من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

الاستراتيجية هي فن توزيع واستخدام الوسائط العسكرية من أجل إنجاز الغايات السياسية. ليدل هارت..

“الهيمنة المتسامحة “التي تأخذ بالحسنى”.. والتي تمارس من قبل الولايات المتحدة، هي حسنة بالنسبة إلى نسبة عالية من سكان العالم”..

روبرت كاغان، مستشار جمهوري للشؤون الخارجية..

التفوق المطلق، بالرضى أو بالقوة:

يوضح الاستراتيجي برونو كولسون BRUNO COLSON في بحث باهر(1)، أنه ومنذ خمسين عاماً، بقيت الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ثابتة: القضاء أو إضعاف الخصوم، والخصوم الأقوياء ـ سواء أكان هؤلاء من “الأصدقاء” أم من “الأعداء” ـ من أجل أن تحافظ أمريكا، وأطول مدة ممكنة، على وضعها المتفوق الوحيد، سواء أكان منافسوها أو خصومها “غربيين”..أم لا.. وسواء أكانوا أعضاء سابقين في حلف وارسو أم حلفاء مقربين من واشنطن، في نطاق منظمة حلف شمالي الأطلسي، ولقد ظهرت هذه العقيدة الاستراتيجية  “الشاملة”(2)، للولايات المتحدة، بجلاء في المفهوم الأمريكي الجديد “للاستراتيجية القومية للأمن”، حيث قد تم الكشف عن محتواها، أمام الجمهور الكبير، بمناسبة صدورها في النيويورك تايمز بتاريخ (8) آذار عام (1992)، بترجمة عن توجيه للخطط الدفاعية
للبنتاغون (3): “وزارة الدفاع في الولايات المتحدة”. وجرى إعدادها  بالتعاون مع مجلس الأمن القومي، أعلى مؤسسة أمريكية للأمن والسياسة الدولية. وإننا نفهم من ذلك، أنه يجب على الولايات المتحدة القيام بكل شيء من أجل “ردع كل خصم محتمل، من بين البلدان المتقدمة والمصنعة، يحاول تحدي هيمنتنا، بحيث سوف لن يكون أمامه أمل بدور  أكبر، على النطاق العالمي أو الإقليمي (…)، وستكون  رسالة الولايات المتحدة، أن تضمن لنفسها بأن لا تسمح لأية قوة منافسة بالظهور في أوربا الغربية، أم في آسيا أم في مناطق مجموعة الدول المستقلة حديثاً (CEI)، باختصار، يتعلق الأمر، بمنع أوربا واليابان “الحلفاء” ليني العريكة نسبياً، وكذلك، روسيا التي أُضعفت لكنها لا تزال مرعبة، من أن ترفع رأسها  في يوم من الأيام، وتوحي بالقلق “للهيمنة الناعمة” لواشنطن، لا أكثر ولا أقل، وذلك من واقع الآلة الاقتصادية التجارية الأمريكية الهائلة: “إذ  يجب على السياسة الخارجية الأمريكية أن تعطي لنفسها هدفاً، هو إقناع الخصوم المحتملين، بأن لا حاجة بهم أن يلعبوا دوراً  كبيراً. ويجب أن يكون وضعنا كقوة أعظم وحيدة أبدية، بالقوة العسكرية الكافية من أجل ردع أية أمة  أو مجموعة أمم عن تحدي تفوق الولايات المتحدة، أو في البحث عن اتهام النظام الاقتصادي والسياسي القائم (…..)، ويجب علينا منع ظهور نظام أمن أوروبي حصراً، والذي  يمكنه أن يخلق تشويشاً لمنظمة حلف شمالي الأطلسي (OTAN). ويجب أن  نبقى حذرين، في الشرق الأقصى، أمام الأخطار نتيجة عدم الاستقرار الذي يمكن أن ينشأ عن دور متزايد لحلفائنا، وخاصة من اليابان”، وهذا ما يوضحه التوجيه الخاص للتخطيط الدفاعي.

ولهذا، فإنه من المؤكد، أن ليس هنالك من أوهام حول دور الأمم المتحدة، أو أي شكل، سواء أكان دوراً “دولانياً جماعياً”، حيث ليس في الخطابات الرسمية الأمريكية، بهذا الشأن، من لبس بشكل عام..

في الواقع، يوضح التقرير “السري” بجلاء، أبعد من ذلك. “إن ماهو هام، فهو الإحساس، بأن النظام الدولي، هو في نهاية الأمر مدعوم من الولايات المتحدة، والتي يجب أن تكون في موقع تكون فيه قادرة على التحرك بشكل مستقل، عندما يكون هناك عمل جماعي ليكون مُجَوَّقاً”..

ونفهم بشكل أفضل، على ضوء هذه الوثائق، الاستراتيجية التي بحسبها، لماذا تتحرك الولايات المتحدة تحت غطاء التفويض من الأمم المتحدة في العراق، عندما تكون قرارات المنظمات الدولية مناسبة للمصالح الأمريكية، وقومية بحصر المعنى، وجرى الأمر كذلك، بالنسبة ليوغوسلافيا السابقة، عندما لا يمكن “للدولانية” أن تستخدم كواجهة لـ”سائر الصور الاستراتيجية”، الدولانية الجيو اقتصادية الأمريكية، ولا يتوقف حكام الولايات المتحدة عن التأكيد أن “التفوق الشامل” لبلادهم ضروري للإنسانية، لأنه موجه من أجل “ضمان الديموقراطية والسلام”‍!… في العالم، ومن أجل حماية “اقتصاد السوق”…

 فمنذ عهد الرئيس ويلسون، فقد استترت المصالح “والرغبة بالقوة” الامبريالية للحكومات الأمريكية المتعاقبة، ببراعة، خلف قناع من الحجج الأخلاقية، شبه /الروحية، مجبرة بقية العالم على الخضوع للطريقة الأمريكية للحياة تحت طائلة أن يصبح مُقْصيَّاً في معسكر “الأشرار” أو “البرابرة”. في الواقع، لم يتوقف الأمريكيون مطلقاً عن الاعتقاد بأنفسهم على أنهم “حماة الديموقراطيات”، “شعب الله المختار”، الجديد، حيث مباركة المشروعات الدنيوية من قبل الإله. فضلاً عن ذلك، فهي محددة لمعاقبة “الخونة الجدد”، الرافضون للخضوع “للديموقراطية المثالية”.. وليس لمفهوم النظام الدولي الجديد، أثر يترجم لأي تغيير رئيس، لأنه راسخ، كما يبين ذلك، فرانسيس فوكوياما، انتصار واستمرار “العالم الحر”، في الماضي، المعارض، الكتلة الشرقية الرهيبة، واليوم “مهددة”، من قبل “الدول السوقية” والقوى حيث هي متحالفة ضد التسلطية “الصين، روسيا، الهند،….الخ”…

وأبعد من إلباسها الأخلاقي، فإن الاستراتيجية القومية، المتعلقة بالأمن، مُصممة، كاستراتيجية متكاملة، أو كلية، تمتزج فيها المصالح الاقتصادية والعسكرية والعلمية والسياسية ـ الثقافية. وحسب هيرفيه كوتو ـ بيجاري HERVE COUTEAU – BEGARIE مدير معهد الاستراتيجيا المقارنة: “الاستراتيجيا الشاملة”، الأمريكية، هي متلاحمة، على نحو لافت للنظر، ومرتبة حول ثلاثة محاور: استراتيجية عامة اقتصادية واستراتيجية عسكرية، واستراتيجية عامة ثقافية، كذلك، فإن الهيمنة المسلم بها، حتى الساعة، لواشنطن، على باقي العالم، قائمة على الانسجام في مجالات أربعة رئيسة للقوة الشاملة: قوة عسكرية، بالتأكيد، تسيطر الولايات المتحدة على  اليابسة وعلى البحار، وبدونها، لا يبدو أن قليلاً من النزاعات المسلحة في العالم قادرة على حلها. قوة ثقافية وإعلامية “القوة الضاربة الثقافية”، لواشنطن كونها قائمة على السيطرة الكاملة تماماً، على وسائل الاتصالات التلماتيك TELEMATIQUE، والتوابع الكوكبية، والقوة التكنولوجية، إذ ليس من حاسوب في العالم، يستطيع أن يعمل دون اللوجسييك الأمريكي، ولا حتى إقامة الاتصال عن طريق الانترنيت، وخصوصاً أخيراً، قوة اقتصادية عجيبة. فأمريكا كونها، البلد الأغنى، من بعيد، في العالم، “ثلث الإنتاج الخام العالمي”، وتحتل المشروعات  الأمريكية، بفضل دينامية مدهشة، بهذا الصدد، نظاماً اقتصادياً شبه ليبرالي فعال لأبعد حد، المكان الأول العالمي في عديد من قطاعات النشاط “سيارات، مواد غذائية زراعية، صناعات جوية، بنوك، تكنولوجيا جديدة سمعية، بصرية…الخ”.. تذكروا مروراً أن السوق المالي الأمريكي يتجمع فيه حوالي ثلثي التوظيفات العالمية”…

