أثَّرت جائحة كورونا بشكل كبير على واقع قطاع الطاقة العالمي، من حيث تقليل الاعتماد على عدد من مصادر الطاقة نتيجة لظروف الإغلاق التي جرت وما زالت تجري في عدد كبير من دول العالم، وفي الوقت نفسه بات يُنظَر إلى تأثير الجائحة على مستقبل قطاع الطاقة بوصفه الأكبر، خاصةً في ظل وجود مجموعة من الأبعاد الأخرى التي ستُغير مِنْ مستقبل مزيج الطاقة العالمي.

سترصد هذه الورقة وتُحلل أهم الاتجاهات العالمية المتوقعة في سوق الطاقة العالمي، مع تقديم تحليل البجعات السوداء الخاص بالسوق والسياسات المتوقعة فيه في ضوء المتغيرات المختلفة.

أهم الاتجاهات المستقبلية المتوقعة في قطاع الطاقة العالمي

1. التغيُّر الحاصِل في مزيج الطاقة العالمي (النفط لن يستمر في الصدارة، والفحم مهدد بالخروج من المشهد، وسيطرة الطاقة الجديدة والمتجددة)

سيتراجع دور النفط في مزيج الطاقة العالمي لصالح مصادر الطاقة الأخرى؛ فعلى المدى المتوسط سيكون للغاز الطبيعي والطاقة النظيفة الأولوية في الاستثمارات وفي تحول الشركات والدول نحوها، وعلى المدى الطويل فإن مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والبديلة ستكون هي الأولوية لمعظم الدول في ظل تمتعها بمزايا تنافسية ستجعلها تتصدر المشهد.[i]

ويمكن التدليل على الدور الأقل للنفط في مزيج الطاقة العالمي بعدد من الشواهد، على رأسها توجُّه أكثر الدول اعتماداً على الوقود الأحفوري إلى تنويع استثماراتها في مزيج الطاقة العالمي، حيث تعمل كل من السعودية والإمارات على ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة المتجددة داخل البلاد وخارجها، وفي إطار التحوُّل للاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 75% بحلول 2050 تبني الإمارات ما قد يصبح أضخم مجمع للطاقة الشمسية بقدرات تصل إلى 5000 ميغاوات في سنة 2030، وفي السعودية من المتوقع أن تبلغ الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة خلال السنوات الخمس المقبلة ما بين 30 و40 مليار دولار، علماً بأن البلاد تسعى للاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 30% بحلول 2030. [ii]

ومن ضمن الشواهد الأخرى لانخفاض وضع النفط ضمن مزيج الطاقة العالمي مستقبلاً ما أعلنته وكالة الطاقة الدولية حول اتجاه الطلب على النفط للانخفاض بين عامي 2020 و2040. ويُظهِر الشكل التالي أن استهلاك النفط بحلول عام 2050 سينخفض في قطاع النقل (الذي يستهلك 60% من النفط في العالم حالياً)، وسيرتفع بشكل جزئي في قطاع الصناعة، فيما سينخفض بشكل كبير في قطاعات توليد الكهرباء والاستخدامات التجارية والسكنية.[iii]

من ناحية أخرى، يسعى صنّاع السياسات في أوروبا لتسريع الانتقال للعمل بالسيارات الكهربائية (الصديقة للبيئة)، وهو ما دفع المُشترين إلى الإقبال على هذا النوع، بالتوازي مع انخفاض مبيعات جميع أنواع السيارات. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مايو 2020 عن خطط لتقديم دعم بقيمة 8 مليارات يورو لشركات السيارات المحلية، بهدف جعل فرنسا من الدول الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية في أوروبا. وفي الوقت نفسه مُدِّد الدعم الحكومي السخي في الصين لمشتريات السيارات الكهربائية حتى عام 2022 كجزء من حزمة تحفيز الأوبئة، مما يضمن مبيعات سريعة بعد أن انتعش النشاط الاقتصادي هناك مرة أخرى.[iv]

