سعى الدراسة إلى التوصل إلى تعريف شامل للاستراتيجية الکبرى في مجال السياسة الخارجية، وفضلاً عن التعرف على أبرز أنماطها وصورها المختلفة، وکذا البحث عن العوامل المسببة لديناميکية هذه الاستراتيجيات. وتکمن مشکلة الدراسة في الإجانة عن تساؤل رئيس قوامه: ما ماهية الاستراتيجيات الکبرى وما صورها وما العوامل المسببة لديناميکيتها؟، وحتى تحقق الدراسة الأهداف التي تصبو إليها فسوف تسلک المنهج الاختباري في مجال الدراسات السياسية، علاوة على الاسترشاد ببعض النماذج المعنية ببحث أسباب ديناميکية الاستراتيجيات الکبرى مثل نموذج Thompson ، ونموذج Richard Rumelt، ونموذج Kingdon. وحتى يتمکن الباحث من التوصل إلى النتائج المنشودة من الدراسة، فسوف يقوم بتقسيم الدراسة إلى ثلاثة مباحث، وهي: المبحث الأول: وفيه يعرض الباحث لأبرز تعريفات الاستراتيجية الکبرى في مجال السياسة الخارجية، بينما سيصب الباحث اهتمامه في المبحث الثاني لعرض صور وأنماط الاستراتيجيات الکبرى، وسوف يتناول الفصل الثالث والأخير العوامل المسببة لديناميکية الاستراتيجيات الکبرى، وسوف يذيل الباحث الدراسة بخاتمة وفيها يعرض الباحث للنتائج التي خلص إليها من الدراسة.

المؤلف
عادل زعلوک 
جامعة الاسکندرية،کلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية
مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 12، المجلد 17، العدد 16، أكتوبر 2022، الصفحة 379-412

مقدمة

     يضرب مفهوم الاستراتيجيات الكبرىGrand strategies بجذوره في أعماق التاريخ: فلقد عرفها الرومان، إذ عثر على جدران منقوش عليها ما يفيد التخطيط طويل الأجل في المجال العسكري، كما عكف الإمبراطور فيليب الثاني خلال الفترة(1554-1598) على صياغة استراتيجيات من شأنها أن ترسي دعائم الإمبراطورية الإسبانية وكذا تعينه على تحقيق طموحاته التوسعية داخل أوروبا وخارجها ، كما أجاد أباطرة الإمبراطورية الروسية قرابة قرنين من الزمان إلا عشرين عاماً وتحديداً في الفترة (1650-1830) فن خط الاستراتيجيات وإعمالها ، ويرجع الفضل في تطوير مفهوم الاستراتيجيات الكبرى في العصر الحديث إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كانتا لهما دوراً لا يمكن إغفاله في تشكيل مفهوم الاستراتيجية عند المفكرين المعاصرين.

      وبات مصطلح الاستراتيجية الكبرى” grand strategy” في الآونة الأخيرة واحداً من أبرز المصطلحات العلمية المؤطرة التي شغلت ومازالت تشغل بال المعنين بالشئون الخارجية والاستراتيجية (الساسة منهم والمنظرين، العقلانيين منهم والتفسيريين، والواقعيين منهم والليبراليين لا سيما بعد أن ذاع صيت استخدام هذا المفهوم على يد الواقعيين النيو كلاسيك أمثال: جاك سنايدر ورفاقه من النيو كلاسيك). والحق أن صياغة الاستراتيجيات الكبرى وترسيخ مبادئها ليست حكراً البتة على الدول الكبرى أو القوى العظمى Great powers وفقط وإنما قد تقدم الدول الصغرى الطامحة على مثل هذه الخطوة وتضع لها استراتيجية كبرى، ولكن هيهات بين استراتيجية كبرى توضع من قبل قوة دولية كبرى تبنى دعائمها على قدر هائل من القدرات واستراتيجيات كبرى لدول صغرى Small State لا يملك بعضها أحياناً قدرات الدفاع عن الذات . وعلى أية حال استقراء الاستراتيجيات الكبرى في مجال السياسة الخارجية يشي بتنوع مفاهيمها وتعدد ضرويها وبواعث ديناميكيتها، ومن هنا يمكن القول: بإنه تتمثل المشكلة البحثية للدراسة في تساؤل مفاده: ما ماهية الاستراتيجيات الكبرى وما صورها وما العوامل المسببة لديناميكيتها؟

     وبناءً على هذا التساؤل تصبو الدراسة إلى التوصل إلى بضعة أهداف، وهي التعريف بالاستراتيجيات الكبرى في مجال السياسة الخارجية، وكذا تفنيد صورها المختلفة، فضلاً عن سبر أغوار العوامل المسببة لديناميكية هذه الاستراتيجيات. وتقيداً بطيعة موضوع الدراسة والأهداف المنشودة منها، ستتقيد الدراسة بالمنهج الاختباري، فضلاً عن الارتكاز على بعض النماذج المعنية ببحث أسباب ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى مثل نموذج Thompson ، نموذج Richard Rumelt، ونموذج Kingdon.

تقسيم الدراسة: سيفرد الباحث المبحث الأول من هذه الدراسة لتناول أبرز المفاهيم التي قُدمت في التعريف بالاستراتيجيات الكبرى، وسيُخصص المبحث الثاني لعرض صور الاستراتيجيات الكبرى، وفي المبحث الثالث سيعرض الباحث عوامل ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى.

            المبحث الأول: التعريف بالاستراتيجيات الكبرى في مجال السياسة الخارجية

       ظهر مفهوم الاستراتيجية الكبرى في الفكر المعاصر للوهلة الأولى –كما أشار إلى ذلك المفكر Martel- في كتابات المفكرين العسكريين، ثم تداوله المؤرخون، ونقل بعد ذلك إلى الكتابات العلمية في حقلي العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، وحظى هذا مفهوم الاستراتيجية الكبرى باهتمام واعتناء كبيرين من قبل المنظرين في حقل العلاقات الدولية نظراً لما يتيحه فهم هذا المفهوم ليس فقط من سبر أغوار حقيقة سلوكيات الدول في المجال الدولي وإنما التوقع بشأن أنشطتها التي من المتعين أن تمارسها في المستقبل كذلك ، غير أن مفهوم الاستراتيجيات الكبرى في مجال العلاقات الدولية–كما صرح بذلك Lukas Milevski -مازال من المفاهيم التي ينتابها الغموض؛ إذ إنه لم يتمكن المفكرون على اختلاف مشاربهم وتطلعاتهم ومذاهبهم حتى الآونة الأخيرة من التوصل إلى مفهوم واحد مترابطة مفرداته وواضح معالمه متفق عليه من جميعهم، كما أنه ليس ثمة معيار محكم واضح يوضح حدود المفهوم بشكل لا يقبل اللبس. فضلاً عن أن هذا المفهوم منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة لم يأخذ حظه الوفير من التوظيف الأمثل لاستخداماته المتعددة ومجالاته المتشعبة

       وتتجسد الاستراتيجية الكبرى لدولة في أبسط مضامينها في صورة إطار مفاهيمي يستعان به على وصف حقيقة أوضاع دولية معينة قائمة بالفعل ، ويتضمن كذلك التصورات لما يجب أن تكون عليه هذه الأوضاع، فضلاً عن اشتماله على جملة من السياسات المعدة خصيصاً لتحقيق طموحات دولها. وتستهدف هذه الاستراتيجيات من قبل صانعيها في كثير من الأحيان تشكيل البيئة الدولية على الصورة الموائمة لمصالح دولهم القومية مستخدمين في ذلك وسائل عدة، منها: فرض قواعد دولية تخدم الأهداف المرجوة من الاستراتيجية، والتأثير في خيارات دول العالم الخارجي بما يتوافق ومصالح الدول المتبنية لمثل هذه الاستراتيجيات .

      ولقد حاول المنظرون على اختلاف توجهاتهم وتباين رؤاهم أن يضعوا تعريفاً شاملاً للاستراتيجية الكبرى: ويأتي في مقدمة هذه المحاولات تلك المحاولة التي جاء بها Posen في ثمانينيات القرن المنصرم، والتي عرف من ثناياها الاستراتيجية الكبرى للدولة على أنها ” سلسلة مترابطة ومحكمة الحلقات من وسائل سياسية-عسكرية لتحقيق نتائج( نهايات) مقصودة، ويتمثلها كذلك في رؤية الدولة التي تمكنها من إحراز أفضل وضع أمني يكفل لها بقاءها ويحقق لها طموحاتها وتطلعاتها” ، وتعد هذه المحاولة التي جاء بهاPosen من المحاولات الرائدة في التعريف بالاستراتيجية الكبرى، ولقد لحقت بها محاولات تترى تتوافق مع مضمونها كثيراً أو تختلف مع منطوقها ومفرداتها قليلاً، وعلى الرغم من تغريد بعض مفاهيم المنظرين خارج السرب البوسني ، إلا إنه يؤكد غير واحد من المنظرين- وفي صدارتهم Kirss – أن مفهوم Posen من المفاهيم الجذرية المتأصلة، حيث أن عدداً ليس بالقليل من المفاهيم اللاحقة عليه جاءت إما اشتقاقاً منه أو تأويلاً له ، على سبيل المثال راح Hal Brands يعرف الاستراتيجية الكبرى على نحو لا يذهب بمضمونه كثيراً عما أجمله Posen ، إذ إنه تمثلها في صورة “مخطط متكامل يحوي في جوفه المصالح القومية والتهديدات ومصادر قوتها وسياساتها”، واعتبر أن هذا المخطط يعد بمثابة إطار مفاهيمي يعين الدولة القومية على تحديد موقعها الملائم على سلم توزيع القوة العالمي أو أية طريقة تؤهلها لبلوغ ذلك . ويتمثل المؤرخ Gaddis الاستراتيجية الكبرى بأنها مخطط يشتمل على طموحات غير محدودة- والتي من المتوقع حدوثها –والتي تجابه حتماً بقدرات الدولة المحدودة.

        ويرى نفر من المنظرين- وفي مقدمتهم Basil Liddell Hart and Paul M. Kennedy – أن الاستراتيجية الكبرى هي خطة تسود لعقود عدة، تتسم بالشمولية(حيث أنها تطول قطاعات الدولة العسكرية والسياسية والاقتصادية)، وتتضمن أموراً محورية وحيوية حال مصالح الدولة الحيوية( vital interests of the state) ، وذلك بعد أن كان ينظر إليها قديماً وتحديداً على يدClausewitz على أنها استراتيجية عسكرية صرفة، بعبارة أخرى اختزل الاستراتيجية في مفهومها الضيق الذي يرتكز على الأبعاد العسكرية .

      ويؤمن Betts بأن الاستراتيجية الكبرى هي عبارة عن أية خطة عامة محكمة تقوم على مقدمات أو أسباب تأتي بنتائج أو آثار، فهي تتكون من مجموعة أجزاء متناسقة ومتناغمة يسلم بعضها بعضاً تشبه في ذلك تناسق وتناغم ألحان الأوركسترا ، وفي معنى يشبه هذا التعريف وغير أنه أكثر إجمالاً من منه يتصور Daniel W. Drezner ورفاقه الاستراتيجية الكبرى في خارطة طريق توضح كيفية استخدام وسائل ما لتحقيق غايات معينة A grand strategy is a road map for how to match means with ends)) . وفي سياق متصل راح Martel يختزل الاستراتيجية الكبرى في إطار متماسك يوضح الآلية التي تمكن الدولة من إحراز غاياتها السياسية الكبرى في العالم الخارجي.