وتنطلق العقيدة الأمريكية الجديدة، والمرتبطة بشكل وثيق مع مفهوم الثورة في المجالات العسكرية  (RMA) بأن الاستراتيجية، لا تستند فقط على الحرب العسكرية، وذلك منذ الحرب العالمية الثانية، بل في الوقت  نفسه، على الاقتصاد، ومن هنا المصلحة في “الجيو اقتصادية”، وفي الثقافة “الإعلامية”، “INFOMATIONNEL” “INFORMATION WRRFARE” وحتى “الانسانية” “HUMANITAIRE”. ويوضح زبيغنيو بززنسكي، ZBIGNEW BRZEZINZKI ، بوجه خاص، ماهي ” الاستراتيجية الشاملة”، الأمريكية: بقوله: “ممارسة القوة [الامبريالية] الأمريكية، لتتحول “….”، إلى تنظيم متفوق للقوة لتحرك المصادر الاقتصادية؛ والتكنولوجية، ذات الأهمية، دون تأخير، لغايات عسكرية، ومن إغراء غامض، لكن، ذو أهمية، في ممارسة طراز الحياة الأمريكية، كذلك، الدينامية التي تعترف بها النخبة السياسية (….)، باختصار، ما من قوة، تستطيع الادعاء، بأنها تستطيع منافسة الولايات المتحدة، في المجالات الأساسية الأربعة ـ (العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، والثقافية)، التي تشكل القوة الشاملة (4)، حتى إذا كانت أمريكا، هي الأكثر امبريالية، وذات نزعة هيمنة، بحيث ليس لها مثيل مطلقاً، وأن استراتيجيتها الشاملة؛ بالأحرى، الكلياتية، في بعض الاعتبارات، لا تقتضي لهذا، تنظيماً سياسياً كلياتياً، بالمعنى القطعي للكلمة، فهو تنظيم متكامل، في الواقع، متعدد الأشكال، ومنتشر، خصوصاً عبر أبعاده المتوسطة الثقافية، حيادية حسب الظاهر، وبحيث أن الهيمنة الأمريكية، شكل جديد للامبريالية “ديموقراطية استبدادية”  أو “دكتاتورية من نموذج ثالث”، كلما كسب هذا الطراز، منطقة في العالم، فينشئ قرينة ملائمة للممارسة غير مباشرة، وحسب الظاهر، ومتوافقة للهيمنة الأمريكية، هذا ما يوضحه برززنسكي، وتنطوي هيمنة الولايات المتحدة على بنية معقدة من المؤسسات والتوسطات، المصممة من أجل إحداث التوافق (….)، مع التفوق الدولي للولايات المتحدة، وهذا التفوق وحيد، سواء من حيث أبعاده، أم من حيث طبيعته (…..) ويتعلق الأمر بهيمنة لنموذج جديد(5). فأمريكا أصبحت الأمة التي لا غنى عنها على الكرة الأرضية”.. ونشاهد ذلك، حيث يبين الاستراتيجيون الأمريكيون، على طريقتهم، الفكرة المشهورة عن “المصير الواضح” للولايات المتحدة، راسخ على الدوام، بعمق في العقلية الأمريكية، منذ أن أطلقها جون سوليفان JOHN SULIVAN عام (1850)، كما استطاع الرئيس ايزنهاور أيضاً القول “من بين الأمم التي نذرت نفسها للعدل والحرية، فقد خصنا القدر، بدور قيادة الآخرين”(6). أيضاً أن طابع الهيمنة في الدول الاتحادية
(ETATSUNIENNE) يكمن في الثقة، التي بحسبها، فيها “نموذج الحياة  أمريكياً”.  وتشكل المفاهيم الاقتصادية والسياسية الأمريكية، وحتى الأفعال القهرية للولايات المتحدة  “غارات، ضربات جوية”.. حظر… الخ” حسنات بالنسبة للإنسانية بالكامل. فلنستمع إلى رتشارد نيكسون، وهو يقول: “الرب يريد أن تقود أمريكا العالم”، أو أيضاً، ما قاله روبرت كاغان ROBERT KAGAN: “إن الهيمنة المتسامحة، الممارسة من قبل الولايات المتحدة، هي جيدة بالنسبة لجزء كبير من السكان في العالم”، (7)، كذلك، “تمتزج”،  مصالح الولايات المتحدة “الاقتصادية والإيديولوجية والاستراتيجية….الخ”،  مع تلك الإنسانية نفسها، وفي ضمان “حقوق الإنسان”، من هذه الهيمنة المسيحية، تنجم الشراسة العجيبة، حتى الغطرسة المرحة لدى المسؤولين الأمريكيين، كما الروح “مقومة الخطأ”، ودون تشكك من رعاة البقر. يحدثون من الآن وصاعداً هنا، جواباً مشهوراً للجنرال مايك شورت MIKE SHORT القائد الأمريكي للقوات الجوية في منظمة حلف شمالي الأطلسي لمنطقة جنوب أوربا، عندما جاء للتفاوض مع ميلو سوفيتش  MILO SEVIC، بشهر تشرين أول عام
(1998)، مجيباً على سؤال للرئيس  اليوغوسلافي: “لدي الـ(ب ـ 52)، (القاذفات) في يد، والـ(U-2) “طائرات تجسس” في الأخرى، آمل أن تختاروا الأفضل”(8)..

في  هذه القرينة للهيمنة الكونية الشاملة، وقانون الأقوى إلى ذلك كله، يجب إرجاع الاستراتيجية الأمريكية لما بعد الحرب الباردة..

وتحديد العدد الوافر من “الأعداء”، من قبل الولايات المتحدة، أحياناً، هؤلاء “الأعداء” حقيقيون، لهم على نحو خاص، نزعة أيضاً لا وزن لهم، مثل البوسنة، الصرب، العراق، السودان، كوبا، ليبيا.. فقد بررت استخدام القوة كبديل عن الدبلوماسية، وكإنذار نهائي واضح.. وتوجد هنا، ظاهرة “العدو المفيد”، أو “العدو المرعب”.. تصرف استخدام منذ زمن طويل من قبل واشنطن من أجل تبرير مشاريعها الهيمنية و/أو أعمال القهر، ومن أجل إقناع منافسيها، ولقد أعد الأمريكيون “استراتيجيات غير مباشرة”، حيث فيها الوقاحة والصلافة والذرائعية القصوى، لا مثيل لها سوى المثالية التي تتذرع بها..

عدو حقيقي لها، هو الشيوعية، حيث أنها لم تكن أيضاً أقل فائدة كبيرة لواشنطن، التي منعت الجنرال باتون PATTON من أن ينهي علاقته بالتهديد السوفياتي، الذي بالغ كثيراً في وصف قدرات الأضرار التي يسببها الاتحاد السوفياتي السابق، وذلك من أجل ترسيخ وتبرير تفوقها في أوربا وفي العالم. على نحو أفضل، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرة، وامبراطوريته، فهذا صدام حسين الذي يلعب دور “العدو المفيد”، ويفضل الأمريكيون أن يبقى في مكانه، ليبقى حجة لهم، من أن يقتل أو يطرد من منصبه، أيضاً من الأمور العجيبة، أن يستطيع أن يتكرر هذا الأمر نفسه،  ويجري في يوغوسلافيا السابقة، إنه سلوبودان ميلوسوفيتش SLOBODAN MILOSEVIS “جزار البلقان”.. حيث كان يعامل بصورة حسنة نسبياً حتى  بداية أزمة كوسوفو، ولم تقم الولايات المتحدة بأي شيء من أجل القضاء عليه جسدياً، أيضاً، فإنها كانت قد اقترحت أهداف الحرب المعلنة خلال عملية كوسوفو من قبل القوة الحليفة..

لأن “تجسيد الشر”.. كانت الرواية البلقانية عن “صدام”، المرعب، تبقى المبرر الرئيس المتوسط لتدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي، ومن أجل الموافقات الدولية ضد الصرب، فالولايات المتحدة من عادتها شخصنة العدو إلى أبعد حد، والأمر الآخر، تقوم بعملية شيطنته. “وليس هنالك من ست وثلاثين طريقة تباشرها. وتتكون في أغلب الأحيان من إثارة الرعب من هذا العدو المرعب، في كل مكان على وشك أن يسحقنا. في الوقت نفسه، هذا ما يوضحه ناعوم شومسكي NOAM CHOMSKY. وكان هذا، في الوقت نفسه، فإن أحداً ما يحترم خوفاً حيال حكامنا المدهشين، الذين سينقذوننا من كارثة في الوقت المناسب تماماً، وكان هذا الاقتراب المتبني على مدى الثمانينات (1980)، فإنه يستلزم كنوزاً من المهارات عندما تصبح الفزاعة المستخدمة، التهديد السوفياتي، أكثر صعوبة فأكثر، اتخاذها أكثر صعوبة بصورة جدية، وهنا أيضاً، كان وجودنا مهدداً، حيناً من قبل القذافي، وعشيرته من الإرهابيين الدوليين، وحيناً آخر، من قبل غرناطة، وحيناً آخر، من قبل الساندينيين، المتجهين نحو تكساس، أو أيضاً من تجار المخدرات من الهسبانيين الذين يقودهم نورييغا”(9)، وكما يجري تقديره أخلاقياً، إنها وقاحة استراتيجية، إنها شيطنة، وقانون الأقوى، وهذه ليست إلا التعابير المختلقة “بالرغبة القوية” الأمريكية نفسها، للهيمنة”..

وليست “دبلوماسية الغارات والحظر”.. التي يجري تنفيذها، في هذه السنوات الأخيرة، في جزيرة غرناطة، وفي بناما، في ليبيا، في العراق، أم في السودان، في أفغانستان، في البوسنة، وفي الصرب، ليست إذن ظاهرة جديدة، فالقادة الأمريكيون لا يعملون، إلا متابعة للسياسة التقليدية “العصا الغليظة”، التي جرى تدشينها منذ عام (1898)، من قبل الرئيس وليام ماكنلي WILLIAM  MCKINLEY  أثناء الحرب ضد إسبانيا من أجل كوبا. من ثم أصبحت رسمية من قبل الرئيس تيودور روزفلت  THEODORE ROOSEVELT، منذ مطلع القرن العشرين، وتستهدف “الدبلوماسية القهرية”.. المغلفة بالتدخلية الأمريكية، إعادة الصواب للأمم العاصية، باستخدام القوة، ولكل من يقف أمام الهيمنة الأمريكية وله قابلية لأن تتسبب في إزعاج اقتصاديات الولايات المتحدة، وهي تستند على تبريرات أخلاقية واقتصادية، في آن واحد، والأسباب الأخلاقية قائمة على حجة التفوق الحضاري الشامل أمريكياً. ودور الهيمنة “المتسامحة”، التي تدعي من أجل أن تلعب في العالم، باسم “حقوق الإنسان”، وباسم “الديموقراطية الليبرالية”، الشرعية الوحيدة في “المجموعة الدولية”. و”سيكون مشروعاً ومتسامحاً، فرض المؤسسات الجمهورية، في العالم أجمع”…. وضع روزفلت، الأسباب الاقتصادية، بأنها تبقى، مع ذلك، الأكثر أهمية، حتى إذا أصبحت مستترة، خلف الأسباب الإنسانية….”..

“فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، وما أن تم احتلال الغرب الأقصى، [والتخلص من المسألة الهندية، عن طريق الإبادة الجماعية، والتي جرى التطبيل لها بصورة مجوقة]”.. وهذا ما كتبهُ المؤرخ جاك سورو JACQUES SEUROT، والسوق الداخلية مرضية، وتصبح الولايات المتحدة بحاجة لمستهلكين خارجيين من أجل امتصاص ما طفح من إنتاجها الضخم (10)، مقدراً في الواقع، أن المعاملة الأمريكية، كانت تنتج آنذاك أكثر من حاجة الشعب الأمريكي، ولا يستطيع استهلاكه، وبرر الاقتصادي الإنجليزي المشهور، السير وليام بيفريدج .SIR WILLIAM BEVERIDGE أيضاً روح الهيمنة الأمريكية: “تنتج التربة الأمريكية أكثر مما يمكن استهلاكه، وإن القدر خطط لنا سياستنا: التجارة الدولية، يجب أن تكون تجارتنا، وستكون. وإننا سنقيم مكاتب صرافة تجارية على سطح الكرة الأرضية كمراكز لتوزيع الإنتاج الأمريكي، وإننا سنغطي المحيطات ببواخرنا التجارية (….)،  وستخرج مكاتب الصرافة التجارية التابعة لنا من المستعمرات الكبرى لننشر علمنا وتتاجر معنا، وستتبع مؤسساتنا علمنا على أجنحة التجارة والقانون الأمريكي، والنظام الأمريكي، والحضارة الأمريكية، وسيصبح العلم الأمريكي مغروساً على الشواطئ حتى هنا، في مأمن من العنف والظلامية، وإن هذه الملحقات من الرب، تجعلها رائعة وساطعة، في المستقبل”(11)، ويبين  زبيغنيو برززنسكي ZBIGNIEW BRZEZINSKI، وبلغة عصرية أكثر، لكنها واضحة وامبريالية، إنه إذا كان ويجب أن يختفي التفوق الأمريكي، فإن ذلك سيؤدي إلى  نهاية السلام في العالم، والنظام الدولي، قطعاً..”في النظام الدولي الحالي، فإن البديل الوحيد للقوة الأمريكية، هو الفوضى الدولية (….)، من واقع خطورة النتائج التي يمكن أن تجرها في حال انسحاب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية، ومن الخليج العربي/ الفارسي، أو من البوسنة، دون الحديث عن منظمة حلف شمالي الأطلسي، وهذا أمر لا يعقل، عملياً، ويظهر هذا، أنه لا توجد أية قوة أخرى، في الوقت الحاضر، ذات أهمية موازية، وحتى لعب دور مماثل”(12)…

وتكمن قوة “الاستراتيجية الشاملة” للولايات المتحدة، في هذا الميل الذي لدى الأمريكيين، الذي ينطوي على رغبة في وضع قناع على نواياهم العجيبة ورغبتهم بالقوة خلف حجج أخلاقية، بالأحرى مسيحية، وإننا نجد هنا، المسألة الجيوسياسية المركزية للتصورات، مثل “قوات قابلة للتعبئة”.. و”مشروعية ذلك”.. وذلك من التاريخ والعمل السياسي. مع أنه لم يكن  ذو أصول أنجلو ـ ساكسونية، بل أوربياً، مثل برززنسكي، كما تماثل وزيرة خارجية الولايات المتحدة،مادلين أولبرايت  MEDELEINE ALBRIGHT بالكامل، الفاتحين الأوائل من البوريتانو ـ البروتستانت PURITANO – PROTESTANTS من نوفل انجلترا NOUVELES – ANGLETERRE وشريط ـ الحماسة الدينية نفسها بطراز مسيحي تقريباً، مع المصالح الاقتصادية الأمريكية، وبأن لها (مهمة) حضارية (سلمية) و(ديموقراطية) وتبين بتاريخ (20) أيار (1999)، خلال كلمة موجزة حول السياسة  الخارجية أمام مجلس الشيوخ “هدف أمريكا، إنها الحرية، نحن الأمريكيون، إننا نؤمن بالقانون، ونتعلق بالسلام، وإننا نتوخى الرفاه، ونعمل مع آخرين من أجل أن نقرب الشعوب حول مبادئ أساسية من الديموقراطية والقانون وأسواق مفتوحة.

إننا نقوم بذلك، لأن ذلك هو العدل. لكن أيضاً، إنه من الأمور الأساسية، لحماية أفضل لمصالح شعبنا وأمتنا. أحد الأهداف الأولى لسياستنا الخارجية، هي تشجيع، اقتصاد عالمي سليم، فيه النبوغ والإنتاجية الأمريكية تتلقى مستحقها، اضطلعوا دون أن تشكو منا، لكن استقبلونا الاستقبال الحسن عند القيام بدور الزعامة التي أقامها أسلافنا…”..

السيطرة على أوربا، مثابرة للجيو سياسية أنجلو ـ ساكسون:

يوضح برززنسكي في كتابه “اللاعب الكبير LE GRAND ECHIQUIER” إن الرهان الرئيس بالنسبة للولايات المتحدة، هو السيطرة على “الأوراسيا”، المجموع الرحب، انطلاقاً من أوربا الغربية، حتى الصين، عن طريق آسيا الوسطى… أيضاً، تعتبر الولايات المتحدة آسيا الوسطى والأقطار النفطية المسلمة والغازية، من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق ـ كمنطقة استراتيجية، والأكثر أهمية في العالم، فيجب على الولايات المتحدة بالنتيجة، أن تقوم، بكل شيء من أجل أن تبقى القوة المهيمنة الوحيدة على القارة الأوراسية “إنه من الأمور الجوهرية أن تتابع استراتيجية تستهدف توازناً لمجمل الأوراسيا”.. هذا ما يوضحه مستشار الرئيس  كارتر السابق “قارة حيث أهميتها حاسمة، لأن جميع  الدول النووية المعلنة ما عدا واحدة، هي فيها، وكذلك جميع الدول النووية غير المعلنة، ماعدا واحدة أيضاً، توجد فيها، وإذا أخذنا هذه الأمور جملة، فإنها تمتلك جميع أبعاد القوة لتتجاوز الولايات المتحدة”(13)، ويدعو الجيو سياسي الكلاسيكي برززنسكي، منطلقاً من أن التفوق على القارة الأوراسية، يؤدي خدمة كنقطة انطلاق من أجل “الهيمنة الشاملة”، بالتأكيد، الولايات المتحدة، قوة خارجية عن الأوراسيا، لكنها، ومنذ الآن، القوة الأولى، حتى الوحيدة، القوة الأعظم العالمية، بفضل حضورها المباشر على ثلاث مناطق محيطية، في القارة “موقع يمتد شعاعه في العمل حتى دول المنطقة الخلفية القارية (HINTERLAND). مع ذلك “تبقى الأوراسيا المسرح الوحيد الذي توجد عليه قوة منافسة لأمريكا، يمكنها أن تظهر حسبما هو محتمل”..

وهنا يوجد مفتاح جميع العقائد الجيو استراتيجية الأمريكية، إجمالياً، يمكن القول، في محاولة عمل تصنيف غير شامل لدرجات مختلفة لاستراتيجية ما، بأن الاستراتيجية الأمريكية الشاملة، على المستوى الكوني، تتكون من تعزيز نقاط الانطلاق للولايات المتحدة في أوربا الغربية والوسطى… وعلى مدى ما، إذا كان ذلك ممكناً. وذلك بإقامة كتلة أوروبية ـ أطلسية موحدة، ثلاثية الهدف من أجل تحييد بناء الوحدة الأوروبية، المنافس الجيو اقتصادي القوي، إنها “منطقة رخوة” ومقطعة، وتكون أكثر حتى للتحرك على الجبهة الأوراسية، فآسيا كونها، الأساس، “المنطقة الصعبة”، من العالم، والمنافس الجيو اقتصادي مستقبلاً، وتأخذ بالسيطرة على الطرق الجديدة للطاقة في آسيا الوسطى ـ وفي الشرق الأوسط والقوقاز. ويتضمن هذا الهدف الثالث، استراتيجية إسلامية خاصة، وفصل نسبي عن الأعضاء الآخرين عن الحضارة الغربية والأوروبية، بصورة رئيسة العنصر السلافي ـ الأرثوذوكسي، المتاخم مع الإسلام الأوربي الآسيوي “المنطقة الأكثر أهمية في العالم”…

في الحقيقة، إن فكر برززنسكي، يُسَجَّلُ في التقليد الجيو سياسي البريطاني ويبرز التطور التاريخي ـ السياسي في العالم، كنتيجة للخصومات بين “القوى القارية”، و”القوى البحرية” أو “THALASSOCRATIES” “في المياه الدافئة” ولقد نشر، الأب للجيو سياسية الكلاسيكية، الجغرافي الإنجليزي هالفورد جون ماكندر HALFORD JOHN MACKINDER (1861-1947).. وهو طالب في النظرية العامة في مجال التفرع الثنائي للنزاعات بر/ بحر، نَشر في الجريدة الجغرافية عام (1904)، محاضرة داوية تحت عنوان: “المحور الجغرافي للتاريخ”، بين فيها ماكندر وجود “محور أو قطب عالمي” أو (“منطقة محور”) تقع في قلب أوراسيا، وتشتمل إجمالاً على روسيا الحالية، الصرب، القوقاز، وجزءاً من أوربا الشرقية، وهي مقافز غير قابلة للإحاطة للسيطرة على القارة الأوراسية. ويبين عالم الجيو سياسية البريطاني في كتابة الذي نشر عام (1919) تحت عنوان “الديموقراطي فكراً وواقعاً DEMOCRATIC IDEAS AND REALITY، نظريته حول المنطقة “المحور” التي يسميها قلب الأرض (HEARTLAND)(14)..

“المفهوم الجيو سياسي لماكندر، وبأنه يقع في الأوراسيا، وهذا ما يسميه بـ”الهلال الهامشي الداخلي”، هدب غربي، جنوبي، وشرقي، من قلب الأرض، أو منطقة الاتصال بين القارة والبحار “شبه الجزيرة الايبرية، ايطاليا، البلقان، اليونان، تركيا، الشرق الأوسط، الخليج العربي ـ الفارسي ـ الباكستان ـ الهند، اندنوسيا الجزر الصينية الجنوبية…..الخ”.. ويقع في أطراف “الهلال الهامشي الداخلي”، أرخبيلان أساسيان، هما بريطانيا العظمى واليابان وقد عُمَّد تحت اسم “مجموعة (جمع أرخبيل) الجزر الخارجية” لأنها تبلغ قمتها بالسيطرة على البحار. أخيراً، توجد حول هذه “الكتلة المحور” وأطرافها البحرية “الجزر الكبيرة”: أمريكا، أفريقيا، اندنوسيا،  وأستراليا، التي تشكل “الهلال الجزيري الخارجي”، مع منطقة  توسطية في الوسط، مشكلة من الصحراء، وأن ماكندر يخشى بأن تتوسع منطقة “المحور” “قلب الأرض” في الأطراف الخارجية وتتوصل إلى السيطرة كلياً على القارة الأوراسية، بسبب مدى مصادرها الضخمة، وبفضل تنمية الطرق والسكك الحديدية، ثم تتوسع على الأثر بغزوها على مجمل البحار واليابسة للكرة الأرضية ((فماذا سيحدث  لقوى بحرية، إذا، توحدت القارة الكبرى سياسياً، في يوم من الأيام، من أجل  أن تصبح قاعدة لأرمادا لا تقهر))(15)،  ويتساءل الجغرافي البريطاني أيضاً، ويعتقد، بأنه من المحتم أن تتحالف “القوى الجزيرية” من [الهلال الخارجي]، مع تلك في [الهلال الهامشي الداخلي]، لمنع أن تلعب قوة وحيدة لتأخذ السيطرة على الأوراسيا”.. ومنظمة حلف شمالي الأطلسي، وهو ذلك التحالف، وهذا ما يوضحه الجنرال غالوا (GALLOIS)، وهنا يكمن أساس العقيدة الاستراتيجية الأمريكية، نفسه، في الأوراسيا، خلال الحرب الباردة أيضاً، وكذلك منذ سقوط جدار برلين، في المرحلة الأولى،  اعتبر ماكندر، أن الأسوأ في التهديدات هي ممثلة بالاندفاع نحو الشرق من قبل ألمانيا غليوم الثاني “DRANG NACH OSTEN”،حتى من قبل تحالف قاري، روسي، ألماني، محتمل.

وهناك سيناريوهان قابلان لأن يُحدِثا الوحدة الجيو سياسية للقارة الكبرى، وَوَضْعِ حَدٍّ للتفوق الدولي الأنجلو ـ ساكسوني. في عام (1919)، يصرح ماكندر، إذن، يجب إقامة “حزام من الدول”، في أوربا الشرقية، قابل لأن يشكل منطقة سطم بين ألمانيا وروسيا، من أجل تجنب أن تدعو ألمانيا الغازية إلى الوحدة “في منطقة المحور”.. باستخدام السلاح، لكن الاضطراب الايديولوجي والجيو سياسي الذي تسبب بالثورة البلشفية، فأعاد ماكندر تحديد مفهوم “قلب الأرض HEART LAND” منذ عام (1943): “إنه الطرف الشمالي والداخلي من الأوراسيا”، بعبارة أخرى، الاتحاد السوفياتي السابق أو مجموعة الدول المستقلة (CEI) “COMMUNAUTE DES ETATS INDEPENDATS”  الحالية مع بروز بشكل خفيف باتجاه أوربا الوسطى والشرقية.. ويَظْهر الاتحاد السوفياتي الشاب كـ”قوة قارية”.. في غاية الجودة، بسبب المطالبات العالمية والامبريالية، حيث هو أوسع وأكثر قوة من ألمانيا، وأكثر رغبة أيضاً بالتقدم والتوسع نحو أوربا الشرقية والبحار الدافئة من أجل السيطرة على مجمل القارة وطرد “القوى البحرية” منها. ويلخص ماكندر الرهان في صيغة مشهورة آنذاك، بهذه العبارات “ذلك الذي يسيطر على أوربا الشرقية، يتحكم في “قلب الأرض”، وذلك الذي يسيطر على “قلب الأرض” يتحكم في “جزيرة العالم”، وذلك الذي يسيطر على “جزيرة العالم” يتحكم في العالم”، وفي تلك الحقبة، شكلت أوربا الشرقية ـ المناطق الاستراتيجية الأكثر أهمية في العالم: ليس فقط بالنسبة لروسيا، بل أوربا الوسطى  والشرقية، هي الجسر، مفتاح القنطرة في الوحدة المحتملة للقارة الكبرى.

ويفهم من ذلك، على نحو أفضل أيضاً، لماذا بذلت بريطانيا العظمى من ثم الولايات المتحدة، وهي قوى بحرية، على الدوام، جهوداً جبارة من أجل حرمان روسيا من عمقها الاستراتيجي ومن منافذها نحو البحار الدافئة في القوقاز، وفي آسيا الوسطى وفي البلقان..

والمنظر الأنجلو ـ ساكسوني الكبير الآخر في النموذج أرض/بحر، هو بروفيسور العلوم السياسية، الأمريكي نيكولاس سبيكمان NICHOLAS SPYKMAN  في كتابه جغرافية السلام THE GEOGRAPNY OF PEACE الصادر عام (1944)، إذ يقدم هذه الفكرة التي بموجبها، أنها “المنطقة المحورية” الحقيقية التي تتمفصل حولها المنافسات بين القوى البحرية والقارية وهي الـ(RIMLAND) هذا التطور الرئيس الكبير الثاني للجيو سياسي الكلاسيكي محدداً “المنطقة الوسيطة” بين “قلب الأرض HEART LAND” والبحار المشاطئة،  نظير سبيكمان من “الهلال الهامشي الداخلي” لماكندر، بالنسبة لسبيكمان، سوف لن يكون للاتحاد السوفياتي الوسائل، عما قريب، من السيطرة على العالم. طالما أنه لم ينجح باستحواذ على
الـ (RIMLAND) والجزر الخارجية، على أي حال، وكان نيكولاس سبيكمان أكثر تفاؤلاً من ماكندر، فكان يفكر أنه إذا أظهرت القوة البحرية نفسها قادرة على تنظيم ودعم شعوب الـ(RIMLAND) من أجل حجز أو محاصرة الزحف نحو البحار للقوة الرئيسة لليابسة، أو غزو العالم من قبل قوة من قلب العالم (HEART LAND)،  سيبقى نظرياً تماماً. أيضاً، تسقط صيغة البروفيسور الأمريكي الخاصة بسلفه، كل ذلك، مع إعادة التأكيد على الفكرة الأساسية الخاصة بالمنافسة بر /بحر، وذلك بالإعلان أيضاً عن القاعدة العقائدية والاستراتيجية لمنظمة حلف شمالي الأطلسي: “ذلك من يهيمن على الـ
(RIMLAND) يهيمن على الأوراسيا، ومن يهيمن على الأوراسيا يضع مصير العالم بين يديه”، ويذكر المؤلف أن نصر الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، كان قد تحقق على الشواطئ واليابسة في الـ(RIMLAND) حسب نظرية سبيكمان بشأن الـ (RIMLAND) متضمنة هنا القوى القارية، والتي لها، دون شك، “نفوذ كبير على إعداد السياسية الخارجية  الأمريكية”(16)، وكانت في الواقع من أصل العقيدة الأمريكية بشأن الحجز والاحتواء، التي أعدت من قبل واشنطن خلال الحرب الباردة. إن تلاحم الـ(RIMLAND) شكل من الولايات المتحدة، وأوربا الغربية وآسيا البحرية، ومن المفترض أنها تشتمل على الأهداف التوسعية أو العائدة إلى  منطقة قلب العالم الروسية ـ السوفياتية، أيضاً، تتطابق الثوابت الجيو سياسية، في نطاق الحرب الباردة، مع الايديولوجيا المتنوعة، فقد وجب على روسيا أن تصبح في حالة احتواء، ليس فقط من أجل وقف توسع الايديولوجية الثورية و(الهدامة) السوفياتية ـ الشيوعية، بل، بوجه خاص، بسبب المطالب الخاصة بالهيمنة الروسية القارية. الاتحاد السوفياتي، من جانبه، حاول أن يتوسع في أوربا الوسطى والشرقية، ونحو الجزر الخارجية في “آسيا، أمريكا اللاتينية، إفريقيا… الخ” من أجل إضعاف المواقع ونقاط الاستناد الخاصة بالقوى البحرية” كونها، من ناحية أخرى، الممثلة “للقوى الرأسمالية والاستعمار” بواسطة المنظرين الروس –السوفيات.

ذلك، هو أصل نظرية، منظمة حلف شمالي الأطلسي، حيث كان الهدف لا أكثر ولا أقل، بأن يشكل سلسلة من المواثيق والأحلاف مع البلدان الواقعة على الـ (RIMLAND) من أجل احتواء الـ (HEARTLAND) الروسي-السوفياتي، ويشاهد في المعاهدة الأطلسية الشمالية، وبهذا يرد منحدر “القارة الكبرى” على مشاغل سبيكمان، حيث كان له مؤلفان رئيسان منشوران في الأعوام (1942) و (1944)، هذا ما يستخلص الجنرال بيير ماري غالوا PIERRE-MARIE GALLOIS (17).

