تستهدف دراسة العلاقات الدولية التوصل إلى تحليل دقيق على قدر الإمكان لحقائق الوضع الدولي ، و ذلك من خلال التعرف على طبيعة القوى التي تتحكم في تشكيل الاتجاهات السياسة للدول إزاء بعضها و تحديد الكيفية التي تتفاعل بها القوى و الإلمام بمختلف التأثيرات و ردود الفعل التي تتركها على أوضاع المجتمع الدولي .

فمند ظهور العلاقات الدولية كحقل مستقل عن علم السياسة ، ظهرت العديد من المحاولات التنظيرية على مستواه ، تجلت من خلال نظريات ، مدراس ، و اتجاهات مختلفة ، حاولت فهم و تفسير الواقع الدولي ، و إعطاء صور واضحة عما يحدث داخله من تفاعلات و تأثيرات ، كل واحدة حسب تصورها.

و نجد من بين هذه المحاولات التنظرية ، الاتجاه المعياري الذي يعد أول محاولة تنظيرية للعلاقات الدولية، والدي يجد جذوره في الدراسات القديمة ، غير انه تبلور بشكل جيد بعد الحرب العالمية الأولى.

لذلك فالإشكالية المطروحة هنا كالتالي :

هل استطاع الاتجاه المعياري إثبات وجوده باعتباره أول محاولة تنظيرية والتكيف مع الواقع ومجابهة الانتقادات الموجهة له ( خاصة الاتجاه الواقعي ) ؟ وإلى أي مدى ساهم في مجال التنظير للعلاقات الدولية؟

من خلال هذه الإشكالية تظهر لنا مجموعة من الأسئلة :

1. متى ظهر الاتجاه المعياري ؟ و ما هي أهم الأفكار والمبادئ التي أتى بها لفهم العلاقات الدولية ؟

2. هل أصاب الاتجاه المعياري ، باعتباره كأول محاولة تنظيرية للعلاقات الدولية ، في بلورة ووضع الأسس الأولى للعلاقات الدولية ؟

للإجابة على هذه الإشكالية وضعنا الفرضيات التالية :

1. استطاع الاتجاه المعياري، باعتباره كأول محاولة تنظيرية للعلاقات الدولية ، في تأكيد قوة أفكاره، وبالتالي بلورة ووضع الأسس الأولى للعلاقات الدولية.

2. ساهم الواقع الدولي في إبراز الدور الذي يلعبه الاتجاه المعياري وذلك عبر مراحل متقطعة من تطور العلاقات الدولية.

منهج الدراسة:

للإجابة على الإشكالية وكذا الأسئلة الفرعية، تتبع الدراسة مجريات المنهج التاريخي المقارن، بكل ما يقدمه هذا المنهج للباحث من عمق معرفي وفهم المحاور الأساسية للدراسة.

إن هذا المنهج يتيح لنا معرفة كل ما حدث ويحدث في العلاقات الدولية سواء في مجال التنظير أو الممارسة،عن طريق تتبع العلاقات الدولية عبر مراحلها وتطوراتها المختلفة لتحديد واستخلاص مدى قدرة الاتجاه المعياري – موضوع الدراسة – على إثبات نفسه في مجال التنظير،في حقل العلاقات الدولية الذي يمتاز بالتغيرات المستمرة.كما يتيح لنا هذا المنهج مقارنة الاتجاه المعياري مع بقية الاتجاهات الأخرى ، خاصة التي تلتقي مع الاتجاه المعياري في بعض النقاط.

وعليه قسمنا الدراسة إلى:

فصل أول ،كفصل مفهوماتي تناولنا فيه أهم المفاهيم المتعلقة بالدراسة،خاصة مفهوم النظرية في العلاقات الدولية واهم المفاهيم ذات الصلة بها ، مثل الاتجاه والمدرسة.

فصل ثاني، والذي يعتبر صلب الموضوع، وتعرضنا فيه إلى أهم المدارس في الاتجاه المعياري، وهي المدرسة المثالية والمدرسة القانونية.

ويأتي الفصل الثالث ، ليبين لنا أهم الانتقادات الموجهة للاتجاه المعياري ، ثم كيفية استجابة الاتجاه المعياري لهذه الانتقادات ، واستمراره في تيارات أخرى من فترة الأربعينيات من القرن الماضي وحتى الآن .

وأخيرا تخرج الدراسة بخاتمة تتضمن جملة من الاستخلاصات و الاستنتاجات ، حول الاتجاه المعياري.

المقدمــــــــة:

الفصل الأول: المـفاهيـم المركـزيـة للـدراســـة

المبحث الأول: تعريف العلاقات الدولية.

المبحـث الثاني: تعريف النظرية و علاقتها بالمفاهيم المتصلة بها.

الفصل الثاني: مفهوم الاتجاه المعياري و أهم مدارسه

المبحـث الأول: مفهوم الاتجاه المعياري.

المبحـث الثانـي: أهم مدارس الاتجاه المعياري.

الفصل الثالث: تقييم الاتجاه المعياري

المبـحث الأول: نقد الاتجاه المعياري.

المبحـث الثاني: الفكر المعياري بين القطيعة و الاستمرارية.

الخــــــاتمة:

المـــراجع

الفصل الاول

سوف نتطرق في هذا الفصل لأهم المفاهيم المرتبطة بالموضوع ، نظرا للتداخلات الكبيرة بينها ، لذلك سوف نتناول مبحثين ، في المبحث الأول سنتناول تعريف العلاقات الدولية ، أما في المبحث الثاني فسنخصصه لتعريف النظرية و المفاهيم المرتبطة بها .

المبحث الأول: تعريف العلاقات الدولية

طرح موضوع تعريف العلاقات الدولية كموضوع للنقاش بين الباحثين و المفكرين ، و انصبت خلافاتهم حول المقصود بالعلاقات الدولية ، هل أنها تقتصر على العلاقات بين الدول ، أو أنها تتعداها إلى أطراف أخرى ؟

و هل تحصر موضوعاتها بالنشاطات السياسية ، أو تتخطاها إلى نشاطات أخرى في عصر أصبحت الشركات و المنظمات الدولية و التبادل الثقافي و الاجتماعي تتخطى حدود الدول و تؤثر على السياسة و تتأثر بها ؟

بسبب ذلك كان للعلاقات الدولية أكثر من تعريف ، تلتقي هذه التعريفات على قواسم مشتركة و تختلف في بعض النقاط .

فمنها ما يؤكد على السياسة الخارجية كمظهر من مظاهرها كالمؤرخ ” جان باتيست ديروزيل ” ، حيث كتب بان ” العلاقات الدولية تتكون عن طريق العلاقات السياسية لدولة مع دولة ، ومن ثم علاقات مجموعات أو أفراد من جانبي حدود و مظهرها الأول ، السياسة الخارجية ، وهو الأهم و الأيسر منالا”.

و يرى ” فريديريك هارتمان ” أن مصطلح العلاقات الدولية : ” يشمل على كل الاتصالات بين الدول و كل حركات الشعوب و السلع و الأفكار عبر الحدود الوطنية “

و يعرفها ” كوينسي رايت ” بأنها : ” علاقات شاملة تشمل مختلف جماعات العلاقات الدولية سواء علاقات رسمية أو غير رسمية .”

و يعرفها ماكيلاند بأنها : ” دراسة التفاعلات بين أنواع معينة من الكيانات الاجتماعية بما في ذلك دراسة الظروف الملائمة المحيطة بالتفاعلات .”

أما الكاتب ” نيكولاس سبيكمان ” ، فعرف العلاقات الدولية بشكل فضفاض إلى درجة جعل منها حقلا يشمل نشاطات مختلفة كالاتصالات الدولية و التبادل التجاري و المباريات الرياضية و غيرها ، و عرفها بأنها ” العلاقات بين أفراد ينتمون لدولة مختلفة ، و السلوك الدولي هو السلوك الاجتماعي لأشخاص أو مجموعات تستهدف أو تتأثر بوجود أو سلوك أفراد أو جماعات ينتمون إلى دولة أخرى .”

و عرفها ” ريمون ارون ” بأنها : ” تمثل العلاقات بين الوحدات السياسية الموجودة في العالم ، منذ عصر الدولة المدينة الإغريقية ، و حتى الدولة القومية المعاصرة .”

و يرى ” جون بورتون ” ان العلاقات الدولية : ” تعني بالدراسة و التحليل و التنظير بغية شرح و فهم العلاقات بين الدول و تلك العلاقات الموجودة في النظام العالمي ككل و التنبؤ بتطورها.”

ويعرف أنصار المدرسة الواقعية من خلال المتغير الرئيسي الذي يعتمدون عليه في تحليلهم للعلاقات الدولية ، ألا و هو متغير القوة ، فهم يعرفون العلاقات الدولية على أنها علاقات قوة ومن اجل القوة ، أما أنصار نظرية التكامل الدولي فإنهم يعرفون العلاقات الدولية من خلال الموضوع الرئيسي للنظرية و المتمثل في التكامل الدولي ، حيث ينظرون إلى هذه العلاقات على أنها علاقات تكاملية .

في حين أن أنصار نظرية التبعية يفسرون العلاقات الدولية، على أنها علاقات سيطرة و تبعية، سيطرة دول المركز على دول المحيط و تبعية هذه الأخيرة لدول المركز.

أما ” محمد طه بدوي ” ، فانه يعطي تفسيرا علميا للعلاقات الدولية ، و يحدد هدفها في ” التحليل الموضوعي الأحداث الواقع الدولي لكونه يرتكز إلى الواقع المحسوس “، عكس ما تقوم به النظريات الفلسفية التي تركز على ” بديهيات أو مسلمات لا تحقق تجريبيا ” ، فيعطيها تعريفا علميا بأنها ” العلم الذي يعنى بواقع العلاقات الدولية و استقرائها بالملاحظة و التجريب أو المقارنة من اجل التفسير و التوقع .”

أما البعض الآخر من الباحثين ، فانه يشترط لكي تكتسب الروابط بين الدول المفهوم العلمي للعلاقات الدولية ، توافر شرطين أو عنصرين أساسين : العنصر الأول ، وهو الطبيعة السياسية للعلاقة ، أو قدرة هذه العلاقة على إحداث آثار سياسية . و الثاني جغرافي ، و هو تخطي هذه الآثار لحدود المنطقة التي نشأت فيها العلاقة . و يخلص إلى تعريف العلاقات الدولية بأنها ” كل علاقة ذات طبيعة سياسية أو من شانها إحداث انعكاسات و آثار سياسية تمتد إلى ما وراء الحدود الإقليمية لدولة واحدة “.

إن هذا التعدد في التعاريف و صعوبة إيجاد تعريف دقيق و سليم للعلاقات الدولية ، يرجع إلى ذلك الترابط و التداخل الكبيرين بين العلاقات الدولية و العلوم الاجتماعية الأخرى ، و خاصة منها العلوم السياسية ، القانونية ، و الاقتصادية ، فضلا عن تعدد و تنوع المواضيع التي تهتم بدراستها العلاقات الدولية . فحسب تقرير منظمة اليونسكو بشلن العلوم السياسية ، أن مادة العلاقات الدولية وما تشمله من دراسة للسياسات الخارجية للدول و تفاعلها مع بعضها البعض ، التنظيم الدولي و ما يتضمنه من دراسة للمنظمات الدولية و الإقليمية على حد سواء ، القانون الدولي و ما يحتويه من دراسة للقواعد القانونية التي تقوم بتقنين و تنظيم علاقات الدول بغضها ببعض و علاقاتها بالتنظيمات الدولية .

رغم ذلك التعدد في التعريفات و تنوعها ، يمكن أن نصل إلى تعريف إجرائي للعلاقات الدولية ، بأنها تلك العلاقات السياسية ، الاقتصادية ، العسكرية ، الثقافية ، و الاجتماعية ، بين الدول في تعاملها و تفاعلها مع بعضها البعض ، وقد تأخذ هذه العلاقات شكل تعاون أو تكامل ، كما هو الحال بالنسبة للعلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي أو غيرها من علاقات التكامل الأخرى ، و قد تأخذ شكل الصراع كما هو الحال بالنسبة للعلاقات بين دول الشمال المتقدم و دول الجنوب المتخلف ، و قد تأخذ شكل الصراع من اجل القوة ، كما هو الحال بالنسبة للعلاقات بين الدول القوية ، كتلك العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية و دول الاتحاد الأوروبي … الخ

المبحث الثاني: تعريف النظرية و علاقتها بالمفاهيم المتصلة بها

هناك من يعرف النظرية بأنها: ” مجموعة من القضايا التقريرية و المنطقية و المجردة و المقبولة و التي تحاول تفسير العلاقات بين الظواهر “

و يرى ” براتويت ” بأنها : ” مجموعة من الفروض التي تكون نسقا استنباطيا ، بمعنى أنها تنظم في ترتيب متتابع فيه بعض الفروض اللاحقة تلحق بعض الفروض المتقدمة ” ، أو بعبارة أخرى تعد النظرية بمثابة مجموعة من القضايا التي تنظم في نسق استنباطي ، و تتدرج على مستويات تحتل فيها القضايا أو الفروض عل المستوى الأعلى مكانة المقدمات المنطقية ، و تكون فيه الفروض على المستوى الأدنى بمثابة نتائج لما يتقدمها من فروض ، و تكون فروض المستوى الأوسط مستنتجة من فروض المستوى الأعلى ، كما تعتبر هذه بدورها مقدمات منطقية لفروض المستوى الأدنى .

و يعرفها كل من ” جلاسيير و ستراوس ” بأنها : ” إستراتيجية بحثية تقدم نماذج من المفاهيم تساعد الباحث في الشرح و التفسير الاجتماعي “.

و يعرفها ” ديفيد دريسلور ” بأنها : ” مجموعة ملاحظات دقيقة مترابطة بشكل منسق متضمنة تفسير و تحليل علاقة الأحداث الاجتماعية فيما بينها و عاكسة في الوقت ذاته قدرة المنظر في التنبؤ الاجتماعي”.

و هناك من يعرفها بأنها: ” مجموعة من القضايا التي تتوافر فيها الشروط التالية:

1- ينبغي أن تكون المفاهيم التي تعبر عنها القضايا محددة بدقة.

2- بجب أن تتسق القضايا بعضها مع البعض الآخر.

3- لابد أن تصاغ القضايا في شكل يجعل من الممكن اشتقاق التعميمات اشتقاقا استنباطيا.

4- ينبغي أن تكون هذه القضايا من النوع الخصيب و المثمر الذي يستكشف الطريق نحو ملاحظات ابعد مدى و تعميمات تطور في مجال المعرفة القائمة.”

و يعرف ” كنيث والتز ” النظرية بأنها : ” مجموعة من القوانين المتعلقة بسلوك ظاهرة معينة .”

و يعرفها ” دافيد ادوارد ” بأنها : ” مجموعة من الافتراضات حول ظاهرة معينة ، و في حالتنا ( العلاقات الدولية ) المقصود بها وضع الافتراضات حول الظاهرة السياسية الدولية ، مثل الحروب و الأزمات و الأحلاف .”

و يرى ” فليب برايار ” أن نظرية العلاقات الدولية هي : ” مجموعة متجانسة و منهجية من الافتراضات ، هدفها توضيح مجال العلاقات الاجتماعية و التي نسميها بالدولية.”

و هناك من يرى بأن النظرية في العلاقات الدولية يجب أن تحدد من خلال: “

1- إدراك السياسة الدولية بوصفها دائرة أو مجالا محددا.

2- اكتشاف قانون أو انتظام في إطارها.

3- تطوير طريقة انتظامية لملاحظة و رصد التكرار في جوانب السلوك في بعض النماذج.”

و هناك من يعرف النظرية في مجال العلاقات الدولية بأنها : ” مجموعة من البيانات أو التصريحات حول السلوكية العقلانية ، مبنية على حوافز مهيمنة كالقوة ، مثال ذلك نظرية القوة عند هانس مورغنثو.”

كما أنه هناك من يعرفها في مجال العلاقات الدولية بأنها: ” مجموعة من القيم و قواعد السلوك و المبادئ، التي تدل على ما يجب أن تكون عليه سلوكية الأطراف السياسية، و تدخل في ذلك دراسة العلاقات الدولية منظور ما يفترض أن تكون عليه أخلاقيا. و تندرج في هذا الإطار أيضا كثير من الفلسفات السياسية و النظرية المعيارية التي تقيم جملة من المؤشرات لقياس السلوكية القائمة و مدى تطابقها أو عدم تطابقها مع ما يفترض أن تكون عليه السلوكية السياسية من قيم و مبادئ.”

على غرار التعريف السابق الذي يربط مفهوم النظرية في العلاقات الدولية ، بالنظرية الواقعية القائمة أساسا على متغير القوة ، فان هذا التعريف يعد ناقصا كما انه يتميز بالخصوصية ، إذ يقترن مفهوم النظرية – حسب هذا التعريف – بالمنظور الأخلاقي للعلاقات الدولية القائم على متغير الأخلاق من جهة، و دراسة الظاهرة الدولية من خلال قاعدة ما يجب أن يكون من جهة أخرى .

من خلال هذه التعاريف يمكن القول بأنه لمصطلح النظرية في العلوم الاجتماعية ، و خاصة في العلاقات الدولية مفهوما خاصا :

1- نظام استقرائي يؤدي إلى تقديم اقتراحات ( مثال نماذج مورتن كابلن )

2- تقسيم تصنيفي يمكن من تنظيم المعلومات ( مثال النظم السياسية لدافيد ايستون أو نموذج سنايدر )

3- مجموعة اقتراحات حول السلوك السياسي تنبع من الدراسات التاريخية المقارنة ( مثال : نماذج كارل دوتش )

4- تطوير مجموعة من المواقف حول السلوك العقلاني المبني على عامل مهيمن مثل القوة ( نظرية القوة عند هانس مورغنثو)

5- مجموعة من القيم التي ترسم شكل السلوك السياسي .

6- مجموعة مقترحات للعمل مقدمة لرجال السياسة.

في حين أن النظرية في العلاقات الدولية يجب أن تكون عامة ، تدرس الظاهرة الدولية من خلال كل أبعادها الزمنية : كيف كانت – كيف أصبحت – كيف ستكون ، اعتبارا أن الظاهرة الدولية هي ظاهرة متغيرة مكانا و زمانا .

مما يعني ذلك بدوره أن النظرية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بصفة خاصة ، وفي العلوم الاجتماعية بصفة عامة ، لابد أن ترتبط ارتباطا وثيقا بوظائفها ، فلا يمكن القول بوجود نظرية في أي ميدان ما لم تقم بوظائفها المتمثلة في الوصف Description ، التفسير Explanation ، و التنبؤ Prediction .

فوظيفة الوصف في نظرية العلاقات الدولية، تعني الإجابة عن سؤال، ماذا نبحث ؟ بمعني تحديد طبيعة الظاهرة الدولية، موضوع الدراسة، و التحليل بغرض معرفة ماهيتها و كينونتها.

أما عن التفسير في ميدان العلاقات الدولية بصفة خاصة، و ميدان العلوم السياسية بصفة عامة، فهو يواجه العديد من الصعوبات، نذكر منها صعوبة التحكم في الظاهرة السياسية و ضبط أطوارها و سلوكها، بالإضافة إلى صعوبة تكرار الأنماط السلوكية للناس على نحو متماثل و منتظم.

فبالرغم من هذه الصعوبات ، فان الدراسات السياسية حققت تقدما و تطورا هائلين في دراسة السلوك السياسي ، من خلال دراسة الظاهرة الدولية و متابعتها في تعاقباتها و تنقلاتها الزمكانية ، بالاعتماد على منهج التحليل المقارن الذي بفضله ازدهرت الدراسات المقارنة مند بداية السبعينات من القرن العشرين .

هناك نوعان للتفسير في ميدان العلاقات الدولية و العلوم السياسية ، و هما : تفسير وظيفي يتعلق بالوظيفة التي يؤديها كل جزء من أجزاء الظاهرة الدولية ، و تفسير سببي يتصل بالعلاقة السببية بين الظواهر و غيرها من الظواهر المدروسة ، وهو الذي يعتمد عليه النظريات التفسيرية للعلاقات الدولية ، كالاتجاه الأخلاقي.

أما عن وظيفة التنبؤ فهي تهتم بدراسة ما يجب أن يكون مستقبلا، كما تقوم بتوجيه و متابعة الظاهرة بما يتماشى و الهدف الذي تصبو إلى تحقيقه.

و يواجه التنبؤ على غرار التفسير ، صعوبات جمة ناتجة عن تعقد الظاهرة الدولية و تشابكها و صعوبة ضبطها بسبب مرونة الظاهرة الدولية من جهة ، و تغيرها الزمكاني المستمر من جهة أخرى ، و هو الأمر الذي يجعل قدرة الباحث على التنبؤ محدودة إلى حد كبير .

بعد أن عّرفنا النظرية في العلاقات الدولية، يمكن القول بان هناك خلط كبير، أو تداخل كبير بين مفهوم النظرية و العديد من المفاهيم الأخرى مثل الاتجاه و المدرسة.

فبالنسبة لطبيعة العلاقة بين النظرية و المدرسة ، يمكن القول بان هناك فرق بسيط بينهما ، لكون المدرسة قد تحمل في طياتها العديد من النظريات و التيارات الفكرية .مما يعني ذلك أن المدرسة اشمل و اعم من النظرية ، و بالتالي فالعلاقة بين المفهومين علاقة تداخل ، علاقة الجزء بالكل ، ولا يمكن أن يكون الكل مرادفا للجزء ، و العكس صحيح .

فالمدرسة تعني اصطلاحا، جماعة من العلماء و الفلاسفة لهم مذهب واحد، هدا في المعنى الضيق، أما في المعنى الواسع تعني جماعة من العلماء و الفلاسفة ينتسبون إلى مذهب واحد، أو يدافعون عن مبدأ أساسي واحد.

أما في العلاقات الدولية ، فهي تعني ذلك الطريق المتكون من مفاهيم و تقنيات و تجارب يمكن توظيفها للبت في ظواهر دولية معينة ، بالإضافة إلى ذلك فان المدرسة هنا قد تعني تيارا معينا في ساحة العلاقات الدولية ، يحاول فهم و تفسير ظاهرة العلاقات الدولية ككل ، لذلك نجد من يتبع في تحاليله في هذا المجال من التخصص المدرسة الفرنسية ، و آخر المدرسة الألمانية ، و ثالثا المدرسة الأنجلو- سكسونية…الخ لذلك نجد مسميات مثل المدرسة الأمريكية في العلاقات الدولية ، المدرسة الفرنسية في العلاقات الدولية ، المدرسة الانجليزية في العلاقات الدولية ، المدرسة السوفيتية ( سابقا ) في العلاقات الدولية …الخ

أما بالنسبة للاتجاه، ففي المعنى العام يعني ” تهيؤا عقليا لمعالجة تجربة أو موقف من المواقف تصحبه عادة استجابة خاصة، فيقال مثلا: اتجاه سياسي معتدل، اتجاهات متطرفة، اتجاه فكري، اتجاه مضاد، مواجهة الخصوم،..”