على جانب آخر، أصبح الفحم هدفاً أساسياً للنشطاء البيئيين وصُنّاع السياسات الحكومية الذين يسعون إلى تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، واكتشف صنّاع السياسة أن إحدى أسهل الطرق لخفض الانبعاثات هي أن يحل الغاز الطبيعي (منخفض التكلفة) محل الفحم في توليد الكهرباء؛ فقبل جائحة كورونا كانت توقعات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن الفحم سيظل مصدراً رئيساً لطاقة العالم، ربما لعدة عقود، ولكن مجيء فيروس كورونا أفسد هذه التوقعات؛ فمع انتشار الوباء في أوائل عام 2020 وتراجع النشاط الاقتصادي، انخفض استخدام الكهرباء في جميع أنحاء العالم بشكل كبير. ولمواصلة توليد الطاقة مع تجنُّب الخسائر الفادحة، تجنَّبت الحكومات استخدام الفحم (ذي التكلفة العالية)، واعتمدت بدلاً منه على الغاز والرياح والطاقة الكهرومائية ذات الأسعار المنخفضة نسبياً. ونتيجة لذلك، انخفض الطلب العالمي على الفحم بنسبة 8% في عام 2020، وهو أكبر انخفاض منذ الحرب العالمية الثانية، وما سبق تناوله عن الفحم يصب كلياً في صالح انتعاش مصادر الطاقة المتجددة، وتحديداً الطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية المستخدمة لتوليد الكهرباء. وقد توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يزداد صافي استهلاك الطاقة المتجددة بنسبة 64% بين عامي 2018 و2030، وهو أسرع معدل نمو من أي مصدر. ولكن في ضوء الجائحة، من المحتمل أن تتسارع معدلات النمو هذه، حتى قبل الوصول لعام 2030.[v]

2. استعداد عالمي لسياسات أكثر انحيازاً للبيئة والمناخ مع الاعتماد على الطاقة المتجددة، بعد تولّي جو بايدن السلطة في الولايات المتحدة

من المتوقع زيادة إنشاءات الطاقة الشمسية، واتّباع كثير من شركات النفط سياسات تهدف إلى تحقيق الحياد الكربوني، بحلول عام 2050، كما ستتّجه معظم اقتصادات العالم الكبرى إلى وضع أهداف لتحقيق الحياد الكربوني، خلال 30-40 عاماً، ومن شأن ذلك رفع قيمة الطاقة منخفضة الكربون وسلاسل إمداداتها إلى مستوى هو الأعلى على الإطلاق. وقد أظهرت مصادر الطاقة المتجددة خلال جائحة كورونا سمتين مهمتين: الأولى تتعلق بالتكلفة المنخفضة، مقارنةً بالفحم والغاز الطبيعي. والثانية تتعلق بسرعة التركيب والتشغيل، ومن ثَمَّ تحقيق عائدات أسرع بكثير.[vi]

يدعم الرئيس الأمريكي جو بايدن بكل وضوح السياسة البيئية التي تبناها سلفه باراك أوباما، التي تمثلت بانضمام الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ عام 2015. وبتأييده اتفاقية باريس، التي انسحبت منها الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترمب، سيدفع بايدن بسرعة أكبر صناعات الطاقة البديلة (والطاقة النظيفة) التي تخفض من انبعاثات ثاني اكسيد الكربون، وفتح المجال لعصر السيارة الكهربائية أو الهجينة، وستشجع حكومة بايدن تشريع القوانين والأنظمة لهذا الغرض. وتعهَّد بايدن، وفق برنامجه الانتخابي، بضخ نحو 400 مليار دولار في مجال ابتكار واستثمار الطاقة النظيفة على مدى السنوات العشر المقبلة كجزء من خطة مناخية شاملة بقيمة 1.7 تريليون دولار للحد من الانبعاثات الكربونية، وتشمل هذه الخطة تقديم حوافز للسيارات الكهربائية والاستثمار في البنية التحتية للشحن وغيرها من الإجراءات.[vii]

وعلى مستوى صناعة النفط الصخري، من غير المتوقع أن يُسانِد الرئيس بايدن صناعة النفط الصخري، مما سيراكم خسائر صناعة النفط الصخري المستمرة أصلاً بسبب استمرار انخفاض أسعار النفط، ومن ثمّ لا يتوقع أن تزداد الاستثمارات في قطاع الاكتشافات.

