قضايا سياسية

الاخوان المسلمون بين القهر والزهو

وليد عبد الحي

تتناوب الدول العربية بدءا بمصر مرورا بتونس وسوريا والإمارات المتحدة على الضغط بمستويات مختلفة على حركة الاخوان المسلمين،كما كانت الجزائر قد أخذت دورها في مرحلة مبكرة من التسعينات من القرن الماضي، ناهيك عن مشادات بمستوى أقل في الأردن،ويبدو أن دول الخليج باستثناء قطر تغذي هذه الضغوط.
ولما كان الاخوان المسلمون في مصر هم رافعة هذه الحركة التي لها امتداد قوي في الجسد الاجتماعي العربي،فإن احتمال حل هذه الجماعة-أو الجماعات- يشكل في تقديري مغامرة في غاية الخطورة،فهذه الحركة لها رصيد شعبي واسع ،بل يمكن اعتباره الرصيد الأكبر مقارنة ببقية الأحزاب العربية الأخرى العلمانية والدينية على حد سواء،وهو ما يعني أن حظرها سيؤسس لاحتقان اجتماعي سياسي،وقد يتطور لتنظيمات سرية مسلحة تجر الدول نحو مواجهات طويلة ترهق اقتصادها فوق الإنهاك الذي يعيشه حاليا.
من ناحية أخرى،وبعيدا عن التقييم المتشنج لهذه الحركة الإسلامية، فإنني أرى أنها تعبير عن إرث ثقافي وحضاري عمره يتجاوز الخمسة عشر قرنا، فلا يجوز بأي شكل من الأشكال تجاوزه، وقد سعى عبدالناصر لتغييب هذه الحركة، ونجح في تغييبها مؤقتا ولكن الناصرية انهارت لتنهض هذه الحركة مرة أخرى نظرا لبيئة عقلية ووجدانية تحتضنها.
إن حظر هذه الحركة في أية دولة عربية هو “رعونة سياسية “وتعبير عن “ثأر سياسي” أكثر منه تعبيرا عن وعي بمكونات مجتمعاتنا التي لا يمكن القفز عنها إذا أردنا بناء نظم سياسية قابلة للتطور.
بالمقابل ، فإن الإخوان المسلمين أسرى “زهو إدراك” بأن الحقيقة في جيوبهم، وبأن ما يعتقدونه هو “الحقيقة” وما خلاه ليس إلا ترهات ومؤامرات وفسق …ومن المؤكد أن لهم الحق في الاعتقاد والزهو، شريطة أن لا يكونوا محاكم تفتيش لغيرهم، فيصبح الفن والفلسفة والفكر الآخر انحراف وتجديف، فإذا اعتقدوا أن صلاح “آخره لا يكون إلا بما صلح به أوله”،فإن عليهم أن يقروا بحق الآخرين بأن يروا أن آخره لا يصلح بما صلح به أوله بل وأن ينتقد أوله…فللمتدين كل الحق في عرض رأية والدفاع عنه فكريا مثلما للآخر الحق الموازي…
وبالمقابل على العلمانيين العرب أن لا يتعالوا على مطالب الإسلاميين بل لا بد أن يقبلوا طرحها، فعلى سبيل المثال لا يجوز نفي حق الإسلاميين المطالبة بتضمين دساتيرنا إقرارا بدور الشريعة، ويكفي أن أشير-مثلا- إلى أن الدستور السويدي يمنع الإعدام لأنه لا يتفق والعقيدة المسيحية،كما ينص هذا الدستور على أن الكنيسة اللوثرية هي الكنيسة الرسمية،وأن الملك وأعضاء المجلس الوطني يجب أن يكونوا من المذهب الانجيلي، وفى اليونان ينص دستورها على أن كل من يعتلي سدة الحكم يجب أن يكون من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.وفي الدنمارك ينص دستورها على أن يكون الملك من أتباع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية ، ويحصر بيان الحقوق البريطاني منذ أواخر القرن السابع عشر وحتى الآن ميراث العرش البريطانى للبروتستانت ، كما يثبت دستور نيوزيلندا أن دين الدولة هو الأنجليكانية(روم كاثوليك)، أما في الأرجنتين فى أمريكا الجنوبية، فالمادة الثانية من الدستور تنص على أن الحكومة الاتحادية تدعم الرومانية الكاثوليكية الرسولية.
إن الإلغاء المتبادل لن يزيد مجتمعاتنا إلا دما ودموعا وعرقا…وإن الآليات الديمقراطية التشاركية لا الاستحواذية والمتعالية هي التي توفر بيئة للتقدم مع مجتمعات العالم الأخرى…

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock