بقلم رنيم علي جمال الدين الغنام ، باحثة دكتوراه في العلاقات الدولية – كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

تمهيد: جذور الفكر الواقعي

يعود تاريخ ظهور الاتجاه الواقعي في الكتابات الأكاديمية إلى فترة ما بين الحربين العالميتين، وأعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد جاء بمثاية رد وانتقاد للتوجهات المثالية والقانونية التي كانت سائدة في دراسة العلاقات الدولية آنذاك. حيث كانت الواقعية تُعارض أفكار الأمن الجماعي والسلام الدولي وتراها لا تصلح لتفسير السياسة الدولية خاصة بعد فشل عصبة الأمم في منع قيام الحرب العالمية الثانية.
ويُعد كتاب “السياسة بين الأمم Politics among Nations” لهانز مورجانثو Hans Morganthau هو الأساس الأكاديمي للواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية، كما يُنظر لمؤلفه باعتباره الأب المؤسس لهذا الاتجاه.
وعلى الرغم من أن فترة ما بين الحربين هي التاريخ الذي يرجع له بداية الاتجاه الواقعي في الكتابات الأكاديمية، إلا أن الفكر الواقعي نفسه له جذور قبل تلك الفترة. فنجد له أثرًا بالقرن السابع عشر في أفكار توماس هوبز Thomas Hobbes، وفي القرن الخامس عشر مع ماكيافيللي Machiavelli، بل وحتى قبل الميلاد في القرن الخامس قبل الميلاد في أفكار ثيوسيديدس Thucydides. صحيح أنها لم تكن دراسات بالشكل المعاصر إلا أن هؤلاء كان لهم أفكار وإسهامات أثّرت في رواد الفكر الواقعي الحديث.

فالفكر الواقعي في تحليل العلاقات الدولية يُعد بمثابة مظلة فكرية شاملة، وتراكم من إسهامات العديد من المفكرين على مدار فترات زمنية متلاحقة. ويشمل في ثناياه اتجاهات فرعية ونظرية مختلفة، وآراء متنوعة من قِبل المفكرين الواقعيين. والتقسيم المعتمد للاتجاه الواقعي يُفرق بين الواقعية الكلاسيكية ورائدها هانز مورجانثوHans Morgenthau ، والواقعية الجديدة أو البنيوية ورائدها كينيث والتزKenneth Waltz ، وداخل الواقعية البنيوية اتجاهين فرعيين هما الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية. بالإضافة إلى وجود اتجاهات فرعية أخرى مثل الواقعية الكلاسيكية الجديدةNeoclassical Realism، وما يُعرف بواقعية جيلبن Gilpanian Realism، نسبة إلى رائدها روبرت جيلبن.

يتناول هذا التقرير الاتجاه الواقعي من خلال عرض المبادئ العامة للفكر الواقعي، ثم الواقعية الكلاسيكية، ثم الواقعية البنيوية بما فيها من اتجاهات فرعية دفاعية وهجومية، ثم الواقعية الكلاسيكية الجديدة، ثم واقعية جيلبن، وأخيرًا تقييم الاتجاه الواقعي.

أولًا: المبادئ العامة للاتجاه الواقعي:

على الرغم من تعدد الاتجاهات الفرعية في الواقعية، إلا أن هناك خمسة مبادئ يتفق عليها جميع الواقعيين باختلاف تصنيفاتهم. تتمثل هذا المبادئ في التالي:

1- الدولة هي الفاعل الرئيسي في العلاقات الدولية:

تُمثل الدول وحدة التحليل في الواقعية سواء في تحليل العلاقات قديمًا بين دول المدينةCity States ، أو في تحليل العلاقات بين الدول القومية المعاصرة. وهي تهتم بشكل خاص بدراسة الدول القوية التي تُشكل السياسة عالميًا، أي مثلًا التركيز على القطبين الرئيسيين أثناء الحرب الباردة، والأقطاب المتعددة قبل الحربين العالميتين. أما الفاعلين من غير الدول مثل الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية غير الحكومية، فقد اعترفت بها الواقعية الجديدة تدريجيًا غير أنها لا تزال تعتبر أن تأثيرها أقل أهمية من الدول، وتظل الدول في المنظور الواقعي الفاعل المهيمن والرئيسي (1).

2- هناك سمتان أساسيتان للدول كفواعل في البيئة الدولية:

السمة الأولى هي أن الدولة فاعل “وحدوي Unitary Actor”، فالواقعيون لأغراض تنظيرية يتصورون أن الدولة أشبه بصندوق مغلق فيما يُعرف بـ”نموذج كرة البلياردو Billiard ball model”، أي أن الدولة تواجه العالم في علاقاتها الدولية كوحدة مغلقة، ويعتبرون أن أي خلافات سياسية داخل الدولة يتم حلها مباشرة استنادًا لما تتمتع به السلطة الداخلية من قدرة على حسم هذه الخلافات، وبهذا يكون دائمًا لها رؤية واحدة في سياستها الخارجية وتفاعلها في إطار علاقاتها الخارجية. ولا ينكرون حدوث استثناءات، فأحيانًا ما تتعارض وجهات النظر بين المسؤولين في الدولة حول موضوع ما، غير أنهم يرون أن ما يحدث في هذه الحالة هو محاولة للموائمة بين وجهات النظر المتعارضة. وفي حالة كون المسألة أكثر أهمية وخطورة، تقوم السلطة الداخلية للدولة بتخطي الإجراءات البيروقراطية التي تسمح للأطراف المختلفة أن تعبر عن وجهة نظرها، وبالتالي يكون المنتج النهائي هو سياسة موحدة (2).

والسمة الثانية هي افتراض الواقعية أن الدولة فاعل رشيد Rational Actor، حيث تتطلب عملية صنع السياسة الخارجية أسلوب رشيد، ووجود أهداف محددة، ومجموعة متاحة من البدائل متوافقة مع القدرات المتوفرة للدولة مع قدرة صانع القرار على المفاضلة بين تلك البدائل بناءً على المكاسب والخسائر المتوقعة، وأن يستطيع اختيار البديل المناسب (3). والواقعيون مدركون للعوائق المختلفة المتعلقة بالممارسة في افتراض رشد الدولة كفاعل، فهم يأخذون في الاعتبار ظروف عدم التأكد التي تحيط بعملية صنع القرار وإمكانية حدوث تشويه للمعلومات، ولذلك فالمقصود بالقرار الرشيد لدى الواقعية أنه ليس القرار الأفضل بشكل مطلق ولكنه القرار المُرضي Satisfying decision أو Suboptimal (4).