وفي المعنى الاصطلاحي، يلاحظ أن الاتجاه ” عبارة عن مشاعر أو تصورات و توجيهات يكونها الأفراد تجاه العديد من القضايا و الشخصيات ذات العلاقة بالظروف البيئية المحيطة، نتيجة التأثر بنظام المعتقدات السائدة لديهم.”

و في هذا السياق ، يمكن اعتبار الاتجاه النظري في العلاقات الدولية أيضا شبيها – إلى حد كبير – بالمدرسة طالما انه يحتوي هو الآخر عدة نظريات لعدة مفكرين ، لكنه يتميز عن المدرسة في كونه ذو نزعة إيديولوجية ترتبط بنظام القيم و المعتقدات الذي وجد فيه هؤلاء المفكرون و أولئك .و بالمقابل فان العلاقة بين النظرية و الاتجاه النظري هي علاقة احتواء الجزء ( النظرية ) في الكل ( الاتجاه النظري).

كخلاصة لهذا المبحث يمكن القول بان هناك فوارق بين مفهوم النظرية و بقية المفاهيم المتصلة بها ، رغم أن هنالك من يجعلها مرادفات لبعضها .

الفصل الثاني: مفهوم الاتجاه المعياري و أهم مدارسه

سوف نتطرق في هذا الفصل لتعريف الاتجاه المعياري و أهم المحطات التاريخية له ، كما سنتطرق لأهم المدارس التي تعتمد على الاتجاه المعياري في دراستها للعلاقات الدولية ، كل هذا سنتناوله في مبحثين على التوالي .

المبحث الأول: مفهوم الاتجاه المعياري

1- تعريف الاتجاه المعياري:

هو الاتجاه الذي يهتم بالدرجة الأولى بالأبعاد الأخلاقية و القانونية في العلاقات الدولية ، و أهميتها في تحقيق السلم الدولي و عدالة التوزيع الدولية .

و هو يسعى بذلك إلى رؤية العالم ” كما يجب أن يكون ” و ليس ” كما هو قائم “.

2- التطور التاريخي للاتجاه المعياري في العلاقات الدولية :

لقد كانت قضايا الأخلاق و القانون دائما موضع اهتمام مركزي للذين يدرسون العلاقات الدولية ، بل إن تأسيس العلاقات الدولية بوصفها فرعا من فروع من فروع البحث الأكاديمي ، كان مبعثه اعتبارات معيارية ، تسعى وراء إيجاد ” حلول ” لمشكلة استمرارية الحرب في العلاقات الدولية ، و قد وصفت هذه المرحلة أوصافا متعددة بأنها مثالية ، طوباوية …الخ

و تعود جذور الاتجاه المعياري إلى الفلسفة القديمة ، التي سعت إلى إقامة الحياة الفاضلة ، و المدينة الفاضلة ، فمن الجمهورية لأفلاطون إلى أتلانتس الجديدة لفرنسيس بيكون ، إلى الأفكار الاشتراكية التي بشرت بمواجهة الاستغلال الاقتصادي و الاجتماعي ، على يد مفكرين اشتراكيين أمثال سان سيمون و تشالز فورييه و روبرت أوين .

ففي كتاب الجمهورية الذي كتبه أفلاطون في شبابه ، و عرض فيه نظام لمدينة مثالية ، و أشار إلى العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى هذا النظام المثالي ، كما بين فيه كف ينبغي للحاكم الفيلسوف أن يحكم بالعقل و العدل و ما هي شروط الدولة الفاضلة ، ففي كتاب الجمهورية بحث نظري في الأخلاق و السياسة و التربية و الاجتماع ، فقد أشار إلى العدالة و اعتبرها أساس أي نظام سياسي سليم و بين كيفية تحقيقها ، ففي رأيه أن دور الدولة الرئيسي يتمثل في تنظيم مختلف الطبقات الاجتماعية و تقسيم العمل بين فئات المجتمع التي يقسمها إلى ثلاثة طبقات :

– طبقة الحكام الذين تسيرهم نفسهم العاقلة و يتصفون بالحكمة.

– طبقة الجنود الذين يتصفون بالشجاعة و تسيرهم نفسهم الغضبية .

– طبقة العمال الذين تسيرهم شهواتهم و يتصفون بالاعتدال و التواضع.

ومن مصلحة المجتمع أن يتولى كل فرد العمل اللائق به فلا يتولى الدفاع عن المدينة جبان، ولا يتولى

الحكم في الدولة أحمق ولا جاهل ، بل يتولاه الحكيم العاقل ليبث في النهاية أن العدالة هي الحكمة ، و معنى ذلك أن العدل لا يتحقق إلا إذا سيطرت طبقة الحكام على الطبقتين الأخريين ، لأنها هي التي تتصف بالعقل ، و معناه أن الحكم في الدولة الفاضلة ، يجب أن يسند إلى الفلاسفة لأنهم اقدر على القيام به من غيرهم لاتصافهم بالمعرفة و الفضيلة و بقدرتهم على تصور القوانين العادلة تصورا علميا ، ثم بين أن انحطاط الدولة يرجع إلى تدهور الأخلاق و التخلي عن القانون ، فالقانون عند أفلاطون ليس تعاقدا بين الأفراد لأنهم يرون فيه منفعتهم ، بل هو رابطة لا تنفصم بين الأفراد في المجتمع ، بل كان أيضا يرى فيهم كائنات اجتماعية تعيش في ظل مجتمع سياسي متماسك ، لذلك نظر إليهم ككائنات تتحكم فيها نزعات فردية ذاتية ، و في الوقت نفسه كأعضاء مواطنين في المجتمع السياسي .

و في هذا السياق كان ” ايمانويل كانط ” في فكرته حول السلم الدائم ، و كذلك جون جاك روسو يؤمنان بأنه لن تعود هناك حروب إذا قامت حكومات جمهورية ، لان الأمراء حسب رأيهم يشنون الحروب لمصلحتهم الذاتية و ليس لمصلحة شعوبهم ، و بالتالي فان تمكن الرأي العام من القيام بدوره بشكل فعال ، فلابد من أن يمنع نشوب النزاعات و الحروب .

و كذلك تعود الأفكار المعيارية إلى الأديان السماوية، التي دعت إلى التعايش السلمي بين البشر، وبشرت بالمحبة و التسامح و التعاون الإنساني، غير أنها تركت للعقل البشري مهمة تنظيم العلاقات بين الأفراد و الجماعات توخيا للسعادة و الاستقرار العام، و تحقيقا للسلم بين بني الإنسان.

غير أن هذه الأفكار المعيارية الفلسفية لم تطرح وسائل سياسية لتحويلها إلى واقع معاش فبقيت في إطار التمنيات و المثل العليا ، و ذلك نظرا لعدة أسباب نذكر من بينها :

1- الإبداع الفردي و ليس على وجود مناخ عام أو مدرسة أو منهج يتم من عدد كبير من الباحثين.

2- التركيز على قمة النظام السياسي فقط ، و عدم إعطاء قدر من الاهتمام لبقية المكونات .

3- ارتباط الإنتاج الفكري بفترة ما قبل ظهور الدولة القومية وما قبل نضجها و انتشارها ، حيث ظهرت الدولة القومية بالمعنى المتعارف عليه في القرن السابع عشر في بريطانيا ، و الثامن عشر في فرنسا و أمريكا ، و التاسع عشر في غرب أوروبا و أجزاء من وسطها ، و القرن العشرين في شرق أوربا و إفريقيا و آسيا .

4- سيطرة المنهجية الانطباعية، و الاعتماد على المعلومات التي جمعها الرحالة و المبشرون و الجوالة و التجار و الاستعماريون الأوائل.

5- تنوع و تعدد مناهج التناول و استراتيجيات المقارنة بحيث يعد كل مفكر مدرسة مستقلة بذاته .

6- ارتباط الظاهرة السياسية فهما و تفسيرا و تعليلا بالظواهر الاجتماعية الأخرى، و عدم تخصص الباحثين في الظاهرة السياسية، إذ إن معظمهم جاء من خلفيات فلسفية أو قانونية أو اقتصادية أو اجتماعية، و قد وصفوا بأنهم مفكرون موسوعيون.

7- ارتباط علم السياسة بالفلسفة، و سيادة التنظير الفلسفي، و ليس التنظير العلمي و التركيز على ما ينبغي أن يكون بغض النظر عما هو كائن.

حيث بقيت الأوضاع كما هي حتى نهاية الحرب الباردة و ظهور أول محاولة تنظيرية في العلاقات الدولية ، تمثلت في المدرسة المثالية .

غير أن الاتجاه المعياري لا ينحصر في المثالية ، و إنما في مدارس أخرى منها القانونية، كما انه استمر في تيارات أخرى كما سنبينه في الأجزاء اللاحقة للبحث.

المبحث الثاني: أهم مدارس الاتجاه المعياري

سوف نتناول في هذا الفصل أهم المدارس في الاتجاه المعياري ، و التي ارتأينا أن تكون كل من : المدرسة المثالية و المدرسة القانونية .

1- المدرسة المثالية :

أ- لمحة تاريخية عن المدرسة المثالية : برزت المدرسة المثالية في العلاقات الدولية في مرحلة مبكرة ، كمفاهيم عامة تركز على الأخلاقيات و المثل العليا و الطبيعة الإنسانية ، و ظهرت كمدرسة لها دعاتها و مفكروها في المرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى .

و هي تنطلق من المبدأ القائل بميل الإنسان الفطري أو الطبيعي نحو الخير، و لذلك فهي تبشر بالسلم و احترام أهمية الرأي العام العالمي، و دور القانون الدولي العام في ضبط العلاقات بين الدول.

حيث تعود جذور المدرسة المثالية إلى الفلسفة القديمة التي سعت إلى إقامة الحياة المثالية، على يد كل من أرسطو، أفلاطون،…الخ

كما يمكن أن نجد الأفكار المثالية في التعاليم و الفلسفات الإنسانية التي تهتم بوضع الضوابط و المعايير الأخلاقية العامة للسلوك الإنساني ، حيث تركز على استثارة الجوانب الخيرة في الطبيعة البشرية بهدف الارتقاء بالسلوك الإنساني ، بحيث يكون هذا السلوك متماشيا مع القواعد الأخلاقية التي تحث على قيم التعاون بدلا من الصراع ، و على السلام بدلا من الحلاب ، و على العدالة بدلا من الظلم …، و على سبيل المثال استوحى توماس الاكويني نظريته عن ” الحرب العادلة ” من تعاليم مسيحية حاولت الحد من الآثار السلبية الناجمة عن اللجوء المتكرر للقوة المسلحة ، و أخضعت هذه النظرية شرعية استخدام القوة لشروط عدة منها : عدالة القضية و سلامة القصد ، بالإضافة إلى عدالة الأساس القانوني .و لم يتردد عدد من الأساقفة و علماء اللاهوت الأسبان من التنديد بالاستعمار و تنفيذ الأسس التي يقوم عليها من منظور ديني .

