأهدافها.

2- الدعاية السوداء: وتلجأ هذه الدعاية إلى مخاطبة الغرائز والانفعالات وحشد الأكاذيب والأوهام دون أن تكشف عن مصدرها أو تحدد اتجاهها أو أهدافها. ومثال ذلك الإذاعات السرية والشائعات وحملات الهمس والكتابة في الصحف بأسماء وهمية والمطبوعات التي لا تحدد جهة إصدارها.

3- الدعاية الرمادية: وهي أكثر ذكاء من الدعاية السوداء، وأكثر منها  خطراً لأنها تستند إلى بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها، وتضيف إليها بعض الأكاذيب بحرص شديد وترتبها ترتيباً مغرضاً بحيث يصعب على القارئ غير المدقق اكتشاف ما فيها من تضليل وخداع. كما أنها تخلط بين مخاطبة العقل والغرائز، وتكشف عن مصدرها في الوقت الذي يظل فيه اتجاهها ونواياها غامضة على الجمهور أو مضللة له.

والدعاية الحديثة تعتمد على عدة علوم في مقدمتها العلوم النفسية والاجتماعية والانثروبولوجية بالإضافة إلى علوم الاتصال واللغة ثم السياسة والاقتصاد والتاريخ وتستفيد من التطور الذي تحققه هذه العلوم. وقد مضى الوقت الذي كانت فيه الدعاية مرتبطة بمهارة شخصية أو إلهام فردي أو حيل ساذجة.

وأصبحت الدعاية الآن مرتبطة بالتطور العلمي والدراسة العلمية، كما يتضح مما يلي:

1- تقوم الدعاية الحديثة على التحليل العلمي النفسي والاجتماعي للأفراد والجماعات، وقد أصبح الداعية يستخدم أساليبه في التأثير معتمداً على دراسة الإنسان: حاجاته، ورغباته، وميوله، واتجاهاته، وسلوكه آخذاً في اعتباره تأثير الجماعات المرجعية، وقادة الرأي، وثقافة المجتمع الذي وجه إليه دعايته بكل ما تعكسه من ظروف بيئية متميزة.

2- وصلت الدعاية الحديثة إلى مجموعة من القواعد العامة نتيجة  للاختبارات التي مرت بها في الماضي والدراسات التجريبية المعملية والميدانية. وقد أصبح من الممكن لأي فرد لديه قدر معين من الاستعداد أن يطبق هذه القواعد بعد دراستها والتدريب عليها وذلك يدل على إننا بصدد فن يعتمد على أساس علمي.

3- تزايد الاهتمام بالتحكم في استخدام الدعاية وقياس نتائجها وتحديد آثارها، فلم يعد الداعية يعتمد على الحدس أو التخمين في تحديد النتائج  التي حققها، بل أصبحت هناك وسائل علمية للقياس الدقيق مع أخذ كافة المتغيرات في الاعتبار حتى لا يخدع الداعية بنتائج لم يكن له فضل في تحقيقها.

ويرى البيج Albig أن الدعاية لا يمكن أن تكون علماً لأن مجال تطبيقها لا يقبل التعميمات الثابتة أو العوامل الجامدة، كما يرى جاك إيللول Ellul إن الدعاية فن أكثر من كونها علماً، ولكنها فن حديث بمعنى أنها تقوم على فرع أو أكثر من فروع العلم.

ومن العرض السابق للمفهوم العلمي للإعلام والدعاية يتضح أن الفارق الأساسي بينهما يتمثل في التوجه أو النوايا ومن ثم التأثير المستهدف من الرسالة في الحالتين. فالتوجه الإعلامي توجه موضوعي يرتبط بالأحداث الهامة الجديدة والتي تحدث نوعاً من التأثير لدى الجمهور الذي يتعرض لها قد يختلف من شخص إلى آخر أو من جماعة إلى أخرى. أما التوجه الذي يسيطر على فكر الداعية فهو التأثير على نحو معين يقصد ويسعى إليه هذا الداعيـة أو من يمثله، ومن ثم فالإعلام له تأثير وكذلك الدعاية ولكن تأثير الإعلام تلقائي طبيعي “رد الفعل للفعل” أما تأثير الدعاية فمخطط ومقصود ويسعى إلى توجـيه الجمـاهير بشكل معين يراه الداعية مناسباً لاهتماماته أو مصالحه أو لما يرى أنه يتفق مع مصالح هذه الجـماهير واحتياجاتها.

ولكي يكتمل العرض العلمي لوظائف ما اصطلح على تسميته بوسائل الإعلام نقول انه بالإضافة إلى وظيفتي الإعلام والدعاية هناك وظائف الإعلان الذي يسعى إلى الترويج المدفـوع للسـلع والخـدمات والأفكار وكذلك وظيفة التسلية والترفيه التي تكون بغرض التسلية والامتاع حيناً أو بغرض الدعاية والتنشئة الاجتماعية أحياناً أخرى.

وفي جميع الأحوال تكتمل منظومة هذه الوظائف وتتفاعل لتحقق ما يسعى إليه أي مجتمع من شعور بالانتماء إلى أرض، والى قيم، وإلى ثقافة وإحساس بالولاء لنظام يحكم هذا المجتمع ويحمي مصالحه ويحافظ على وحدته ويحدد أهدافه العامة وتوجهاته نحو المستقبل.

واكتمال هذه المنظومة من الوظائف أو تكاملها في الحاضر والمستقبل هو الذي يحقق التوازن والأمان النفسي والاجتماعي، ويشكل الإطار الثقافي الذي يوجه سلوكيات أفراد المجتمع.

ويطلق غير المتخصصين على هذه المنظومة “الإعلام والدعاية والإعلان والترفيه والتنشئة الاجتماعية” مصطلحاً عاماً تم نحته من المسمى الشائع لوسائل البث الجماهيري أو وسائل الاتصال الجماهيري أو وسائل الإعلام وهو مصطلح الإعلام.

أما نحن المتخصصين فحينما نتحدث عن عناصر هذه المنظومة فنحرص على تناول كل عنصر من عناصرها الفاعلة والمؤثرة في أي مجال من المجالات بشكل منفصل لكي نحدد الأدوار بشكل تفصيلي دقيق.

ونبدأ في مجالنا هذا بالإعلام الأمني بالمفهوم التخصصي الدقيق لنحدد مفهوم الإعلام وأدواته ومدى ارتباطه بمنظومة الاتصال الشامل لخدمة أهداف المجتمع وتوجهاته في الحاضر والمستقبل.

مفهوم الإعلام الأمني

يشمل الإعلام الأمني المعلومات الكاملة والجديدة والهامة التي تغطي كافة الأحداث والحقائق والأوضاع والقوانين المتعلقة بأمن المجتمع واستقراره، والتي يعتبر إخفاؤها أو التقليل من أهميتها نوعاً من التعتيم الإعلامي، كما أن المبالغة في تقديمها أو إضفاء أهمية أكبر عليها يعتبر نوعاً من التأثير المقصود والموجه لخدمة أهداف معينة، قد تكون في بعض الأحوال نبيلة ومنطلقة من المصلحة القومية، ولكنها في النهاية ليست إعلاماً بالمفهوم العلمي، وإنما هي نوع من الدعاية البيضاء، اصطلح بعض الباحثين على إطلاق مصطلح التوعية Awareness عليه، وهذا المصطلح يقتصر على الوظيفة الإدراكية التي ينبغي أن يتلوها وظائف أخرى هي إثارة الاهتمام Interest والتقويم Evaluation والتجريب أو المحاولة Trial وأخيراً الممارسة أو التبني الكامل للفكرة المطروحة وذلك في إطار دراسات التبني Adoption Studies التي ارتبطت بعمليات انتشار الأفكار المستحدثة.

والإعلام الأمني لا يكفي بهذا المفهوم لتحقيق الاستقرار والأمان للمجتمع، لأن حالة الاستقرار تتطلب نوعاً من السلوك واليقظة والتعاون من جانب الجماهير مع رجال الأمن. ولا يمكن أن تتحقق من خلال رد الفعل التلقائي الطبيعي الذي يصدر عن هذه الجماهير في أعقاب الأحداث أو المشكلات التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، أو من خلال عرض القوانين الجديدة أو تقديم بعض الحقائق الأمنية المرتبطة بأمن المجتمع وسلامته.