      وثمة من يرتكز على الجوانب الأمنية في تعريف الاستراتيجية الكبرى للدولة، على سبيل المثال يتصور Posen الاستراتيجية الكبرى في تلكم الطريقة التي تسلكها الدولة في الحفاظ على ذاتها من ثنايا تهيئة بيئة أمنية مواتية. وفي معنٍ لا يذهب في مضمونه كثيراً عن تصور Posen يتمثلها Brands في ذلك البناء الذهني المحكم الذي يمثل الإطار الحاكم للسياسة الخارجية للدول، ويتصورها Luttwak في خطة الدولة التي تتضمن سبل تنفيذ غايات الدولة وتقويم نتائجها وكذا مصالحها القومية لاسيما المصالح الأمنية . ويجملها المفكران الكبيران Rosecrance & Stein في الآلية التي تمكن الدولة من تسخير مواردها الداخلية والخارجية لتوفير بيئة تكفل تحقيق أمن الدولة القومي. ويرتكز الاستراتيجي ليدل هاتر Liddell Hart على الدور الوظيفي في تعريف الاستراتيجية على اعتبار أن وظيفة الاستراتيجية الكبرى هي الفوز بالحرب لإقرار السلام؛ ومن ثم فإن وظيفتها وهدفها الأسمى هو الترسيخ للسلام ومنع تفاقم الصراعات. كما يتصورها Peter Layton في المنهجية التي يسلكها المعنيون بصياغة القرار وهم يتصدون إلى تحديات معينة تجابه الدولة.

       وثمة نفر من المنظرين -وفي مقدمتهم Silove- يرون بضرورة عدم الارتكاز في مفهوم الاستراتيجية الكبرى على الأبعاد الأمنية للبيئة الدولية ولا على الموقع الذي تحتله الدولة بين أعضاء الجماعة الدولية فحسب، وإنما يتعين الارتكاز على أبعاد أخرى لا تقل أهمية عنهما حال القيادات السياسية خاصة القيادات الكاريزمية القادرة على صياغة استراتيجيات كبرى بمقدورها أن تغيير وجهات التاريخ.

     ويرتكز أنصار الأفكار والمدراس الجيوبوليتيكية( أمثال ماكيندر وماهان) على الأبعاد الجيوبوليتيكية في تعريف الاستراتيجية الكبرى، إذ يرون بأن السيطرة على العالم تكون من خلال وضع استراتيجيات جيوبوليتيكية.

  ويرى Silove أن الاستراتيجية الكبرىgrand strategy تقوم على ثلاثة مكونات متمايزة ، وهي :

أ-الخطط الكبرىgrand plans: ويتمثلها في المنتج التفصيلي لجهود متخذي القرار المدروسة بعناية والتي تبذل بغية ترجمة المصالح القومية للدولة في صورة أهداف قومية محددة في المدى الطويل، وتوضح آلية المفاضلة بين أولوية المفاضلة بين هذه الأهداف، وتراعي تلك الجهود كذلك نطق الخطة الكبري والتي يتعين أن تشتمل على كافة القطاعات السياسية والعسكرية والاقتصادية للدولة، فضلاً عن ضرورة مراعاتها تخصيص الوسائل والأدوات الملائمة لتحقيق الأهداف القومية للدولة.

ب-المبادئ الكبرىgrand principles : وتعبر عن الأفكار العامة الشاملة التي تخط بيد النخبة الحاكمة بشأن صياغة الأهداف القومية طويلة المدى والأدوات المختلفة( من عسكرية وسياسية واقتصادية ) المتعين تسخيرها لإحراز تلك الأهداف.

جـ-السلوكيات أو الأنشطة الكبرى grand behaviors: ويتصورها في الأنماط السلوكية في الأجل الطويل ، والتي تتمثل في أنشطة الدولة على الساحة الدولية حينما تأتي انعكاساً لما تستحوذه من موارد ولما توظفه منها لتحقيق غاياتها.

     وأياً كان من شأن التعريفات المشار إليها أعلاه يمكن اشتقاق خصائص عدة للاستراتيجيات الكبرى في مجال السياسة الخارجية، ولعل من أبرز هذه الخصائص ما يلي:

1-إن الاستراتيجيات لا تقوم على جملة من الأهداف والوسائل، ولكن تتضمن المواءمة بينهما كذلك.

2-تصاغ الاستراتيجيات الكبرى لأجال طويلة الأمد، ولا تعد لأغراض الأجل القصير لمعالجة الأحداث اليومية الجارية أو الروتينية.

3-لا تختزل الاستراتيجيات الكبرى في الأبعاد العسكرية وفقط، وإنما تشتمل على مزيج من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية كذلك.

4-إنه على الرغم من التباين بين كثير من التعريفات التي قدمت في تعريف الاستراتيجيات الكبرى، بيد أن ثمة قواسم مشتركة ترتكز عليها جل هذه التعريفات، وهي: الخطة والمبادئ الحاكمة والأنماط السلوكية a plan, an organizing principle, and a pattern of behavior

  5-يتعين توافر جملة من المقومات لدى الدول التي تسعى إلى تطبيق الاستراتيجيات الكبرى، ولعل من أظهرها ما يلي:

أ-القياد السياسية الواعية: حيث تكون الاستراتيجية الكبرى في أبهى صورها حينما يتمتع القادة السياسيون برؤية واضحة لصورة توزيع القوة في النسق الدولي.

ب-عوامل قوة الدولة، حيث إنه من غير المتصور -كما أكد على ذلك غير نفر من المنظرين وفي مقدمتهم مودلسكي- أن تتبني الدول الضعيفة استراتيجيات كبرى فعالة ومؤثرة كتلك التي تتبناها الدول الكبرى ، وذلك نظراً لما تستحوذ عليه الأخيرة من قدرات إكراهية”coercive power”، قدرات تساومية”bargaining power”، قدرات تعهدية concerted power”” ، وقدرات سياسية “political power” الناتجة عن التماسك الداخلي.

جـ-التماسك السياسي: حيث تتطلب الاستراتيجيات الفعالة والمؤثرة تماسكاً سياسياً يضمن لها الاستمرار حتى تقضي أجلها المحدد سلفاً ويهيأ لها المناخ الملائم لتحقيق أهدافها، ويشترط التماسك السياسي توافق النخبة السياسية، وكذا التماسك المجتمعي والتوافق حول هوية الدولة ومصالحها القومية، فضلاً عن توافر مؤسسات سياسية تمارس أدوارها بشكل مستقر.

             المبحث الثاني-أنماط وصور الاستراتيجيات الكبرى

تسهم صور وأنماط الاستراتيجيات الكبرى المتباينة في ديناميكيتها أو استمراريتها وفي تحويلها أو انتهائها، وهذا ما سنوضحه في السطور الآتية:

   1-استراتيجية ميزان القوة Balance of power Grand strategy

         يذهب نفر من المنظرين إلى أن استراتيجيات ميزان القوة الكبرى- أو كما يطلق عليها بعضهم الموازنة الكبرى “balancing grand strategy” -تمثل خياراً عملياً أو محاولة جادة تشؤو الدول من ورائها الإبقاء على صورة توزيع القوة القائمة التي تعكس مصالحها على النحو الذي لا يدع مجالاً لإحدى الدول في أن تتفوق في عوامل قوتها تفوقاً من شأنه أن يهدد الدول الأخرى؛ الأمر الذي قد يهيئ لاستقرار النسق الدولي، ويعتل هؤلاء المنظرين بأمثلة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ حال مؤتمر فينا عام 1815 الذي تصالحت القوى الأوروبية الفاعلة من خلاله على الحفاظ على صورة توزيع القوة في أوروبا آنذاك من ثنايا التمسك بمبدأ الحقوق الشرعية ومناهضة الأفكار الثورية وفي صدارتها حق الشعوب في تقرير مصائر الشعوب، وكذا مؤتمر برلين عام 1878 الذي مثل حجر عثرة أمام محاولة الهيمنة الروسية على منطقة البلقان حتى لا يختل ميزان القوة في تلك المنطقة على النحو الذي يفضي إلى إشعال فتيل حرب عالمية بين تلك القوى الأوروبية وقتذاك.

         وعلى صعيد آخر راح فريق من المنظرين يشكك في قدرة مثل هذه الاستراتيجيات على تحقيق الاستقرار في ظل بيئة دولية يحيك فاعلوها لبعضهم البعض المكائد ويسعى كل فاعل فيها إلى التفوق على نظرائه؛ الأمر الذي يسفر عن اندلاع حروب كبرى قد تفضي إلى تحويل بنية النسق الدولي؛ إذ إن ميزان القوة النسبي يسوق الدول سواء أكانت راغبة أم مرغمة إلى انتهاج سلوك عدواني من شأنه أن يهدد الدول الأخرى أو يجرها إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل . وأنماط استراتيجيات الموازنة تؤثر على آلية عملها وديناميكيتها: على سبيل المثال نجد استراتيجية الموازنة القائمة على هيمنة قوة وحيدة Hegemonic grand strategy كحال الاستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتحدة في حقبة التسعينيات أقل ديناميكية نسبياً من استراتيجيات الموازنة المرتكزة إلى آلية التحالفاتAllies Grand Strategy. كتلك الاستراتيجيات التي تبنتها كثير من القوى الكبرى قبيل الحربين العالميتين الأولى والثانية ، إذ إن التنقل ما بين التحالفات يتطلب التغير في تكتيكات استراتيجيات القوى الكبرى.

2-استراتيجية الاندماج الكبرى Engagement grand strategy

         إن الهدف الأكبر لهذه الاستراتيجيات هو تعاون الدولة مع غيرها من الدول الأخرى بغية الانخراط أو الاندماج في البيئة الدولية على النحو الذي يحقق لها ولغيرها من الدول الساعية لذات الهدف المنفعة المتبادلة. وتتمتع مثل هذه الاستراتيجيات بخصائص عدة تجعلها من أكثر الاستراتيجيات ديناميكية، إذ إنها تقوم على فرضية مفادها أن سلوك الدولة الخارجي ما هو إلا محصلة لتفاعل تفضيلات ورغبات الجماعات والقوى المحلية (مما لها ميول مشتركة والمنوط بها صياغة استراتيجيات الدولة الخارجية ) مع رغبات وتفضيلات غيرها من الجماعات والقوى المحلية الأخرى على النحو الذي يجعل أهداف الدولة وطموحاتها الخارجية تمثل طموح قطاع عريض من المجتمع أو كما لو أنها هدف اجتماعي كبير يلتف حوله قوى الدولة المجتمعية “”social purpose هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تشترط فعالية هذه الاستراتيجيات اعتناق الجماعات الاجتماعية المعنية باتخاذ القرار في الدول الأخرى ذات الهدف، وبما أن عدداً ليس بالقيل من هذه الجماعات(سواء داخل الدولة الراغبة في الاندماج أو في داخل الدول الأخرى التي ترغب هي الأخرى في الاندماج) دائم التغير في تفضيلاته ورغباته؛ فمن الطبيعي أن تصبح مثل هذه الاستراتيجيات ديناميكية إلى أقصى حد ممكن نتيجة تغير الصفوات الحاكمة باعتبارها جماعة اجتماعية منوط بها صياغة استراتيجيات تعبر عن طموح دولها أو حتى تغير توجهات تلك الصفوات إذ تمكنت من السيطرة على مقاليد الحكم لفترات زمنية طويلة.

  3-استراتيجية الاعتماد المتبادل الكبرى Interdependence grand strategy

تعد هذه الاستراتيجية إحدى صور استراتيجيات التعاون، ويشترط لتحقيق هذه الاستراتيجية توافر شروط عدة، منها :

أ-إتاحية قنوات اتصال متبادلة ومتعددة بين مجتمعات الدول الراغبة في انتهاج هذه الاستراتيجية.

ب-حرص الدول على تنفيذ الأنشطة التعاونية المشتركة والمتفق عليها، واتخاذ ما يلزم بشأن آثارها.

