1-مقدمة عامة لموضوع الاتفاقيات الجماعية للعمل :

     لقانون العمل مصادر ذاتية تميزه عن غيره من القوانين الأخرى ، في مقدمتها المصادر الدولية المتجسدة في الاتفاقات الدولية  الصادرة عن منضمة العمل الدولية  و العربية إلى جانب المصادر الرسمية الداخلية أو الوطنية منها ما هو في الأصل من إنشاء الدولة ، “D’origine étatique” كالمبادئ الدستورية و النصوص التشريعية والتنظيمية ومنها ما هو خاص بقانون العمل ناتج عن التفاوض الجماعي  بين الشركاء الاجتماعيين أي نقابة العمال والهيئة المستخدمة (الاتفاقيات الجماعية للعمل) أو عن تصرف بالإرادة المنفردة (النظام الداخلي) .

    و الاتفاقيات الجماعية للعمل باعتبارها موضوع مذكرتنا تعتبر من أهم المصادر التي  يقوم عليها قانون العمل، كونها  تحقق التكافؤ في القدرة على التفاوض  بين العمال و  أصحاب العمل ذالك أن تكتل العمال كمجموعة تشكل طرفا واحدا يحقق نوعا من  التوازن بين الطرفين، إذ تكافؤ القوة الاجتماعية للعمال القوة الاقتصادية لأصحاب العمل  وبذالك يمكن للعمال تحقيق مكاسب ما كانوا ليحققوها بعقودهم الفردية .

       كما تبرز أهمية الاتفاقية الجماعية للعمل في كونها تكمل النصوص القانونية المنظمة  لعلاقات العمل و ذالك بتفصيل العام منها و جعله يكون أكثر ملائمة لظروف  المؤسسة أو قطاع النشاط الذي ينتمي إليه ، ومن أمثلة ذالك اعتماد نضام خاص  بالتعويضات و توزيع ساعات العمل خلال الأسبوع و تحديد مدة التجربة لمختلف الفئات المهنية داخل المؤسسة أو بتقرير حقوق إضافية للعمال لم تكن مقررة له قانونا ، كما أن المشرع قد يقتبس بعض أحكام الاتفاقيات الجماعية التي تثبت التجربة العملية نجاحها بالإضافة إلى اعتبارها وسيلة من وسائل السلم الاجتماعي،لأنها تحد من نشوب منازعات العمل و الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية و بالتالي فإنها تحافظ على النظام العام الاقتصادي و الاجتماعي  وبعد التطرق إلى أهمية الاتفاقيات الجماعية للعمل تثار الإشكالات التالية:

ما هي اتفاقيات العمل الجماعية و ما هي المواضيع التي تعالجها و ما دورها في  منازعات العمل؟

     وللإجابة على هذه الإشكالات قسمنا بحثنا إلى فصلين و يتناول الفصل الأول ماهية الاتفاقية الجماعية و شروط إعدادها وذلك بالتطرق إلى مختلف التعريفات التي وردت في منظمتي العمل الدولية ، و العربية و من طرف المشرع الجزائري ، بالإضافة إلى الشروط الموضوعية ، و الشكلية لإعدادها ، ونتطرق في الفصل الثاني إلى مضمونها و دورها في تسوية منازعات العمل الفردية و الجماعية .  

ملخص دراسة الاتفاقيات الجماعية للعمل :

1- لمذا تعتبر الاتفاقيات الجماعية مصدر من مصادر قانون العمل؟:

     إن الاتفاقيات الجماعية للعمل مصدر من أهم مصادر قانون العمل لأنها تعتبر ثمرة التفاوض الجماعي بين الشركاء الاجتماعيين ، كما أن هذه الأخيرة تخضع لمبدأ تدرج القوانين ، بحيث لا يمكن لبنودها أن تخالف الأحكام الواردة في النصوص التشريعية و التنظيمية ، ولا للقواعد المتعلقة بالنظام العام الاجتماعي ، كما لا يمكنها أن تضمن أحكام أقل نفعا للعمال من الأحكام المقررة قانونا ، و إلا اعتبرت باطلة و عديمة الأثر ، غير انه و خلافا للمبدأ السالف الذكر ، تطبق أحكام الاتفاقية الجماعية للعمل ، حتى ولو كانت أحكامها مخالفة لنصوص التشريعية و التنظيمية ، و الأوامر الآمرة المتعلقة بالنظام العام ، متى منحت العامل حقوقا أكثر نفعا من تلك المكرسة قانونا .

2- الجانب الإجرائي و الموضوعي للإتفاقيات الجماعية:

     من خلال دراستنا لموضوع الاتفاقيات الجماعية للعمل اتضحت لنا بعض الملاحظات من الواجب إثارتها ، و يمكن تقسيم هذه  الملاحظات ، بملاحظات خاصة بالجانب الإجرائي ، و ملاحظات خاص بالجانب الموضوعي، أي مضمون الاتفاقيات الجماعية للعمل 

     فيما يتعلق بالملاحظات المتعلقة بالجانب الشكلي ، استقراء لنصوص التشريعية يتبين لنا أن المشرع الجزائري  لم يلزم صاحب العمل و لا المنظمات النقابية بالتفاوض الجماعي بنص صريح ، تاركا الحرية في ذلك لأطراف العلاقة ، غير أنه إذا أبدى أحد أطراف العلاقة نيته في التفاوض ، و طلك بتقديم طلب مع تحديد الآجال ، وجب على الطرف المقابل الجلوس على طاولة التفاوض ، و إلا تعرض إلى عقوبات جزائية .