ومن هنا كان لابد من الاعتماد أكثر على فنون اتصالية أخرى إلى جانب الإعلام لخلق حالة من التأهب والاستعداد لدي الجماهير للسلوك الإيجابي الفعال في مواجهة محاولات الإعتداء على الاستقرار والأمن أو تهديدهما بأي شكل من الأشكال. وهذه الفنون الاتصالية تشمل التوعية وتكوين الاتجاهات أو تعديلها، والإقناع بسلوكيات إيجابية في مواجهة الجريمة وهذه الفنون تندرج جميعها تحت مظلة الدعاية البيضاء التي تسعى لإحداث تأثير مقصود وموجه لصالح قضية الأمن في المجتمع.

وإذا كان تعبير الدعاية قد داخله بعض الشكوك نتيجة لممارسة أمنية جلبت الدمار والخراب لبعض المجتمعات كما حدث لألمانيا في عهد هتلر ووزير دعايته جوبلز، وموسوليني في ايطاليا وستالين في الاتحاد السوفيتي، فإن استخدام تعبيرات مختلفة في مجال الاتصال بالجماهير كالإعلام أو التوعية أو الإقناع أو غير ذلك من مصطلحات لا تعبر بدقة عن طبيعة العملية الاتصالية، نقول أنه لا غضاضة في هذا الاستخدام على المستوى الجماهيري دون أن يمتد ذلك إلى المستوى العلمي المتخصص الذي ينبغي أن يلتزم بالمفاهيم العلمية الدقيقة في البحث والتخطيط وصولاً إلى الإنتاج الفعال والمؤثر الذي يستهدف المحافظة على أمن المجتمع واستقراره.

التوعية الأمنية

تستهدف إثارة الوعي لدى الجماهير بأي مشكلة أو قضية خلق الإحساس بهذه المشكلة أو القضية ووضعها في منطقة الشعور بالنسبة للفرد غير الواعي بهذه المشكلة رغم إحاطتها به إحاطة السوار بالمعصم. ويسمي علماء النفس هذه العملية بالإدراك ويرتبط الإدراك Perception ارتباطاً وثيقاً بالأفكار السابقة التي ترسبت في ذهن الفرد بصورة لا يستطيع غالباً أن يتتبع بدايتها ولا تطورها ولا مصادرها. ورغم ما تحققه هذه الخاصية من سهولة التواصل بين الناس، إلا أنها تتضمن جانباً ضاراً في عملية الإدراك. فهي تعوق الذهن عن إدراك ما هو جديد فيما يقدم إليه أو تجعله يدرك الشيء الجديد بشكل مشوه لا يتفق ومقتضى الحال، فيتلقى الذهن ما يقدم إليه باعتباره يندرج تماماً تحت مجموعة الأفكار السابقة التي يعيها، أو منتمياً إلى نوعها انتماءً يكاد يكون تاماً.

ويرى مصطفى سويف أن عملية الإدراك هي في جوهرها إعطاء معنى لعناصر حسية واردة علينا وإعطاء المعنى هو النتيجة التي تبرز في شعورنا بعد مجموعة من العمليات العصبية التي تتم غالباً بعيداً عن مستوى تنبهنا ويقظتنا، وتدور حول تنظيم تلك العناصر الحسية بمحاولة إدماجها في التنظيمات (أو ما نسميه عادة بالأطر الذهنية) المترسبة في نفوسنا أثناء خبراتنا الإدراكية السابقة.

وتلعب وسائل الإعلام دوراً أساسياً فى خلق الإحساس لدى الأفراد بما يدور حولهم في هذا العالم وزيادة قدرتهم على التقمص الوجداني Empathy أي تخيل الفرد لنفسه في ظروف الآخرين. ومن ثم فإن التجارب غير المباشرة التي تقدمها وسائل الإعلام عن ما يجري من أحداث أو حتى ما تزخر به الأعمال الفنية (المسلسلات والأفلام وغيرها) من تجارب واقعية أو غير واقعية يمكن أن يثير الانتباه لدى الأفراد ويحفزهم إلى التفكير في امكان تكرار هذه التجارب معهم إذا لم يتخذوا الاحتياطات الأمنية المناسبة.