ج-ألا تقوم العلاقة بين موضوعات التعاون بين الدول المعنية على الهيراركية أو التمايزية، بعبارة أخرى على تلك الدول ألا تخصص وزناً نسبياً أكبر لموضوع واحد من موضوعات التعاون على حساب غيره من موضوعات التعاون الأخرى؛ ومن ثم عليها أن تولي كافة الموضوعات نفس القدر من الاعتناء.

د-لا مجال لاستعمال القوة العسكرية أو حتى مجرد التهديد بها بين الدول المعنية.

         وتجدر الإشارة إلى أن الشروط المذكورة أعلاه لا تعدو أن تكون سوى مجرد شروط ضرورية لتبني الدول استراتيجيات الاعتماد المتبادل؛ لذا فهي غير كافية لحدوثها؛ إذ يتطلب نجاح مثل هذه الاستراتيجيات توافر أطر أو كيانات دولية تشمل كافة الدول الطامحة إلى تبني هذه الاستراتيجيات وتعمل تحت لوائها، وكذا إجراء التغيرات السياسية في هذه الدول على النحو الذي يكفل إنبات جماعات سياسية محلية تؤمن بالقيم التعاونية والتشاركية، فضلاً عن تسليم مقاليد السلطة لأناس يضعون نصبهم أعينهم مبدأ الاعتماد المتبادل ويجعلون من المنفعة المتبادلة لغة الحوار الدارج بينهم، علاوة على ذلك على القادة السياسيين أن يتبنوا مفاهيماً مرنة ومطاطة للحدود والفواصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي.

4-استراتجية الإصلاح الكبرى Reform grand strategy

    تعد استراتيجيات الاصلاح الكبرى reform grand strategy واحدة من أكثر الاستراتيجيات حساسية للتغير في القيم المجتمعية، حيث ينشد النخب الفكرية في المجتمع إحلال قيم اجتماعية جديدة بالقيم الاجتماعية القائمة وتعمل على ترسيخها وتغليبها لتصبح القيم المجتمعية السائدة والمسئولة عن تشكيل القواعد الاجتماعية الحاكمة وإرساء دعائم ثقافة سياسية نابعة من واقعها الاجتماعية ومعبرة عنه، تلكم الثقافة التي ينبثق من رحمها القيم والمبادئ الإصلاحية الجديدة التي يشتق منها المبادئ الحاكمة لتوجهات الدولة الخارجية التي يعتنقها القادة السياسيون الذين يحرصون على أن تأتي عملية صياغة أهداف الاستراتيجية الكبرى على نحو متسق مع تلك المبادئ ، وتستهدف الاستراتيجيات الإصلاحية ليس فقط إصلاح المنظومة القيمية المجتمعية ولا رصد القدرات الكفيلة بإصلاح هذه المنظومة وفقط ، وإنما التعديل في سلوك الدولة الخارجي كذلك ليأتي متوافقاً مع تلك القيم الإصلاحية، على سبيل المثال ساهمت القيم الاصلاحية التي جاءت بها حركة البروسترايكا في الاتحاد السوفياتي السابق في تغيير توجهات القيادات السوفياتية في عهد ميخائيل جورباتشوف، الأمر الذي ساعد على تغيير الاستراتيجية السوفياتية آنذاك نتيجة ما أحدثته هذه الحركة من أعادة تعريف الهوية السوفياتية وما أرسته من قيم إصلاحية جديدة .

 5-استراتيجية المباراة الصفرية الكبرى zero-sum grand strategy

        تقوم استراتيجية المباراة الصفرية A zero-sum grand strategy على افتراضات واقعية أربعة، وهي: الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية، والريبة والشك في نوايا وتصرفات الدول الأخرى، وإنه يأتي في مقدمة الأهداف القومية للدولة هدف حفظ الذات، وافتراض العقلانية والرشادة في عملية اتخاذ القرار السياسي. والافتراض الأخير تحديداً هو الذي يفصل في ديناميكية هذه الاستراتيجية ، إذ يفاضل متخذو القرار باستمرار بين المنفعة المرجوة من تبني الاستراتيجية والتكلفة التي قد تتكبدها الدولة من وراء إرساء مثل هذه الاستراتيجية، لذا تسير هذه الاستراتيجيات بخطى ثابتة ولا مجال لتغيرها أو تغيير إحدى مفرداتها طالما أن منافعها تفوق تكاليفها، بينما يعاد النظر فيها بالكلية أو أحد عناصرها في حال إذ ما فاقت تكاليفها المنافع المترتبة على تبنيها.

6-الاستراتيجية المؤسساتية الكبرى Institutionalist Grand Strategy

      الاستراتيجيات المؤسساتية الكبرى هي تلك الاستراتيجيات التي تنتهجها دول تعمل سوياً تحت مظلة منظمة أو مؤسسة دولية واحدة، وتتسم هذه الاستراتيجيات بخصائص عدة، منها:

أ-وجود اتفاق مشترك بين الدول المنضوية تحت لواء المنظمة، ويستنبط من هذا الاتفاق القواعد الحاكمة والضابطة لتصرفات تلك الدول.

ب-تتسم القواعد الضابطة والحاكمة بصفة الإلزامية، ويتعين أن تكون مرعية من كافة الدول المعنية، وتمثل قيداً على ممارسة الدول الأعضاء لمظاهر القوة. وتتسم تلك القواعد كذلك بكونها غير مرنة؛ ومن ثم يصعب تغييرها.

ج-إن القواعد المنظمة لعمل هذه المنظمات يتعين ألا تكون مرعية من قبل حكومات الدول، وفقط وإنما يجب أن تراعى من الجماعات الاجتماعية داخل الدول أيضاً، إذ إنه ما كان لمثل هذه القواعد أن توضع إلا لتحقيق مصلحة الدول الأعضاء وكذا الجماعات الاجتماعية القاطنة فيها.

         وتجدر الإشارة إلى أنه تأتي الاستراتيجيات المؤسساتية الكبرى Institutionalist Grand Strategy في ذيل قائمة الاستراتيجيات الديناميكية، وفي صدارة الاستراتيجيات غير المرنة والأكثر جموداً، ولعل العلة في ذلك أن مثل هذه الاستراتيجيات تصاغ مبادئها من قبل المؤسسات السياسية الدولية المختصة التي تلبسها أثواباً من القواعد والمبادئ غير الفضفاضة وخلع عليها طابعاً إلزامياً، وتظل الاستراتيجية الكبرى طيلة حياتها التي ربما تتجاوز العقود حبيسة تصور وقواعد العمل المحدد من قبل المؤسسات المعنية حتي تنتهي مدتها المقررة أو تتغير المؤسسات السياسية أيهما أقرب .

                     المبحث الثالث- ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى

       يشير جل المتخصصين في الشئون الدولية إلى أن الطبيعة الديناميكية التي تتسم بها الاستراتيجيات الكبرى تنبع من أمور عدة، منها: بواعث أو دوافع تبني هذه الاستراتيجيات، والعوامل المؤسساتية، وصعوبة التنبؤ بالأحداث المباغتة، والتغير في أولويات الاستراتيجية، والتغير في ميزان القوة، وهذا ما سوف نسلط الضوء عليه في السطور التالية:

1- دوافع تبني الدول الاستراتيجيات الكبرى

       باستقراء كثير من الدراسات في مجالي العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، تبين أنه ليس ثمة اتفاق بين المنشغلين بالتنظير في مجال الاستراتيجيات الكبرى حول دافع واحد أو أكثر من الدوافع التي قد تسوق الدول لتبني الاستراتيجيات الكبرى؛ لذا سنسعى في هذه الجزئية إلى التطرق لأبرز هذه الدوافع بغية التوصل إلى الدوافع والأسباب التي تدفع الدول لتبنى الاستراتيجيات الكبرى في مجال السياسة الخارجية.

     يؤمن ثلة من الباحثين –وفي صدارتهم Martel-بأن أن الدول قد تنتهج الاستراتيجيات الكبرى بدوافع تنفيذية implementational motive ، وذلك لاعتقادهم بأن أية استراتيجية كبرى تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما: المنطوق اللفظي :articulationويقصد به الصيغة النصية للاستراتيجية التي توضع من قبل متخذي القرار في الدولة، وينص فيه صراحة على غايات الدولة أو أهدافها الكبرى، وآلية التنفيذيةimplementation : وتعني الطرق والوسائل التي تؤهل الدولة لتحقيق أهدافها المنصوص عليها في المكون الأول أو الركيزة الأولى (المنطوق اللفظي) .

        وقد تتبنى الدول الاستراتيجيات الكبرى بدافع عقائدي beliefs أو أيديولوجي، على سبيل المثال تبنت الولايات المتحدة استراتيجية التطويق للمد الشيوعي إبان حقبة النسق ثنائي القطبية بدوافع أيديولوجية، وكذا استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى الخاصة بمواجهة الإرهاب الدولي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001.

         ويؤمن Krasner بأن الدول قد ترسم استراتيجيات كبرى لها بدافع الاستحواذ على القوة” Power” ، على سبيل المثال سعى هتلر إلى التوسع على حساب الأقاليم المجاورة نظرية لتبنيه استراتيجية القضم وذلك لحرصه على استغلال الموارد الاقتصادية في تلك الأقاليم بغية زيادة قوة الدولة الألمانية. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أنه ليس المراد من تبني الدولة استراتيجية ما هو العمل على زيادة عوامل قوتها القومية فحسب، وإنما قد تنجرف الدول لتبني استراتيجيات كبرى بهدف تنمية عوامل قوتها من ثنايا الاستقواء بالغير أو تتبني ما يعرف باستراتيجيات التحالف، واستراتيجيات التحالف هذه كانت أحد الأسباب التي دفعت الدول الكبرى إلى الولوج في حربين عالميتين في القرن العشرين.

    وقد تلهث الدول الكبرى وراء انتهاج استراتيجية كبرى ما بغرض مجاراة دول كبرى أخرى صديقة أو موازنة دول كبرى لدودة، على سبيل المثال سعت ألمانيا الغربية خلال الحقبة منذ أن جرت ألمانيا ذيول الهزيمة بعد خمود نيران الحرب العالمية الثانية وحتى قبيل تصدع حائط برلين إلى تبني استراتيجيات من شأنها مجاراة الولايات المتحدة الأمريكية إبان حقبة النسق الثنائي، كما تبنت روسيا استراتيجية الترويس في بعض مناطق اهتمام الاتحاد السوفياتي السابق لموازنة الهيمنة الأمريكية في تلك المناطق.

       وقد تعجل القوى الدولية الصاعدة من وتيرة انتهاجها للاستراتيجيات الكبرى لتأمين صعودها السلمي وتجنباً لمخاطر المواجهة المسلحة التي من الممكن أن تعرقل نمو قوتها بصورة أو بأخرى، ولعل من أجلى الأمثلة على ذلك استراتيجية الصعود الصيني السلمي التي تنتهجها الصين منذ اعتلاء تيار المعتدلين في الحزب الشيوعي الصيني سدة الحكم في الصين وحتى عهدنا هذا. وقد تحرص القوى من الدرجة الثالثة على تبني استراتيجيات كبرى من شأنها إيهام القوى الكبرى بمستوٍ من القوى أكبر مما هي عليها في الواقع الفعلي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حرص إيران تبني استراتيجيات كبرى لإيهام الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى بقدرات إيران الخارقة بصورة تفوق قدراتها الحقيقية .