وتستعير عقيدة الاحتواء، ليس فقط أعمال ماكندر وسبيكمان، التي أُشير إليها سابقاً، بل في الوقت نفسه، من أولئك البريطاني هومرليا (HOMER LEA) ومن الأمريكيين كولن. س. غراين COLIN.S.GRAY وجورج كينيانGEORGE KéNNAN وجون فوستر دالس  JOHN FOSTER DULLES. ويؤيد، ليا المعارضة الأساسية بر/ بحر في مؤلفه يوم الساكسونيين THE DAY OF THE SAXONS ، التي عرضت أسس الاستراتيجية البريطانية بشأن نظرية “احتواء” الإمبراطورية الروسية، من البوسفور إلى الإندوس (INDUS). بالنسبة له، يجب على الروس، وبأي ثمن، أن يستولوا على الدردنيل والبوسفور، ولا حتى السيطرة غير المباشرة عليهما. وقد وضع الأمور بالممارسة الفعلية خلال حرب الكريمة، لهذه النظرية. وهو يسمى اليوم “الغرب” “بريطانيا العظمى، وفرنسا”، فكانتا حليفتان لتركيا ضد روسيا. وهكذا كان رهان النزاع يدور في البحر الأسود وبحر آزوف- للسيطرة على المضائق التركية. حيث يعي الغربيون وتركيا، أن أهداف الإمبراطورية القيصرية الأرثوذوكسية، كانت “تحرير الأرض المقدسة”، ومن خرق المضائق التركية، و “استعادة” القسطنطينية، وكان أن حدث القيام بكل شيء من أجل منع القديس بطرسبورغ من أن يستقر في البحر الأبيض المتوسط وفي البحر الأسود، ولم يكن تحرير شواطئ هذه المنطقة سوى مقفز باتجاه البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. أيضاً، فُرِضَ على الروس، أن لا يجتازوا القوقاز، أو تجاوزهم الخط طهران-كابول، وذلك أثناء معاهدة باريس عام (1856). جورج كينان مساعد سفير الولايات المتحدة في موسكو أفريل هاريمان AVERELL HARRIMAN ، أصبح قلقاً، عندما تغير الاتحاد السوفياتي، بالنسبة له، عام (1945) ليصبح قوة عسكرية هائلة، الأقوى حينذاك. وفكر كينان بالوسائل لوقف تقدم السوفيات نحو قلب القارة. خلال السنوات (1946)- (1947)، بعبارة أخرى، قبل انقلاب براغ “23 كانون الثاني 1948”. ويقترح آنذاك (احتواء) الاتحاد السوفياتي عن طريق إعادة تجمع بعض بلدان الـ (RIMLAND)، تحت زعامة الولايات المتحدة. كذلك، عن طريق تنوع نقاط الاستناد للولايات المتحدة، بالسير باتجاه قلب الأرض، المفهوم السبيكماني الخاص بـ (RIMLAND) أي الأرض المؤطرة وجب عليه في بعض الحالات إخفاء إضعاف (العجز) الأوربي، إلى الغرب، واليابان، -على الأقل بالتحييد لزمن ما- إلى الشرق”(18). ويجب أن لا ننسى أن ألمانيا، حتى عام (1941)، واليابان عام (1905)، قد حصرتا الإمبراطورية الروسية، في طرفيها. ويُجيز النذير الثالث لعقيدة الاحتواء، كولن س. غراي، مؤلف الكتاب حول الجيوسياسي في العصر النووي GEOPOLITIQUE DE L’ERE NUCLEAIRE، مع ما كندر، أن السيطرة على “الجزيرة العالمية”، ستؤدي إلى السيادة على باقي العالم، وكسبيكمان، فإنه يضع منطقة النزاع الرئيسة في الـ (RIMLAND) أي الأرض المؤطرة الهدف السوفياتي كونه، ضمن مدى منع، قوى البحر –أي الولايات المتحدة- من العبور إلى القارة الأوراسية، وذلك بإقصاء كل انغراس أمريكي في البلدان الساحلية. بالتأكيد، جميع شعوب الـ (RIMLAND) ليست حاسمة من الناحية الجيوسياسية، بالنسبة للأمريكيين، كما بالنسبة للسوفيات.

لكن فشل أي كان في جزء من الـ RIMLAND الأرض المؤطرة سيؤثر على أماكن أخرى “بعد الهزيمة الأمريكية في فيتنام، حيث هل كان الأمريكيون يقاتلون وهم في حالة تراجع؟” تساءل غراي الذي، كتب في (EX ANTE) ويشاهد في نظرية الدومنيو، في الواقع، “لم تكن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، على الدوام خرقاء- يعلق بيير ماري غالوا استهدف تنفيذ سياسة واشنطن، من توقيع معاهدة واشنطن وإنشاء منظمة حلف شمالي الأطلسي، لازمتها العسكرية، إرساء منطقة الـ (RIMLAND) بقوة، إلى الغرب من أوراسيا. والدفاع عن كوريا الجنوبية بعد عدة أشهر، فهذا يعني تعزيز دولة صديقة إلى الشرق من أوراسيا، كذلك، فإن مساعدة فرنسا في فييتنام- بعد الهزيمة السياسية- كانت تستهدف المحافظة في (RIMLAND)، في الجنوب –الشرقي الآسيوي، على وجود حليف. والسياسة نفسها، مع مواثيق المساعدة المشتركة المعقودة بين واشنطن وعواصم بعض عدد من بلدان الـ (RIMLAND) . وأمريكا لا تستطيع الاستغناء عن المحافظة على مواقع وطيدة، بواسطة حلفاء مفروضين في محيط قلب القارة، وهنا، يتدخل المرشد الكبير الرابع في عقيدة الاحتواء، جون فوستردالس. في الواقع، فهو الرجل الذي ارتبط اسمه بالتعبير (الاحتواء) نفسه، والطرد لروسيا السوفياتية، لم يكن سوى استعادة لنظريات أسلافه، خاصة جورج كينان(19) وكان الأمر يتعلق بالنسبة للدبلوماسي الأمريكي المشهور، تطويق الاتحاد السوفياتي، بواسطة الـ (RIMLAND) والجزر الخارجية إلى الجنوب وإلى الشرق من قلب الأرض، وذلك بتنفيذ سياسة أحلاف متلاحقة، من بريطانيا العظمى إلى اليابان، من أجل محاصرة “إمبراطورية الشر”، والرد يتكفل بشمالي “منطقة المحور”. ويقدر فوستر دالاس، أنه بتشكيل مثل هذه “المواثيق بالمساعدة المشتركة” “منظمة حلف شمالي الأطلسي (OTAN) ومنظمة معاهدة جنوب شرقي آسيا (OTASE) والحلف المركزي (CENTO) و  (ANEUS).. الخ” يتم الحصول على حزام يحيط بالاتحاد السوفياتي على طول أهدابه الشاطئية بالكامل. لكن لم يرضَ على ذلك الثقب الصيني، الشوكة الوحيدة في تشكيل ذلك التطويق- الحجز، المشكل على طول الـ   (RIMLAND) بالكامل.. واليوم أيضاً، تبقى الصين- اللغز الاستراتيجي الرئيسي، الأكثر إرعاباً –ضمن مدى- من روسيا، بسبب كثافتها وقوتها في آن واحد، كثيفة ومحورية.

فإذا بدلنا النظرية الكلاسيكية الخاصة بالاحتواء على المسرح الجيو سياسي المعاصر فيجب على واشنطن، توقع ظهور قوة أوراسية- قابلة مجدداً أن تضع “هيمنتها الشاملة العطوفة” موضع تساؤل، وفي الحصول على موقع مهيمن على الأوراسيا بأي ثمن. إن صعود القوة الصينية وآسيا كونها مستحيلة تماماً في الوقت الحاضر، أن يتم حصرها، فعلى أمريكا التخلي عن الهيمنة على مجموع القارة الأوراسية، وفي التركيز على جزئيها الغربي والأوسط: الاتحاد الأوربي- أوربا الوسطى والشرقية-البلقان القوقاز، آسيا الوسطى. تعتبر واشنطن إذن، أفضليتان على المدى القصير: الأولى: تخليد تبعية/ التحالف الأوربي “الغربي”، منطقة “أكيدة”.

ثانياً، متابعة سياسة إضعاف –عزل روسيا، ومن هنا الرغبة الواضحة المعلنة من الولايات المتحدة “بوضع حزام” حول روسيا، و “الكتلة الأرثوذوكسية”، وذلك بالامتداد نحو “المنحدر المحيطي وداخل الإسلام-الغربي” عن طريق (RIMLAND) – جديد، حيث يبقى الجهاز العسكري- الاستراتيجي المشترك، منظمة حلف شمالي الأطلسي. ومن هنا أيضاً الاستمرار الأمريكي في ممارسة متكررة للضغوط على بروكسل من أجل أن تنضم تركيا للاتحاد الأوربي. ومن هنا جاء توسيع منظمة حلف شمالي الأطلسي نحو أوربا الوسطى، وخصوصاً تعزيز التعاون التركي- الأمريكي “عن طريق الاتفاقيات الاستراتيجية التي تسمح لأنقرة الحصول على التكنولوجيا المتطورة العسكرية الأمريكية”، داخل هذه.

يكشف دانييل بنساعيد (DANIEL BENSAID) في كتاب تحت عنوان “حكايات وأساطير عن الحرب الأخلاقية” الأهداف الحقيقية لعملية قوات الحلفاء في يوغوسلافيا السابقة، ويظهر كيف، وضعت الولايات المتحدة يدها في آخر الأمر، على منطقة استراتيجية في العالم، تحت غطاء “الحماية الدولية” و “حقوق الأقليات”، واكتشفت أنه عليها السيطرة عليها من أجل منع كل توقع لعودة روسيا لأوربا والبحر الأبيض المتوسط. بالنسبة لبنسعيد، يتطابق هدف الولايات المتحدة مع الجيو سياسية الأنجلو- ساكسونية منذ القرن التاسع عشر، وتتألف من تعزيز استمرار الجيو استراتيجية بين “جسرها الأوربي”، وذلك الذي قد شرعت بإقامته في القوقاز وفي آسيا الوسطى، في مواجهة الخصم الجيو سياسي التقليدي نفسه، لا أكثر ولا أقل: روسيا. ويتعلق الأمر، بصورة إجمالية، كما نظر جون فوستر دالاس، من أجل “دفع أو طرد” روسيا والعالم الأرثوذوكسي حيث “المعايير غربية السمة”، حيث ارتأى أن التعلق بالطراز السياسي والجيو سياسي الأمريكي غير كافٍ، وحيث أنه “مهدد” “القيم” والمصالح الأمريكية- الغربية. وهي حيوية بالنسبة لواشنطن، لمنع بناء دفاع أوربي مستقل حقاً، وقاري، والذي يمر عن طريق تحالف الخمسة عشر مع روسيا لمواجهة الهيمنة الأمريكية والاندفاعة التركية- الإسلامية في الجنوب، والتي ستعمل على ظهور انبثاق شبح “الاستقلال الذاتي” في الأوراسيا حول قلب القارة، في روسيا، هلع وذعر حقيقيان- حتى إذا بقي محتملاً قليلاً في الاستراتيجيتين الأمريكيتين.

ويوضح برززنسكي “في مصطلحات فظة، عن إمبراطوريات الماضي، الثلاث، أوامر جيو استراتيجية [للولايات المتحدة]، وتتلخص في: تجنب تواطؤ الأتباع للإضرار، والمحافظة على حالة الاعتماد الذي يبرر أمنهم، زرع الانقياد والطاعة لدى المواطنين المحميين، ومنع البرابرة من تشكيل تحالفات
هجومية”(20).

في الواقع، لم يغير انهيار الاتحاد السوفياتي من الثوابت الجيو سياسية الأساسية المدروسة سابقاً. خصوصاً في البلقان، أضحت روسيا حاضرة بعد سقوط جدار برلين، الذي كان أثناء الحرب الباردة، والأساس في التشكيل العسكري الدفاعي ليوغوسلافيا، كونه قد تحول ضد الاتحاد السوفياتي، الذي تشوش بصورة خطيرة في عهد تيتو. أيضاً فإن هجمات منظمة حلف شمالي الأطلسي على يوغوسلافيا السابقة، استهدفت بصورة رئيسة تحدي أو معارضة “عودة” روسيا إلى هذه المنطقة، التي كانت في طريقها إلى استئناف نزعتها الإمبريالية كروماً ثالثة لحماية الأمم السلافية والأرثوذوكسية الأخوات. “أمام هذه العودة، [الإمبريالية] لروسيا، أليست الولايات المتحدة في طريقها لإقامة سياسة جديدة “للاحتواء”، ومن أجل الاعتماد على عدد معين من الحلفاء من أجل حجز روسيا في بعض المناطق؟ هكذا يتساءل الجيو سياسي فرانسوا ثويال(FRANSOIS THUAL). والسؤال يستحق أن يطرح، لأن واشنطن تعتمد، من بين آخرين، على التشكيل العام لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، ضمن ثلاث دوائر تحالف كبرى من أجل مقاومة الروس في البلقان، في القوقاز وفي الشرق الأوسط وفي آسيا. تتضمن الدائرة الأولى، ألمانيا، اليابان، وتركيا، والثانية، شرق أوسطية، مصر، العربية السعودية، الكيان الصهيوني، الباكستان. أما الثالثة، فهي في إفريقيا، نيجيريا، جنوب إفريقيا، وبلدان الغرب الإفريقي [أوغاندا، كينيا، أثيوبيا].

إذ يؤكد الجيو سياسي والقائد الشيوعي الروسي غينادي زيو غانوفّ GUENNADI ZIOUGANOV ، في بحثه روسيا بعد عام الـ (2000)، رؤيا جيوسياسية، لدولة جديدة، بخصوص الصراع الروسي- الأمريكي من أجل السيطرة على قلب الأرض، بأن “المخرج من هذا الصراع من أجل هذا المجال، سيقرر نوع العالم، ويجب على الغرب إذن، بصورة إجبارية، القضاء بجميع الوسائل على “الضحية الروسية” على النواة الأوراسية(21)، أيضاً، هل تستخدم الولايات المتحدة استراتيجية حجز جديدة خالية من كل أيديولوجية تستهدف تقليل نفوذ موسكو على مجموعة الدول المستقلة (CEI) –حتى الحد الأدنى- وإبعادها عن البحار، الأسود والقزويني.. وطبقاً لرأي هنري كيسنجر “إن تفوق قوة وحيدة على إحدى الفلكين الأوراسيين الكبيرين –أوربا أو آسيا- يستمر ليقدم تحديداً جيداً للخطر الاستراتيجي المرغوب من قبل أمريكا، مع أو بدون حرب باردة. إن كتلة من هذا النوع، سيكون لها تأثير، في الواقع، على القدرة من أجل تجاوزه، على المستوى الاقتصادي، وفي آخر الأمر، العسكري. وهذا خطر، يجب تفاديه، حتى إذا لم يتم الإعلان من قبل القوة المهيمنة، عن نوايا سيئة “…” أيضاً. فهل يجب تشجيع روسيا لكي تركز جهودها على أراضيها الوطنية‍ على منطقة زمنية تمتد من بطرسبورغ إلى فلاديفوستك، وليس هنالك من معاناة في رهان الحجز”(22).

ولم يستبعد الاستراتيجيون الأمريكيون، في تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية لعام (1992)(23) “الأخطار التي يمكن أن تشع أمام الاستراتيجية الأوربية، في حال صعود الروح القومية الروسية من جديد، أو بذل جهود من أجل ضم الجمهوريات المستقلة حديثاً، ثانية، إلى روسيا، مثل أكرانيا، بلاروسيا، وحتى الجمهوريات الأخرى”. أيضاً، يؤكد التقرير أن الأسلحة النووية الأمريكية ستستمر لتكون موجهة إلى أهداف أساسية في الآلة الحربية السوفياتية “لأن روسيا ستبقى القوة الوحيدة في العالم القادرة على تدمير الولايات المتحدة”(24).

وتعرض الوثيقة –بكل بساطة، على الأمم التابعة إلى معاهدة وارسو السابقة، أن تعيد تنظيم نفسها ضد روسيا، وعلى الولايات المتحدة مواجهة “أن تنشر وسائط بهدف إجراءات أمن قومية مشابهة لتلك التي جرى تبينها بحجة الدفاع عن العربية السعودية والكويت، ودول الخليج الأخرى، في أوربا الوسطى والشرقية”. ويبدو أن ذلك قد تم الإعلان عنه في الوقت الحاضر، بشأن أوربا الوسطى والبلقان، وفي أوراسيا، إذا فرض ما افترض أن ذلك هو ما يهدف إليه توسيع منظمة حلف شمالي الأطلسي الجاري حالياً، وفي توسيع جهازها الملحق، باسم الشراكة من أجل السلام.

وتستغل وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، في الواقع، التراجع في الدور الدولي الروسي، من أجل غزو مجالات نفوذ موسكو السابقة شيئاً فشيئاً “حتى قربها القريب”، لا سيما، الاستراتيجيات التي تشكلها المناطق التي توجد فيها الاحتياطات الهدروكاربونية القابلة لأن تقلل من اعتماد الولايات المتحدة على الطاقة، ضمن مدة، وكذلك الغرب، تجاه بلدان الخليج العربي- الفارسي، كون أن تنوع مصادر التزود بالطاقة قد أصبح أحد الأفضليات الأمريكية. وسيكون من الخطأ، الكشف عن بعض المبادئ الأمريكية مهما تكن، خلف هذه التحاليل، لأن هؤلاء هم المسؤولون الأمريكيون أنفسهم، أمثال برززنسكي، أحد القادة من ذوي النفوذ، والمستشار في العلاقات الخارجية، الذي كتب: “يجب توسيع منظمة حلف شمالي الأطلسي، لأن ذلك سيزيل خطر كل عودة للتهديد الروسي، تجاه أوربا الشرقية (…)، إنه إذن هام العمل، بحيث لا يبرز أي قاري قديم مستبد، على الحدود الإقليمية لروسيا، على سبيل المثال، وبطريقة يمكن لهذه القوة أن تتوصل لتقديم المساعدة لدول أخرى، من دول الاتحاد السوفياتي السابق، ومساعدتها على أن تترسخ، وفي نمو قدرتها على أن تتحرر من كل وصاية لموسكو”(25). وتأخذ الاستراتيجية، الأمريكية الخاصة بالاحتواء ضد الإمبراطورية الروسية، خصوصاً بواسطة “الحزام الأخضر”، سواء أكان مسلماً أم إسلامياً، على السواء، تأخذ مكانها، وتستهدف منع الإمبراطورية الروسية، كما في السابق، من الحصول على ممر إلى البحار الدافئة “القزويني، البحر الأبيض المتوسط، الأدرياتيكي”، وإلى المضائق، ومن ثم حرمان موسكو من ممتلكاتها المسلمة القديمة، في آسيا الوسطى والقوقاز، أو طريق النفط “طريق الحرير الجديد”، وهذه تشكل حجر عثرة أساسية أمام القوى العظمى.

“في الواقع، يتعلق الأمر، بتطويق جديد تماماً، مشابه إلى ذلك الذي جرى في خمسينيات (1950)، حيث كانت أمريكا، تطوق التوسع الشيوعي السوفياتي والصيني. هذا ما كتبه فرانسوا ثووال، وبأنها على خلاف اليوم، الذي فيه الاستراتيجية الأمريكية-فارغة من كل أيديولوجية. وسيتكون الجهاز الجيو سياسي الأمريكي من خفض القدرات الروسية، حتى الحد الأدنى الممكن، وفي طردها نحو الشمال، بإبعادها عن البحر الأسود، وعن البحر الكاسبي، ومن آسيا الوسطى.

بالنسبة لواشنطن، بقدر ما تكون روسيا بعيدة عن البحار الدافئة “المحيط الهندي، والخليج العربي – الفارسي”، سيكون ذلك أفضل.(26).

ووضح الجنرال غالوا أن عملية توسيع الاتحاد الأوربي حتى فنلندا وتركيا، تسمح في الواقع للأمريكيين وإلى تابعيهم الأوربيين في منظمة حلف شمالي الأطلسي “من تطويق روسيا، جيو سياسياً، في الشمال وفي الجنوب”. في الوقت الحاضر، في الواقع، فإن البحر البلطيقي وبحر الشمال وبحر البارنت (BARENTS) ، ثلاثة بحار رئيسة بالنسبة لموسكو، هي تحت السيطرة الأمريكية- الألمانية. أما ما يتعلق بتركيا، فإنها ستنضم عما قريب، إلى الاتحاد الأوربي “فهي تشكل حجر الزاوية في الهلال الهامشي الداخلي” وتسمح بالتسلل نحو الصين ونحو الجمهوريات النفطية الإسلامية، في آسيا الوسطى. إذن فالاتحاد الأوربي أصبح بعد الآن على بعد بضعة كيلو مترات من بطرسبورغ. وحاولت روسيا من جانبها، عبثاً، إقامة سياسة “معاكس- تطويق”، وذلك بالاعتماد على صربيا، أرمينيا، اليونان، إيران، الهند، لكن الضعف المالي والوضع العام للفوضى الاجتماعية-الاقتصادية، ليست من الأمور التي تسهل المهمة الاستراتيجية الروسية، في محاولاتها تزويد روسيا باستراتيجية جديدة دفاعية وإمبريالية جديدة، في آن واحد، في الأوراسيا. وفي وقت معين، حلمت ألمانيا في عهد كول KOHL بأن تتفاهم سراً مع روسيا، من أجل أن تتقاسما “بعدل”، أوربا الوسطى والشرقية، وفي إعداد طرق مواصلات ألمانية- روسية داخل القارتين. لكن يخشى الاستراتيجيون الأمريكان على الدوام من تحالف من هذا القبيل، ألماني- روسي- قابل لأن يسيطر على مجمل أوربا عن طريق أو نتيجة أن يجعل من غير المفيد التواجد الأمريكي. وكتب هنري كيسينجر: “إذا فشلنا في توسيع منظمة حلف شمالي الأطلسي، نحو الشرق، هذا يمكنه أن يؤدي، سواء، إلى صدامات، أم إلى خطر إقامة اتفاقيات سرية بين ألمانيا وروسيا”(27). كما طالب البروفيسور الأمريكي أوجيه روستو EUGENE ROSTOW ، في تصريح بشهر نيسان (1995)، روته الوكالة الرسمية الأمريكية (U. S. INFORMATION) ، ومستنداً إلى تقليد دبلوماسي للرئيس ترومان، طالب بتدخل أعظم من واشنطن في البلقان من أجل مواجهة “تهديد جديد”. أتبعه بحجاب كثير غالباً:

إذ يصرح روستو، ويطرح بعداً هاماً جداً آخر، يبين فيه “توجد مصالح أمريكية في البلقان إبان النظام غير المستقر في الدول الضعيفة في هذا الجزء من العالم، التي ليس لها من ممرات تسمح لها بتحالف جديد معاد، يستهدف الهيمنة على مجمل أوربا (…) والاحتمال الأكثر دون شك، كونه تحالف ألماني- روسي من أجل السيطرة على قلب أوربا”(28).