غير أن الأفكار المثالية الفلسفية لم تطرح وسائل سياسية ، لتحويلها إلى واقع معاش ، فبقيت في إطار التمنيات و المثل العليا ، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ، التي أدت إلى بروز المدرسة المثالية ، مقابل ” تصور قائم على توازن القوى و التحالفات المقدسة ” ، والذي أدى إلى مجابهة و تدمير عالميين .

حيث نشأت المدرسة المثالية في غمرة تبسيط السياسة الدولية و جعلها في متناول مدارك الناس ، و نتيجة ازدياد الشعور الشعبي بان الحرب قد طالت حياة الجميع ، و أن من مسبباتها الأساسية ” الاتفاقيات الدولية السرية ” و سياسات بعض الدول ، و التحالفات التي كانت تعقد ، حيث جاءت المثالية معبرة عن رؤية تفاؤلية للطبيعة الإنسانية ، و القائلة بإمكانية تسوية النزاعات السياسية ، حيث تجسدت المثالية في الحقل الأكاديمي ، بدراسة و تدريس القانون الدولي و المنظمات الدولية ، بغية القضاء على النزاعات و إقامة تنظيم أفضل للعالم و خدمة أهداف السلم و دعم تطوير التفاهم الدولي . و كان من ابرز كتاب القانون الدولي و المنظمات الدولية في تلك الفترة جيمس برايرلي ، اوبنهايم ، شارلز فانويك و آخرون .

كما ساهم صك عصبة الأمم و كذلك ميثاق كيللوغ براياند الذي صدر عام 1928م ، و الذي حرم الحرب و اعتبرها غير قانونية في بلورة مقاييس كثيرة استعملتها المثالية كمعايير لمدى توافق سياسات الدول مع السلوكية الدولية التي يفترض أن ينتهجوها .

ب- أبرز مفكري المدرسة المثالية و أهم ما جاؤوا به : كانت الحرب العالمية الأولى فريدة من نوعها من حيث نوع الأسلحة المستعملة أو مدى القدرة التدميرية للدول ، كما برز دورها كذلك من الناحية الأكاديمية حيث برزت حملة تهدف إلى إدماج العامة أو الطبقات الشعبية في النقاشات أو فهم العلاقات الدولية ، و كانت المدرسة المثالية تزعم هذه الحملة .

حيث نجد الكثير من المفكرين الذين ساهموا في بناء و تنظيم المدرسة المثالية ، ومن بينهم جريمي بنتهام في القرن التاسع عشر في بلورة كثير من المفاهيم و المبادئ المثالية ، و ضمن مفهوم الأخلاقية العقلانية عند بنتهام عرّف هذا الأخير الخير ” بأنه إعطاء اكبر درجة من السيادة لأكبر عدد من الناس ” ، و امن بنتهام بوجود مقاييس أخلاقية مطلقة و رفض المنطق الذي يقول بوجود مقاييس للخير و الشر .

كما ركز جيمس ميل تلميذ بنتهام ، على الرأي العام و أهميته و ضرورة الاعتماد عليه ، و اعتبر انه حين تعرض عليه أية قضية بشكل عقلاني ، فالرأي العام يتمتع حينئذ بصوابه و صحة اختياره ، و يعمل بالتالي حسب هذا الاختيار الصحيح.

و كانت هناك قناعة عند المثاليين في القرن التاسع عشر أن نشر المعرفة يسمح لكل إنسان أن يفكر بشكل صحيح و سليم، و بالتالي أن كل من يفكر بهذا الشكل الصحيح و السليم لابد أن يتصل بالشكل ذاته. في هذا السياق كان جون جاك روسو ، و كذلك ايمانويل كانط يؤمنان بأنه لن تعود هناك حروب إذا قامت حكومات جمهورية ، لأن الأمراء حسب رأيهم يشنون الخرب لمصلحتهم الشخصية و ليس لمصلحة الشعوب . و بالتالي فإذا تمكن الرأي العام من أن يقوم بدوره بشكل فعال فلابد من أن يمنع نشوب النزاعات و الحروب.

غير أن الدعوة المثالية لم تبلغ قمتها إلا بعد انتشار أفكار الرئيس الأمريكي ولسن بعد الحرب العالمية الأولى ، و ذلك في سنة 1918 و المعروفة باسم ” مبادئ ولسن ال14 ” ، الذي كان يهدف بها إلى إرساء قواعد العالم الجديد على العدل و المساواة و السلام ، ومن أهم هذه المبادئ مايلي :

– مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها: و الذي كان موجه للشعوب الأوروبية أكثر من الشعوب الأخرى.

– اعتماد الدبلوماسية العلنية و نبذ الدبلوماسية السرية : غير انه في الممارسة بقي هذا الجانب موجود خاصة على حساب الشعوب العربية ، مثل وعد بلفور .

– إحلال مبدأ الأمن الجماعي للسلم العالمي محل مبدأ توازن القوى : حيث كانت الدول الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى تعمل على بناء الاستقرار الدولي على أساس توازن القوى ، أي أن تحاول كل دولة تحقيق أمنها من خلال قوتها الذاتية من ناحية ، أو التحالف مع الدول الأخرى الصديقة من ناحية أخرى ، لردع الدول المعادية و منعها من تحقيق أطماعها . غير انه بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى

و ما أحدثته من دمار شامل أدى إلى الاقتناع بأن تشابك المصالح و العلاقات بين الدول يمكن أن يؤدي إلى توسيع نطاق أي حرب تندلع في أي بقعة من العالم ومن ثم بدا التفكير في وضع إطار مؤسسي دائم لتحقيق السلم و الأمن الدوليين ، و هنا نلاحظ أن العالم بدا بالتشكيك في جدوى فكرة توازن القوى و قدرتها على تحقيق الأمن و التفكير في نظام آخر بديل، و هو نظام الأمن الجماعي.

– إنشاء منظمة دولية : أي إنشاء عصبة الأمم ، حيث كان الرئيس الأمريكي ويلسون من اشد رؤساء الدول حماسا لإنشاء هذه المنظمة الدولية .فقد تضمنت رسالته الشهيرة التي وجهها إلى الكونجرس الأمريكي في 8 جانفي 1918 اقتراحا بإنشاء منظمة عامة تجمع كل الدول ، بهدف منح ضمانات متبادلة للاستقلال السياسي و الحدود الدولية للدول الكبرى و الصغرى على حد سواء ، و لقد لقي هذا الاقتراح تأييدا دوليا واسعا .

حيث من الملاحظ في تلك الفترة دخلت ميزة جديدة في العلاقات الدولية و هي ظهور فاعل آخر غير الدول و هي المنظمات الدولية.غير أن الرئيس ويلسون لم يستطع أن يدافع عن مبادئه ال14 و يقنع بها ممثلي الدول الاستعمارية الكبرى، و كان أهم أثر لتلك المبادئ أنها خدعت الشعوب الصغيرة و جعلتها تعلق عليها آمالا كبيرة في مستقبل أكثر حرية و أوفى استقلالا.

ج- أهم أفكار المدرسة المثالية: رغم بعض الاختلافات غير الجوهرية بين رواد المدرسة المثالية، إلا أن هناك نوع من الإجماع حول المبادئ العامة لها، و التي تتمحور حول:

* انسجام المصالح : أي توافد مصالح الفرد الخاصة مع غيرها من مصالح الجماعة ،و هذا مبرر العلاقات السلمية في العلاقات الدولية ، فسعي الفرد لتحقيق مصالحه لا يتعارض مع سعي الجماعة لتحقيق نفس الهدف،و الذي يعني تدعيم المصالح الخاصة و مصالح الجماعة ، حيث يشكل هذا التفكير محور فلسفة انسجام المصالح ” harmony of interests “.

* المنظمات الدولية هي الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية.

* الأخلاق: يفترض المثاليون أن للأخلاق دورا هاما في العلاقات الدولية، كما بين الأفراد

و يظهر ذلك من خلال الالتزام بالمعاهدات و المواثيق الدولية، و تبني الدبلوماسية العلنية و نبذ الحرب كوسيلة لتسيير العلاقات بين الدول. حيث يعتقد المثاليون أن غياب القواعد الأخلاقية المشتركة بين الشعوب هو المسئول بشكل كبير عن اندلاع النزاعات و العنف الذي يجري بين الدول. و أن القواعد الأخلاقية تعين على إيجاد أهلية للعمل في العلاقات الدولية، و أن استخدام القوة هو عمل مدان أخلاقيا

و أن ضمان السلام يقام على أساس القيم الأخلاقية، كما أن انضمام الشعوب هذه القواعد غالبا ما يأتي على أساس الاتفاق و القناعة بدور هذه القواعد في إقامة أرضية للسلام العالمي.فضلا عن أن قبول هذه القواعد سيجعل من الصعب لكل طرف في النزاع أن يرتبط بعمل شرير ضد الآخر.

* إمكانية واتساع مجال الاختيار بين البدائل : يعتبر المثاليون أن رجل الدولة أو السياسي يملك الحرية في الاختيار بين البدائل ، كما يملك المجال الواسع في تحديد الشكل الذي يجب أن تكون عليه سياسة بلاده،و هنا تتدخل المعرفة و العقلانية و الرأي العام من اجل التوجيه إلى الاختيار الصحيح .

* القانون الدولي : استند بعض المثاليين إلى دور القانون الدولي العام في ضبط الاتصال بين الدول ، و تامين مصالحها المشتركة ، و القدرة على حل النزاعات من خلال تطبيق قواعد القانون ، و رؤوا في القانون الدولي إطارا ملزما للدول بعد أن ارتضت قواعده . حيث رأى هؤلاء أن تحسين القانون الدولي يؤدي إلى تحسين النظام الدولي ، وان نجاح أي نظام قانوني يقارن باقترابه من النظام القانوني داخل الدولة.

* دور العقلانية و المعرفة : يعتمد المثاليون في هذه المسلمة على أفكار جريمي بنتهام حول الأخلاقية العقلانية ، و التي تعني إعطاء اكبر قدر ممكن من الخير لأكبر عدد ممكن من الناس و رفض تعدد مقاييس الخير و الشر ، ومنه فالمعرفة و العقلانية هما طريق الاختيار الصحيح ، انطلاقا من توفير سبل التفكير العقلاني الذي توجهه المعرفة ،و عليه توطيد العلاقات الدولية السلمية .

* الرأي العام و الحكومة العالمية : ركزت المدرسة المثالية على دور الضمير الإنساني ، أو الضمير العالمي ، في ضبط العلاقات الدولية ، كما تمادى بعض المفكرين في التفاؤل من خلال طرح ” نظرية الحكومة العالمية ” التي تتوقع إمكانية وجود مؤسسات مركزية عالمية لها من التأثير و الفاعلية ما يخولها ضبط المصالح الدولية ،و منع وقوع الحرب.

بالإضافة إلى ذلك فان للمدرسة المثالية نظرة فلسفية في دراسة العلاقات الدولية و المتمثلة في الاهتمام ” بما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية حتى تكون فاضلة و مثالية “.

إذن فقد شكلت المثالية مقترب أخلاقي- قانوني ركز على بناء عالم أفضل خال من النزاعات.

فالقضية السياسية والأخلاقية الأساسية التي اعتبرت المدرسة المثالية أنها تواجهها كانت قضية الفجوة القائمة في العلاقات الدولية بين الواقع المتمثل في الحرب العالمية، وبين الطموح في بناء عالم أفضل.و يعتبر المثاليون أن النزاعات التي قامت في الماضي نتجت عن قوى الشر التي تهدد السلام الدولي.

و تمثل قوى الشر حسب المثاليين بقايا عصر اشرف على الانتهاء و اتسم بوجود دول تحطم بوسائل غير ديمقراطية بالمفهوم الغربي.