3- افتراض وجود هيراركية أو تدرج في أهداف الدول:
تفترض الواقعية وجود سُلّم من الأهداف لدى كل دولة، ودائمًا ما يحتل الأمن القومي أعلى درجة بهذا السُلّم. وتُركز الواقعية على الصراعات الفعلية والمحتملة بين الدول، وذلك لاختبار كيف يمكن للاستقرار الدولي أن يتحقق، ويتم الحفاظ عليه، وكيف يتذبذب أو ينهار (5).

4- تتسم البيئة الدولية بالأناركية Anarchy:
أو الفوضوية بمعنى غياب السلطة العليا في العلاقات الدولية. أي أن الأناركية لا تعني بالضرورة الفوضى بمعنى Chaos، فهي فقط تُشير إلى غياب القوة العليا المسيطرة (6).

5- الصراع هو السمة الغالبة على البيئة الدولية:
وفقًا للواقعية، المشكلة المحورية في العلاقات الدولية تكمن في الحروب واستخدام القوة العسكرية، وأن الصفة الغالبة هي الصراع. ورغم أنهم اختلفوا في طبيعة واستمرارية هذا الصراع إلا أنهم اتفقوا على وجوده كسمة أساسية (7).

ثانيًا: الواقعية الكلاسيكية:

يُعد هانز مورجانثو رائد الفكر الواقعي الكلاسيكي، وقد تأثرت أفكاره بكتابات فلاسفة ومفكرين قدماء. ومن ثم يُمكن تناول الواقعية الكلاسيكية من خلال مرحلتين، الأولى ما قبل مورجانثو، والثانية من ثنايا أفكار مورجانثو.

1- الواقعية الكلاسيكية قبل مورجانثو:

فيما يلي موجز حول أفكار بعض الواقعيين الكلاسيكيين: ثيوسيديدس، وماكيافيللي، وتوماس هوبز، وإدوارد هاليت كار.

أ- ثيوسيديدس (471-400 ق.م) Thucydides:
هو مٌفكر يوناني عادة ما يُنسب إليه أنه مؤسس العلاقات الدولية كحقل علمي، أشهر أعماله كانت كتاباته حول تاريخ الحرب البيلوبونسية Peloponnesian War بين أثينا وإسبرطة وحلفائهما في القرن
الخامس ق.م. وترجع أهمية كتاباته إلى أنها تخطت مجرد السرد التاريخي لأحداث الحرب، بل هي دراسة للصراع من أجل القوة العسكرية والسياسية. وقد رأي ثيوسيديدس أن الصراع يحدث نتيجة لخلل في توازن القوة، وبالتالي كان من أوائل من ربطوا بين الصراعات الدولية والقوة (8).

ب- نيكولا ماكيافيللي (1469-1572) Niccolò Machiavelli:
ماكيافيلي هو فيلسوف وسياسي إيطالي، أشهر أعماله كتاب “الأمير”، والذي يوجد فيه أفكار واضحة تتماشى مع مبادئ الواقعية، فالكتاب هو بمثابة دليل إرشادي عملي حول كيفية اكتساب القوة والحفاظ عليها وتوسيعها. وأكد في أطروحته على أهمية الأمن في الدولة، وأن تحقيقه وحمايته قد يبرر أفعالًا معينة من قِبل الأمير (9).

جـ- توماس هوبز (1588-1679) Thomas Hobbes:
هوبز هو مفكر سياسي إنجليزي، أهم أعماله كتاب “الليفياتان Leviathan”، ويُعد من أوائل المفكرين اللذين طرحوا فكرة “العقد الاجتماعي” في السياسة الداخلية بين الحاكم والمحكوم من خلال افتراضه حول “حالة الطبيعة” التي عاش فيها البشر قبل نشوء المجتمعات، ووصفها بأنها حالة “حرب الكل ضد الكل”. وربط هذه الحالة بالطبيعة البشرية الشريرة والأنانية التي لابد من وجود قوة عليا تنظمها
وإلا سادت الفوضى (10).

د- إدوارد هاليت كار (1892-1982) Edward Hallett Carr:
كار هو مفكر إنجليزي معاصر لمورجانثو، ويعتبر من أوائل اللذين انتقدوا الفكر الليبرالي والمثالي الذي كان سائدًا في تحليل العلاقات الدولية في فترة ما بين الحربين العالميتين. له كتاب نُشر قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بوقت قصير يُسمى “اليوتوبيا والواقع Utopia and Reality”، شنَّ فيه هجومًا على الفكر المثالي، وألقى اللوم في نشوب الحرب العالمية الأولى على تجاهل عامل القوة. وبالنسبة له تنقسم الدول إلى فئتين “من يملكون have” و”من لا يملكون have-nots”. ويُفسِر التفاوت الذي لا مفر منه بين الفئتين بأن الدول التي تمتلك الثروة والنفوذ هي التي تكتفي بالوضع القائم Status Quo States، والدول التي
لا تمتلك وغير الراضية وهي الدول التي تسعى لتغيير الوضع القائم. لذلك يرى كار أن الافتراض المثالي القائل بأن هناك مصلحة عالمية في السلام هو افتراض يتجاهل الحقيقة الثابتة -من وجهة نظره- للتباعد في المصالح بين الدول الراغبة في الحفاظ على الوضع القائم والدول الراغبة في تغييره (11).

2- الواقعية الكلاسيكية من ثنايا فكر مورجانثو:

هانز مورجانثو هو مؤسس الواقعية الكلاسيكية، وهو أول من صاغ مبادئ الواقعية السياسية في أسس واضحة تعد إسهامًا أكاديميًا. فيما يلي مبادئ مورجانثو الستة للواقعية الكلاسيكية (12).