“طريق الحرير الجديد” أو الوضع الجيو استراتيجي الفعلي
للبلقان والقوقاز.

يمكن القول، بصورة إجمالية، أن الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في البلقان والقوقاز هي التالية:

-منع كل انتشار لروسيا في البلقان وفي قطع من البحر الأبيض المتوسط.

-حجز الممرات الأوربية والروسية نحو مصادر النفط في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق. إذن السيطرة على “طريق الحرير الجديد” للغاز والنفط حتى مخارجها الغربية.

-توسيع وتعزيز دور منظمة حلف شمالي الأطلسي كشرطي لخدمة الولايات المتحدة

-إنشاء تشكيل إجمالي من القواعد الأمريكية في الجنوب- الشرقي لأوربا، يصبح من السهل التدخل، انطلاقاً منه، باتجاه ثلاثة اتجاهات سياسية:

أوربا الغربية، الشرق الأوسط، مجموعة الدول المستقلة (CEI) ، البلقان ملتقى طرق استراتيجي بالنسبة لواشنطن”.

يتم عادة الإقلال من الدور الاستراتيجي للبلقان وجميع المناطق الجنوبية- الشرقية الأوربية، غالباً، كونها، نقطة عبور أساسية بين أوربا الغربية والقوقاز وآسيا الوسطى. في الواقع، تحتل يوغوسلافيا السابقة موقعاً استراتيجياً بالنسبة لطرق المواصلات البلقانية. فهي تقع على مفترق ثلاثة طرق أوربية استراتيجية: الدانوب، الطريق نحو الشمال- الجنوب عبر الجبال البلقانية، من ثم الطريق شرق- غرب، عبر هذه الجبال نفسها. وكون هذين الطريقين الاثنين، يسيطر عليهما بواسطة مقدونيا، وهذا ما يدفع واشنطن للتخلي عن يوغوسلافيا منذ عام (1992)، وبأنها منذ ذلك الوقت تصبح مقدونيا أحد قواعد منظمة حلف شمالي الأطلسي، وشريك للسلام في البلقان. إن التجارة وحركة المرور النهرية- الدانوبية، هي في الواقع، أحد الطرق القارية، الاستراتيجية داخل أوربا الأكثر أهمية، وحيث أن جزءاً مكملاً لسياسة أوربية كبرى مستقلة، مقيَّدة احتكار النقل البحري، الممارس من قبل مجهزي السفن من البحر الأبيض المتوسط، من قبل إنجليز، أو ممولين من قبل لندن، فالدانوب بطولة
الـ (2850) كيلو متر، هو النهر الأطول في أوربا، ليس روسيا.

ويشكل، دون أدنى شك، طريق النقل في المستقبل تجنباً لمشاكل التلوث والإشباع الذي يزيد بشكل هام من الفائدة من النقل النهري، في الواقع، إذا اشتركت ألمانيا، إلى درجة ما، في تفتيت يوغوسلافيا السابقة، مساهمة تجعلها قاعدة رئيسة، مع الولايات المتحدة في البلقان، وهذا جزء، لأن تفضل القنال الجديد الذي يربط نهر الراين بالدانوب، وبأنها تحسب أنها ستحصل على طريق اتصالات رخيص ويسمح لبواخرها من (3000) طن، ربط بحر الشمال والبلطيق بالبحر الأبيض المتوسط، من ثم بالبحر الأسود، إنه لأمر جيد أيضاً، بأن أدى إلى الاستفادة من طريق مباشر واقتصادي نحو منابع النفط في الشرق الأوسط، وفي البحر القزويني وكازاخستان، أيضاً، نشير باختصار أن قصف الجسور الرئيسة الاستراتيجية على الدانوب أثناء عمليات منظمة حلف شمالي الأطلسي في كوسوفو في يوغوسلافيا السابقة، قد ساهم في الواقع، ليس بإحداث خطأ أو أشياء أخرى “أضرار جانبية” بل إرادة متعمدة من جانب الولايات المتحدة، لإلحاق الأذى والضرر بالطريق النهري في الدانوب بانتظار الحصول على مكان هناك، لصالح خطة مارشال بلقانية لاحقاً”.

لقد قدر قليل من المراقبين الغربيين أهمية المؤتمر الذي جرى في رودس تحت رعاية الأمم المتحدة بتاريخ (6 و 7) أيلول (1991) حول موضوع البلقان، تعلمنا دراسة التقرير الصادر عن ذلك المؤتمر الذي جاء تحت عنوان الأمن الأوربي في التسعينيات (1990)، ومشاكل جنوب.. شرقي أوربا، إنه يجب أن يعتبر السيطرة على ملتقى الطرق الاستراتيجية هذا كضرورة حيوية “فالبلقان مناطق مجاورة للاتحاد السوفياتي السابق، والشرق الأوسط، وشمالي إفريقيا، ثلاثة مجالات ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للغرب (…) وتقدم شبه الجزيرة البلقانية، والمضائق التركية، وامتداداتها، التي هي الجزر اليونانية في بحر إيجه، تقدم موقعاً استراتيجياً يسمح بالسيطرة على مخارج الأسطول السوفياتي من البحر الأسود (…) ويوغوسلافيا هي طريق العبور الطبيعي بين أوربا الغربية وأوربا الشرقية، بل أيضاً لاجتياز اليونان وتركيا عبر شمالي إفريقيا والشرق الأوسط”.

هذه بعض الخطوط –وهي غنية بالمعلومات حول الطريقة التي تستمر بها روسيا لتكون معتبرة كخطر الذي يجب على الغرب أن “يحتويه”. لكن التالي، يوضح بصورة أكثر خاصة للقارئ حول الدور الذي ينتظره “الغرب” الذي ستكلف به ألبانيا في البلقان والأسباب التي يخصص لها جهد هام جداً عسكرياً لكوسوفو وأكثر من أي مكان آخر في العالم، حيث الكوارث الإنسانية، هي أكثر رعباً أيضاً: “ألبانيا يمكنها أن تقدم خدمة كقاعدة من أجل حصر حركة المرور البحرية في الأدرياتيك وفي البحر الإييونوني، بل أيضاً لانطلاق عمليات ضد اليونان ويوغوسلافيا (…) إن استراتيجية منظمة حلف شمالي الأطلسي هي المحافظة على السيطرة على جميع هذه البلدان التي هي بمقدار ما تكون أمكنة استراتيجية”. ونهاية التقرير مخصصة للمصادر المعدنية والاستراتيجية. لا تقود التوقعات لرؤية روسيا وهي تعود إلى البلقان عن طريق الصرب، وذلك باعتمادها على البنسلفانيا معادة التجديد، وعلى التعاون الأرثوذوكسي، ليس هو المبرر الحقيقي لتدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي في جزء قليل الفائدة من البحر الأبيض المتوسط.

وكذلك الأمر، لا ينظر إلى تعزيز محور ألماني- تركي- أمريكي في البلقان من قبل موسكو كتهديد على المدى القصير، والذي يجب تداركه بدعم يوغوسلافيا وحلفائها في المنطقة”(29). هكذا يتساءل فرانسوا ثووال.

لقد كشف برززنسكي، الاستراتيجية الأمريكية عند المباشرة في حرب كوسوفو، أثناء مقابلة في التلفزيون الأمريكي، في حوار مع مؤسسة سوروس (SOROS) والبلقان، بقوله: “الواقع، هو أن الرهانات هي أكثر أهمية للغاية من مستقبل كوسوفو”. فبالنسبة للمستشار السابق لكارتر، فإنه يوافق على تقسيم روسيا إلى ثلاث مناطق: أوربية، وآسيوية، ووسطى، وفتح ممر شرق- غرب، عبر البلقان، القوقاز، وتركستان. أيضاً، هذا السائل الثمين المستخرج من البحر القزويني، هل يمكنه أن يصل مباشرة إلى الغرب، بفضل أنبوبين جديدين، يجتاز واحد القوقاز أو تركيا، ويقطع الآخر البلقان، خصوصاً عن طريق مقدونيا، كوسوفو، ألبانيا.