       وتستمد الاستراتيجيات الكبرى طابعها الديناميكي من مستويين الأول :يتمثل في طبيعة البيئة الدولية المتغيرة والتي قد تفرض على الدول التغير أو التعديل في تكتيكاتها أو وسائلها(التي تُحدد سلفاً عند صياغة الاستراتيجية)، وذلك من ثنايا قيام الدولة من تلقاء نفسها بالتبديل أو التغيير في هذه الوسائل للإقدام أو المبادرة بفعل معين لاغتنام فرصة قد تتيحها مثل هذه التغيرات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يأتي هذا التعديل أو التغيير ردفاً لتغيرات طارئة في البيئة الدولية تملي على الدولة اتخاذ رد فعل معين الأمر الذي قد يرغم متخذ القرار إلى التعديل في التكتيكات والوسائل المحددة سلفاً أو تبديلها. أما المستوى الثاني فهو ذلك المستوى الذي يتعلق بسياسات الربط: بعبارة أخرى ارتباط بين الداخل ويتمثل في القائمين على عملية صنع القرار الخارجي ونشاطات وسلوك الدولة في الخارج، إذ إنه من المعلوم بالضرورة أن صياغة استراتيجيات الدول تتم بفعل أفراد أو أشخاص أو جماعات أو أحزاب وهي تتغير بين الفينة والأخرى أو تتغير أفكارها أو توجهاتها على أقل تقدير، الأمر الذي من شأنه أن يجعل استراتيجيات الدول الكبرى دائمة الحركية أو التغيير.

        والحق أن الخاصية الديناميكية التي تتمتع بها الاستراتيجية الكبرى grand strategy لا يجعلها البته تتطابق مع ما يسمى باستراتيجية الطوارئ emergent strategy؛ إذ ترتكز الأولى على تدابير معدة مسبقاً في حين تقام الثانية على تدابير ارتجالية تأقلمية أو تكيفية، كما أنه من الوارد أن يتم التعديل في إحدى مفردات الاستراتيجية الكبرى خلال فترة التنفيذ في المقابل تظهر كافة مفردات استراتيجية الطوارئ في حال ظهور أمر طارئ، فضلاً عن أن الاستراتيجية الكبرى كما استراتيجية الطوارئ تتمتعان بخاصية الديناميكية وإن كان الثانية أكثر ديناميكية من الأولى. وباستقراء تاريخ الاستراتيجيات الأمريكية نجدها زاخرة بالأمثلة المعبرة عن تينك الاستراتيجيتين، فمن الأمثلة الأمريكية المعبرة عن الاستراتيجية الأمريكية الطارئة تلك الاستراتيجية التي تبنتها الولايات المتحدة في أعقاب الأحداث الإرهابية الطارئة التي هزت أركان المنظومة الأمنية والاقتصادية الأمريكية الأمر الذي دفع القيادة الأمريكية في ذلك الوقت إلى صياغة استراتيجية أمريكية عاجلة لمجابهة الإرهاب ، عُرفت باستراتيجية الحرب على الإرهاب، في حين يعد التعديل التكتيكي في استراتيجية تطويق أو احتواء الاتحاد السوفياتي إبان حقبة النسق الثنائي من جراء الهزائم العسكرية المتتالية التي منيت بها المعسكرات الأمريكية في فيتنام مثالاً معبراً عن التعديل في إطار الاستراتيجية الأمريكية الكبرى(الاحتواء) وليس خروج عنها، إذ جاء قرار القيادة الأمريكية بسحب الجنود الأمريكان من الأراضي الفيتنامية استجابة لمتغير داخلي (وهو الرأي العام الأمريكي) ولم يثني ذلك الولايات المتحدة عن الاستمرار في تحقيق الأهداف المنشودة من استراتيجية التطويق .

      والحق أن خيطاً رفيعاً يفصل بين ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى وتحولها، إذ تطفو الظاهرة الأولى على السطح في حال التغير في تكتيكات الاستراتيجيات الكبرىTactics أو التغير في الخطط التنفيذية Active plans للحفاظ على تحقيق مصالح الدولة التي دشنتها مسبقاً عند رسم استراتيجياتها الكبرى(وذلك من تغير تكتيكي في سياسات الدولة الخارجية، استراتيجيتها الأمنية وأهدافها قصيرة ومتوسطة الأجل، وردود أفعالها تجاه العالم الخارجي والاتفاقات المبرمة والتدخلات في مناطق الاهتمام، وغيرها…)، أما إذا لم يقتصر التغير على بنود وعناصر الخطط التنفيذية وطال هذا التغير المبادئ الاستراتيجية الراسخة والحاكمة A stable set of guiding principles(كأن تتغير طبيعة مصالح الدولة الحيوية، أو تتحول صورة النسق الدولي، أو تتبدل أيديولوجية الدولة.. إلخ) فسوف تشهد الاستراتيجية الكبرى للدولة تحولاً ويسفر هذا التحول عن ميلاد استراتيجية جديدة .

2-العوامل المؤسساتية الرسمية لديناميكية الاستراتيجيات الكبرى the organizational determinants of grand strategic change.

       يسند نفر من المنظرين في مقدمتهم Simon الدور الأكبر في حركية الاستراتيجيات الكبرى للدول إلى المؤسسات الرسمية Formal organizations (Simon, 1991,p.3) ، إذ إن هذه المؤسسات المنوط بها رسم السياسات الخارجية وصياغة استراتيجياتها، وهي التي بمقدورها في حال إذ ما مرقت سهام تغيير الظروف المحيطة للاستراتيجية أن تقدر أن تستمر الاستراتيجية الموضوعة سلفاً من قبلها في أهدافها ووسائلها أم أن مثل هذه الظروف الحاصلة تدفع الدولة إلى اتخاذ تدابير تكتيكية بغية التعديل أو التبديل في أهداف استراتيجياتها وأساليب إحرازها .

         ولا ريب أن مثل هذه المؤسسات حتى تتمكن من القيام بمثل هذه المهام يتعين أن تقوم على مجموعات عناصر أساسية “Essential Ingredients، وهي: أهداف آلية عمل، وطرق للتواصل، وبيئة، ومهام محددة، وموارد تكنولوجية ومالية، وأفراد، ويتعين أن يكون الأفراد يتسمون بالعقلانية أو الرشد Rationality أو بعبارة أخرى أن يكون فاعلاً رشيداً “”Rational actors ، ويعد الفاعل الرشيد هو الركن الركين للمؤسسات الرسمية والعنصر الأهم من بين العناصر السابقة ، نظراً لكونه المنوط به تحديد ووضع كافة الأسس والمبادئ وأليات تنفيذ كافة غايات الاستراتيجية. وتوافر مثل هذا العنصر عن صياغة الاستراتيجيات كفيل مع ثبات العوامل الأخرى على حالها باستمرارها حتى انتهاء مددها. ولكن واقع الطبيعة البشرية(بحكم أنه من يقوم على صياغة الاستراتيجيات هم أفراد)-كما أكد على ذلك Simon- لم يعرف العقلانية أو الرشادة المطلقة، إذ إن العقلانية البشرية محدودة أو مقيدة Bounded rationality نظراً لارتباطها بالإدراك البشري وما قد يرتبه من أخطاء تعرف بأخطاء التقديرات الإدراكية ، ومثل هذه الأخطاء أو حتى مجرد انحراف تقديرات الأفراد المعنيين بمثل هذه الاستراتيجيات قد يجعل من التعديل في تكتيكات الاستراتيجيات أو تبدلها أو تغيرها أمراً واجباً، الأمر الذي من شأنه أن يجعل كثيراً من الاستراتيجيات دائمة الديناميكية.

        ويتبادر إلى الذهن تساؤل محوري هنا مفاده: هل سلوك الأفراد القائمين على صنع الاستراتيجيات الكبرى للدول هو نفسه سلوك المؤسسات الرسمية المعبرة عن الدول؟ أو بعبارة أخرى هل سلوك الأفراد القائمين على صنع الاستراتيجيات الكبرى يتطابق مع سلوك المؤسسات الرسمية؟ الإجابة عند كثير من الباحثين هي النفي، وإذا صحت هذه الفرضية (أي أن سلوك الأفراد القائمين على صنع الاستراتيجيات ليس هو ذاته سلوك المؤسسة الرسمية، وليسا وجهين لعملة واحدة) فإن مثل هذه الفرضية سوف تضيف بعداً تعقيدياً جديداً على معادلة ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى للدول. إذ إن سلوك المؤسسات الرسمية ليس مجرد الوسط الحسابي للقائمين على صنع القرار فيها ولا يعبر عن سلوك حزب أو جماعة بمفردها، وإنما السلوك المؤسسي الذي يخرج منها ويعبر عنها يأتي محصلة تفاعلات موازين القوى داخل تلك المؤسسات ويمثل السلوك الجمعي النسبي للقوى الفاعلة في هذه المؤسسة . ومن المعلوم بالضرورة أن موازين القوى داخل تلك المؤسسات متغيرة والسلوك الجمعي النسبي متغير هو الآخر الأمر الذي يجعل من الثبات على استراتيجية كبرى واحدة بنفس الأهداف والوسائل والمبادئ لفترات طويلة أمراً مشكوكاً في مصداقيته عند نفر من المنظرين والممارسين للشأن السياسي على حدٍ سواء .

        وقد لا تتأثر ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى بالعقلانية المحدودة والسلوك الجمعي النسبي للأفراد القائمين على صنعها داخل مؤسسات الدولة الرسمية فحسب، وإنما قد تتأثر بنمط وشكل هذه المؤسسات كذلك، ولعل من أبرز الاسهامات التي قدمت في هذا المضمار ذلك الطرح الذي جاء به المفكران “”Blau و Scott”” (في بداية العقد السادس من القرن المنصرم )، وميزا من خلاله بين أربعة أنماط رئيسية للمؤسسات السياسية الرسمية، وهي :

1-“mutual-benefit associations” مؤسسات المنفعة المتبادلة: حيث تحل المنفعة حينما يمتلك الأفراد عضويتها.

2- مؤسسات أعمالية التوجه“business concerns”: ويكون المستفيد الأساسي منها من يملكها.

3-المؤسسات الخادمة“service organizations”: يعد المستفيد الرئيس منها جماعات العملاء.

4- منظمات الثراء المشترك” “commonweal organizations : حيث المستفيد الأساسي فيها هو الجمهور العام .

       واستصدار المؤسسات الرسمية أياً كان نمطها أو نوعها –كما أكد على ذلكWoman- استراتيجيات كبرى تعبر عن طموح الدول ليس بالأمر الهين، إذ إن مخاض مثل هذه الاستراتيجيات من ثنايا تلك المؤسسات يمر بسلسلة معقدة من التفاعلات بين مجموعة من المتغيرات بعضها كائن داخل المؤسسة ذاتها (أو ما تعرف القدرات الداخلية للمؤسسة “”The Resource-Based View of the Firm: ويقصد بها كافة القدرات الداخلية التي بمقدور صانع الاستراتيجية تسخيرها لصياغة استراتيجيته)، وبعضها يأتي المؤسسة من خارجها externally oriented focus”” (والتي تتمثل في كافة العقبات أو التحديات التي تواجه صانع الاستراتيجية وكذا كافة الحوافز والعوامل المهيئة لتبني الخيارات الأكثر ملاءمة من بين الاختيارات المتاحة .