أ- تعتقد الواقعية أن الظواهر السياسية، كسائر الظواهر الاجتماعية، تحكمها قوانين موضوعية نابعة من الطبيعة الإنسانية ذاتها:
يرى مورجانثو أن السمة الغالبة على البيئة الدولية هي “صراع لا نهائي من أجل القوة Never-ending Struggle for power among states”، وأرجع السبب في ذلك إلى النزعة البشرية التي التي تُسمى “animus dominandi” وهي كلمة لاتينية يُقصد بها النزعة البشرية الطبيعية في السيطرة والهيمنة. وهذه الرؤية لدى مورجانثو متأثرة بفكرة حالة الطبيعة لدى هوبز وحرب الكل ضد الكل (13).

ب- الدعامة الأساسية في فهم وتحليل بيئة السياسة الدولية هي مفهوم المصلحة القومية، والتي تكمن في القوة:
يرى مورجانثو أن بدون مفهوم المصلحة لا يمكن التمييز بين الحقائق السياسية وغير السياسية، فالمعيار لديه هو افتراض أن رجال الدولة يفكرون ويتصرفون من منظور المصلحة المحددة على أنها القوة، والأدلة التاريخية تثبت صحة هذا الافتراض. وانتقد مورجانثو في هذا الإطار نيفيل تشامبرلين Neville Chamberlain (رئيس وزراء بريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية) ووصف سياسته بأنها سياسات “استرضاء”، وأنها كانت مدفوعة بأفكار مثالية كالسعي للحفاظ على السلام، غير أن هذه السياسات جعلت الحرب العالمية الثانية حتمية. في حين أن سياسات وينستون تشرشل Winston Churchill كانت أقل عالمية في نطاقها وموجهة بشكل أضيق نحو المصالح القومية للمملكة المتحدة، ومع ذلك فإن السياسات الخارجية التي انبثقت عن هذه الدوافع الأدنى كانت “أفضل” أخلاقيًا وسياسيًا.

جـ – إن استهداف الدول للقوة يعد معيارًا موضوعيًا صالحًا لتفسير سلوك الدول على المستوى العالمي:
يؤكد مورجانثو أنه لفهم سلوك الدول في المجال الخارجي لابد من البحث عن مصلحتهم من وراء اتباع هذا السلوك، وكيف يُعظّم هذا السلوك من قوة الدولة ومن ثم يمكن فهمه.

د- أعظم “قيمة” للدولة هي ضمان البقاء والاستمرارية:
ينص مبدأ مورجانثو الرابع على أن “الواقعية السياسية تدرك الأهمية الأخلاقية للعمل السياسي”، ومع ذلك يؤكد أنه لا يمكن تطبيق المبادئ الأخلاقية العالمية على تصرفات الدول في صياغتها العالمية المجردة، ولكن يجب على الواقعي انتقاء المبادئ الأخلاقية ذات الصلة بسياسة معينة من خلال الظروف الزمانية والمكانية. فقد يقول الفرد لنفسه: “Fiat justia، pereat mundus (دع العدالة تتحقق، حتى لو هلك العالم)”، لكن ليس للدولة الحق في قول ذلك باسم من هم تحت رعايتها، فإن للفرد حقًا أخلاقيًا في التضحية بنفسه دفاعًا عن مبدأ أخلاقي يؤمن به كالحرية أو العدالة، في حين أن رجل الدولة لا يستطيع فعل ذلك لأن لديه قيمة عليا ملتزم بها هي ضمان البقاء لدولته. مما يعني أن رجل الدولة يتحمل مسؤولية أكبر بكثير من مسؤولية الفرد لأنه مسؤول أمام شعب بلده الذي يعتمد عليه في بقائهم. ومن ثم فهناك معيار مختلف لتقييم “الأخلاق السياسية”، فهي تحكم على تصرفات رجال الدولة من خلال نتائجها السياسية، بينما تحكم الأخلاقيات الإنسانية على العمل غير السياسي من خلال توافقه مع المبادئ الأخلاقية.

ه- ترفض الواقعية السياسية فكرة إلزام الدول في علاقاتها الخارجية بالمبادئ الأخلاقية المتعارف عليها بين الأفراد، لأن أولوياتها دائمًا حماية المصلحة:
يرى مورجانثو أنه من الخطر فرض أيديولوجية معينة على أمة لأن ذلك يهدد السلم والأمن الدوليين. ويؤكد أن النظر إلى جميع الدول من خلال مفهوم المصلحة المحدد من حيث القوة هو السبيل الوحيد لفهم سياسات الدول، لأنه إذا نظر المرء إلى جميع الدول، بما في ذلك دولته، ككيانات سياسية تسعى لتحقيق مصالحها المحددة من حيث القوة، فسيكون قادرًا على إنصافهم جميعًا. كما سيكون قادرًا على الحكم على الأمم الأخرى كما يحكم على أمته، وبعد أن حكم عليهم بهذه الطريقة، سيكون قادرًا على اتباع سياسات تحترم مصالح الدول الأخرى، مع حماية وتعزيز مصالح أمته.

و- تحرص الواقعية السياسية على استقلالية المجال السياسي:
يؤكد مورجانثو في مبدأه السادس أن التحليل السياسي لابد أن يرتبط بمفهوم القوة. حيث يُحذِّر من أن السياسة قد تم توجيهها مرارًا وتكرارًا من خلال المبادئ القانونية والأخلاقية بدلاً من الاعتبارات السياسية البحتة. ونتيجة لذلك، تعرضت سلطة الدولة ورفاهية مواطنيها للخطر بشكل متكرر في الأمثلة التاريخية. ويُشير في هذا الصدد أن سياسة فرنسا وبريطانيا العظمى كانت مثالًا على النزعة القانونية من حيث أنها سمحت للبعد القانوني، الشرعي في مجالها، بتحديد أفعالهما السياسية. فيما كان عليهم عليهم الأخذ في الاعتبار البُعد المتعلق بالقانون، وكذلك البُعد المتعلق بالقوة.