3- نوع العقوبات الجزائية في اتفاقيات العمل :

     وما يلاحظ أن العقوبة الجزائية المقررة ضد الطرف الذي يرفض التفاوض الجماعي ، بعد أن يبدي الطرف الثاني رغبته فيه هي غير ردعية و رمزية ، و هي ملاحظة خاصة بجميع العقوبات الجزائية الموجودة في تشريع العمل الجزائري .

      نظرا للأهمية الكبرى التي تلعبها الاتفاقيات الجماعية للعمل نرى ضرورة تدخل المشرع ، لوضع نص قانوني يلزم أطراف علاقة العمل بالتفاوض الجماعي ، على غرار ما ذهب إليه المشرع الفرنسي و المغربي .

4- كيف تنظم عملية التفاوض في الإتفاقيات ؟ :

لاحظنا من خلال دراستنا للموضوع ، ومن خلال إطلاعنا المتواضع على بعض الاتفاقيات الجماعية ، أنه ليس هناك أحكام تنظم إجراءات و سير عملية التفاوض ، لذا نرى ضرورة تحديد هذه الإجراءات ضمن الاتفاقيات الجماعية ، أو بموجب اتفاق جماعي لاحق للاتفاقية الجماعية للعمل ، على أن يخضع هذا الأخير لنفس الإجراءات الشكلية للاتفاقيات الجماعية .

5- كيف يتم الإنضمام للإتفاقية الجماعية ؟ :

     كما يلاحظ أن المشرع الجزائري أجاز انضمام أطراف غير أصليين للاتفاقية الجماعية ، بموجب اتفاق مشترك توقه الأطراف المنضمة إليها ، إلا أن المشرع الجزائري لم يحدد الإجراءات الشكلية الواجب إتباعها في عملية الانضمام ، لذا يجب إتباع الإجراءات المنصوص عليها في التشريعات المقارنة ، وذلك بإخطار الأطراف الأصلية في الاتفاقية الجماعية بالانضمام ، ثم تسجيل اتفاق الانضمام لدى مفتشية العمل المختصة إقليميا ، و إيداع نسخة منه لد أمانة ضبط المحكمة المختصة ، و التزام صاحب العمل بإشهاره وسط العمال .

6- اللغة المشترطة لكتابة الاتفاقية :

      كما أن المشرع لجزائري لم يشترط لغة معينة لكتابة الاتفاقيات الجماعية ، بحيث لم يرد نص صريح بشأنها ، لذلك وجدنا في الواقع العملي أن معظم الاتفاقيات الجماعية مكتوبة باللغة الفرنسية ، لذلك كان على المشرع الجزائري أن يحذوا حذو المشرع الفرنسي و يحدد لغة كتابة الاتفاقية الجماعية وذلك غما باللغة العربية أو بلغة عربية و أخرى أجنبية ، خاصة مع صدور قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، الذي نص في مادته الثامنة على ضرورة تقديم الوثائق و المستندات باللغة العربية ، علما أنه في حالة نزاع فردي للعمل بعد عدم المصالحة يمكن أن يعرض النزاع على القسم الاجتماعي بالمحكمة ، و يمكن أيضا أن يلجأ القاضي إلى الاتفاقية أو الاتفاق الجماعي للعمل للبث  في النزاع .

كما يتضح أن مختلف القوانين المقارنة تدخلت لتحديد عدد نسخ الاتفاقية الجماعية التي يجب إيداعها لدى الجهات الإدارية المختصة ، أما المشرع الجزائري فقد سكت عن ذلك لذا نرى ضرورة تحديده لذلك .

أما فيما يتعلق بالملاحظات المتعلقة بمضمون الاتفاقيات و الاتفاقات الجماعية للعمل نجد أن بعضها حدد السن القانوني للعمل ب 18 ستة علما أن القانون اشترط 16 سنة فقط .

7- آثار الإتفاقية الجماعية للعمل على الأطراف :

يلاحظ أيضا أن هناك بعض الاتفاقيات الجماعية اعتبرت تأدية الخدمة الوطنية منهية لعلاقة  العمل علما أن هذا الشرط مخالف للقانون لأن القيام بتأدية الخدمة الوطنية هو حالة من حالات الانتداب و بالتالي علاقة العمل لا تنتهي و إنما توقف إلى حين إنهاء الالتزام من طرف العامل المعني به  .

وكذلك هناك بعض الاتفاقيات الجماعية للعمل منحت الأولوية عند التشغيل لأبناء العمال المتقاعدين ، و كذا أبناء العمال العاملين ، غذ يعد هذا الامتياز مخالف لأحكام القانون رقم 90 – 11 المتعلق بعلاقات العمل ، التي أكدت على ضرورة المساواة بين العمال في الحقوق و الواجبات ، و عدم التمييز بينهم في التشغيل على أساس الاعتبارات النسبية أو الاجتماعية ، أو القرابة العائلية 

حتى تلعب الاتفاقيات الجماعية دورها نرى حسب رأينا المتواضع و البسيط جدا ضرورة استعانة أطراف التفاوض أثناء إعداد الاتفاقيات و الاتفاقات الجماعية للعمل بأعضاء مفتشية العمل و أهل الخبرة .       

 التحميل :

لتحميل المذكرة اضغط على الرابط التالي: الاتفاقيات الجماعية للعمل