ورغم التوجه نحو دعم مصادر الطاقة النظيفة، أكد بايدن في مناسبات مختلفة على هامش حملته الانتخابية أنه لن يستبعد بأية حال الوقود الأحفوري أو يحظر التكسير الهيدروليكي (إحدى التقنيات الرئيسة في استخراج النفط والغاز الصخري)، معتبراً أن التحول تجاه مصادر الوقود النظيفة عملية تدريجية تمتد لفترة طويلة، ولا يرغب الرئيس الأمريكي في خسارة دعم مجتمع أعمال صناعة النفط والغاز بالولايات المتحدة، أو أن يتسبب في تضييق الخناق على الصناعة، بما يهدد بفقدان آلاف الوظائف بالسوق الأمريكية وسط التباطؤ الاقتصادي الشديد الناجم عن جائحة كورونا، ومع ذلك، فقد تعهد بايدن بوقف تصاريح الحفر الجديدة بالأراضي والمياه الفيدرالية. كما سيُشدد على معايير وقود المركبات الصغيرة والمتوسطة، وهي قيود في مجملها سوف تتسبب في تعطيل طفرة الإنتاج الأمريكي من النفط والغاز الصخريين على نحو سيقابله تعزيز مصادر الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الأمريكي.

3. الهيدروجين الأزرق سيكون مستقبل التحول في قطاع الطاقة على المدى القصير، والهيدروجين الأخضر سيُسيطر على المدى الطويل

سيعتمد العالم في المدى القصير على إنتاج الهيدروجين عن طريق استخدام الوقود الأحفوري التقليدي، وهو ما يسمي “الهيدروجين الأزرق”، إلا أنه على المديين المتوسط والطويل سيتم التحول إلى “الهيدروجين الأخضر”، وهو عبارة عن وقود خالٍ من الكربون، مصدر إنتاجه الماء. ويُعد الهيدروجين مصدر طاقة واعد في المستقبل، وبعض شركات النفط الكبرى تستثمر في هذه التقنية الجديدة، كما أن الحكومة الألمانية تسعى بخطى حثيثة للاعتماد على “الهيدروجين الأخضر” لتحقيق الاكتفاء من الطاقة وحماية المناخ؛ فهو يُعتبر باستخدامه المتعدد الجوانب في الصناعة، وحتى في حركة الشاحنات وربما في الطيران أيضاً، مصدر طاقة مثالي.[viii]

ومن المقرر أن يلعب الهيدروجين دوراً رئيساً في أسواق الطاقة العالمية خلال العقود المقبلة، ليحل محل جزء كبير من الطلب على النفط؛ فبينما لا تزال هناك حاجة للنفط والغاز في سوق الطاقة الكبير، إلا أن هذين المصدرين يقتربان من ذروة الطلب، وربما خلال هذا العقد، أي أسرع بكثير مما يعتقد الجميع، حيث يرى المحللون أن الهيدروجين سيستحوذ على 25% من إجمالي الطلب على النفط بحلول عام 2050، وقد وضع الاتحاد الأوروبي خططاً لتوليد 40 جيجاوات من كهرباء الهيدروجين المتجدد، وإنتاج ما يصل إلى 10 ملايين طن متري من الهيدروجين المتجدد بحلول عام 2030.

وقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج الهيدروجين العالمي المخصص يصل إلى ما يقرب من 70 مليون طن متري سنوياً، وأشارت إلى أن الطلب مستمر في النمو، وأنه ازداد بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 1975. ووفقاً للوكالة، هناك أقل من 0.1% من إنتاج الهيدروجين العالمي المخصص اليوم يأتي من التحليل الكهربائي للماء. وتعد فكرة الهيدروجين الأخضر جذابة للغاية، على الرغم من أن دوره في مزيج الطاقة الإجمالي صغير، ولا يمثل سوى 0.1% من إنتاج الهيدروجين العالمي في عام 2020، لكن بحسب تقرير صادر عن «وود ماكنزي» للأبحاث واستشارات الطاقة، فإن تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر قد تنخفض بنسبة تصل إلى 64% بحلول عام 2040. [ix]

4. اتجاه عدد من شركات الوقود التقليدي (الأحفوري) نحو تنويع استثماراتها في مصادر الطاقة المتجددة