كما أكد مورجانثو على أهمية أن يحافظ الواقعي السياسي على استقلالية المجال السياسي، كما يحافظ الاقتصادي والمحامي والأخلاقي على استقلال مجالاتهم، أي أنهم يفكرون من منظور المصلحة التي تُعرّف على أنها القوة، كما يُفكر الاقتصادي من منظور المصلحة التي تُعرّف بالثروة؛ والقانوني، من حيث مطابقة الدعوى للقواعد القانونية؛ والأخلاقي، من توافق العمل مع المبادئ الأخلاقية. فيسأل الخبير الاقتصادي: “كيف تؤثر هذه السياسة على ثروة المجتمع ، أو جزء منه؟” ويسأل القانوني: هل هذه السياسة متوافقة مع قواعد القانون؟، ويسأل الأخلاقي: “هل هذه السياسة متوافقة مع المبادئ الأخلاقية؟” ويتساءل الواقعي السياسي: “كيف تؤثر هذه السياسة على قوة الدولة؟”.

ثالثًا: الواقعية البنيوية:

يُعد كينيث والتز هو مؤسس الاتجاه الواقعي البنيوي في كتابه “نظرية السياسة الدولية Theory of International Politics” الصادر عام 1979. وفيما يلي أفكار كينيث والتز بإيجاز، ثم بيان الفروق بين الواقعية الجديدة والواقعية الكلاسيكية.

1- موجز أفكار كينيث والتز:
انطلق والتز في تحليله من التركيز على البِنيَّة الفوضوية للنسق الدولي، باعتبار أن هذه البِنيَّة وليس الطبيعة
البشرية -كما يرى الكلاسيكيون- هي المحدد لسلوك الدول. وذلك لأنه من الصعب تحديد الطبيعة البشرية وفق معايير علمية صارمة، وأن التركيز على الجوانب الشخصية لصنّاع القرار ليس من شأنه أن يقود إلى فهم صحيح لحقائق العلاقات الدولية. وعليه تجاهلت الواقعية الجديدة فرضية الطبيعة البشرية، وركزت على تأثير بِنيَّة النسق الدولي، والذي يتكون -وفقًا- لوالتز من قوى عظمى يسعى كًلا منها للبقاء. وقد أسس والتز فكرته على ثلاثة افتراضات تتمثل في التالي (14):

أ- الافتراض الأول يتعلق بالمبادئ التي يُدار النسق الدولي وفقًا لها، حيث فرّق بين قانونيّن مُنظميّن هما الهيراركيةHierarchy ، والأناركيةAnarchy . ورأى أن النسق الدولي يتسم بالفوضى حيث لا وجود لسلطة فوق الدول، وبالتالي لا مجال لتدرج سلطوي هرمي، وكل الدول باختلاف قدراتها تُمثل وحدات النسق المتفاعلة، أي أن النسق الدولي يعبر عن بيئة قوامها تعدد مراكز القوى بتعدد الدول.
ب- يتعلق الافتراض الثاني بطبيعة الوحدات (الدول)، فوالتز يرى أنه في ظل نسق فوضوي يتكون من وحدات ذات سيادة يكون من الطبيعي أن تتصرف كافة الوحدات بذات الطريقة، إذ تسعى كل الدول إلى تحقيق أمنها.
جـ- يتمثل الافتراض الثالث في وجود توزيع معين لعناصر القوة بين مختلف وحدات النسق.
ويؤكد والتز أن أي تغيير يطرأ على أي من هذه العناصر الثلاث سيؤدي إلى تغيير بِنيَّة النسق.

2- الاختلاف بين الواقعية الكلاسيكية والواقعية البنيوية:

بصفة عامة تتفق الواقعية البنيوية مع افتراضات الواقعية الكلاسيكية في معظم النقاط، إلا أن محور الاختلاف الذي جعل من الواقعية البنيوية اتجاه جديد هو الاختلاف في العنصر المفسر للصراع الدولي، أو لماذا تريد الدول القوة؟.

فالواقعية الكلاسيكية تُرجع السبب للطبيعة البشرية الشريرة التي تدفع نحو الرغبة في الهيمنة والسيطرة، أما الواقعية الجديدة فقد أرجعت السبب إلى بِنيَّة Structure النسق الدولي، ولهذا تُسمى الواقعية البنيوية Structural Realism. بعبارة أخرى فإن الواقعية الكلاسيكية ترى أن الفوضى أو الأناركية في البيئة الدولية هي حالة على المستوى الدولي، والدول تتفاعل في ظلها اعتمادًا على حجمها وموقعها وقوتها الداخلية وقدرات قيادتها السياسية، مدفوعة بنزعة السيطرة والبحث عن القوة. بينما الواقعية البنيوية ترى أن الفوضى التي تسود النسق الدولي تُقيّد تصرفات كافة الدول أيًا كانت قدراتها، وتدفعها لسلك سلوك مُعين (15).

رابعًا: الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية:
يتم فيما يلي مناقشة الفرق بين الواقعية الدفاعية والهجومية من خلال المقابلة بين أفكار والتز -كأبرز الواقعيين الدفاعيين- وأفكار جون ميرشايمر كأهم الواقعيين الهجوميين، ثم عرض مثال تطبيقي للتحليل للمقارنة بين التحليل الواقعي الدفاعي والهجومي.

1- الفرق بين الواقعية الدفاعية والهجومية:
الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية هما اتجاهان فرعيان يندرجان تحت الواقعية البنيوية. ورائد الواقعية الدفاعية هو كينيث والتز. أما فرع الواقعية الهجومية فقد نشأ نتيجة لاختلاف بعض المفكريين البنيويين في تفسيرهم لسلوك الدول بين الميل لتغيير الوضع القائم، أو الإبقاء عليه. وأبرز المفكريين الواقعيين الهجوميين هو جون ميرشايمر، ووردت أفكاره في كتابه “مأساة سياسات القوى العظمى Tragedy of great power politics” الصادر عام 2001.

يدور محور الاختلاف بين الواقعية الدفاعية والهجومية في عبارة واحدة هي: “ما حجم القوة الذي تريده الدول How much power states want” (16).
فكلًا من والتز وميرشايمر يبدآن افتراضاتهم بمقدمات متشابهة من الواقعية البنيوية، حيث يرى والتز أن البِنيَّة الأناركية للنسق الدولي تُحفز الدول على التوسع على حساب الدول الأخرى، ويرى ميرشايمر أن الطبيعة الأناركية التي تتسم بها البيئة الدولية تدفع الدول إلى اتباع سلوكيات معينة يغلب عليها الصراع.