و اعتبروا أن وجود حكام معاديين للديمقراطية ، كما كان الحال في ألمانيا و ايطاليا ، خلال الحرب العالمية الأولى ، يؤمنون بلعبة القوة ،يهدد الأمن و السلام و يجعل الدول المحبة للسلام ضحية لها .وفي هذا السياق تصبح إقامة نظم ديمقراطية خطوة أولى نحو التخلص من النزاعات .

د- البناء النظري للمثالية :

من خلال ما سبق يمكن الوصول إلى البناء النظري للمثالية و ذلك وفق جوانب ثلاث،و هي :

– الجانب الأنتولوجي:من هذه الناحية فهي تتبنى الطرح المؤسساتي ، بمعنى أن المنظمات الدولية هي الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية ، هذا بالإضافة إلى الدول طبعا، و ذلك لان

المنظمات الدولية هي التي من شانها ضمان الأمن و السلم الدوليين، و دعم علاقات التعاون في العلاقات الدولية.

– الجانب الإبستمولوجي:تعتمد على الطرح الفلسفي ، لأنها تنطلق من فكرة الوصول إلى ما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية ، باعتمادها على الأخلاق بالدرجة الأولى و القانون .

– الجانب المنهجي: من خلال اعتمادها على المنهج القانوني لفهم العلاقات الدولية كما يجب أن تكون .

و- الانتقادات الموجهة للمدرسة المثالية و ظهور أول محاورة تنظيرية في العلاقات الدولية:

لم تلاقي الأفكار التي أطلقتها المثالية و تصوراتها حول العلاقات الدولية الاستجابة الكافية ، كما لم تؤثر في تلك الفترة في دراسة العلاقات الدولية بشكل جوهري – غير أنها استمرت في اتجاهات أخرى جديدة كما سنوضحه من خلال أجزاء البحث القادمة – ذلك أنها لم تتطرق إلى الأسباب المباشرة للحروب و النزاعات الدولية ، و بذلك لم تكن الحلول المقدمة عملية وواقعية ، لأنها بنيت على مبادئ و افتراضات خاطئة أو على الأقل ليست دقيقة ، بالإضافة إلى ذلك تصاعد المد القومي المتطرف و نجاح الأنظمة الدكتاتورية في اكتساب دعم شعوبها،و كذلك بدأ الاتجاه الواقعي في الظهور على الساحة الدولية بفعل تأثيرات الأزمة الاقتصادية عام 1929 م ، حيث ظهرت مجموعة جديدة من الباحثين الذين قرروا ألا يسقطوا في شباك مثالية لها من القوة و السحر ما منع آباؤهم من التنبؤ بنوايا الدكتاتوريات ،و بالتالي مواجهتها،عن طريق الاعتماد على مبدأ سياسات القوة كطريقة للحفاظ على الأمن العالمي. من هنا انطلق الحوار الأول في العلاقات الدولية بين كل من المثالية و الواقعية ، نتيجة الانتقادات الكبيرة التي قدمتها الواقعية للمثالية ، بأن هذه الأخيرة قد تجاوزها الواقع لاعتمادها على نظرة مثالية تأملية أو تفاؤلية لا تعتمد على قواعد واقعية.

و هنا احتدم الحوار بين الاتجاهين حول أنجع السبل لضمان السلام العالمي ، و يمكن اعتبار “ادوار هاليت كار” أفضل من بحث جوانب الخلاف الفلسفية بين المثاليين و الواقعيين ،خاصة في دراسته المنشورة عام 1939م ،والتي استند إليها أغلب الباحثين الذين جاؤوا من بعده .

حيث قيم كار المثاليين على أنهم من الناحية الفكرية ورثة التفاؤل الفكري الذي أتى به عصر التنوير في القرن ال18 ن جهة ،وليبرالية القرن ال19 من جهة ثانية،و المثالية التي اتسم بها القرن ال20 متأثرا بأفكار ويلسون من جهة ثالثة .فعلى عكس المثاليين فان الواقعيين متشائمون في نظرتهم للسياسة الدولية،كما أن الواقعيين يحددون وظيفة النظرية في العلاقات الدولية بالعمل على تقديم تفسير منطقي و عقلاني للأحداث لا العمل على تشكيل هذه الأحداث على نحو و آخر كما يفعل المثاليون بانطلاقهم من قاعدة ” ما يجب أن يكون ” وليس ” ما هو كائن “.

و من بين أهم الانتقادات الموجهة للمدرسة المثالية ما يلي :

1. أن المسلمات القائلة بخيرية الطبيعة الإنسانية و الانسجام بين المصالح ، و دور المعرفة و الأخلاق في تحقيق السلام في العلاقات الدولية ، لم تأتي عن تحليل و دراسة لأنماط سلوك الأفراد و الدول ، و أسباب النزاعات و الحروب لذلك فقد استمدت بناءها النظري من مجرد آمال و افتراضات ، ولم تشكل مقتربا حقيقيا لدراسة الظاهرة الدولية.

2. لم تنجح عصبة الأمم و لا مؤتمرات تخفيض الأسلحة في تحقيق السلام العالمي ، حيث غزت اليابان إقليم منشوريا عام 1931م ،و احتلال ايطاليا لإثيوبيا عام 1935م،في الوقت الذي وصلت فيه النازية إلى السلطة عام 1932م.

3. لم يخطر للمثاليين أن الرأي العام الذي يعولون عليه في رفض الشمولية هو نفسه الذي سيوصل ” أدولف هتلر” للسلطة و عن طريق الانتخاب.فبسبب الأوضاع السياسية و الاقتصادية و انعكاساتها ، لم يلعب الرأي العام الدور الذي افترض المثاليين أن يمارسه،إضافة إلى خضوع الرأي العام إلى سيطرة وسائل الإعلام ،و التي كانت في كثير من الأحيان تساند السياسة الرسمية للحكومات.و منه فان الرأي العام لم يتميز بحسن التمييز ولم يساهم في صنع السلام، بل كان في كثير من الأحيان يتجه نحو المطالبة بالحرب، بحكم خضوعه إلى تأثيرات سياسية و إيديولوجية، و لعل الشعب الألماني أحسن مثال على ذلك.

4. أيضا نجد بان المثالية تتجاهل دروس التاريخ،و توجه اهتمامها نحو خلق مستقبل مختلف،إذ لا يمكن الانسلاخ من التاريخ ،لان التاريخ مرآة المستقبل،حيث أن المثالي يحاول جعل النظرية السياسية بمثابة معيار لممارسة السياسة ،أي انه لا يعتمد على ما يدور في مخيلته من أفكار فقط .

5. كذلك أن المثالية لم تفسر التفاعلات الدولية الجارية و ما تنطوي عليه من صراعات قوى و تجادبات و إرادات دولية،عندما ركزت على الجانب المعنوي (القيمي) دون أن تتفحص الجانب المادي المؤثر في أنماط التفاعلات الدولية.

2- المدرسة القانونية :

أ- لمحة تاريخية عن المدرسة القانونية :

كان الموضوع الجوهري لنشأة المدرسة القانونية،هو نشأة عصبة الأمم و بعدها الأمم المتحدة،هناك بعض الاعتبارات التي تطرحها لتؤكد مصداقيتها في تحليل العلاقات الدولية.

فأنصار هذه المدرسة يقولون أن الحرب هي مجرد حدث، فكيف يمن تفاديها ؟ و إذا التوزيع الكوني للثروة غير متساو،فما هي الخطوات السلطوية التي يجب أن تتخذ لتعديل الوضع القائم ؟ و على أي قاعدة أخلاقية يجب على رجال الدولة أن يضعوا وصفا لخيارات السياسة الخارجية ؟

إذن فهذه المدرسة هي الأخرى تنطلق من فكرة ماذا يجب أن يفعل القادة السياسيين لكي يكون النظام الدولي خال من الحروب و النزاعات و حلول للأمن و السلم الدوليين.

و بالتالي قامت المدرسة القانونية على الفصل بين الفكر و الواقع،حيث ركزت بصورة شديدة على السياسة الفعلية المتمثلة في القانون العام و الدستور و الوثائق ، و قد برزت تحت تأثير الوضعية البدائية غير الناضجة و تركيزها الشديد على الحقائق المادية حتى و لو كانت زائفة،و الادعاء بأن الحقائق يمكنها من خلال هذا التحليل أن تتحدث عن نفسها ، ومن ثم أصبح التحليل الذي ينصب على البناء القانوني الرسمي هو النمط السائد من الامبريقية .

غير أن المدرسة القانونية في دراسة العلاقات الدولية كانت أكثر وضوحا و تأثيرا في مطلع القرن العشرين،و يرجع ذلك إلى عدة عوامل ،فمن ناحية شهدت بدايات القرن العشرين ثورة في صياغة الدساتير و انتشارها في أوروبا و أمريكا.و من ناحية أخرى ظهر في تلك الفترة مفهوم التدريب،سواء التدريب على المواطنة للمهاجرين الجدد،أو التدريب على الإدارة و الخدمة العامة،أو على أعمال البرلمانات،وقد انتشر مفهوم التدريب في الدول الجديدة في أوروبا،مل الدول التي توحدت حديثا كالماني التي كان لها تأثير كبير على الطلاب الأمريكان الذين تعلموا في الأكاديميات الألمانية ، و ساهموا في تأسيس أقسام العلوم السياسية بالولايات المتحدة الأمريكية . و العامل الثالث نابع من الصورة الخاصة بالنظام الأمريكي لدى الأمريكيين نفسهم ، إذ أنهم يرون أن حكومتهم هي حكومة القانون و ليس الرجال ، على الرغم من أن الرجال هم الذين يطبقون القانون ، و لذلك ففهم النظام يستلزم تحليل القانون .

بالإضافة إلى انشغال الدبلوماسية الأمريكية و اهتماماتها الجديدة بالشؤون الآسيوية و الأوروبية، دفع بعض الدارسين إلى تحليل هذه العلاقات، و تركزت دراساتهم شان غيرهم من الأوروبيين في ذلك الوقت على تحليل المعاهدات الدولية و مبادئ القانون الدولي.

وكان محور التحليل في هذه المدرسة ، هو أن حل المنازعات الدولية كان يستوجب البحث عن إجراءات قانونية لتسويتها ، كما أن تحقيق السلام و الاستقرار الدولي إنما كان ممكنا من خلال إنشاء مؤسسات دولية تكتل جهود الدول في إطار منظم للقضاء على مصادر الصراع و الحرب في المجتمع الدولي ، ومن ضمن الموضوعات التي حفل بها التحليل ، قوانين الحرب و الحياد و مشاكل التحكيم و نزع السلاح …الخ.

ثم كان لظهور عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ، اثر كبير في دفع المدرسة القانونية دفعة اكبر إلى الأمام ، حيث نشأت مراكز و معاهد متخصصة لدراسة القانون و التنظيم الدولي في دول مثل سويسرا و بريطانيا و بالولايات المتحدة الأمريكية ، و انصب اهتمام الدراسات الصادرة عن هذه المعاهد على تحليل المؤتمرات و المعاهدات الدولية و تتبع اجتماعات عصبة الأمم.