وهذا يوضح الامكانات الهائلة لوسائل الإعلام في التوعية الأمنية سواء كان ذلك بشكل مباشر من خلال عرض ما يجري من أحداث وتفسيره والتعليق عليه، أو بشكل غير مباشر من خلال الأعمال الدرامية التي تستهدف تقديم الخبرات والتجارب إلى أفراد المجتمع وتجسيدها في صور تكاد تكون واقعية لتسهيل عمليتي التخيل والتذكر عندهم.

وفي بعض الحالات تكون الدراما أشبه بصرخة مدوية سريعة التنبيه إلى الآثار المترتبة على ظواهر انحرافية عارضة “كالإرهاب أو عبادة الشيطان” أو الإدمان “مثلاً فيلم القتل اللذيذ أو مسلسل العائلة أو غيرها من الأفلام والمسلسلات التي تعالج القضايا الاجتماعية الهامة.

فالدراما تجسد المعاني والسلوكيات والأخطار في مواقف يسهل استيعابها وتذكرها ومحاكاتها وتبنيها بشكل كامل في نهاية الأمر بشرط أن تكون المعالجة جيدة نصاً وأداء، وضوحاً وتشويقاً.

الإقناع بالسلوك الأمنى

إذا كان الإعلام الأمني والتوعية الأمنية هما جناحا استراتيجية التنوير التي تعتمد عليها المجتمعات في مواجهة العمليات والظواهر الإجرامية ومنع وقوع الجرائم كلما كان ذلك ممكناً فإن الإقنـاع بالسلوك الأمني يتطلب اتباع استراتيجيتين أساسيتين همـا:

1- استراتيجية التغيير: وتتمثل في تغيير السلوك السلبي إلى سلوك إيجابي يتبنى المواقف الأمنية التي تحقق الأمن والاستقرار للفرد والجماعة.

2- استراتيجية المشاركة: وتتمثل في الحث على التعاون مع الأجهزة الأمنية من ناحية والأفراد الآخرين إذا تطلب الأمر ذلك في مواجهة المتطلبات الأمنية ومساعدة الشرطة في التصدي للجريمة وكشف مرتكبيها من ناحية ثانية.

وتأخذ هاتان الاستراتيجيتان بالمداخل الإقناعية المباشرة وغير المباشرة، العاطفية والمنطقية، القائمة على الترغيب أو التخويف بمستوياته الثلاثة، البسيط والمعتدل والشديد طبقاً لمتطلبات الموقف، وذلك من خلال البرامج الحوارية أو الدرامية لتحقيق التأثير المنشود من الاتصال الاقناعى.

التكامل بين وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية

إذا كان الاستقرار الأمني وحماية المجتمع من الجرائم بشتى أنواعها يعتبر هدفاً قويماً تسعى إليه مؤسسات الدولة والأفراد على حد سواء فمن الضروري أن تنسق الجهود وتتكامل الإمكانات لتحقق هذا الهدف الأساسي الذي يأتي في مقدمة الأهداف العامة للمجتمع.

وإذا كان الإعلام الأمني هو في الأساس أحد شرائح الإعلام التي تهم المجتمع بأكمله والتي ينبغي أن تؤديها وسائل الإعلام باقتدار وكفاءة عالية، فإن قيام الأجهزة الأمنية في المجتمعات المختلفة بالتنسيق والتعاون مع وسائل الإعلام في تحقيق هذا الدور يأتي في مقدمة أولويات التعاون بين الطرفين.

فمن الطبيعي أن تحرص وسائل الإعلام على استقاء المعلومات من مصادرها الأمنية في الأجهزة الأمنية وأن تتحرى ما يصل إليها من معلومات من خارج هذه الأجهزة، وأن تناقش وتحلل هذه المعلومات وصولاً إلى الحقيقة التي تهم المجتمع كله. وكذلك ينبغي على الأجهزة الأمنية أن تقدم المعلومات الكاملة والدقيقة لوسائل الإعلام لتجنب الشائعات وحملات الهمس والمبالغات التي تتجاوز حقائق الأحداث لتثير الرعب والبلبلة. فالمعالجة الإعلامية للأحداث والقضايا الأمنية ينبغي أن تتم بحرص كامل وحذر شديد.