لكن يأتي الاختلاف في أن والتز يرى أن السلوك التوسعي أو الذي يسعى لزيادة قوة الدولة يحدث في ظروف محددة فقط وليس هو السمة الغالبة ولا المستمرة (17).
في حين أن ميرشايمر يرى أن السلوك الساعي لزيادة قوة الدولة هو أمر مستمر ولا بديل عنه (18).

يبني والتز والدفاعيين تفسيرهم على أساس أن اختيار الدولة لاتباع سلوك هجومي بتغيير الوضع القائم، أو سلوك دفاعي بالحفاظ على الوضع القائم يتحدد وفقًا لما يُسمى التوازن الدفاعي الهجومي Offense-defence balance، فإذا ارتأت الدولة أن السلوك الهجومي (الذي يزيد من قوتها) سيضمن تحقيق أهدافها وحماية مصالحها بشكل أكبر من السلوك الدفاعي (الذي يكتفي بالحفاظ على قوتها الحالية)، فإنها تتجه للهجوم والعكس صحيح. ويرى والتز أن التوازن الدفاعي الهجومي غالبًا ما يكون في صالح الدفاع، لأن المخاطرة في الهجوم كبيرة، وبالتالي تسعى الدولة للحفاظ على الوضع القائم، أو اتباع السياسات الدفاعية (19).
بينما يرى ميرشايمر أن سياسات الوضع القائم نادرًا ما تظهر في العلاقات الدولية، وأن الدول تطوق للحصول على أكبر قدر ممكن من القوة النسبية في مواجهة الدول الأخرى، وأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لضمان البقاء، وإن بِنيَّة النسق نفسها تخلق دوافع قوية لدى الدول لتسعى للحصول على مزيد من القوة في مواجهة الدول الأخرى (20).

وهما في هذا الصدد يختلفان حول ما يُعرف في الواقعية بـ”معضلة الأمن Security Dilemma”. كان أول من ذكر هذا المصطلح هو جون هيرز John Herz في مقالة نُشرت عام 1950، حيث وضّح أن السياسة الدولية تواجه معضلة أمنية دائمة، في ظل عدم الثقة المتبادلة وعدم شعور الدول بالأمان، تسعى كلًا منها لزيادة قوتها، وفي سعيها هذا تزيد من عدم الأمان لدى الدول الأخرى ومن ثم تسعى إلى العمل على زيادة قوتها، وهكذا في حلقة لا نهائية (21).

يرى والتز والواقعيين الدفاعيين أن بسبب معضلة الأمن تكون احتمالية الحرب ضعيفة، حيث لا سبيل لتخطيها إلا بتحقق توازن القوى، وحينها تسعى الدول للحفاظ عليه. أما ميرشايمر والهجومين فيروّن العكس، أن معضلة الأمن تؤكد على سعي الدول لزيادة قوتها، فكل دولة ليس بمقدورها التأكد على نحو يقيني من نوايا الدول الأخرى، ولأن كافة الدول أولويتها هي البقاء، ستحرص حتمًا على زيادة قوتها في مواجهة
الدول الأخرى (22).

بالإضافة إلى ذلك، يرى الواقعيون الهجوميون أن الواقعية الدفاعية غير قادرة على تفسير السياسات التوسعية في العلاقات الدولية. وأكد ميرشايمر على حقيقة السلوك الهجومي للدول الذي يهدف لتعظيم القوة، وأن الواقعية الهجومية نظرية وصفية، تصف كيف تسلك الدول في المجال الخارجي، وكذلك هي رؤية حول ما يجب أن تتبعه الدول لتحقيق بقاءها، وانتقد الواقعية الدفاعية لأنه يرى أن تركيزها ينصب على محاولة الدول الحفاظ على توازن القوى بدلًا من أن تحاول تحسين مكانتها في ذلك التوازن (23).

2- مثال تطبيقي للتحليل الدفاعي والهجومي:
من أبرز الملفات التطبيقية التي تُظهر الاختلاف بين الواقعيين الدفاعيين والهجوميين في التحليل هو ملف الصعود الصيني، وما إذا كانت ستتابع الصعود السلمي وتكتفي به، أم أنها في مرحلة مستقبلية مع عدد سكانها الضخم واقتصادها المتنامي، ستسعى لبناء جيش قوي هائل وأن تُصبح قوة عسكرية تطمح لتغيير
الوضع القائم.

أ- التحليل الواقعي الهجومي:
يتوقع المنظور الواقعي الهجومي قيام الصين الصاعدة بمحاولة أن تصبح قوة مهيمنة إقليميًا في آسيا، وستسعى إلى تعظيم فجوة القوة بينها وبين جيرانها لصالحها، وخاصة اليابان وروسيا بحيث تتأكد أنها قوية بما يكفي ولا توجد دولة في محيطها الإقليمي لديها ما يكفي لتهديدها. ومن المرجح أيضًا أن تحاول الصين إخراج القوات العسكرية الأمريكية من آسيا، بنفس الطريقة التي دفعت بها الولايات المتحدة الأمريكية القوى العظمى إلى خارج نصف الكرة الغربي في القرن التاسع عشر.

وفي المقابل ستعمل الولايات المتحدة لاحتواء الصين وإضعافها إلى الحد الذي تصبح فيه لا تشكل تهديدًا للسيطرة على آسيا، ومن المرجح أيضًا أن تتصرف الولايات المتحدة تجاه الصين بنفس الطريقة التي تصرفت بها تجاه الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. ومن المؤكد أن جيران الصين يخشون صعودها، وسوف يفعلون كل ما في وسعهم لمنعها من تحقيق الهيمنة الإقليمية، ويظهر ذلك في قلق دول مثل الهند واليابان وروسيا، فضلًا عن القوى الأصغر مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وفايتنام بشأن الصعود الصيني، وبحثهم عن طرق لاحتوائها. وبالتالي من المرجح أن تنضم هذه القوى إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة لكبح الصعود الصيني، تمامًا مثل المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وحتى الصين في إحدى المراحل أثناء الحرب الباردة (24).