تم الإعلان عن موافقة شركة بريتيش بتروليوم للطاقة على الحصول على حصص بنسبة 50% في مشروعي «إيمباير ويند» و«بيكون ويند» لتوليد الكهرباء عن طريق الرياح من شركة «إيكونور» النفطية النرويجية، ومن المتوقع تسريع الشركات الكبرى لمسارها نحو تعزيز الحياد الكربوني في 2021، مع استكمال الشركات بناء أساسات منظومة طاقة خالية من الكربون من خلال الاستثمار في تقنيات نظيفة جديدة، ويسهم في تحقيق ذلك عوامل عدّة، منها: تغيّر الإدارة الأمريكية، إذ تتبنّى إدارة بايدن سياسات داعمة للبيئة، ومؤتمر الأمم المتّحدة الـ 26 المعني بتغيّر المناخ، المقرّر أن يُعقد في إسكتلندا، في الفترة من 1 إلى 12 نوفمبر 2021، تحت رئاسة المملكة المتحدة.

5. توجهات جديدة لمؤسسات التمويل الدولية في قطاع الطاقة العالمي

تنعكس تحوُّلات سوق الطاقة العالمية على توجهات مؤسسات التمويل الدولية، التي تحاول الابتعاد شيئاً فشيئاً عن الاستثمارات الملوثة في مقابل توفير السندات الخضراء وتقديم التسهيلات للمشاريع التي تراعي الاعتبارات البيئية. وكان بنك الاستثمار الأوروبي قد أعلن أنه سيخصص، اعتباراً من سنة 2021، مبلغ 1.1 تريليون دولار لاستثمارات مواجهة تغيُّر المناخ، بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع التكيف مع التغيُّر المناخي. ويدخل في هذا الإطار تطوير تقنيات مأمونة وغير مُكلفة لجمع الكربون من عمليات حرق الوقود، وتخزينه على نحو سليم. وهذا تطوُّر ضروري، إذ سيبقى للنفط والغاز دورٌ مهم في مزيج الطاقة.[x]

6. دور أقل فاعلية لمنظمة أوبك مستقبلاً

ستواجه منظمة أوبك (OPEC) تحديات كبيرة خلال العقدين المقبلين، مع تسارع وتيرة التحول الطاقي العالمي وتقلص هيمنة النفط على قطاع النقل بسبب ظهور بدائل أخرى، بما في ذلك السيارات الكهربائية والهيدروجين، مما سيؤدي إلى اضطراب سوق النفط. وتعود الأهمية التي اكتسبها النفط في السوق العالمي إلى ميزاته الفريدة التي جعلت منه أمراً ضرورياً في قطاع الطاقة، لكن هذه الهيمنة ستتلاشى بشكل ملحوظ في ظل الميزة التنافسية التي تتمتع بها المركبات الكهربائية من حيث التكلفة، واتخاذ الحكومات سياسات أكثر صرامة للحد من تصنيع المركبات التي تعمل بالديزل والغازولين. وحتى أكثر التوقعات تفاؤلاً تظهر أن الطلب على النفط قد يبلغ ذروته بحلول 2030، وسرعت أزمة “كوفيد-19” هذه الوتيرة.

من جهتها، تُقر أوبك رسمياً بأن الطلب على النفط سيستقر بحلول 2040، ونظراً لأن الوقود البديل أصبح أكثر تنافسية من حيث التكلفة في قطاع النقل، بات لدى الدول الأعضاء في أوبك حافز أقل لمنع انهيار أسعار النفط ودعم البدائل على المدى الطويل. ومن غير المرجح أن تختفي أوبك في أي وقت قريب بسبب الفوائد التنظيمية والفنية التي تتمتع بها الدول الأعضاء فيها، لكن بحلول منتصف العقد الثالث من هذا القرن -إن لم يكن قبل ذلك – ستتدنى أهميتها كجهة فاعلة في تنظيم السوق، ويُتوقع محللون أن يخفّ الثقل السياسي الذي تحظى به الدول المنتجة للنفط في المستقبل، بالتزامن مع تراجع مكانة منظمة أوبك على الصعيد العالمي.[xi]

الفرص والمخاطر بالنسبة للدول النفطية

على مستوى الفرص، لا يزال النفط مصدر الطاقة الأقل تكلفة في الإنتاج، ما يعطيه ميزة تنافسية مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى التي تحتاج لإمكانيات عالية، مما يعني أن عدداً كبيراً من الدول النامية لن يستطيع التخلي عن النفط بسهولة.