ب- أهم أفكار المدرسة القانونية :

*الفكرة العامة : الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه المدرسة هي المطابقة بين المجتمع المحلي و المجتمع الدولي ، و ذلك انه لا يمكن إقامة مجتمع دولي ما لم يخضع أفراده لقواعد السلوك ، و المقصود بذلك خضوع الدول لقواعد القانون الدولي ما تخضع المجتمعات المحلية للقوانين الخاصة .ومن ثم يكون تحليل العلاقات الدولية بناءا على سياسات الدول و مدى تطابقها مع قواعد القانون الدولي ، أكثر من الاعتماد على تحليل المتغيرات و الظروف التي تؤثر على سلوك الحكومات.و يتبادل الكتاب الرأي بشان كون تأثير القواعد القانونية في العلاقات الدولية ينطلق من الفكرة القائلة بان الدول تهتم بزيادة قوتها فقط ، أو بشكل متواضع أن الدول ستفشل في البقاء ما لم تسعى نحو زيادة قوتها.و هكذا تتبع الدول قواعد القانون الدولي لأنها تريد العيش في عالم يسوده السلام و القانون.

* دور القانون الدولي : حيث تؤكد على دور القانون الدولي في ضمان الأمن و السلم في العالم . إذ أن حل النزاعات الدولية يتطلب إيجاد الوسائل المناسبة لتسويتها، و أن ذلك يتم من خلال إنشاء مؤسسات دولية تساهم في القضاء على مصادر العدوان في المجتمع الدولي.

* أهمية المنظمات الدولية : تعد المنظمات الدولية احد أهم الأنظمة المؤسساتية للتعاون الدولي، تستمد وظيفتها من التعاون الفني و الاقتصادي في سبيل الحفاظ على السلام العالمي.

و ضمن هذا الإطار تعمل المنظمات الدولية على تطوير مفهوم الاعتماد المتبادل و الاندماج بين الفواعل الدولية، و خلق الأجواء المناسبة للتعاون الدولي وفق قواعد قانونية، سواء تعلق الأمر بالمنظمات الجهورية أو العالمية.كما أن تأسيس مثل هذه المنظمات يساعد على معالجة النزاعات الدولية بالطرق السلمية، سياسية كانت أو قانونية.و تصبح بذلك الطرق السياسية: المفاوضة، الوساطة، التحقيق…،

و الطرق القانونية: التحكيم الدولي، القضاء الدولي، هي أكثر الوسائل رواجا بين الفواعل الدولية.

* الدبلوماسية القانونية: و التي تقوم على الأسس التالية:

1. إقامة منظمة دائمة لها مسؤوليات و أهداف محددة .

2. إقامة مناقشات عامة يكون لها صدى واسع .

3. إقامة قواعد إجرائية تحكم استمرار المناقشات .

4. اعتماد نظام الأغلبية في التصويت على القرارات التي سيتم تبنيها .

إذن فهذه المدرسة تؤكد على دور القانون الدولي في ضمان الأمن و السلام العالمي ، فحل النزاعات الدولية يتطلب إيجاد الوسائل المناسبة لتسويتها،من خلال إنشاء مؤسسات دولية تساهم في القضاء على مصادر العدوان في المجتمع الدولي،عن طريق تطوير مفهوم الاعتماد المتبادل و الاندماج بين الفواعل الدولية و خلق الأجواء المناسبة للتعاون الدولي وفق قواعد قانونية،و لضمان احترام هذه القوانين لابد من توفر عقد ارادي او خيار مصنوع من طرف الدول في شكل معاهدة ، اتفاقية ، عرف عملي يؤدي إلى خلق الإجبار في الالتزام.

ج – أهم المواضيع التي تعنى بها المدرسة القانونية :

إن هذه المدرسة لا تحلل العلاقات الدولية في إطار الميكانزمات السياسية و القومية و الإستراتيجية و الإيديولوجية و السيكولوجية و الدعائية،التي تتحكم في تقرير مجرى هذه العلاقات، و إبراز كيانها على نحو أو اجر عند كل مرحلة من مراحل تطورها ، و إنما يحاول أن يقتصر التحليل على الجوانب القانونية التي تحيط بعلاقات الدول مع بعضها ، أي أن هذه المدرسة تدرس الموضوع من زاوية القانون الدولي أكثر من أي شيء آخر.

و من أمثلة الموضوعات التي تعنى بها المدرسة القانونية بدراستها و تحليلها ما يلي :

1. المعاهدات و الاتفاقيات الدولية من حيث التزامات الأطراف المتعاقدة و الجزاءات التي ينص عليها لمعاقبة الأطراف التي تخل بتعهداتها الواردة في هذه الاتفاقات ، كما ينصرف اهتمام القانون الدولي إلى التركيز على جوانب أخرى في هذا الخصوص مثل كيفية إعداد المعاهدات و السلطة الدستورية التي تملك حق التوقيع و التصديق النهائي عليها و الإجراءات التي يتم بواسطتها تسجيل هذه الاتفاقات الدولية و إعلانها في المجتمع الدولي ، بالإضافة إلى كيفية تعديل المعاهدات أو تجديدها أو إنهائها أو الانسحاب منها ، …الخ.

2. تحليل عنصر المسؤولية الدولية في تصرفات الدول ، و التمييز بين ما يعتبر مشروعا أو غير مشروع من وجهة النظر القانونية.

3. التكييف القانوني لموضوع الاعتراف recognition بالدولة أو نظام الحكم فيها و التمييز بين الاعتراف القانوني، و الاعتراف بالأمر الواقع، و الآثار المترتبة على الاعتراف أو عدم الاعتراف في علاقات الدول بعضها ببعض.

4. التكييف القانوني لموضوع الحرب من حيث ترتيب معايير يمكن الاحتكام إليها في تنفيذ شرعية الحرب كأداة في سياسات الدول من عدم شرعيتها ، و أيضا التعرض لتحليل الآثار القانونية المترتبة على الحرب مثل الضم و الإلحاق و الاحتلال ، و الحقوق و الواجبات التي يرتبها القانون الدولي للأطراف المتحاربة.

5. كيفية تسوية المنازعات الدولية بالطرق القانونية و الدبلوماسية و تحليل أهم الطرق و الإجراءات المستخدمة في هذا الصدد ، مثل الوساطة و الاستقصاء و تحري الحقائق و التحكيم و بذل المساعي الحميدة و التسويات القضائية …الخ.

6. البحث في الكيفية التي تتكون منها المنظمات الدولية و الإقليمية و الوظائف التي تقوم بها هذه المنظمات و الإجراءات التي تحكم عملها ، مثل قواعد التصويت و هل يشترط أن يتم بالأغلبية ( Majority ) أو الإجماع ( unanimity ) و شروط اكتساب عضوية هذه المنظمات الدولية و المبررات التي توجب إيقافها أو إنهائها إلى غير ذلك من الأمور التي يعنى بها دارسوا القانون الدولي عادة.

د- البناء النظري للمدرسة القانونية :

من خلال ما سبق يمكن الوصول إلى البناء النظري للمدرسة القانونية و ذلك وفق جوانب ثلاث،و هي :

– الجانب الأنتولوجي: من هذه الناحية فهي تتبنى الطرح المؤسساتي ، هذا بالإضافة إلى دور الدول طبعا، و ذلك لأن المنظمات الدولية هي التي من شأنها ضمان الأمن و السلم الدوليين ، و دعم علاقات التعاون في العلاقات الدولية ، عن طريق مراقبة مدى احترام الدول لقواعد القانون الدولي، بالإضافة إلى التوسط لحل النزاعات الدولية.

– الجانب الإبستمولوجي:تعتمد على الطرح القانوني الذي ينتهي إلى أبعاد فلسفية، لأنها تنطلق من فكرة الوصول إلى ما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية ، باعتمادها على إمكانية التزام الدول بتطبيق قواعد القانون الدولي .

– الجانب المنهجي: من خلال اعتمادها على المنهج القانوني لفهم العلاقات الدولية كما يجب آن تكون .

و- الانتقادات الموجهة للمدرسة القانونية :

هناك مجموعة من الانتقادات التي وجهت للمدرسة القانونية نذكر من أهمها :

– من الملاحظ على الكيفية التي اعتمدتها المدرسة القانونية في تحليل العلاقات الدولية ، هو أنها لم تحاول التعرض لتحليل العوامل و المتغيرات الخارجية التي تؤثر في نماذج السلوك الخارجي لكل دولة، و إنما اهتمت أساسا بالحكم على مدى قانونية هذا السلوك في إطار المقاييس القانونية المستخدمة،في حين انه هناك عدة معايير يمن الاحتكام عليها في الحكم على سلوك الدول منها السياسية و الاجتماعية ، و الثقافية …الخ

فقد بدأ هذا التحليل القانوني يهتز و يتخلخل تحت تأثير السلوك العدواني لألمانيا النازية في فترة ما بين الحربين العالميتين ، حيث اخذ كثير من الدارسين- رواد الاتجاه الواقعي م ذكرت من قبل في المدرسة المالية – يضيقون ذرعا بتحليل العلاقات الدولية من الزاوية القانونية ، أو من زاوية المؤسسات الدولية ، و إنما بدا أن هناك نقاطا أكثر إستراتيجية و حيوية تستوجب الاهتمام في تحليل العلاقات الدولية ، مثل : اعتبارات الأمن القومي،و فكرة التوسع،و النشاط الدبلوماسي و التجاري،كما اخذ التحليل الجديد يركز على الوسائل التي ظهرت في جو العلاقات الدولية ، و لم تكن مألوفة من قبل مثل : الأساليب و السياسات الدعائية،وتحريض الرأي العام في الدول الخارجية و التخريب السياسي،و غير ذلك من الأمور.

– كان الموضوع الجوهري للمدرسة القانونية هو نشأة عصبة الأمم و بعدها الأمم المتحدة، فقد استهدف المؤسسون لعصبة الأمم إنشاء هيكل مؤسساتي نظامي يهدف إلى منع الحرب و مقاومة العدوان و حل المنازعات الدولية حلا سلميا. و لكن نتيجة لحداثة التجربة ، و هيمنة القوى الاستعمارية على العلاقات الدولية ، كانت تعاني العصبة من العديد من النقائص، ومع ذلك بذلت محاولات جادة لإصلاح العصبة عن طريق تبني عدة مشاريع مثل معاهدة المساعدة المتبادلة لعام 1923م،و بروتوكول جنيف 1924م،و ميثاق لوكارنو 1925م،لكن إذا ما قيمنا التجربة بالنظر إلى مضمون العهد الذي اتفق عليه ، و الممارسة الواقعية ، نجد أن العصبة قد فشلت في وضع حد لحالات العدوان التي عصفت بالعلاقات الدولية ، مثل قيام اليابان بغزو منشوريا عام 1931،وقيام بريطانيا بغزو الحبشة في عام 1935،و الحرب الأهلية الاسبانية ما بين عام 1936-1939،و النزاع الايطالي- اليوناني في عام 1923،و النزاع الألماني- البولندي حول دانزك في عام 1939.

و بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ، جاءت مبادرة إنشاء منظمة الأمم المتحدة في يونيو 1945 ، و التي كانت تعبيرا عن الحاجة الملحة لإقامة منظمة عالمية تتجاوز نقاط الضعف التي أحاطت بالعصبة ، لكن هده المنظمة لم تستطع خلق عالم أمن ، و تطبيق القوانين على كل الدول ، و إنما سقطت في يد الدول الكبرى كأداة لخدمة مصالحها.