ب- التحليل الواقعي الدفاعي:
ترى الواقعية الدفاعية أن المنافسة الأمنية لن تنتهي تمامًا من آسيا، إلا أنهم يقدمون أسبابًا تدفع للاعتقاد بأن المنافسة الأمنية الناتجة عن صعود الصين لن تكون شديدة، ولن تصل للدرجة التي يصفها الواقعيون الهجوميون. فهم يروّن أن الصين ستكون قادرة على التعايش السلمي مع كل جيرانها وكذلك مع الولايات المتحدة، لأنها تدرك أنه ليس من مصلحتها السعي إلى الهيمنة في ظل علمها بأن تشكيل خصومها لتحالف موازن هو أمر مرجح (25).

ويرى الواقعيون الدفاعيون أن الصين ستميل للتصرف مثل بسمارك الذي لم يحاول أبدًا السيطرة على أوروبا، لكنه مازال نجح في جعل ألمانيا قوة عظمى، وليس مثل القيصر فيلهلم أو هتلر على سبيل المثال اللذين قاما بالهجوم ومحاولة الهيمنة وقادوا ألمانيا للخراب. وهذا لا يُنكر إقرار الدفاعيين أن الصين ستحاول كسب القوة في آسيا، لكن بِنيَّة النسق ستفرض عليها أن يكون لطموحها حدودًا، وألا تحاول تعظيم نصيبها من القوة العالمية، ومن ثم يكون من السهل احتواء الصين القوية ذات الرغبة “المحدودة” في الهيمنة من خلال إشراكها، والتشارك معها في المساعي التعاونية. كما أنهم يرجحون أن الأسلحة النووية تمثل سببًا آخر لاستبعاد احتمالية السلوك الهجومي للصين، حيث تمتلك كلًا من الهند وروسيا والولايات المتحدة ترسانات نووية، وبالتالي من المنطقي أن تتصرف الصين بحذر تجاههم خوفًا من إثارة صراع قد يتصاعد للمستوى النووي (26).
خامسًا: الواقعية الكلاسيكية الجديدة Neoclassical Realism:
رائد هذا الاتجاه هو جيديون روز Gideon Rose، وقد تكلم عنه في مقالة نُشرت عام 1988.

تجمع الواقعية الكلاسيكية الجديدة بين العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع الموجودة في الواقعية الكلاسيكية، وبين التركيز على القيود التي تفرضها بِنيَّة النسق في الواقعية البنيوية (27).
جاء هذا الاتجاه في محاولة لسد ثغرتين في التحليل الواقعي البنيوي لكينيث والتز. الثغرة الأولى هي أن تركيز الواقعية البنيوية على بِنيَّة النسق واستبعادها للخصائص على مستوى الوحدة (داخل الدولة) يمنعها من استخدامها كنظرية للسياسة الخارجية. ومن ثم تحاول الواقعية الكلاسيكية الجديدة شرح ما تفعله الدول، ولماذا تفعله. والثغرة الثانية أن الواقعية الدفاعية غير مناسبة لشرح سلوك الدول “المُرضي Suboptimal”، أي السلوك دون المستوى الأمثل في ضوء قيود بِنيَّة النسق الدولي، نظرًا لتوقعهم المشترك بأن التوازن أمر شائع، وبالتالي يواجهون تحديًا في تفسير السلوك العدواني للدول (28).
تتعامل الواقعية الكلاسيكية الجديدة مع هذه الثغرات التي تراها باستخدام ما يُعرف بنموذج “حزام انتقال الإشارات Transmission belt” حيث يتم انتقاء القيود الموجودة على مستوى النسق من خلال المتغيرات على مستوى الوحدة لإخراج سلوكيات حالة محددة. بعبارة أخرى الكيفية التي يتم بها تفسير البيئة الخارجية من قَبل صانعي القرار، وكيف يتم توظيف الموارد لمواجهة التحديات التي تواجه الدولة هي عوامل تلعب دورًا رئيسيَا في كيفية استجابة الدول للضغوط في النسق الدولي. ويجادل هذا الاتجاه أن تلك المتغيرات المتداخلة على المستوى المحلي غالبًا ما تؤدي بالدول إلى تبني سياسات لا تعد استجابات مناسبة للقيود النسقية، فالكيفية التي تحدد بها الدولة ثم تختار الاستجابة المباشرة للإشارات من النسق الدولي (مثل ظهور تهديد جديد أو فرصة للتوسع) يعتمد إلى حد كبير على كيفية إدراك صانعي القرار كأفراد لتلك القيود، وما إذا كانت الدولة لديها القدرة على الرد عليها في الوقت المناسب وبطريقة فعّالة (29).

كما يؤكد هذا الاتجاه أن نطاق وطموح السياسة الخارجة لدولة ما مدفوعان أولًا وقبل كل شئ بالقوة المادية النسبية للدولة. ومع ذلك فهي تؤكد أن تأثير قدرات وقوة الدولة في السياسة الخارجية غير مباشر ومعقد، لأنه يجب ترجمة الضغوط المنهجية من البيئة من خلال متغيرات متداخلة على مستوى الوحدة، مثل تصورات صانعي القرار، ونظام الحكم في الدولة، وبالتالي فإن فهم الروابط بين القوة والسياسة Policy يتطلب فحصًا دقيقًا لكلٍ من السياقيّن الدولي والمحلي الذي يتم من خلاله صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها (30).

ويوضح الشكل التالي الفروق الأهم بين الاتجاهات الفرعية للواقعية؛ الكلاسيكية، والبنيوية (دفاعية وهجومية)، والكلاسيكية الجديدة:

سادسًا: واقعية جيلبنGilpanian Realism :

روبرت جيلبن (1930-2018) Robert Gilpin هو مفكر واقعي يُصنف نفسه أنه من الواقعيين الذين يركزون على دور الدولة State-centric realist مثل مورجانثو وكار. يتميز جيلبن بإسهاماته في الاقتصاد السياسي الدولي، حيث اهتم بالعامل الاقتصادي وما يُثيره في السياسة الدولية من خلال منظور تحليل واقعي. كما أنه يُعد مؤسس فرع في الاتجاه الواقعي يُسمى “واقعية الصعود والهبوط Rise and fall Realism” وذلك بسبب تقديمه لنظرية حول صعود وهبوط القوى العظمى. فيما يلي موجز حول أفكار جيلبن المتعلقة بالعامل الاقتصادي، ثم نظريته حول صعود وهبوط الدول.