لكن فيما يتعلق بالمخاطر ربما سيصل النفط إلى ذروته في وقت أسرع مما توقعت شركات الطاقة العالمية نتيجة لتطور الاعتماد على وسائل الطاقة الجديدة والمتجددة، كما أنه وفقاً لموقـف المالية العامـة الراهـن في منطقة الخليج سـيكون مـآل الثـروة المالية التـي تمتلكهـا المنطقة قابل للنضـوب بحلـول عـام 2034، ما يعني أن اسـتدامة أوضـاع المالية العامـة سـتقتضي إجـراء عمليـة ضبـط كبيـرة لأوضاع المالية العامة، ومن شـأن بذل جهود أكثر تدرُّجاً أن يخفف عبء التعديل على المدى القصير، لكنه سـيكون على حسـاب الموارد التي تتوافـر لأجيال المستقبل.

تحليل البجعات السوداء لمستقبل قطاع الطاقة العالمي

تُشير نظرية البجعة السوداء Black Swan، وهي مقاربة فكرية للكاتب الأمريكي نسيم نيقولا طالب، إلى ظاهرة مستحيلة الحدوث وخارج نطاق التوقعات، لكن عند حدوثها تكون ذا تأثيرات كبيرة. وقد دلَّت أزمة جائحة كورونا ووقف الطيران ومظاهر الحياة في غالبية دول العالم؛ على أهمية أخذ نظرية البجعات السوداء في الاعتبار. فبالرغم من أن كل ما حدث نتيجة أزمة كورونا لم يكن من الأمور المتوقعة، إلا أنه حدث وأثر بقوة على الاقتصاد والطاقة وأسلوب حياة البشر. وتحليل البجعات السوداء بالنسبة لمستقبل قطاع الطاقة العالمي يقودنا إلى الأمور الآتية:

1. جائحة كورونا مجرد بداية: من غير المستبعد أن يكون ظهور فيروس كورونا مجرد بداية لسلسلة من الفيروسات الوبائية التي قد يعجز العالم عن التعامل معها برغم التطور التقني والطبي. وقد اتضح خلال أزمة كورونا أن تعامل العالم مع مثل هذه الفيروسات الوبائية يحتاج إلى وقت بالرغم من الطفرة الطبية والتكنولوجية الحالية، وبالتالي فإن الحل الذي سيضطر العالم إليه هو إيقاف كافة مظاهر الحياة والاختلاط والعودة إلى المنزل من جديد، الأمر الذي سيمثل كارثة حقيقية على القطاعات الاقتصادية في حال حدث مرة أخرى خلال العشر أعوام المقبلة؛ فالمؤسسات الاقتصادية ترجح أن يتعافى العالم من آثار كورونا خلال مدة مماثلة، إلا أن صدمة أخرى قد تجعل التعافي أمراً غاية في الصعوبة، وبالتالي فإن قطاع الطاقة وقتها سيكون أول القطاعات المستهدفة بالتأثر في ظل احتمالية توقف النشاط الاقتصادي بشكل كبير.[xii]

2. مخالفة النفط كل التوقعات: فمع تزايد التوقعات بأن تتراجع مكانة النفط في مزيج الطاقة العالمي، يبقي النفط هو المورد الأكثر استخداماً، والأقل تكلفة وصعوبة في الاستخراج أو التوليد مقارنة بباقي مصادر الطاقة. وبالرغم من السعي العالمي للتحول لمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والنظيفة، إلا أن عوامل مرتبطة بالتكلفة أو الكوارث الطبيعية والمناخية قد تعيد للنفط مكانته من جديد في مزيج الطاقة العالمي. وتشير شبكة المصالح المعقّدة بتقاطعاتها ومعادلاتها إلى نتيجة منطقيّة تتمثّل باستمرار الولايات المتّحدة في استيراد نفط الشرق الأوسط ذي الكلفة المتدنّية، بالتوازي مع تطوير قدراتها واستثماراتها للمحافظة على الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، بما يُبقي خياراتها مفتوحة بين أقنية الاتّصال والاستيراد من المصادر ذات الكلفة المتدنّية.