  وفي مدى تأثير المتغيرات الداخلية والخارجية التي سقناها أعلاه انبثق اتجاهان تنظيريان لبحث ماهية هذا التأثير، وهما: نظريات ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى الداخلية “Existing Theories of grand strategic change”، ونظريات ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى الخارجية “Externally oriented theories of grand strategic change”: حيث يفترض أنصار النظريات الأخيرة أن خيارات الدولة وتبني استراتيجياتها تأتي بشكل أساسي كرد فعل للتطورات الدولية(من تهديدات ومحفزات)؛ ومن ثم فإن كثير من الاستراتيجيات توضع للحفاظ على بقاء الدولة في البيئة الدولية؛ ولهذا فإن الاستراتيجيات تتغير أو تتبدل في حال تغير الظروف الدولية في صالح الدولة أو حدوث تغيرات في التهديدات الخارجية التي قد تعرض بقاء الدولة للخطر، على سبيل المثال يرى الباحثان “Goren” و “Podeh” أن أحداث الربيع العربي وما أحدثته من تغيرات جيوبوليتيكية في الشرق الأوسط وما قد يسببه من تداعيات على الأمن القومي الإسرائيلي فإنه كان أمام القيادة الإسرائيلية خيار من اثنين للحفاظ على الأمن الإسرائيلي: إما أن تجري تغييرات جوهرية في استراتيجيتها لمواجهة التحديات المحتملة في حال إذ ما تمخض عن الربيع العربي دول قومية قوية، أو أن تجري تعديلات تكتيكية في إستراتيجيتها لاغتنام الفرصة للمضي قدماً في اتمام مسار عمليات السلام الذي لم يكتمل بعد . في حين يؤمن أنصار النظريات الأولى بأن ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى للدول تنبع من عدة عوامل داخلية حال: تداول القيادات، وتغير الثقافات، وكذا ما تسفر عنه نتائج الانتخابات….إلخ

    وصنف Skidmore أسباب ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى وأسباب تغيرها تصنيفاً لا يذهب بعيداً في مضمونه عن التصنيف المذكور أعلاه، إذ أكد على أن ثمة مدخلين لتفسير ديناميكية وأسباب تغير الاستراتيجيات الكبرى، وهما: “Evolutionary” approach (المدخل التطوري): وهو يبني افتراضاته على افتراضات الواقعية البنيوية أي أن استراتيجيات الدولة تتغير لأسباب خارجية تأتي الدولة من البيئة الدولية، والمدخل المؤسسي institutional” approach : ويقوم على افتراضات المنظور الليبرالي، ويرتكز في تحليله لأسباب ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى على الأسباب والمتغيرات المحلية .

     وعلى الرغم من التباين البين بين مجوعتي النظريات المفسرة لديناميكية الاستراتيجيات الكبرى، غير إنهما يتفقان في أن أنهما تقومان بنفس الوظيفة وهي البحث في سبب تغير الاستراتيجية من نمط لآخر، ومعدلات التغير التي من الممكن وقوعها من جراء التنقل بين صور وأنماط الاستراتيجيات المختلفة .

      وحاول بعض الباحثين-وفي صدارتهم Braumoeller – أن يضع إطاراً أكثر نظماً و نموذجاً وسطاً بين النظريتين الآنفتين ، ذلك لكونه لم يعتمد في تفسيره استراتيجيات الدول الكبرى لا على المستويات الخارجية أو النسقية “systemic top” فحسب ولا على المستويات الفردية المتعلقة بصانعي الاستراتيجيات “individuals bottom” وحدها، وإنما على إطار علمي يقوم على ليس مجرد التفاعل بين هذين المستويين ولكن التكامل بينهما أيضاً.

       ينطلق Braumoeller في تحليله من أن ثمة متغيرات نسقية ما تطفو على السطح وأطلق عليها Constituency demands أو ما يعرف بمجمع التأثيرات المنتخبة أو المرشحة(على شاكلة القائمة المرشحين في العملية الانتخابية داخل النظم السياسية والتي من المتوقع أن يفوز واحد أو أكثر منها ويتوقع بعدها أن يصبح لاعباً سياسياً فاعلاً). وهذه التأثيرات المنتخبة كلها أو واحدة منها على الأقل تولد في حال حدوثها حالة من السخط أو عدم الرضا حينما تأتي على غير رغبة الدول؛ الأمر الذي يدفع متخذ القرار إلى اتخاذ ردود أفعال وتدابير من شأنها أن تغير استراتيجياتها أو تنقيحها بغية إيقاع تغيرات نسقية على النحو الذي يهيئ لظهور صورة مرضية تصبو إليها للدولة و تتوافق مع طموحاتها.

     ويتضح مما سبق أن ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى للدول عند Braumoeller تأتي نتيجة محفزات نسقية أو دوافع بنيوية، ولا تأتي أكلها إلا إذا تبنتها قوى كبرى، إذ إنه ليس بإمكان الدول من غير القوى الكبرى إحداث تغيرات في بنية النسق. ولعل من أجلى الأمثلة على ذلك أن التأثرات المنتخبة التي واجهت الولايات المتحدة قبيل الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي ساقتها إلى التخلي عن سياسة العزلة، ونجحت بعض هذه التأثيرات التي شهدها النسق الدولي إبان فترة الحرب العالمية الثانية في التأثير على القيادات الأمريكية ودفعتها إلى التخلي عن استراتيجية العزلة وساقتها إلى انتهاج استراتيجيات كبرى على شاكلة التحالف و الاندماج الدوليين، وذلك لتهيئة النسق الدولي لوضع جديد تصبح هي أحد أقطابه.

3-صعوبة التنبؤ بالأحداث المباغتة (ظاهرة البجعة السوداء a “black swan” event)

      وتشير ظاهرة البجعة السوداء -التي نحت لفظتها في مجال العلاقات الدولية المفكر Nassim Taleb -إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث المفاجئة، وذلك نظراً لمحدودية المعرفية لكل من الأفراد والجماعات القائمة على صنع السياسات والاستراتيجيات، وهذه المحدودية المعرفية قد تجعل من احتمال وقوع أحداث غير متوقعة (سواء أكان بصورة جزئية أم كلية) أمراً مرشحاً بقوة، حيث يستعصي على أية استراتيجية كبرى مهما بلغ حبك صياغتها وشمولية أهدافها ورسوخ مبادئها وتماسك أركانها أن تتكهن بكافة الأحداث والمتغيرات المفاجئة التي قد تطرأ على الساحة الدولية في أية لحظة والتي قد يتمخض عنها إرباك لبعض متخذي القرار، و التي قد تحدث في المستقبل في ظل بيئة دولية يسودها أجواء مفعمة بعدم التأكد وتشكيك الدول في نوايا بعضها بعضاً. والأمثلة على ذلك لا حصر لها، منها على سبيل المثال لا الحصر أحداث 11سبتمبر وما أحدثته من تغيير في الاستراتيجية الأمريكية، وكذلك الأمر ما سببته الأزمة المالية العالمية من تعديل جوهري في الاستراتيجية الأمريكية.

       لا ريب أن المحدودية المعرفية لكل من الأفراد والجماعات تتأثر بما يعرف بظاهرة الأفكار الجمعية “collective ideas” والتي تعني كافة المفاهيم والتصورات المشتركة بين صناع القرار والمواطنين على حدٍ سواء بشأن كيفية استخدام النظام السياسي والظروف الدولية لتوفير أفضل مناخ لتحقيق مصالح الدولة القومية.

        ووفق المنظر Legro تتغير الأفكار الجمعية( التي تؤثر بلا ريب على صياغة استراتيجيات الدول الكبرى) حينما يقع أمران: الأول: وهو وقوع صدمة نجلاء تكشف النقاب عن فشل التصورات السابقة عن حقيقة البيئة الدولية، أما الثاني: حينما تخيم على الأجواء أفكار وتصورات جديدة وتحظى بقبول واسع النطاق بين متخذي القرار والعوام على حدٍ سواء، وتجد من يدافع عنها في بدايات عهدها في مراحل التنفيذ.

   وتؤثر الأفكار والتصورات الجمعية على الاستراتيجيات الكبرى-كما أكد على ذلكLegro – من ثنايا مرحلتين أساسيتين، وهما :

أ-حدوث صدمة دولية يتمخض عنها تراجع الإيمان بالعقيدة أو التصورات السائدة، وما يستتبعه من شيوع تراجع شرعيتها، وذيوع عدم صلاحيتها وإخفاقها، وازدياد الحاجة إلى إعادة النظر فيها.

ب-مرحلة الترسيخ للتغيرات الجديدة“consolidation” : وهذه المرحلة دالة في مجموعة من المتغيرات، منها: عدد الأفكار والمعتقدات التي من الممكن إحلالها بأفكار ومعتقدات جديدة، والنتائج التنفيذية المبدئية المتوقعة لهذه الأفكار أو المعتقدات.

 بعبارة أخرى وفق نموذج Legro إذا حدثت صدمة دولية وألقت بظلالها على الأفكار الجمعية في دولة ما أثرت فيها، فيحدث احتمال واحد على الأقل من بين الاحتمالات الآتية:

أ-إذا حدثت صدمة دولية ولم يكن بمقدورها أن تغير في ثوابت الأفكار الجمعية القائمة، ستظل الاستراتيجية التي تتبعها الدولة قائمة دونما أن تخفق أو تتحول.

ب-إذا حدثت صدمة دولية وأسفرت عن تغير في الأفكار الجمعية، فستأخذ الاستراتيجية طريقها إلى التحول، وفي مثل هذه الظروف ستأخذ صورة من الصور الآتية:

    -تبني استراتيجية جديدة، حيث يكون لدى متخذي القرار القدرة على استبدال أفكار جديدة متوقع نجاحها بالأفكار القائمة التي ثبت إخفاقها.

-الترسيخ للاستراتيجية القائمة في حال عدم قدرة الدولة على إحلال أفكار جمعية جديدة محل الأفكار القائمة، أو في حال التوقع بفشل الأفكار الأولية الجديدة.

     وشرع Legro في تصنيف أنماط الاستراتيجيات الكبرى التي قد تسلكها الدولة في المجال الدولي، وصنفها إلى ثلاثة أنماط رئيسة، وهي: استراتيجيات التكامل((integration)) ، استراتيجيات العزلة((isolationism) ) ، والاستراتيجيات الراديكالية أو الثورية((revisionism)، ويعتقد Legro أن انتهاج الدولة واحدة من هذه الأنماط الثلاثة أو الانصراف عنها لتبني غيرها يحدث عبر مرحلتين أساسيتين، وهما: التغير في الأنماط القيمية السائدة نتيجة حدوث صدمة دولية لأية سبب، والثبوت قطعي الدلالة لعدم ملائمة القيم السائدة، والسعي نحو ترسيخ قيم جديدة، وهذه القيم الجديدة هي ما قد تدفع متبني الاستراتيجيات إلى تبني استراتيجية جديدة.

       وخلاصة القول بشأن نموذج Legro :فإنه إذ ما ارتكزنا إلى القيم الجمعية في فهم مدى استقرار أو التغير في الاستراتيجيات الكبرى للدول وتحولها، فإنه يرى بأن استراتيجيات الدول ستستمر وتعمل بخطى ثابتة ما لم يأتي أجلها المحدد مسبقاً عند صياغتها أو حينما يحدث واقعة دولية تسفر عن صدمة بمقدورها أن تدفع الدول إلى التغيير في أفكارها الجمعية أيهما أقرب.

4-التغير في الأولويات والأهداف

       تعد الأولويات من أهم الأركان الهامة التي ترتكز عليها الاستراتيجيات الكبرى، فليس من المتصور أن تصاغ استراتيجية كبرى لدولة ما دونما النص صراحة أو ضمناً على أولويات تلك الاستراتيجية ، وثمة عدد لا حصر له من الأولويات التي قد تبتغيها الدولة من وراء استراتيجياتها، فهي تتمثل في شكل خط متصل أدناه الحفاظ على الذات أو بقاء الدولة وأعلاه الهيمنة العالمية والسيطرة على مقدرات النسق الدولي في فترة زمنية معينة.

      وترتبط الاستراتيجيات الكبرى وجوداً وعدماً بأولوياتها، إذ تعكس الاستراتيجيات الكبرى في أبسط مضامينها محصلة الرؤى المتجادلة حول الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق مصالح الدولة القومية المرتبة ترتيباً يعكس أولوياتها.