و باختصار يمكننا القول أن المدرسة القانونية ، لا يمكن التركيز عليها لوحدها في دراسة العلاقات الدولية ، لان هذه العلاقات لا يمكن تجريدها من صبغتها السياسية و تجميدها في إطار القواعد القانونية الشكلية ، فحقيقة أن هناك إطارا قانونيا يحيط بهذه العلاقات ، إلا أن القوى و المؤثرات التي توجهها و تتحكم فيها لا تمت إلى النواحي القانونية بصلة مباشرة ، فالذي يتحكم في هذه العلاقات هي المصالح القومية و الإستراتيجية للدول ، و العوامل الاديولوجية ، و التسابق على النفوذ السياسي و الاقتصادي.

الفصل الثالث: تقييم الاتجاه المعياري

بعدما تعرضنا لتعريف الاتجاه المعياري، تطوره التاريخي ، و أهم المدارس التي اتبعت النهج المعياري ، سوف نتطرق في هدا الفصل إلى تقييم الاتجاه المعياري بذكر أهم الانتقادات و الملاحظات حوله، و ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل ، أما في المبحث الثاني فسوف نتطرق إلى كيفية استجابة الفكر المعياري للانتقادات التي وجهت له واستمراره في تيارات أخرى .

المبحث الأول: نقد الاتجاه المعياري

هناك مجموعة من الانتقادات و الملاحظات التي وجهت للاتجاه المعياري ، و هي لا تخرج في مجملها عن الانتقادات الموجهة لكل من المدرسة المالية و المدرسة القانونية ،

ومع ذلك يمن ذكر مايلي :

1. تحدث الاتجاه المعياري عن مفهوم الإجبار أو الإلزام المعياري الدولي في العلاقات الدولية،

في حين لا نكاد نجد شيئا من هذا القبيل على مستوى الممارسة في العلاقات الدولية.

2. لا يوجد في قاموس السياسة الدولية مصطلح يسمى بالمصالح العالمية تتعامل الفواعل الدولية على أساسه، كما طرح الاتجاه المعياري، و إنما المصلحة الوطنية، و التي تتحول تدريجيا إلى مصالح متعددة الجنسيات لا تعطي أي اعتبار للمصلحة العالمية كما يطرح الاتجاه المعياري.

3. غلبة الطابع الوصفي ، حيث تم التركيز على الوصف الدقيق لتفاصيل النظام السياسي موضع البحث ، سواء أكان وصف المؤسسات الحكومية ، أو عرض الأسماء و الأحداث و الوثائق ، و من ثم لم تكن هناك مقارنة .

4. غلبة الطابع المؤسسي القانوني، حيث يكون الاهتمام فقط بالمؤسسات الرسمية و المحددات القانونية و الدستورية لها.

5. إعطاء دور كبير للأخلاق في العلاقات الدولية، و هذا عكس ما نلحظه من خلال الممارسة الدولية.

6. التضييق الشديد في إطار المقارنة و الاقتصار على النظم الغربية، حيث تم التركيز على أربع حكومات في أوروبا، هي بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.و قدمت تبريرات عديدة لهذا التوجه ، منها أن بريطانيا العظمى و الولايات المتحدة و فرنسا و ألمانيا هي الدول الأكثر أهمية ، و منها فجوة المعلومات الناتجة عن عدم التواصل مع بقية العالم ، نتيجة لعدم قناعة الباحث الغربي بنظم العالم الغير غربي التي يبدو في ظاهرها أنها تفتقد الأبنية الحكومية الرسمية ، و من ثم تركت هذه النظم لعلماء الآثار و المستشرقين و المنصرين و الدبلوماسيين الرحالة ، و قد أدى استمرار هذا التجاهل إلى غياب الدراسات عبر الثقافية مما افقد التحليل المقارن بعده الدولي.( هدا التركيز على الدول الغربية هو الذي أصبح فيما بعد يشكل أهم أزمة من أزمات التنظير للعلاقات الدولية )

7. الاتجاه المحافظ : فقد كانت بؤرة التحليل و هدفه تركز على قضية استمرار و دوام النظم السياسية وعدم تغيرها ، و الاهتمام بتطور المؤسسات عبر التاريخ ، و ليس التغير أو الانقلاب ، لذلك نظر إلى النظم غير الديمقراطية ، مثل روسيا بعد الثورة الشيوعية على أنها منحرفة عن النسق ، و ليست نظما مستقلة في ذاتها .

8. افتقاد الجانب النظري : حيث لم ينصرف الاهتمام إلى بناء النظرية الامبريقية ، أو الوصول إلى تعميمات امبريقية ، فالتنظير كان معظمه معياريا نابعا من أسس القانون الطبيعي و الأخلاق و الفلسفة ، و منصبا على كيفية تكوين المواطن الصالح الذي يعرف حقوقه وواجباته .

9. فقدان الحساسية المنهجية ، فقد اعتمد الاتجاه المعياري على أسس المحدودية المنهجية ، كذلك فان تكتيكات جمع و اختبار و تصنيف المادة كانت غير متطورة و غير منظمة ، حتى أن رئيس الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية أكد أن علم السياسة علم ملاحظة و ليس علما تجريبيا.

رغم كل هذه الانتقادات الموجهة للاتجاه المعياري ، خاصة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية و انهيار عصبة الأمم ، و التي أدت إلى انحصار الفكر المعياري عن الساحة الدولية ، غير انه ظهر في تيارات أخرى في مراحل أخرى من تطور العلاقات الدولية ، وهذا ما سنبينه في المبحث القادم.

المبحث الثاني: الفكر المعياري بين القطيعة و الاستمرارية (رصد أهم ايجابياته من خلال مراحله المختلفة)

كما ذكرت في العناصر السابقة، أن الفكر المعياري تراجع نتيجة الانتقادات الكبيرة التي قدمت له من طرف الواقعيين ، الذين اثبتوا وجودهم من خلال الاعتماد على المنطق و العقلانية و الانطلاق من تفسير الواقع كما هو ، و ليس كما يجب أن يكون .

فبالرغم من سيطرة الاتجاه الواقعي على العلاقات الدولية مند اندلاع الحرب العالمية الثانية ، إلا أن هدا لا يعني نهاية الفكر المعياري ، حيث استمر بصورة جديد و في تيارات و ممارسات أخرى ، نذكر منها الاتجاه الوظيفي بشقيه الأصلي و الجديد ، الاتجاه الليبرالي وخاصة النيوليبرالية المؤسساتية .

و نظرا لان البحوث القادمة سوف تتناول هده النظريات بالتفصيل، لذلك سوف نتناولها بشكل مختصر، وفق ما يخدم الموضوع.

فبالنسبة للوظيفية الأصلية التي برزت مع نهاية الثلاثينات و بداية الأربعينات نجد من أبرز مفكريها ” دافيد ميتراني ” الذي يشترك مع الفكر المعياري في ضرورة خلق منظمة دولية أو حكومة عالمية ، حي يعتبر ميتراني أن للدول مشكلة في حل النزاعات الدولية ، و بأنها غير قادرة على تلبية المطالب لحل تلك النزاعات ، لذلك لابد من خلق ” حكومة عالمية ” تتكاثف فيها الجهود من اجل حل تلك المشاكل ، و كذلك لابد من خلق مدارس عالمية أو دولية تعلم فيها الأجيال حب الإنسانية و احترام القانون ، إذن ففكرة ميتراني تقول بأنه يمكن أن تكون العلاقات بين الدول علاقات تعاونية ، وذلك عن طريق حكومة عالمية تسعى لتحقيق السلم و الأمن الدوليين ، و عن طريق إشباع الحاجات التي تعاني منها الدول ، وذلك بإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية بين الدول .

ما يرى كتاب الوظيفية الجديدة أمثال ارنست هاس ، الذي يرى أن المؤسسات الدولية و الإقليمية أصبحت كيانات ضرورية للدول ذات السيادة التي أصبحت قدرتها على توفير الرفاه آخذة في التناقص ، وهدا ما وفر دافعا هاما لزيادة التعاون الوثيق بين الدول الاوروبية .

و بحلول أواخر الستينات و أوائل السبعينات من القرن الماضي ، ظهر جيل جديد من البحّاثة ( لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية ) من الذين تأثروا بأدبيات التكامل الأوروبي ، في فحص اثر التحديث على نظام الدول بمزيد من العمق التحليلي . فقد رفضوا بشكل خاص النظرة إلى العالم المتمحورة حول الدولة ، و التي اعتمدها كل من الواقعيين التقليديين و السلوكيين .فلم تعد السياسة العالمية من وجهة نظرهم هي الساحة الحصرية للدول ، كما كانت في السنوات الثلاثمائة الأولى من نظام الدول الوستفالي ، ففي احد النصوص المركزية لهذا ، جادل روبرت كيوهان و جوزيف ناي ، بأن الوضع المركزي للأطراف الفاعلة الأخرى ، كان لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار ، وهنا نجد أن الصورة المهيمنة على للعلاقات الدولية هي عبارة عن شبكة الأطراف الفاعلة المتنوعة التي تربط بينها قنوات متعددة من التفاعل .

أما بالنسبة للنظرية الليبرالية فهي الأخرى تحمل في طياتها الكثير من الأفكار المعيارية ، و لكنها بدرجة اقل من المعيارية الأصلية ، فهناك من يعتبرها امتداد أو تجدد للأفكار المثالية التي سادت بعد الحرب العالمية الأولى ، و ذلك لأنها تؤكد على وجود الكثير من أشكال التعاون على المستوى الدولي ، و ليس الصراع فقط ، و ذلك عن طريق تطبيق السلم الديمقراطي ، و الاعتماد المتبادل بين وحدات النظام الدولي …الخ.

فالمعايير الليبرالية قائمة على افتراض أن الدول الديمقراطية دول يمكن التنبؤ بسلوكها في المجتمع الدولي، بما يجعل العلاقة بينها قائمة على السلام و التعاون و التكامل ، و ما إلى ذلك من القيم التي تسود بين الشعوب المتحضرة ، و على الجانب الآخر لا يمكن الوثوق بالدول غير الديمقراطية ، إذ لا توجد لديها قواعد واضحة لكيفية تصرفها في المجتمع الدولي ، بما يجعل التنبؤ بسلوكها متعذرا ، و يقلل من فرص السلام .

و يمكن تعريف السلام الديمقراطي على انه : ” قدرة بعض المجتمعات على حل خلافاتها و نزاعاتها بصورة سلمية ، على الرغم من امتلاكها لوسائل العنف “. و يقول الليبراليون أن المتغيرات السياسية المحلية تستطيع أن تعمل و أن تتفاعل عالميا ، و لدلك يجب أن يتم عن طريق إضافة آليات تساعد على ذلك ، على الصعيد الدولي ، لذا فانه يمكن استخدام السلام الليبرالي لتقييم تأثير مجموعة من الروابط السلمية التي توصف ليبراليا بأنها روابط فاعلة ، كالروابط التجارية التي تسهم في تقليل النزاعات ،

و تحول دون تعاظم فرص المواجهات العسكرية .

كما يعد الاعتماد المتبادل احد أهم المفاهيم التي أولتها الليبرالية عناية خاصة ، و هو يعني وجود حالة تكون فيها الدول أو الشعوب متأثرة بالقرارات التي تتخذ بواسطة الآخرين ، و الاعتماد المتبادل المعقد يعني وجود قنوات متعددة للتفاعل عبر الحدود بواسطة العديد من الأشخاص و المؤسسات ، و تعتبر الليبرالية المنظمات الدولية ضريبة جيدة من اجل خلق حد أدنى من التنسيق .

و يمكن القول إجمالا أن الليبرالية تنظر إلى الاعتماد المتبادل كوسيلة توصل المجتمع الدولي إلى السلام، وذلك لان أي دولتين توجد بينهما علاقات تجارية و اقتصادية وثيقة لا يمكن أن يتحاربا.