خلاصة واستنتاجات

تغيّرت خريطة توزّع مصادر الطاقة على الصعيد العالمي خلال العقد الأخير، بالتوازي مع حصول تغيّر كبير في أنماط الاستهلاك للعديد من الاقتصادات الناشئة. وتترافق هذه التغيّرات مع تطوّر معدّلات استهلاك الطاقة المتجدّدة، وتزايدها واستمرار الأبحاث والاستثمارات في مجالات البحث عن طرق جديدة، بهدف التحرّر من التبعيّة الاقتصاديّة، مما يسمح بزيادة مستوى الاستقلاليّة السياسيّة للدول والكيانات. وفي هذا الإطار، تطوّرت مصادر الطاقة، كما تغيّرت النظرة الاستهلاكيّة في الوعي الاجتماعي والسياسي، التي كانت تركّز على المدى القريب، لتشمل التخطيط للمستقبل البعيد.

والتقدم التكنولوجي في مجال الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، الذي تسارعت وتيرته بسبب خطر تغيُّر المناخ، يعني أن تعطُّش العالم للبترول سيبلغ ذروته في وقت أقرب مما تعول عليه شركات النفط العالمية الكبرى. ويحتاج التحول من مصدر طاقة لآخر إلى وقت طويل، وحتى مع وجود مصدر جديد للطاقة لا يعني ذلك إلغاء المصدر التقليدي؛ فمع دخول النفط، قلّ استخدام الفحم لكنه لا يزال يشكل جزءاً من سوق الطاقة، والأمر نفسه بالنسبة للغاز؛ فالتحول في سوق الطاقة للاعتماد على مصدر أساسي لا يحدث بسرعة، وإنما قد يُسهِم في تسريع وتيرة التحول متغيرات أخرى مثل جائحة كورونا وغيرها، وهذا يعني أن النفط قد يقلّ استخدامه مستقبلاً، لكنه سيستغرق وقتاً طويلاً ليقلّ الاعتماد عليه بشكل كبير.

الهوامش والمصادر

[i] The Future of Energy Is About Technology, Not Fossil Fuels, available at: https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-10-15/the-future-of-energy-is-about-technology-not-fossil-fuels, access on: 16-4-2021.

[ii] The most powerful renewable energy, available at: https://www.bbc.com/future/article/20200713-the-most-powerful-renewable-energy, access on: 16-4-2021.

[iii] What does the future of energy look like?, available at: https://am.jpmorgan.com/us/en/asset-management/adv/insights/market-insights/market-updates/on-the-minds-of-investors/what-does-the-future-of-energy-look-like/, access on: 16-4-2021.

[iv] The future of energy will be renewable, electric and efficient, available at: https://www.robeco.com/en/insights/2021/03/the-future-of-energy-will-be-renewable-electric-and-efficient.html, access on: 16-4-2021.

[v] The future of energy, available at: https://www.businessinsider.com/sc/future-of-energy-sector-2020-12, access on: 16-4-2021.

[vi] The Future of Energy: Challenges, Perspectives, and Solutions, available at: https://novapublishers.com/shop/the-future-of-energy-challenges-perspectives-and-solutions/, access on: 16-4-2021.

[vii] The future of energy Taking on tomorrow, available at: https://www.pwc.com/gx/en/industries/energy-utilities-resources/future-energy.html, access on: 16-4-2021.

[viii] Coronavirus response can ‘reshape the future of energy,’ IEA says in annual report, available at: https://www.cnbc.com/2020/10/13/coronavirus-response-can-reshape-the-future-of-energy-iea-says.html, access on: 16-4-2021.

[ix] The future of oil and gas: The writing is on the wall, available at: https://www.crai.com/insights-events/publications/the-future-of-oil-and-gas-the-writing-is-on-the-wall/, access on: 16-4-2021.

[x] FUTURE OF OIL & GAS, available at: https://payneinstitute.mines.edu/futureofoilgas/, access on: 16-4-2021.

[xi] THE TIMES ‘FUTURE OF ENERGY’: WE CAN HUMANISE ENERGY, AND WE MUST DO SO URGENTLY, available at: https://www.worldenergy.org/news-views/entry/the-times-future-of-energy-we-can-humanise-energy-and-we-must-do-so-urgently, access on: 16-4-2021.

[xii] The Future of Energy Now and Beyond the Crisis, available at: https://www2.deloitte.com/no/no/pages/about-deloitte/articles/the-future-of-energy-now-and-beyond-the-crisis.html, access on: 16-4-2021.