بقلم: أ/ كـردالـواد مـصطـفى

كلية الحقـوق – سطيف2-

[email protected]r

  يعتبر الإسلام أهم مكوّن في هوية شعوب الوطن العربي؛ وهو العامل الذي قام عليه عمران وسلطان دولة العرب منذ القدم؛ كما ذهب إلى ذلك العلامة ابن خلدون؛ فهذه الخصوصية في التركيبة الهوياتية للشعوب العربية؛ مضافا إليها عامل زحف الاحتلال الأجنبي على دولة العرب سواء مجتمعة أو أشتاتا في مراحل التاريخ المتعاقبة؛ كل ذلك أنتج نخبا متعددة المرجعيات والتوجهات في المجتمعات العربية، فهذا التعدد على مستوى نخب ومنظومة التفكير العربي؛ أفرز بدوره تنوعا وحتى تضاربا على مستوى المشاريع والتصورات المطروحة لقراءة واقع الأمة العربية واستشراف مستقبلها.

 بالرجوع إلى تاريخ الأمة العربية يبدو جليا بأن نخبها المتعددة التوجهات والمشارب؛ قامت بأدوار طلائعية في المسيرة التاريخية لهذه الأمة للتحرر من الاستعمار. لكن هذا الوضع تغير كثيرا في مرحلة الاستقلال من عمر الدولة العربية، حيث أصبحت أدوار هذه النخبة تتم في إطار هامش الحرية المسموح به من طرف السلطة؛ في خضم الإشكالية الكبرى المطروحة في العالم العربي حول علاقة رجل السلطة برجل الفكر.

 فمنذ زمن غير بعيد، وبالضبط عقب الاستقلال حاولت الدولة العربية الوطنية تنميط نخبها؛ من أجل توظيفها في شحن وشحذ الجماهير العربية خلف مشاريعها القومية التي طرحتها آنذاك، فتباينت مواقف وأدوار هذه النخب؛ بين منخرط في هذه المشاريع؛ وبين معارض لها؛ وهناك من أمسك العصا من الوسط؛ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

 أما اليوم، ومع هبوب رياح العولمة العاتية على منطقتنا العربية؛ حاملة معها العديد من التحولات الكبرى والعميقة، فقد ظهرت فواعل جديدة تزاحم وجود ووظائف الدولة العربية الوطنية؛ على غرار الأفراد، والمجتمع المدني، والمنظمات الحكومية وغير الحكومية. كل ذلك أدى إلى تسريع تراجع الدولة العربية الوطنية وتآكل وظائفها السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، وانتقلت عدوى التآكل لتصيب النخب العربية التي تم تنميطها أيام الدولة الوطنية الآيلة اليوم إلى الزوال .

 زيادة على ذلك، كشفت الأحداث التي جرت مؤخرا في بعض الدول العربية عن العديد من التجلّيات والمفارقات؛ لعلّ أبرزها حالة الاستقالة والغياب غير المبرر للنخب العربية في خضم هذه الحراك، حيث كان حراك الشارع العربي في تلك الدول، يتحرك على وقع نشاط شباب متحكّمين في تكنولوجيا الاتّصال والمعلومات؛ أكثر من تحكمهم في تكنولوجيا إدارة العقول البشرية وقيادتها.

 كما بيّـنت هذه الأحداث بأنّ الزمن الرقمي قد تجاوز كثيرا قطاعات واسعة من النخب العربية من حيث طروحاتها ووسائلها وطرق التأثير التي توظفها. فهذا الحال الذي وصلت إليه النخب العربية اليوم، جعل شرائح واسعة من المجتمعات العربية؛ تصاب بمتلازمة الحساسية والنفور اتجاه خطابات هذه النخب؛ ولا تتوانى هذه الشرائح في وصف هذه النخب القائمة بالنخب المحنطة والهرمة؛ بل وصل الأمر بالشارع العربي إلى حد تخوين هذه النخب باسم الدين أو الأمن القومي أو الإيديولوجيا، وتعدى ذلك إلى حد وصفها بشتى نعوت العمالة، والتخلف، وعدم مسايرة الواقع العربي في عمقه.

 وعليه، انطلاقا من منظور الشارع العربي؛ فإن الإنتلجنسيا العربية اليوم؛ تعاني على المستويين الفكرى والسيكوسياسي؛ فعلى المستوى الفكري فهي تعاني من حالة أنيميا معرفية حادة؛ لأن جزء منها لايزال رهين أفكار ومفاهيم بالية عفى عنها الزمن؛ أما جزءها الآخر فأصبح يتغذى علنا على مشاريع وتصورات غيره للنهوض بأمته. أما على المستوى السيكوسياسي فهذه الإنتلجنسيا تعاني من حالة رهاب شديد وخوف مركب؛ فهي من جهة تخاف من الشعوب التي لا تثق في كل ما يصدر عنها، ولا تتورع في وصفها بأشنع النعوت والأوصاف، ومن جهة أخرى تخاف هذه النخب من السلطة العربية التي تمارس معها سياسة العصا والجزرة.

 لكن، عند توظيف المنظور التركي للإنتلجنسيا؛ الذي تعكسه نظرة مؤسس تركيا الحديثة كمال أتارتورك بقوله: “عندما أتكلم عن الجيش فإني أتكلم عن إنتلجنسيا الأمة التركية، فالأمة التركية تعتبر الجيش حامي مبادئها“. وبمقاربة أدوار الإنتلجنسيا العسكرية العربية وفق المنظور الأتاتوركي للنخبة في واقع بعض البلدان العربية التي عرفت الحراك الشعبي؛ يبرز دور هذه النخب في تعاطيها الحذر مع هذه الأوضاع عند اندلاعها؛ ثم تدخلها المتمرحل بعد ذلك لمنع الفراغ المؤسساتي والفشل الدولتي، وفق ما تمليه مهامها الدستورية وأدوارها التاريخية الموروثة؛ خاصة بعد فشل مشاريع الإنتلجنسيا القائمة في قيادة مجتمعاتها ودولها نحو بـرّ الأمان .

 في الأخير، يستدعي الموضوع مزيدا من البحث عن مكامن العطالة التي أصابت العقل العربي ممثلا في نخبته؛ التي فشلت في طرح السؤال، وإيجاد حلول لهذا المأزق الحضاري الذي تتخبط فيه الأمة العربية منذ زمن بعيد؛ بل أدى فشل وإفشال هذه الإنتلجنسيا في صياغة مشروعها الجديد لنهضة الأمة؛ إلى زيادة تواريها إلى الخلف؛ مما فسح المجال أمام الرداءة وشيوع لغة العنف والتطرف وإقصاء الآخر تحت مسميات عدة.

  • هذا المقال نشر بتصرف في جريدة الإلكترونية صوت سطيف بتاريخ 2/9/2015

 

Print Friendly, PDF & Email