أكثر المنظرين الذين دافعوا عن “إستراتيجية الإنهاك Attrition Strategy ” هو جون ميرشير في كتابه المشهور “مأساوية سياسة القوى العظمى The Tragedy Of Great Power Politics “، ومن بين التطبيقات العملية في استخدام إستراتيجية الإنهاك خلال الحرب العالمية الثانية، عدم قيام بريطانيا والولايات المتحدة بمد جوزيف ستالين بالمساعدات العسكرية والتموينية لدعم جيشه في مواجهة حملة الجيش النازي (المكونة من 3 مليون جندي)، وذلك بهدف إطالة أمد القتال حتى ينهك الطرفان بعضهما البعض تماما وألا يخرج ستالين قوة مهيمنة في أوربا؛ ونفس الشيء قام به ستالين، عندما تماطل في الاستجابة لطلب فرانكلين روزفلت في دعم البحرية الأمريكية لقتال اليابانيين في المحيط الهادي وشرق أسيا، وذلك لتحقيق نفس الغاية. إنها إستراتيجية الإنهاك المتبادلة، من أجل سيطرة الحلفاء على نفوذ بعضهم البعض في الحرب.
بالعودة إلى الصراع الهجين في سوريا، نجد أن الجانب اللافت الانتباه في القتال الدائر في سوريا، الهجمات المرتدة القوية لتنظيم داعش ضد الجيش السوري، التي تعكس في مضمونها مؤشر استمرار وحدات التنظيم في القتال دون أن تتآكل قوتها إلى المستويات المميتة كما تصوره البيانات العسكرية من قبل الناطقين باسم الجيش الروسي، الجيش السوري والتحالف الدولي على حد سواء. وهذا يعني أن التنظيم مازال محافظا على مصادر دعمه اللوجسي ويتلقى الدعم من مصادر سرية. لقد قاربت الحرب العالمية على التنظيم ثلاث سنوات تقريبا، ولم يتم تفكيك بنيته التحتية في الدعم والإسناد والتمويل والتجنيد، مما يطرح تساؤلات مهمة حول أهداف بعض أطراف القتال التي تناهض التنظيم فوق حقل المعركة على الأراضي السورية أو العراقية. 

من ناحية التناظر الإستراتيجي، نجد أن القوات الأمريكية استطاعت إخراج قوات طالبان من كابول في ظرف أسبوع، والسيطرة على بغداد وهزيمة الجيش العراقي الكبير عددا وعتاد خلال 19 يوما من القتال الجوي دون وقوع اشتباك حقيقي وكبير مع القوات البرية. لكن في مقابل ذلك، التحالف الدولي المشكّل من أكثر من أربعين دولة، وروسيا والجيش العراقي والجيش السوري وإيران؛ يقاتلون داعش لثلاث سنوات تقريبا، ولم يتم تحقيق الهزيمة الحاسمة وتفكيك بنيته التحتية. الأكثر من ذلك، بيّن مجرى القتال في الأيام الماضية أن داعش مازال محتفظا بقدراته التي يدير بها قتالا هيجينا، من حرب العصابات، إلى القتال التقليدي المباشر، إلى الهجمات المرتدة والسيطرة على الأرض؛ فوق حقل معركة كبير يتميز بتغطية جوية لأعدائه كلية بواسطة الطائرات العادية، طائرات بدون طيار، والأقمار الصناعية.
يؤشر السلوك الإستراتيجي للأطراف المناهضة لداعش، أنهم يقودون حرب إنهاك مميتة ضد بعضهم البعض، حول من يسيطر على حصة كبيرة من المنطقة، ويستطيع أن يخضع الآخر لإرادته بواسطة حرب الوكالة التي يقوم بها داعش في الظاهر. وهذه الأطراف المعنية هي الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول في الخليج ضد باقي الأطراف الأخرى، بغض النظر أن لكل طرف حساباته الإستراتيجية المختلفة عن الآخر.
الخيارات البديلة من اجل السيطرة على هذه الحرب المجنونة هي المقاربة الإستراتيجية الهجينة التي تجمع بين الإقليمي والدولي، تشمل إيران، سوريا، العراق، روسيا، وتركيا. صحيح أن هذه المقاربة تواجه مشكلة الحساسية العالية بين دمشق وأنقرة، لكن تكاليف الحرب وآثارها المأساوية التي تشمل الجميع، سوف تدفع الأطراف نحو بعضها البعض من أجل تجفيف في البداية مصادر الدعم والإسناد لداعش، وإخراجه من جميع المدن في سوريا والعراق، والسرعة في الحسم العسكري. لا يتم ذلك بفعالية عالية إلا عن طريق التفكير الجدي في إنشاء قيادة عمليات مشتركة للمعلومات والقتال.

عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

 

Print Friendly, PDF & Email