كما تؤكد الليبرالية على فكرة الأمن الجماعي ، التي ركزت عليها المدرسة المثالية ، و الذي يعرف على انه تشكيل تحالف واسع من مجموعة من الفاعلين الدوليين ، بغرض الوقوف في مواجهة أطماع احد أعضاء المجتمع الدولي .

نجد كذلك في هذا الصدد الليبرالية المؤسساتية التي تركز على الطريقة التي يمكن من خلالها للمؤسسات الدولية أن تؤثر في سلوك الدول ، بواسطة نشر قيم معينة أو خلق أنماط من السلوك المحكوم بقوانين معينة .

و التي تقوم على وجود دول عدة، تتعاون مع بعضها البعض من خلال أطر مؤسسية دولية، تتيح لها تخفيض تكاليف الصفقات التي تبرمها ، و تمدها بالمعلومات ، و تخفض احتمالية لجوء بعض الدول إلى استخدام أساليب غير مشروعة ، مثل الغش و التدليس .

ثم و بعد نهاية الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفيتي، برز جيل آخر من المثاليين، و الذين عرفوا بالمثاليين الجدد – و ذلك بمثابة إعادة إحياء الفكر المعياري بصفة مباشرة -، و الذين يعتبرون و يعتقدون بان السلام و العدالة ليسا حالتين طبيعيتين، بل هما نتاج تصميم مقصود. و علاوة على ذلك فان عملية العولمة قد زادت من ضخامة هذه المهمة .

كما يؤكد الليبراليون الجدد أن تشجيع أو حتى إكراه الدول غير الليبرالية على أن تصبح أكثر ديمقراطية ، ليس سوى جزء مما تدعو الحاجة إليه لإيجاد نظام عالمي ليبرالي حقيقي ، و انسجاما مع الماليين الأصليين ، يقول الماليون الجدد أن الإصلاح يجب أن يتم على الصعيد الدولي ، فالمؤسسات الدولية ، مثل الدول ذاتها ، بحاجة إلى أن تصبح أكثر ديمقراطية .

و في هذا الصدد يقترحون إصلاح الأمم المتحدة، أو استبدالها ببرلمان عالمي أصيل و يخضع للمساءلة.

ما يؤكدون على ضرورة احترام حقوق الإنسان ، وغرس اتفاقيات حقوق الإنسان في البرلمانات

الوطنية، و مراقبتها من قبل محكمة دولية جديدة معنية بحقوق الإنسان.

و حسب المثاليين الجدد فانه في المرحلة الأخيرة، شاهدنا تحول عددا من الدول إلى النظام الديمقراطي، لكن لم يقترن بتحويل مجتمع الدول إلى نظام ديمقراطي.

و هده مهمة تزداد إلحاحا بالنظر للمستويات الراهنة للتواصل ، حيث أن الحكومات الوطنية لم تعد مسيطرة على القوى التي تتحكم بأشكال حياة مواطنيها ، خاصة بعض ظهور مصطلح الأمن الإنساني أو البشري ، بحيث أصبحت الدولة مساءلة أمام المجتمع الدولي بخصوص الطريقة التي تعامل بها مواطنيها.

إذن فالمثالية الجديدة لا تؤكد على الإصلاح الديمقراطي المؤسسي الكلي فحسب ، بل أيضا على إشاعة الديمقراطية على صعيد القواعد الأساسية .حيث يقولون أن المجتمع المدني العالمي ينطوي على قوة تحريرية ضخمة ، كما أن تطور القانون الإنساني الدولي ، و المدى الذي يتم فيه الالتزام بهذه القوانين يصل إلى حد بعيد لملايين الأفراد النشطين المساندين لجماعات حقوق الإنسان ، مثل منظمة العفو الدولية،

و منظمة مراقبة حقوق الإنسان، و كذلك فان حركات الاحتجاج العالمية، مسئولة إلى حد بعيد عن الإحساس العالمي المتصاعد بتردي البيئة.

و كذلك فان المثاليين الجدد يعتقدون انه يجب إدخال الحركات الاجتماعية في هياكل صنع القرار ، لأنها في كثير من الأحيان اقرب إلى الناس العاديين من حكوماتهم .

أما من ناحية الممارسة الدولية، فبعدما امتازت مرحلة الحرب الباردة بتغييب الممارسات للأفكار المعيارية في العلاقات الدولية، نتيجة للحاجة الواضحة إلى الاستجابة لقضايا الأمن نتيجة للتوتر الذي كان سائدا في تلك الفترة بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي.

فان مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد شهدت تجلي الأفكار المعيارية في العلاقات الدولية بشكل واضح، من خلال تبلور فكرة الأمن الجماعي، والتي برزت معالمها بشكل واضح من خلال التحالف الدولي ضد العراق أثناء غزوه للكويت في حرب الخليج الأولى.

إذن فقد بدأ فقد شهدت الساحة الدولية خلال المراحل الأخيرة من احتضار الحرب الباردة و حتى الآن، إحياءا للقضايا المعيارية لدرجة أنها عادت الآن لتحتل مكاناً مركزياً في هذا العالم. وكان هذا يعود إلى ما أوحت به أحداث عالم الواقع، لا سيما فيتنام وحرب الخليج، وكلاهما أثارا مسائل معيارية من الدرجة الأولى حول الحرب العادلة وأخلاق التدخل. وقد أدى ظهور الليبرالية الجديدة، ولا سيما النظرية النقدية وما بعد الحداثة، إلى تشكيك واسع النطاق، ليس بالنماذج السائدة للعلاقات الدولية فحسب، بل أيضاً بمركزها ذاته بوصفها مجالاً منفصلاً ومتميزاً للبحث. فانطلاقاً من ربط العلاقات الدولية بمناظرات موازية بشأن النظرية الاجتماعية والسياسية، فإن هذا “التفكير الجديد” يتمركز على الاهتمام بـ “التحرر البشري” ويقوم بناء على ذلك بتغيير موضع حقوق الإنسان والتدخل لأسباب إنسانية والهموم الايكولوجية والبيئية وعدالة التوزيع ونقله بعيداً عن المنطقة المحيطية التي احتلتها خلال فترة التمحور حول الدولة. والنقطة المركزية في النظرية المعيارية المعاصرة هي الحوار بين “الطائفيين” و”الكوزموبوليتانيين” (العالميين). ويكمن الفرق الأساسي بين هذه المواقف، كما قال أحد المُنظِّرين الثقاة، في وجودنا المزدوج بوصفنا “بشراً” و”مواطنين”؛ أعضاء في جماعات معينة و/أو جماعات عالمية النزعة. وهذا ينطوي على وجه التحديد، على فحص طبيعة التزام البشر بعضهم إزاء بعض، وسبر المعنى الأخلاقي للدولة المستقلة. وتعد الهجمة الراديكالية على مشروع حركة التنوير الذي انطوى عليها ذلك دلالة على أن النظرية الدولية قد دارت الآن دورة كاملة وهي الآن تقوم بإعادة التفكير بالأساس الفلسفي الذي تم عليه تأسيس المشروع الانضباطي.

في الأخير بعد هذا العرض، يمكن التوصل إلى صياغة النتائج التالية، والتي تمكننا من الإجابة على الإشكالية المطروحة في بداية البحث.

يعتبر الاتجاه المعياري كأول محاولة تنظيرية في العلاقات الدولية ، وهو ينطلق من تصور مغاير لبقية الدراسات في مجال العلاقات الدولية ، وذلك بتركيزه على دراسة العلاقات الدولية كما يجب إن تكون ، واعتبار كل من الأخلاق و القانون مصطلحات مركزية في العلاقات الدولية .

وهذا ما شجع بقية الاتجاهات التنظيرية الأخرى إلى شن موجة عنيفة من الانتقادات ، خاصة الاتجاه الواقعي ، لذا بدا للوهلة الأولى أنها ضربة قاضية للاتجاه المعياري ، وذلك مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ، غير أن الفكر المعياري بقي في الكواليس واستمر في اتجاهات أخرى ، أهمها الوظيفي والليبرالي. ومن الملاحظ في هذه الفترة – أي منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية – الواقع الدولي ساهم في تهميش الفكر المعياري ، بالرغم من محاولاته لإثبات نفسه ، خاصة من خلال منظمة الأمم المتحدة ، بالإضافة إلى سيطرة الاتجاه الواقعي الذي استطاع نظرا لمتطلبات تلك المرحلة التي اعتمدت على مركزية مصطلح القوة والتسلح …الخ

ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، ونهاية الحرب الباردة ، اتجه المجتمع الدولي للاهتمام بمجموعة من القضايا ، وهنا برزت أهمية الاتجاه المعياري في اعتماده على مجموعة من الافتراضات و المسلمات ، التي تتوافق مع متطلبات النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة، مثل الديمقراطية ، حقوق الإنسان ، البيئة.

إذن يمكن الوصول إلى أن الأفكار المعيارية امتازت بالتذبذب في الظهور والتأثير في العلاقات الدولية من مرحلة لأخرى ، وذلك نظرا للانتقادات التي وجهت له ، غير أننا لا يمكن إنكار مساهمته في التنظير للعلاقات الدولية ، خاصة في الفترة بعد نهاية الحرب الباردة وبروز العديد من الممارسات – التي نادى بها الاتجاه المعياري – على الساحة الدولية .

قـائـمـة المـراجـع

المراجع باللغة العربية:

1- الكـتـب:

1. حسين السيد عدنان ، نظرية العلاقات الدولية ، بيروت ، مطبعة سيكو للنشر و التوزيع ، 2003.

2. جون بيلس و ستيف سميث ، عولمة السياسة العالمية ، ترجمة و نشر مركز الخليج للأبحاث ، 2004.

3. عامر مصباح، الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدولية، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 2006.

4. عمر عبد الحي، الفكر السياسي في العصور القديمة، لبنان، طرابلس، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، 2001.

5. سعد حقي توفيق، مبادئ العلاقات الدولية، الطبعة الأولى، عمان، دار وائل للنشر 2000.

6. محمد منذر ، مبادئ في العلاقات الدولية من النظريات إلى العولمة ، لبنان ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، 2002.

7. محمد بوعشة ، التكامل و التنازع في العلاقات الدولية ،ليبيا ، دار الجيل ، 1999.

8. نصر محمد عارف ، ابستمولوجيا السياسة المقارنة ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، 2002.

9. فتيحة النبراوي و محمد نصر مهنا ، أصول العلاقات السياسية الدولية ، الإسكندرية ، منشاة المعارف ، 1985.

10. صلاح احمد هريدي، تاريخ العلاقات الدولية و الحضارة الحديثة، الإسكندرية،دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر،2003.

11. ناصيف يوسف حتى ، النظرية في العلاقات الدولية،مصر،دار الكتاب العربي ، 1985.

2- القواميس:

1. قاموس بنغوين للعلاقات الدولية ، في ، Sales Inquiry grc.to | Cat Networks, Inc.

قـائـمـة المـراجـع

المراجع باللغة الانجليزية:

* مواقع الانترنيت:

1- Normative theory in international relations, in, Cambridge University Press

, Idealism – Wikipedia Idealism; in international relations in-2

* المقالات:

1- Emmanuel Narvon , ” the third debate revisited ” , review of international studies , 2001 , 27,611-625 copyright , British , international studies association ,

* القواميس:

1- Martin Griffiths and Terry O’Callaghan, international relations the key concepts, rout ledge, London