        ويعد مفهوم الأولوية primacy في مجال الاستراتيجيات الكبرى مفهوماً فضفاضاً حمال معانٍ متعددة الأوجه، على سبيل المثال يلاحظ أن أولويات الدولة القانعة(سواء تلك التي تتربع على عرش النسق الدولي أو الدول الحليفة لها والقانعة بموقعها على سلم توزيع القوة العالمي) تتمحور حول الترسخ لوضع هيمنتها القائمة والدفاع عنه والحفاظ عليه “accepts its dominance and seeks to maintain it”، في حين نلاحظ أنه من أبرز أولويات استراتيجيات الدول الكبرى غير القانعة بصورة توزيع القوة القائم في نسق دولي معين مقاومة القواعد النمطية والسلوكية وقواعد اللعبة المفروض من قبل القوى أو القوة المهيمنة على النسق الدولي، وتسعى سعياً حثيثاً للانقلاب عليها .

      وتحديد أولويات الاستراتيجيات الكبرى ليس بالأمر الهين، إذ قد تقود –لاسيما عند نفر من الواقعيين- أولويات بعض الاستراتيجيات الكبرى إلى الحروب الدولية، خاصة في حال تمسك الدول بهذه الأولويات وكانت تقع هذه الأولويات ضمن المصالح الحيوية للدولة لا سيما حينما لا تجد هذه الدول صعوبة في تسخير الموارد اللازمة لتحقيقها، على سبيل المثال أدى إصرار تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة على تحقيق أولويات الاستراتيجية الأمريكية المعروفة بالحرب العالمية على الإرهاب إلى دحض الدول المارقة وشن الولايات المتحدة آلتها الحربية على عدد منها لا سيما العراق.

      وتجدر الإشارة هنا إلى أنه على صانعي الاستراتيجيات توخي الحذر من الإفراط في وضع أهداف طموحة على قائمة أولوياتها دون أن تمتلك الدولة الوسائل الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف الطموحة، إذ فقد يورد هذا الأمر الدولة المهالك ، على سبيل المثال حينما وضع هتلر على رأس أولويات استراتيجية التوسعية إبان فترة الحرب العالمي الثانية هدف السيطرة على العالم ولم يكن لديه القدرات ولا الوسائل التي تبلغه طموحاته هذه وافته المنية وهلكت ألمانيا.

         وراح Narizny يتصور إطاراً فريداً غير مألوف لدي سابقيه في مجال السياسة الخارجية أفرد فيه دوراً لثلاث جماعات اقتصادية محلية في تحديد المصلحة القومية لاستراتيجيات الدول الكبرى في المجال الدولي، وتصور هذه المجموعات في الجماعات التالية:

أ-الجماعات الأولى: وهي تلك الجماعات التي تشجع التصدير للقوى الكبرى(دول المركز) أو الاستثمار فيها. ومن أولويات هذه الجماعات العمل على الحيلولة دون الاحتكاك أو التناوش بين القوى الكبرى ، وتعمل على تشجيع القوى الكبرى على التوسع والانتشار الدولي وتوقيع الاتفاقيات الدولية واحترام القانون الدولي وكافة الأنشطة التي تسهل من الأنشطة الاقتصادية .

ب-الجماعات الثانية: وهي تلك الجماعات التي تتربح من التصدير لدول الهامش أو الانتفاع من الاستثمار فيها. وتهدف هذه الجماعات إلى أن تتبني دول الأطراف أو الهامش استراتيجيات يكون من شأنها السماح باستضافة بعض تدخلات أو توسعات القوى الكبرى(المركز) في مجالات معينة.

ج-الجماعات الثالثة: وهي جماعات الانتفاع العسكري: وتتكون من نفر من العسكريين والبيروقراطيين وبعض أفراد مؤسسات الدفاع الذين يتربحون من التوسع في الانفاق الحكومي، وتسعى مثل هذه الجماعات إلى فرض استراتيجيات توسعية تعتمد على نفقات حكومية كبيرة، حتى يفسح لها المجال لفرض هامش من التربح من زيادة الإنفاق الحكومي على التسلح.

     وتقوم هذه الجماعات الرئيسية الثلاثة المتباينة في أولوياتها ومصالحها ورؤاها للمصلحة القومية للدولة بفرض خياراتها واستراتيجياتها الكبرى من خلالها دعم مشرحين لها لخوض معارك انتخابية بغية الوصول إلى سدة الحكم أو تجنيد من يدعمها في بؤرة صنع القرار الخارجي، ويرى Narizny أن الاستراتيجيات التي تتبناها الدول الكبرى (دول المركز) ديناميكية نظراً للتغير في أولوياتها، وهذا التغير ينجم عن محصلة التفاعل بين الجماعة الاقتصادية الحاكمة وغيرها من الجماعات الأخرى المعارضة لها أو حتى مجرد جماعات اجتماعية أخرى تعارض سياسات الهيمنة أو ترفض تفاقم الدين الداخلي أو الركود الاقتصادي أو أي اخلال في النظام المالي للدولة لقاء الإنفاق على الاستراتيجيات التوسعية.

       ولعل من أبرز الأمثلة أيضاً في هذا الصدد: تغير أولويات استراتيجية الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة في مواجهة خصومها التقليديين(الاتحاد السوفياتي السابق ودول أوروبا الشرقية) خلال حقبة النسق الثنائي نتيجة التفاعل بين الجماعات الثلاثة بالمفهوم المتقدم؛ إذ إن ظهور مجموعة من الأحداث الكبرى في تلك الفترة، ومنها: الهزيمة الأمريكية النكراء على يد الفيتناميين والدعم السوفياتي لمصر وسوريا في حرب 1973 والتي جاءت على غير رغبة الولايات المتحدة وغيرها كثير من الأحداث دفعت القيادة الأمريكية إلى التغيير في أولويات استراتيجية الاحتواء الأمريكية من مجرد تحزيم الاتحاد السابق ودول أوربا الشرقية إلى توسيع دائرة الاهتمام الأمريكي لاحتواء النفوذ السوفياتي ليس فقط إقليمياً وإنما عالمياً، وهذا ما دفع الولايات المتحدة للتدخل للتعجيل بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل لانتشال مصر من دائرة الاستقطاب الشيوعي إلى مناطق الاهتمام الأمريكي كما كانت إسرائيل ولا زالت.

 5-التغير في موازين القوة

       يرى الواقعيون البنيويون أن ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى مردها إلى ما يعرف بالتكيف الاستراتيجي “strategic adaptation,”، ويقصد به أن الدول دائمة التعديل أو التغير في سياساتها واستراتيجياتها لمواكبة التغيرات والتطورات التي تطرأ على الساحة الدولية أو موازين القوة فيها ، على سبيل المثال يرى الواقعي البنيوي ستيفن ولت أن الدول قد تتبني استراتيجيات دفاعية وتنشأ التحالفات والتحالفات المضادة نتيجة الضغوط النسقية وما يمكن أن تفرزه بينة النسق الدولي من تأثير على هذه الدول، كما أنه يعتقد بأن بنية النسق الدولي وما تتضمنه من صورة توزيع القوة قد تسوق الدول -إذ ما كانت تمتلك عوامل قوة تؤهلها إلى ذلك-إلى تبني استراتيجيات من قبيل الهيمنة والانتشار الدولي والموازنة.

       أكد نفر ليس بالقيل من الواقعيين البنيويين(أمثال: Christopher Layne )أنه ليس بمقدور بنية النسق الدولي وصورة توزيع القوة التي تشملها أن تدفع الدول إلى تبني استراتيجيات معينة في حال استقرار النسق الدول وفقط، ولكن أيضاً قد تسوق التحولات في موازين القوة العالمية الدول إلى انتهاج بعض الاستراتيجيات الكبرى التي تتواءم مع طبيعة مثل هذه التحولات، على سبيل المثال قدم Layne نصيحته لصانع استراتيجيات الولايات المتحدة الكبرى بأن يراعي في استراتيجيات الولايات المتحدة في ظل تحولات القوى التي تشهدها بنية النسق الدولي الراهن أن تبنى على استراتيجية الموازنة العالمية(“offshore balancing”التي تراعي وجود قوى صاعدة جديدة لها مجالات اهتمامات منافسة للولايات المتحدة الأمريكية حال روسيا والصين) بدلاً من أن تبنى على الهيمنة العالمية العابرة للنطق الإقليمية “extratregional hegemonyالتي كانت تتناسب قطعاً مع حقبة التسعينيات من القرن المنصرم(حينما كانت الفرصة سانحة أمام للولايات المتحدة لأن تمارس دور القطب الأوحد المهيمن على كافة مقاليد النسق.

      وينظر أنصار الاتجاه الليبرالي إلى الاستراتيجيات الكبرى باعتبارها مخرجاً أو منتجاً محلياً صرفاً، بعبارة أخري أن الاستراتيجيات الكبرى للدول قد تأتي انعكاساً لموازين القوى المحلية بين الجماعات المشاركة في صنع القرار الخارجي؛ إذ إنه في ظل الدول الديمقراطية بمقدور الجماعات السياسية الأقوى والتي لديها القدرة على الهيمنة على السلطة أن تعمل سياساتها واستراتيجياتها وفق رؤاها وبما يحقق مصالح دولتهم التي يمثلونها أمام العالم الخارجي، لذا تتأثر ديناميكية استراتيجيات الدول الكبرى عندهم من ثنايا التغير في القيادات الحزبية الحاكمة، ومصالح الجماعات السياسية، والتغير في العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية داخل الدولة التي بدورها تؤثر على هذه القيادات.

وتجدر الإشارة إلى إنه يوجد العديد من العوامل المفضية إلى ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى، وقدمت محاولات وأطر تنظيرية كثيرة لبحث تأثير هذه العوامل كما عرضنا أعلاه، ولكن هذه المحاولات تتسم بكونها محاولات جزئية بعبارة أخرى تنخب عاملا واحداً من العوامل المسببة لديناميكية الاستراتيجيات الكبرى وينطلق منه في التحليل ويسلط الضوء عليه ويغفل تأثير العوامل الأخرى، الأمر الذي حدا ببعض المنظرين إلى تقديم نماذج تنظيرية أكثر تجريدية، حيث تأخذ في حسبانها عوامل عدة في تحليلها لأسباب وعوامل ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى، ولعل من أبرز هذه النماذج، نموذج Kingdon، ونموذج وجاء Richard Rumelt، ونموذج Thompson، ونموذج Clark ورفاقه، وهذا ما سنسلط الضوء عليه في السطور التالية:

      خلص Kingdon في نموذجه إلى أن مرد تحول السياسات والاستراتيجيات الكبرى للدول وبزوغ سياسات جديدة هو التغير في ثلاث عمليات مستقلة ومنفصلة ، وهي: التغير في المعطيات الدولية problems ، ومخاض مشكلة دولية، و السياسات العامة للدولةpolicies أو الواقع السياسي و السياسة المحلية Politics ، ويرى أن آلية تغير الاستراتيجيات الكبرى تبدأ بتغيرات في معطيات البيئة الدولية كأن تظهر تهديدات معينة وتختفي أخرى، أو تظهر قوى دولية كبرى جديدة أو تتراجع هيمنة قوى دولية مهيمنة قائمة، وحدوث مثل هذه المعطيات أو ظهور مثل هذه المشكلات يسترعي انتباه الدول إلى إعادة النظر في السياسات القائمة وتبني سياسات خارجية جديدة(Policies) تتواءم مع هذه المستجدات الدولية، وتبني مثل هذه السياسات من شأنه أن يحدث تغيراً في السياسة المحلية للدولة(Politics) لما لذلك من انعكاس على مواقف ومصالح القوى المحلية داخل الدول.

  وجاء Richard Rumelt بنموذج وطوره من بعده Walter A. McDougall وضحا فيه أسباب ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى، وحصرا عوامل الديناميكية في الأسباب الآتية:

1-الإخفاق في الوقوف على حقيقة موارد الدولة وقدراتها الحقيقة.