1- أفكار جيلبن في الاقتصاد السياسي الدولي:
انتقد جيلبن الفكرة الليبرالية القائلة بأن تنامي الاعتماد الاقتصادي المتبادل يهدد وضع القوة العسكرية القمعية ويقلل من أهميتها، فهو يرى أن الأداة القمعية للدول هي المتغير المُحقق للاعتماد الاقتصادي المتبادل في الأساس. ويستند قي فكرته إلى أن الأسواق الداخلية تعتمد على نقل البضائع والخدمات بواسطة آلية أسعار فعّالة بين أشخاص من القطاع الخاص يتبادلون حقوق الملكية. لكن الأسواق نفسها تعتمد على الدولة لتؤمّن -بواسطة القمع- التنظيم والضرائب، وكل ما لا تستطيع أن توفره بنفسها مثل البِنيَّة التحتية القانونية لحقوق المليكة، ووسيلة تبادل مستقرة للعملة وغيرها. وهذا في إطار حدود الدولة داخليًا، أما على المستوى العالمي، فإن استقرار التبادل الدولي بالصورة الليبرالية يعتمد على وجود “مهيمن” قادر على توفير “السلع العامة” ويقبل بهذه المهمة، كتوفير القانون والنظام والعملة المستقرة لتمويل التجارة (31).
كما رد جيلبن على الانتقاد الموجّه للواقعية حول تجاهلها لدور الفاعلين من غير الدول مثل الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية غير الحكومية، فتكلم مثلًا عن الشركات متعددة الجنسيات التي كانت بعض الآراء الليبرالية ترى أن نشاطها يتعدى سيطرة الحكومات، فرأى أن فهم هذه النشاطات يندرج فقط في إطار الاقتصاد الليبرالي المفتوح المقام برعاية الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، بمعنى أن النظام الاقتصادي الذي يسمح بوجود نفوذ لمثل هذه الشركات هو بالأساس مُقام تحت رعاية دولة، ومن ثم تظل الدولة هي الأساس في التحليل (32).

2- صعود وهبوط الدول ونظرية “التغيير” (33):
ميّز جيلبن بين ثلاثة أنواع من “التغيير” في البيئة الدولية كالتالي:
أ- تغيير التفاعل Interaction Change:
يشير تغيير التفاعل إلى تغيّر العلاقات بين الدول في إطار توازن معين للقوى.
ب- التغيير المنهجي Systemic change:
يُقصد بالتغيير المنهجي الحوكمة الكلية للنظام، وعدد القوى العظمى داخله، والتحول في هوية القوى المهيمنة، ويحدث عادةً بعد حرب منهجية تنطوي على تحديات ومحاولات للحفاظ على التوزيع
الحالي للقوة.

جـ- تغيير الأنساق Systems change:
تغيير الأنظمة هو تحول جذري في الأطراف الفاعلة وبالتالي طبيعة النسق في حد ذاته. على سبيل المثال، التحول من الإمبراطوريات إلى الدول القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وانطلاقًا من هذا التمييز، وضع جيلبن نظرية التغيير الدوري في النسق الدولي Cyclical Theory
Of Change in the International System، والتي تتكون من خمسة افتراضات هي:

أ- يكون النسق الدولي في حالة استقرار (توازن) عندما لا تؤمن أي دولة فيه بفائدة تغييره.
ب- ستحاول دولة ما تغيير النسق الدولي إذا كانت الأرباح المتوقعة تفوق التكاليف المتوقعة.
جـ- ستسعى دولة ما إلى النسق الدولي عبر توسع جغرافي واقتصادي وسياسي حتى تصبح التكاليف الهامشية لأي تغيير إضافي مساوية للفوائد المتوقعة أو تفوقها.
د- متى يتم التوصل إلى التوازن بين التكاليف والفوائد الخاصة بأي تغيير مقبل، أو بأي توسع، تنزع التكاليف الاقتصادية الخاصة بالحفاظ على الوضع القائم إلى الارتفاع بسرعة أكبر من سرعة تزايد المقدرة الاقتصادية على الحفاظ على الوضع القائم.
ه- إن استعصى حل فقدان التوازن في النسق الدولي، فإن النسق سيتغير وسينجم عنه توازن جديد يعكس إعادة توزيع القوة.
توصل جيلبن من خلال افتراضاته إلى أن كل الدول المهيمنة زائلة، لأن تكاليف الحفاظ عليها ترتفع بسرعة أكبر من الموارد المتوفرة للقيام بهذه المهمة، وطبّق نظريته على الولايات المتحدة الأمريكية فترة الحرب الباردة كأحد القطبين المهيمنين آنذاك، وتوقع بناءً على نظريته أن الولايات المتحدة في طريقها إلى نهاية هيمنتها. وهو الأمر الذي قلل من أهمية نظريته نسبيًا، نظرًا لأن ما حدث كان تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء هيمنته وليس كما توقع زوال الولايات المتحدة كمهيمن. إلا أن ضعف القدرة التنبؤية لنظريته لا يجعلها
غير صالحة بشكل مطلق، فلا شك أن لها أهمية تفسيرية.

تعقيب: تقييم الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية

وُجِهَ للاتجاه الواقعي العديد من الانتقادات، سواء من أنصار الاتجاهات النظرية الأخرى، أو حتى انتقادات بينية بين الواقعيين بعضهم بعضا، فالتقسيمات الفرعية داخل الواقعية نتجت بالأساس من خلال انتقادهم لبعضهم. ويمكن رصد أبرز الانتقادات للاتجاه الواقعي فيما يلي:
1- وصف الليبراليين الواقعية بأنها اتجاه لا أخلاقي، حيث لا يعطي وزنًا للعوامل القيمية في العلاقات الدولية، وهو محل الخلاف الرئيسي والفرق الأبرز بين الواقعية والليبرالية.
2- تم توجيه نقد للواقعية بسبب تقليلها من أهمية دور الفاعلين من غير الدول، والتركيز المفرط
على الدولة وحدها.
3- اُنتقد مفهوم القوة لدى مورجانثو من قبل ريمون آرون (مؤرخ ومفكر واقعي) ووصفه بأنه مفهوم مبهم وغامض لا يصلح للاعتماد الكلي عليه في التحليل.
4- انتقد ميرشايمر والهجوميون أفكار كينيث والتز لافتقارها للتأصيل التاريخي، وعجزها عن تفسير السياسات التوسعية للدول.
5- قام اتجاه الواقعية الكلاسيكية الجديدة على أساس انتقاد كينيث والتز وتطوير نظريته.
6- وُجِهَ انتقاد للواقعيين بشأن تعاملهم مع الدولة كفاعل وحدوي، والتقليل من شأن العوامل الداخلية والمجتمعية.

وعلى الرغم من هذه الانتقادات وغيرها، يظل الاتجاه الواقعي هو المنظور الرائد في تحليل العلاقات الدولية، فلا شك أن الاتجاه الواقعي قد أسس لرواسخ في دراسة العلاقات الدولية.

الهوامش:

(*) هذا التقرير جزء من تكليفات مُقرر الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدولية، تحت إشراف الأستاذة الدكتورة ليلى أمين مُرسي، 2022.
(1) Viotti, Paul R. & Mark V.Kauppi, International Relations Theory, Pearson, 5th Edition, UK, 2014, P. 40.
(2) Idem., P. 38.
(3) Ibid.
(4) Nester, William, International Relations: Politics and Economics in the 21st Century, Wandworth Thomson Learning, USA, 2001, P. 11.
(5) Viotti, Paul R. & Mark V.Kauppi, Op.cit., P. 38.
(6) Nye Jr., Joseph S. & David A. Welch, Understanding global conflict and cooperation: An Introduction to theory and history, 8th Edition, Longman, USA, 2011, P. 4.
(7) Ibid.
(8) See:
– Dunne, Tim, et. al., International Relations Theories: Discipline and Diversity, 2nd Edition, Oxford University Press, USA, 2010, P. 61-73.
– Viotti, Paul R. & Mark V.Kauppi, Op.cit., P. 42-44.
(9) See:
– Viotti, Paul R. & Mark V.Kauppi, Op.cit., P. 45.
– Devetak, Richard (ed.), An Introduction to International Relations, 2nd Edition, Cambridge University Press, USA, 2012, P. 39.
(10) Viotti, Paul R. & Mark V.Kauppi, Op.cit., P. 47.
(11) Devetak, Richard (ed.), Op.cit., P. 39.
(12) See: Morgenthau, Hans J., Politics among nations: the struggle for power and peace, 4th Edition, Scientific book agency, USA, 1967.
(13) Elman, Colin, & Micheal A. Jensen, Realism Reader, Routledge, USA, 2014, P. 189.
(14) Waltz, Kenneth N., Theory of International Politics, Addison-Wesley Publishing Company, USA, 1979, P. 79-92.
(15) Idem., P. 102-129.
(16) Elman, Colin, & Micheal A. Jensen, Op.cit., P. 189-195.
(17) Waltz, Kenneth N., Op.cit., P. 105.
(18) Mearsheimer, John J., The Tragedy of Great Power Politics, W. W. Nanon & Company, USA, 2001, P. 35-36.
(19) Elman, Colin, & Micheal A. Jensen, Op.cit., P. 189-195.
(20) Ibid.
(21) Mearsheimer, John J., Op.cit., P. 37.
(22) Elman, Colin, & Micheal A. Jensen, Op.cit., P. 189-195.
(23) Nye Jr., Joseph S. & David A. Welch, Op.cit., P. 4.
(24) Dunne, Tim, et. al., Op.cit., P. 88-89.
(25) Idem., P. 90.
(26) Ibid.
(27) Elman, Colin, & Micheal A. Jensen, Op.cit., P. 253.
(28) Idem., P. 243.
(29) Ibid.
(30) Rose, Gideon, Neoclassical Realism and theories of foreign policy, World Politics, vol. 51, no. 1, Cambridge University press, 1988, P. 72-144.
(31) Griffiths, Martin, Fifty key thinkers in International Relations, Routledge, USA and Canada, 1999,
P. 12-13.
(32) Idem., P. 12-13.
(33) Idem., P. 13-14.

قائمة المراجع

أولًا: الكتب:

– Devetak, Richard (ed.), An Introduction to International Relations, 2nd Edition, Cambridge University Press, USA, 2012.

– Dunne, Tim, et. al., International Relations Theories: Discipline and Diversity, 2nd Edition, Oxford University Press, USA, 2010.

– Elman, Colin, & Micheal A. Jensen, Realism Reader, Routledge, USA, 2014.

– Griffiths, Martin, Fifty key thinkers in International Relations, Routledge, USA and Canada, 1999.

– Mearsheimer, John J., The Tragedy of Great Power Politics, W. W. Nanon & Company, USA, 2001.

– Morgenthau, Hans J., Politics among nations: the struggle for power and peace, 4th Edition, Scientific book agency, USA, 1967.

– Nester, William, International Relations: Politics and Economics in the 21st Century, Wandworth Thomson Learning, USA, 2001.

– Nye Jr., Joseph S. & David A. Welch, Understanding global conflict and cooperation: An Introduction to theory and history, 8th Edition, Longman, USA, 2011.

– Viotti, Paul R. & Mark V.Kauppi, International Relations Theory, Pearson, 5th Edition, UK, 2014.

– Waltz, Kenneth N., Theory of International Politics, Addison-Wesley Publishing Company, USA, 1979.

ثانيًا: الدوريات العلمية:
– Rose, Gideon, Neoclassical Realism and theories of foreign policy, World Politics, vol. 51, no. 1, Cambridge University press, 1988, P. 72-144.