وما ينطبق على الإعلام الأمني ينسحب أيضاً على التوعية الأمنية والإقناع الأمني. فالتعاون بين الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام ضروري لتحقيق أهداف حملات التوعية وترشيد سلوك المواطنين، ونجاح السياسات الأمنية، ويتمثل هذا التعاون في تقديم المادة العلمية والحقائق الأمنية إلى وسائل الإعلام لتقوم هذه الوسائل بإعدادها في الشكل الإعلامي المناسب لعرضها على الجمهور، وإجراء البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية والتحقيقات الصحفية حولها. كما يمكن الاستفادة من هذه المعلومات في كتابة الأعمال الفنية وصياغتها وإخراجها بالشكل المؤثر الفعال الذي يحقق التجاوب الجماهيري مع الأفكار الأمنية المطروحة في هذه الأعمال.

دعائم الاتصال الناجح (الدور المأمول)

وينبغي أن نشير إلى أن النظريات العملية فى مجال الاتصال القديمة والحديثة على السواء. تجمع بشكل أو بآخر على أن تأثير الاتصال لا يقتصر فقط على مهارات المصدر. ووضوح الرسالة. واستعدادات المستقبل وإنما ترتبط أيضاً بالظروف البيئية. والعوامل الاجتماعية المحيطة بالموقف الاتصالي.

وقد لخص الباحثان الأمريكيان كاتليب وسنتر دعائم الاتصال الناجح فى العناصر السبعة (7CS) التالية:-

1- مصداقية المصدر:

الثقة العالية من جانب الجمهور في المصدر هي أساس التعرض للرسالة والقابلية للاقتناع بها. وهذه الثقة تنشأ من تخصص المصدر ومقدرته على معالجة الموضوع بالإضافة إلى مهاراته الاتصالية، ومركزه الاجتماعي.

2- التعبير عن الواقع:

ينبغي أن تتفق الرسالة مع الواقع المحيط بها وأن تتمشى مع الأحداث التى تجرى فى المجتمع.

3- المعلومات التى لها مغزى:

فالمستقبل لابد أن يجد فى الرسالة مضموناً يعنيه ويتفق مع نظامه القيمى. كما أن الأفراد يتابعون مواد الاتصال التى تحقق لهم أكبر فائدة وتشبع عندهم رغبات معينة. وهذا هو معنى العبارة التى تقول: (ان المضمون يحدد الجمهور أو أن لكل شعب صحافته التى يستحقها).

4- الوضوح:

يجب أن تصاغ الرسالة فى عبارات سهلة. وأن تعنى للمستقبل نفس ما تعنيه للقائم بالاتصال. كما أنه ينبغى تبسيط الموضوعات المعقدة وعرضها فى أسلوب جذاب. ومن الضرورى أن يكون للمتحدث خطاً فكرياً واضحاً يعبر عن السياسة التى يمثلها بشكل ثابت.

5- الاستمرارية والاتساق:

الاتصال عملية مستمرة لا تنتهى كما أن التكرار ضرورى لضمان نسبة التعرض للرسالة وإدراكها على النحو المقصود. والتنويع فى التكرار ضرورى لزيادة المثيرات الإقناعية التى تنسق مع ظروف الأفراد والجماعات.

6- إمكانات المستقبل:

ينبغى أن يضع القائم بالاتصال فى اعتباره قدرات الجمهور المستهدف على استيعاب الرسالة أو ما يعرف بمهارات المستقبل فى إكمال العملية الاتصالية من حيث المعرفة، والقدرة على القراءة، وعادات الاتصال.

7- الوسائل المناسبة:

ينبغى اختيار الوسائل التى يتعرض لها الجمهور المستهدف والتى تصلح لتناول الفكرة المطروحة تبعاً لمراحل انتشارها. فالاتصال الجماهيرى له دور فعال فى إثارة الانتباه إلى الفكرة بينما الاتصال الشخصى هو الوسيلة الحاسمة فى الإقناع بالسلوك المرتبط بهذه الفكرة.