2-الخطأ في تقدير الأهداف الاستراتيجية.

3-صعوبة التعرف على المشكلات التي قد تواجه الاستراتيجية.

4-اختيار أهداف ضحلة لا ترتقي إلى مستويات طموحات الدولة.

5-الإخفاق في التعرف على الخصوم والمنافسين الاستراتيجيين.

6-أن تبنى الاستراتيجيات على تصورات خاطئة عن خصائص الدولة

7-تشتت جهود المشاركين البيروقراطيين أثناء عملية صياغة الاستراتيجية.

8-عدم قدرة الدولة على التحديد الدقيق للمناطق التي تملك فيها مزايا تنافسية نسبية.

9-الفشل في التمييز بين خصوم الدولة وأصدقائها على الساحة الدولية.

10-الإخفاق في الوقوف على حقيقة المهارات المعرفية للأفراد القائمين على صياغة الاستراتيجية.

11-إخفاق القائمين على صنع القرار في فهم خصائصهم الفردية.

     ودشن Thompson نموذجاً فريداً، قدم من ثناياه أسباباً موسعة لديناميكية الاستراتيجيات الكبرى للدولة، حيث أكد أن الاستراتيجيات الكبرى للدول تتغير بعامل التغير في واحد أو أكثر من العوامل الخمسة الآتية:

      سوء فهم مراد المراسلات بين الدول problem definition-correspondence ، الصدمات الدولية shocks ،صانعو السياسات الخارجية policy entrepreneurs، تعارض المصالح أو التصادمات contestation، تعزيزات القوة reinforcement. ومن الجدير بالذكر أن ديناميكية الاستراتيجية الكبرى للدولة قد تصبح أكثر وقعاً في حال تغير هذه العوامل بشكل مطرد جميعاً في آن واحد. حينها قد لا يكون أمام الدول من خيار سوى التعديل أو التبديل في تكتيكات استراتيجياتها الكبرى.

     ويقوم نموذج Thompson على افتراض مفاده: إن مخاض مستجدات بيئية بدرجة مشكلة دولية أو صدمة دولية (كأن يحدث تغير في طبيعة التهديدات الدولية أو موازين القوى الدولية وغيرها من الأمور)، وكان بمقدور هذه الصدمة أن تحدث تحدياً للمشاركين في وضع السياسات العامة، و كان بمقدورها كذلك التأثير على ميزان الدعم والمعارضة لسياسات الحكومة في الداخل، وخصص لها كذلك الموارد اللازمة للتعامل معها، فإنه في مثل هذه الظروف يتهيأ الوضع لتبني الدولة استراتيجية كبرى جديدة. ورياضياً يمكن القول: إنه ثمة علاقة طردية بين التحول إلى استراتيجية كبرى جديدة وكل من: فداحة المشكلة الدولية، وجسامة الصدمة التي تصدرها المشكلة الدولية للمشاركين في صنع السياسة العامة، وميل القوى المحلية إلى التخلي عن السياسات القائمة ودعمها التغير لمجابة أثار الصدمة، وتوافر الموارد اللازمة للتغير.

         جاء Clark and Kevin بنموذج يبحث عوامل استقرار الاستراتيجيات الكبرى، وتبين له من واقع دراسة اختبارية أن أكثر الاستراتيجيات استقراراً هي تلك الاستراتيجيات التي تتسم بالخصائص الآتية:

1-الموازنة Balanced””: وتعنى أنه يتعين أن تتضمن الاستراتيجيات أولويات الدولة ومصالحها القومية في كافة المجلات (السياسية والعسكرية والاقتصادية والقيم المجتمعية) بشكل متوازن لا يحتمل الإقصاء أو التهميش لأي منها.

2-الحصافة “”Prudent: أي الحيطة والحذر، أي يتعين أن تكون الاستراتيجية حصيفة بعبارة أخرى تقوم على مبدأ الحيطة والحذر.

3-المبدأية” “Principled: بمعنى أن ترتكز الاستراتيجية على مبادئ يصعب تحويلها أو تغيرها certain inalienable إلا عند الضرورة القصوى.

4-الهدفية “Purposive”: إذ يتعين أن تشتمل الاستراتيجية على جملة من الأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.

5-الاستمرارية” “Sustainable: بمعنى ألا تتغير الاستراتيجية فقط لتغير القائمين على تنفيذها.

الخاتمة:

       على الرغم من ظهور مصطلح الاستراتيجيات الكبرى في مجالات كثيرة لا سيما المجالات العسكرية منذ أرداح من الدهر، بيد أن شروق شمس هذا المصطلح على مجال السياسة الخارجية لم يمضِ عليه سوى بضعة عقود، لذا فهو لم يأخذ حظه الوفير ولم ينل قسطه الوافي من البحث والتنقيب من قبل المعنيين بالتنظير في هذا المجال، وعلى الرغم من محاولات بعضهم المضنية الهادفة إلى التوصل إلى إطار شامل أو نموذج موحد بمقدوره أن يقدم تفسيراً جلياً لكافة أبعاد الاستراتيجيات الكبرى للدول، غير أنه لم تنجح محاولة واحدة منها، ولم تنجو من النقد لا لعيب فيها بقدر الطبيعة المعقدة للاستراتيجيات الكبرى وتعدد العوامل المضفية لديناميكيتها، واختلاف توجهات ونوايا القائمين على وضع أولوياتها. وعلى أية حال خلصت الدراسة إلى النتائج التالية:

أولاً-ليس ثمة اتفاق بين المنشغلين بمجال السياسة الخارجية حول تعريف واحد شامل للاستراتيجيات الكبرى، وعلى الرغم من ذلك حظيت محاولة Posen الساعية إلى التوصل إلى صيغة واضحة لمفهوم الاستراتيجية الكبرى بقبول جمهور المنظرين في مجال السياسة الخارجية، إذ جاءت تعريفات عدة لاحقة عليها إما اشتقاقاً منها أو تسير في ركابها.

ثانياً-خلصت الدراسة إلى أنه ثمة العديد من الأشكال والأنماط للاستراتيجيات الكبرى في مجال السياسة الخارجية، وعلى الرغم من تباين أنماط هذه الاستراتيجيات، غير إنه يجمعها قاسم واحد ألا وهو خاصية الديناميكية، وتلكم الخاصية سلاح ذو حدين، بعبارة أخرى قد تتيح مرونة هذه الاستراتيجية في حال إذ ما أخطأت البوصلة في مرحلة من مراحل التنفيذ لمتخذي القرار فرصاً عديدة لاستعادة وجهة الاستراتيجية صوب الاتجاه الصحيح بما يتيح تحقيق مصالح الدولة القومية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يتمخض عن الطبيعة الديناميكية للاستراتيجيات الكبرى إخفاقها والانصراف إلى تبني غيرها بحيث تكون أكثر قدرة على تحقيق مصالح الدولة القومية.

ثالثاً-تستنتج الدراسة أن الطبيعة الديناميكية للاستراتيجيات الكبرى هي التي تميز بين الاستراتيجيات الكبرى المستقرة ونظريتها غير المستقرة، إذ إن خيطاً رفيعاً يفصل بين ديناميكية الاستراتيجيات الكبرى المستقرة التي تعمل تحت مستوى تتماسك فيه مفرداتها وتتفاعل عوامل ديناميكيتها دون المستوى الذي يفقدها قدرتها على تحقيق وظائفها(أي يتغلب الميكانزيم المنظم فيها على أية عوامل اضطراب قد تدب داخلها من شأنها أن تعصف بالاستراتيجية أو تحول دون أدائها وظائفها ) وبين تلك الاستراتيجيات غير المستقرة والتي تعاني من عدم ترابط مفرداتها وتتفاعل عوامل ديناميكيتها فوق المستوى الذي يكفل تحقيق استقرارها؛ الأمر الذي من شأنه أن يحول دون إحراز أهدافها ويعيق أداء وظائفها الأمر الذي قد يسفر عن إخفاقها؛ ومن ثم شروع متخذي القرار في البحث عن بدائلها.

Layton, Peter; Grand Strategy Alternatives, white paper, STRATEGIC MULTILAYER ASSESSMENT,
MARCH 16, 2019,p.9

