بقلم فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

تعاني فرنسا اليوم من مرض الرأسمالية الرجعية التي فقرت العباد و أضرت بالبلاد و لعل تلك الإحتجاجات الشعبية التي خرجت في جادة الشونزليزيه أبرز برهان و دليل لمدي السخط الإجتماعي الذي تعاني منه أغلب الطبقات الكادحة الفرنسية. إن إقتصاد الدولة الفرنسية في ظل الحكومة الليبرالية و الرأسمالية بزعامة الرئيس إيمانيويل ماكرون أصبحت مؤخرا تشكل تهديدا مباشرا لأغلب الفئات الإجتماعية نظرا للسياسة الإقتصادية الجبائية السيئة مع الزيادة المتواصلة في الأسعار خاصة منها في المواد الأساسية و أيضا تدهور كلي للمقدرة الشرائية لأغلب الفرنسيين. كما يمثل زحف الجماهير الفرنسية مطلع هذا الأسبوع نحو قصر الإليزيه للمطالبة بإستقالة الرئيس مع رفع شعارات تطالب بالعدالة الإجتماعية و تلبية الحاجيات الأساسية إنحرافا خطيرا للمسار الإقتصادي و نذير أزمة إجتماعية خانقة في الأفق. إلا أنه لم تكن هذه الإحتجاجات الأولي منذ تولي الرئيس الليبرالي ماكرون السلطة بحيث في غرة ماي 2018 و بالتحديد في يوم عيد العمال شهدت فرنسا أحداثا مأساوية و أعمال عنف و صدام مع قوات الأمن نتيجة لتردئ الوضع الإجتماعي العام للعمال الفرنسيين. بالتالي لا يمكن اليوم بأي حال من الأحوال الرهان علي الحكومات اليمينية الرأسمالية الفرنسية و خاصة منها سياسة الرئيس الفرنسي ماكرون و نظرته التحريرية قصد الإندماج في الفضاء الأوروبي الحر مع تهميش كلي لتلبية الحاجيات الأساسية للفرنسيين.

إن فرنسا الجريحة تنزف اليوم سخطا و تذمرا شعبي لا مثيل له منذ تأسيس الجمهورية الأولي التي قامت علي العدالة الإجتماعية و ذلك نتيجة للسياسة الإقتصادية الليبرالية التي تسببت في زيادة أسعار المحروقات و تقليص الدعم الحكومي و غياب كلي لسياسة التعويض مع تجميد الزيادة في الأجور التي تسببت بالنتيجة في تدهور المقدرة الشرائية. إذا هنا يكمن مربط الفرس و الذي يتلخص في تحديد ثوابت جمهورية فرنسا الحديثة مع مؤسسها الجنرال ديقول الذي وضع الحجرة الأولي في بناء دولة العدالة الإجتماعية و المساواة بين جميع الطبقات الفرنسية بعد الخروج من خراب الحرب العالمية الثانية. كما تواصل البناء الإشتراكي الرائد مع الزعيم فرنسوا ميتيرون بحيث شهدت فرنسا خلال فترة حكمه إزدهارا إقتصاديا و رخاءا إجتماعيا و إستقرارا ماليا و أمنيا. بالإضافة إلي ذلك محاولات الرئيس الإشتراكي السابق فرنسوا هولاند الذي سعي جاهدا لتقليص الفارق الإجتماعي الذي تسبب فيه سلفه زعيم الإتحاد من أجل حركة شعبية الرأسمالي نيكولا ساركوزي بحيث حاول التقرب إلي الكتلة الإشتراكية في الإتحاد الأوروبي و أيضا مجهوداته لتكريس تعاونه في المبادلات التجارية مع جمهورية الصين الشعبية.

بالنتيجة يمكن القول اليوم أن فرنسا تأسست بالأساس علي ثوابت القومية و الهوية الفرنسية الإشتراكية لذلك من المستحيلات زج الإقتصاد الفرنسي في متهات التحرر المالي و الإقتصادي الكلي و العولمة العمياء مع الرفع الكلي للدعم في المواد الأساسية مثل الغذاء و المحروقات و التغطية الإجتماعية و خاصة منها الصحة و التعليم. هذه الثوابت الديقولية أصبحت اليوم سارية المفعول في جميع مرافق الدولة الحيوية و خاصة من جانب نقابات العمال الفرنسية الشرسة التي غالبا تتسبب في شلل كلي لشريان الإقتصاد الفرنسي بإضراباتها العامة. إن التوزيع العادل للناتج القومي الخام علي كافة الطبقات الفرنسية مع الحفاظ علي صناديق الدعم الحكومية و الدور الهام للقطاع العام في الحد من البطالة و تدخل الدولة مباشرة قصد تعديل الإختلالات في الأسواق المالية و المصرفية مع تلبية جميع مطالب النقابات العمالية كالزيادة في الأجور لتحقيق التوازن بين العرض و الطلب و تقوية المقدرة الشرائية مع إستقرار الأسعار و الحد من الضرائب علي الدخل تمثل في مجملها الثوابت الأساسية للإقتصاد الإشتراكي الفرنسي.

أما التحديات في ظل تصاعد دور اليمين في غرس الفكر الليبرالي الحر تبقي العائق الأساسي للخروج من دوامة الإحتجاجات الشعبية التي تعبر بكل صراحة عن سخطها الشديد و عدم رضاها عن السياسة المكرونية المتهورة. إذ يمثل اليمين الفرنسي جزء من المشكلة و ليس من الحل بحيث غالبا ما يتم الركوب علي الأحداث بتعلة العنصرية تجاه المهاجرين و تصاعد العمليات الإرهابية من قبل بعض الجماعات الإسلامية التكفرية. في المقابل لا تمثل تلك الإحتجاجات للسترات الصفراء في فرنسا للمفهوم السياسي العنصري بل هي إحتجاجات تلقائية و عفوية غرضها الأساسي تحسين ظروف العيش مثل الرواتب الشهرية و المقدرة الشرائية كذلك تخفيض سن التقاعد و المطالبة بالتشغيل. إن التحدي الأكبر للإقتصاد الإشتراكي الفرنسي في ظل عدم إستقرار السلم الإجتماعية و الفوضي الأمنية و تمرد الشعب علي جميع السياسات الإقتصادية اليمينية هو كيفية إيجاد الحلول السريعة للخروج من الأزمة الإجتماعية المتواصلة التي من المحتمل أن تؤدي إلي إسقاط الحكومة أو التعجيل بإنتخابات مبكرة تؤسس لعودة البديل الإشتراكي المحقق للعدالة الإجتماعية و الضامن لسياسة الدعم الحكومي للطبقات الفقيرة و الكادحة.

 

Print Friendly, PDF & Email