  1. Thierry Balzacq ,Peter Dombrowski, and Simon Reich; Introduction: Comparing Grand Strategies in the
    Modern World. In: Comparative Grand Strategy: A Frame and Cases, edited by Theirry Balzacq,Peter
    Dombrowski, and Simon Reich, Oxford University press,2019,p.1
  2. William C. Martel, Martel, C. W. (2015). Grand Strategy in Theory and Practice. The Need for an Effective
    American Foreign Policy. New York, NY: Cambridge University Press,p.11
  3. Sebastian Blidaru, The Concept of Grand Strategy and the Specific case of the Russian State,
    RELATIONES INTERNATIONALES , Vol. 13, no 1, 2020,p.50
  4. Thierry Balzacq and Others;op.cit,p.5
  5. Barry R. Posen, The Sources of Military Doctrine: France, Britain, and Germany Between the World Wars
    (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1984),p.7,p.13
  6. Alexander Kirss; Does Grand Strategy Matter?, Strategic Studies Quarterly , Winter ,2018,p.118
  7. Hal Brands, What Good Is Grand Strategy? Power and Purpose in American Statecraft from Harry S.
    Truman to George W. Bush (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014),p.3
  8. Alexander Kirss;op.cit ,p.118
  9. Sebastian Blidaru; op.cit, p.50
  10. Clausewitz, Carl von (1989) On War ed. and translated by Michael Howard and Peter Paret. Princeton:
    Princeton University Press,pp. 605- 609
  11. Sebastian Blidaru; op. cit,p.51
  12. Daniel W. Drezner, Ronald R. Krebs, and Randall Schweller, The End of Grand Strategy: America Must
    Think Small, Foreign Affairs , May/June 2020,p.108
  1. Martel, William C. 2015. “Grand Strategy in Theory and Practice: The Need for an Effective American
    Foreign Policy.” In. New York: Cambridge University Press,p.32
  2. Posen, Barry R. 2015. Restraint: A New Foundation for U.S. Grand Strategy. Ithaca: Cornell University
    Press,p.1
  3. Brands, Hal. 2014. What Good is Grand Strategy? Power and Purpose in American Statecraft from Harry
    S. Truman to George W. Bush. Ithaca: Cornell University Press,p.3
  4. Luttwak, Edward N. (2009) The Grand Strategy of the Byzantine Empire Belknap Press: Cambridge,p. 409
  5. Stephen M. Worman, The Grand Strategies of Middle Powers: Organizational Determinants and
    Constraints, PhD dissertation, GRADUATE SCHOOL OF PUBLIC AND INTERNATIONAL
    AFFAIRS ,UNIVERSITY OF PITTSBURGH,2021,p.3
  6. Layton ,Peter, 2019, pp. 1-8 .
  7. Alexander Kirss; op. cit,p.119
  8. Jacob Shively, LOST AMBITION: GRAND STRATEGY STABILITY AND ABANDONED CHANGE
    IN THE JIMMY CARTER AND GEORGE W. BUSH ADMINISTRATIONS, PhD dissertation , the
    faculty of the University Graduate School, Indiana University, 2014 pp.5-7
  9. Silove, N. (2018). Beyond the Buzzword: The Three Meanings of ‟Grand Strategy”. Security Studies,
    27(1), p. 49
  10. Daniel W. Dreznerm; op. cit,p.108
  11. Modelski, George(1962); A theory of foreign policy(New York: Praeger), p.27
  12. Petersen, Kira(2012); Four Types of power in international relations: Coercive power, Bargaining power,
    Concerted power, and institutionalized power(Paper for IPSA, No.XXII, World congress of political science,
    Madrid),pp.4-15.
  13. Daniel W. Dreznerm; op. cit,p.108
  14. Layton, Peter; op. cit,pp.7-9
  15. Keohane, Robert and Nye, Joseph pp. 24-25
  16. Robert, Keohane and Joseph, Nye,1989,pp.24-25
  17. Timothy J. McKeown, ‘The Big Influence of Big Allies: Transgovernmental Relations as a Tool of
    Statecraft’, pp. 204-22 in Helen V. Milner and Andrew Moravcsik (eds.), Power, Interdependence, and
    Nonstate Actors in World Politics, Princeton: Princeton University Press, 2009,pp204-210
  18. Koslowski, Rey and Kratochwil, Friedrich, ‘Understanding Change in International Politics: The Soviet
    Empire’s Demise and the International System’, International Organization, Vol. 48, No. 2, Spring
    1994,pp.215-247
  19. Hillison, Joel R. The Potential and Pitfalls of a Zero-Sum Grand Strategy, Orbis , 2019,pp.241-242
  20. Ikenberry, After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order after Major Wars,
    Princeton: Princeton University Press, 2001, pp. 30-31
  21. Ibid.
  22. Martel; op. cit.
  23. Krasner,2010
  24. Daniel W. Dreznerm; op. cit,p.109
  25. Alexander Kirss; op. cit,pp120-122
  26. Jacob Shively; op. cit, pp.19-21
  27. Stephen M. Worman; op. cit,pp.30-31
  28. Simon, 1959,p.256
  29. Bendor, Jonathan, and Thomas H. Hammond. 1992. “Rethinking Allison’s Models.” American Political
    Science Review 86 (02),pp.312-313
  30. Stephen M. Worman; op. cit,pp.33-34
  31. Blau and Scott, 1962,p.42
  32. Stephen M. Worman; op. cit,pp.38-39
  33. Goren & Podeh, 2013
  1. Skidmore, David (1996) Reversing Course: Carter’s Foreign Policy, Domestic Politics, and the Failure of
    Reform Nashville: Vanderbilt University Press,p. 4
  2. Stephen M. Worman; op. cit,pp.20-21
  3. Thompson, William R. , The 1920–1945 Shift in US Foreign Policy Orientation: Theory, Grand Strategies,
    and System Leader Ascents. Foreign Policy Analysis (2014),Vol. 0,p.5
  4. Ibid.
  5. Taleb N., 2007
  6. Jacob Shively; op. cit, pp.12-13
  7. Jacob Shively; op. cit, pp14-15
  8. Legro, Jeffrey W. (2005) Rethinking the World: Great Power Strategies and International Order Cornell
    University Press: Ithaca, p. 4
  9. Thompson, William R; op. cit,pp.2-3
  10. Jacob Shively; op. cit, pp14-16
  11. Hillison, Joel R. ; op. cit,p.245
  12. Clark, Joseph R.; Russia’s Indirect Grand Strategy, Orbis, February 2019, pp.226-227
  13. Parpiani, Kashish; Prescribing an American Grand Strategy for the Era of Renewed Great Power
    Competition, MCU Journal vol. 10, no. 2, Fall 2019,p.150.
  14. Friedman, Benjamin H. and Logan, Justin; Why Washington Doesn’t Debate Grand Strategy, Strategic
    Studies Quarterly , Winter 2016, p.18
  15. Ibid,pp.14-18
  16. Thompson, William R. ; op. cit,p.4
  17. Ibid.
  18. Moyar,Mark , 2009,p.594.
  19. Legro; op. cit,pp. 44-45
  20. Walt, Stephen M. (1987) The Origins of Alliances ,Cornell University Press: Ithaca,pp. 2 – 5
  21. Christopher Layne,p.2006,p.p6-14
  22. Jacob Shively; op. cit, pp.8-10
  23. KINGDON, JOHN W. (1995) Agendas, Alternatives, and Public Policies, 2nd edition. New York: Harper
    Collins
  24. Walter A. McDougall, Can the United States Do Grand Strategy?, Orbis, Fall 2017,pp.491-492
  25. Thompson; op. cit,p.9
  26. ibid,pp.9-10
  27. Murdok, Clark and Kallmyer, Kevin; Applied Grand Strategy: Making Tough Choices in an Era of Limits
    and Constraint, Orbis, Fall 2011, pp.550-551
    المراجع:
  • Alexander Kirss; Does Grand Strategy Matter?, Strategic Studies Quarterly ,
    Winter ,2018,p.116-132
  • Barry R. Posen, The Sources of Military Doctrine(1984), France, Britain, and
    Germany Between the World Wars (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1984),
    p7, p13.
  • Bendor, Jonathan, and Thomas H. Hammond. 1992. “Rethinking Allison’s
    Models.” American Political Science Review 86 (02):301-322.

-Blau, Peter M., and W. Richard Scott. (1962). Formal organizations: a comparative
approach, Chandler publications in anthropology. San Francisco,: Chandler Pub. Co.
-Brands, Hal.( 2014). What Good is Grand Strategy? Power and Purpose in
American Statecraft from Harry S. Truman to George W. Bush. Ithaca: Cornell
University Press.

  • Clark, Joseph R.; Russia’s Indirect Grand Strategy, Orbis, February 2019, pp.225-
    239.
  • Clausewitz, Carl von (1989) On War ed. and translated by Michael Howard and
    Peter Paret. Princeton: Princeton University Press.
  • Daniel W. Drezner, Ronald R. Krebs, and Randall Schweller, The End of Grand
    Strategy: America Must Think Small, Foreign Affairs , May/June 2020.
  • Friedman, Benjamin H. and Logan, Justin; Why Washington Doesn’t Debate
    Grand Strategy, Strategic Studies Quarterly , Winter 2016
    -Goren, N., & Podeh, E. (2013, June 20). 5 Arab Spring Opportunities For Israel.
    The Daily Beast. Retrieved from
    http://www.thedailybeast.com/articles/2014/09/18/voter-intimidationgripsscotland-as-it-votes-on-independence.html.
  • Hal Brands(2014), What Good Is Grand Strategy? Power and Purpose in American
    Statecraft from Harry S. Truman to George W. Bush (Ithaca, NY: Cornell University
    Press).
  • Hillison, Joel R. The Potential and Pitfalls of a Zero-Sum Grand Strategy, Orbis ,
    2019,pp.240-257.
  • Ikenberry, After Victory(2001): Institutions, Strategic Restraint, and the
    Rebuilding of Order after Major Wars, Princeton: Princeton University Press.
  • Jacob Shively(2014), LOST AMBITION: GRAND STRATEGY STABILITY
    AND ABANDONED CHANGE IN THE JIMMY CARTER AND GEORGE W.
    BUSH ADMINISTRATIONS, PhD dissertation , the faculty of the University
    Graduate School, Indiana University.
  • KINGDON, JOHN W. (1995) Agendas, Alternatives, and Public Policies, 2nd
    edition. New York: Harper Collins.
  • Keohane, Robert and Nye, Joseph(1989), Power and interdependence,(New York:
    HarperCollins)
  • Koslowski, Rey and Kratochwil, Friedrich, ‘Understanding Change in International
    Politics: The Soviet Empire’s Demise and the International System’, International
    Organization, Vol. 48, No. 2, Spring 1994.
  • Krasner, Stephen D.(2010), INTERNATIONAL POLITICAL ECONOMY (New
    York: Routledge )
    -Layne, Christopher (2006) The Peace of Illusions: American Grand Strategy from
    1940 to the Present Cornell University Press: Ithaca.
  • Layton, Peter; Grand Strategy Alternatives, white paper, STRATEGIC
    MULTILAYER ASSESSMENT, MARCH 16, 2019.
    -Legro, Jeffrey W. (2005) Rethinking the World: Great Power Strategies and
    International Order Cornell University Press: Ithaca.
    -Luttwak, Edward N. (2009) The Grand Strategy of the Byzantine Empire Belknap
    Press: Cambridge.
  • Mark Moyar, Debating American Grand Strategy After Major War: Grand Strategy
    after the Vietnam War, Orbis, Fall2009,pp.591-610.
    -Martel, William C. 2015. “Grand Strategy in Theory and Practice: The Need for an
    Effective American Foreign Policy.” In. New York: Cambridge University Press.
  • Modelski, George(1962); A theory of foreign policy(New York: Praeger)
  • Moyar, Mark,(2010). A Question of Command: Counterinsurgency from the Civil
    War to Iraq (Yale University Press; Illustrated edition).
    -Murdok, Clark and Kallmyer, Kevin; Applied Grand Strategy: Making Tough
    Choices in an Era of Limits and Constraint, Orbis, Fall 2011.
    -Parpiani, Kashish; Prescribing an American Grand Strategy for the Era of Renewed
    Great Power Competition, MCU Journal vol. 10, no. 2, Fall 2019.
  • Petersen, Kira(2012); Four Types of power in international relations: Coercive
    power, Bargaining power, Concerted power, and institutionalized power(Paper for
    IPSA, No.XXII, World congress of political science, Madrid)
  • Posen, Barry R. 2015. Restraint: A New Foundation for U.S. Grand Strategy.
    Ithaca: Cornell University Press.
  • Robert O. Keohane and Joseph S. Nye(1989), Power and Interdependence, 2nd
    edition, Glenview: Scott, Foresman and Company.
    -Sarah Kreps, Debating American Grand Strategy After Major War: American
    Grand Strategy after Iraq, Orbis,Fall2009,pp629- 645 .
  • Sebastian Blidaru, The Concept of Grand Strategy and the Specific case of the
    Russian State, RELATIONES INTERNATIONALES , Vol. 13, no 1, 2020, pp. 47-
    58
    -Silove, N. (2018). Beyond the Buzzword: The Three Meanings of ‟Grand
    Strategy”. Security Studies, 27(1), pp. 27–57.
    -Simon, Herbert A., “Bounded Rationality and Organizational Learning.”
    Organization Science 2 (1):125-134.1991.
  • Simon, Herbert A., Theories of Decision Making in Economics and Behavioral
    Scince, The American Economic Review, Vol.49,Issue3,1959.
    -Skidmore, David (1996), Reversing Course: Carter’s Foreign Policy, Domestic
    Politics, and the Failure of Reform Nashville: Vanderbilt University Press.
    -Stephen M. Worman(2021), The Grand Strategies of Middle Powers:
    Organizational Determinants and Constraints, PhD dissertation, GRADUATE
    SCHOOL OF PUBLIC AND INTERNATIONAL AFFAIRS ,UNIVERSITY OF
    PITTSBURGH.
  • Taleb, N. (2007). The Black Swan. New York: Random House.
    -Thierry Balzacq ,Peter Dombrowski, and Simon Reich(2019); Introduction:
    Comparing Grand Strategies in the Modern World. In: Comparative Grand Strategy:
    A Frame and Cases, edited by Theirry Balzacq,Peter Dombrowski, and Simon
    Reich, Oxford University press.
  • -Thompson, William R. , The 1920–1945 Shift in US Foreign Policy Orientation:
  • Theory, Grand Strategies, and System Leader Ascents. Foreign Policy Analysis
  • (2014),Vol. 0,pp. 1–21.
  • -Timothy J. McKeown,) 2009 (‘The Big Influence of Big Allies: Transgovernmental
  • Relations as a Tool of Statecraft’, pp. 204-22 in Helen V. Milner and Andrew
  • Moravcsik (eds.), Power, Interdependence, and Nonstate Actors in World Politics,
  • Princeton: Princeton University Press,.
  • -Walt, Stephen M. (1987) The Origins of Alliances ,Cornell University Press: Ithaca.
  • Walter A. McDougall, Can the United States Do Grand Strategy?, Orbis, Fall 2017,
    pp.474-493 .
  • William C. Martel, Martel, C. W. (2015). Grand Strategy in Theory and Practice.
    The Need for an Effective American Foreign Policy( New York, NY: Cambridge
    University Press).