في الواقع، لقد استهدفت التأكيدات التي يحسبها أن البلقان المحروم من النفط، سوف لن يصبح منطقة استراتيجية، الحجة المقدمة خلال حرب كوسوفو استهدفت بصورة رئيسة التأكيد، على “عدم اهتمام” الغربيين، إذن من أجل أن يصبح التدخل الأمريكي ضد الصرب أمراً مشروعاً، وفي اعتماد الفرضية القائلة “الحرب باسم الأخلاق”. بالتأكيد، كان الربط بين الغارات الجوية والمصالح النفطية الأمريكية أكثر صعوبة على الحجب مما كان عليه الأمر في حرب الخليج وتدمير العراق. فالعراق، من الدول التي تمتلك تقريباً ما يساوي ما تمتلكه السعودية من الاحتياطات الطبيعية، لكن باعتبار البلقان كطريق بري ونهري وبحري أساسي، ماراً على طول حدود مضطربة من ثلاث حضارات غالباً ما تكون في نزاع فيما بينها، وباعتبار البلقان ملتقى طرق لصراعات نفوذ بين القوى العظمى، لهذا فالبلقان منطقة استراتيجية في غاية الكمال، بالنسبة لموسكو كان باستطاعة يوغوسلافيا، مقدونيا، بلغاريا أن تشكل مع اليونان، طريقاً لمرور تبادل النفط القادم من البحر القزويني ومن المناطق الروسية باتجاه الغرب، عن طريق نوفوروسيسك NOVOROSSISK ، خصوصاً منذ أن أغلقت تركيا مضائقها، عملياً، مع أنها تشكل خرقاً فاضحاً لاتفاقيات مونترو (MONTREUO). في الجانب الغربي، فإن (الهدروكاربور)، المشتقات النفطية، من البحر الكاسبي، ومن آسيا الوسطى، إذن، يراد بها حرمان موسكو منها، ويجب على العكس تجنب روسيا بأن تمر من أراضيها، بل عبر تركيا وأذربيجان، ولم لا ضمن مهلة، ومرة أخرى، في المنطقة “التي ستنبع منظمة حلف شمالي الأطلسي”، مقدونيا، كوسوفو، ألبانيا، المصب الغربي “لطريق النفط”، إذن هذا هو المطموح به من قبل موسكو، كما هو الحال بالنسبة لواشنطن. بالتأكيد، فإن تحقيق أنبوب النفط باكو- سيهان “أحد الرهانات النفطية”، منذ التوقيع عليه بتاريخ (18) تشرين الثاني (1999)، على أنه مشروع ينافس الخط الشمالي باكونوفو روسيبسك الكسندر وبوليس “ALEXANDRO POULIS” ، الذي تريد روسيا أن تمده نحو بلغاريا ويوغوسلافيا السابقة، من أجل الوصول للأسواق الغربية- دون المرور بالبوسفور، التهديد بالنسبة لواشنطن وأنقرة، ويبدو كون السيطرة على الطرق النفطية من قبل روسيا واليونان، والقوى الأرثوذوكسية الإقليمية، قد استبعدت. ويفهم على نحو أفضل، على ضوء هذا التوضيح، لماذا ستبقى يوغوسلافيا السابقة، التي كانت تسيطر على طرق المرور الدانوبية “المحور الأساسي لجميع الاقتصاد الدولي في أوربا الوسطى والشرقية” سيبقى كونها حليف جديد لروسيا ومقاوم لتوسع منظمة حلف شمالي الأطلسي في أوربا الجنوبية، وتشكل عقبة لا تحتمل أمام التوسع الأمريكي على طريق “الحرير الجديد” “ولهذا يجب أن تصبح معاقبة بقسوة”(30)، هذا ما توضحه عالمة السياسة الأمريكية ديانا جونستون DIANA JOHNSTONE الاختصاصية بشؤون البلقان، لأن الحرب الجيو اقتصادية كانت الوجه الآخر المخفي في البعد الآخر “للتدخل الإنساني” في كوسوفو، مع امتداد دور منظمة حلف شمالي الأطلسي في أوراسيا.

حرب خطوط أنابيب النفط “الرهان الكبير” الجديد:

لقد تميز النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالتعبير “اللعنة الكبرى” بالصراعات الدبلوماسية البريطانية والروسية، بشأن أفغانستان والنفط في “ذلك الوقت” من آسيا الوسطى والقزوين، واليوم، لقد أصبح بحر القزوين، من جديد، رهاناً نفطياً وغازياً – أقنية تنقل نحو الأسواق الغربية والآسيوية. ويوضح فرانسوا تووال:

“ما من روسيا التي تتمنى المحافظة على وجودها المباشر كثيراً أم قليلاً، وأمريكا التي تتمنى طرد هذا الحضور إلى أبعد ما يمكن، وذلك بالاعتماد على حلفائها في الباكستان وتركيا… الخ – وآسيا الوسطى، ترى أن هناك توسع في “لعبة كبيرة” بين القوتين العظيمتين القويتين منذ زمن الحرب الباردة (…)، هو المجابهة الروسية- الأمريكية من أجل السيطرة على قلب القارة
الأوراسية”(31). فمن سيصدر مليارات الأطنان من النفط المستخرج من بحر قزوين، إلى الغرب، والذي تتخاصم القوى المتخاصمة من أجله؟، ذلك هو الموضوع الأساسي بشأن (اللعبة الكبرى) الجديدة، أيضاً، فلماذا أقامت الحكومة الأمريكية مجموعة عمل وزارية –داخلية- مخصصة بشكل خاص لطاقة البحر القزويني في هذه السنين الأخيرة. وتجّتمع مجموعة العمل هذه بصورة منتظمة، وهي مرؤوسة من قبل (NSA) (مجلس الأمن القومي) “NATIONAL SECURITY COUNCIL”  ، وهي منظمة رفيعة المستوى في السياسة الخارجية والأمن الأمريكي، تتجمع من أجل تحقيق دراسات للأسواق، خصوصاً إقامة استراتيجية حقيقية بشأن الحرب الاقتصادية بالنسبة للنفط”(32).

فحسب تقديرات هذه المجموعة، فإن احتياطات المواد النفطية من بحر قزوين- (الخليج العربي- الفارسي الثاني) سيكون الخزان العالمي الثالث تماماً بعد الشرق الأوسط “600 مليار برميل، 35% من مخزون الكرة الأرضية” وسيبريا(33). وتحتوي منطقة القزوين على احتياطات ممكنة” من (178-200) مليار برميل من النفط (88 مليار طن 16% من الاحتياطات العالمية” ومن
(1000) إلى (7340) مليار متر مكعب من الغاز، حسب الاختصاصيين الأمريكيين(34).

ولقد حسنت الولايات المتحدة، علاقاتها مع سبع جمهوريات سوفياتية سابقة. “أذربيجان، جورجيا، كازاخستان، كيرخيستان، طاجكستان، تركمنستان أوزباكستان” –بشكل هام، هذه السنوات الأخيرة، بسبب رغبتها بشأن كسر العزلة على الصعيد الاقتصادي عن الثروات الآسيوية الوسطى وإعادة النشاط لـ (طريق الحرير) مع إبعاد روسيا، وأقامت مع معظم تلك الدول شراكة مع منظمة حلف شمالي الأطلسي، باسم “الشراكة من أجل السلام”.

أيضاً، هل وقعت هذه الدول المنتجة للنفط من هذه البلدان اتفاقيات استثمار وبحث وفي رسم قنوات ومتاجرة مع شركات أمريكية- ففي كازاخستان، تقدر الاحتياطات النفطية بأكثر من (5) مليار طن.

وأنشأ الأمريكيون فيها تيكساكا بنك TEXAKA BANK (بنك تكساس وكازاخستان، وشركاتها النفطية “شفرون وأونيكال” (UNOCAL) وتبعتها توتال وبرتش غاز، ومن المقدر أنها ستستغل حقول النفط في القزوين، وفي إدارة أنابيب النفط تنغيز/ نوفوروسيسك (TENHUIZ) ، الشركات الأمريكية تتأصل أيضاً في تاتارستان وفي تركمنستان وفي أذربيجان- حيث توجد أيضاً احتياطات هامة من الهدروكاربور. وتصل العقود النفطية الموقعة منذ عام
(1994) ما قيمتها إلى (30) مليار دولار بالنسبة لأذربيجان وحدها. وتعتبر الأوزباكستان، المنتج الثاني للغاز من بين دول مجموعة الدول المستقلة (CEI)، بعد روسيا، منذ عام (1994)، مع حجم استخراج سنوي يصل إلى (50) مليار متر مكعب. أيضاً، تتوقع شركة إكساكسون (EXXON) للنفط والغاز، استثمار مليار دولار في مشروع استثمار مشترك لمدة ثلاثين عاماً مع شركة أوزبك أوزبكنفطغاز OUZBKNEFTEGAZ وتنظم تكساكو، على نحو مواز تصنيعاً مشتركاً للزيوت، وتساهم موبيل ودلتا وأونيكال، باستثمار طاقة قوي أوزبك، بفضل استثمارات مباشرة وأعمال تحديث للبنيات القائمة. فالولايات المتحدة هي إذن المستثمر الأول في أوزباكستان اليوم، مع إجمالي سنوي من (2) مليار دولار، تحقق في الاقتصاد منذ عام (1995).

وتلعب الحكومة الأوزبكية، التي كانت حتى عام (1993)، أفضل تلميذ مقرب من روسيا من دول مجموعة الدول المستقلة، تلعب الآن بورقة توسع منظمة حلف شمالي الأطلسي في آسيا الوسطى(35). كما أن تركمنستان التي تجذب انتباه الشركات النفطية الدولية أيضاً- أوتوكال، دلتا أويل، موبيل، مونيمان، بريداس، بتروناس، نيوك، مرتبطة بمشروعات مختلفة في أنابيب النفط، لنقل النفط التركماني نحو الباكستان والهند- ستحتوي على احتياطات من النفط مع كاراكوم يقارب الـ (6) مليار برميل.

أخيراً، يواجه رهان النفط الأوراسي، كونه كوكبي، فيه مشروعات يابانية وصينية، وتواجه بناء “جسر أرضي أوراسي”، يربط الموانئ الغربية في الشمال من الصين، إلى طوكيو، وهناك دراسات لقابلية العمل لشبكة خطوط نفط جديدة تلتف حول الأراضي الروسية، فهي في موضع دراسة، خصوصاً “مشروع القرن” بكلفة (22) مليار دولار، الذي ستشارك فيه اليابان (ميتسوبيشي) والصين “ناسيونال بتروليوم كوربوريشن” “الهيئة الوطنية للنفط”، ومن الولايات المتحدة فرع من (تكساكو)، من أجل مد خط أنابيب للغاز بطول (8000) كم، ويخصص لنقل الغاز التركماني إلى اليابان “حيث ستتضاعف حاجات الصناعات اليابانية من الغاز، من الآن وحتى عام (2010)، وستستقبل مرور غاز كازاخستان أو أوزباكستان وحوض تاريم، في الصين، في المنطقة المسلمة من كسينغيانغ. يضاف إلى ذلك، يقدر الخبراء، أن سيبريا، التي تحتوي ثروات معدنية ضخمة، هي تحت الاستغلال حالياً، تشكل منطقة حيث ستصبح الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية أساسية خلال عدة سنوات.

وحسب معلومات نشرت بوساطة وكالة المعلومات التابعة للولايات المتحدة، (U. S. I.A) U. S- INFORMATION AGENCY كانت إدارة كلنتون ستبذل جهوداً هامة من أجل إقامة مشروع طموح بالنسبة لأوراسيا: “مبادرة حوض الكاسبيان”، تستهدف تطوير البنية التحتية في المنطقة الوسطى- الآسيوية، حول قزوين، ففي خطاب ألقي أمام جمعية كامبردج لوكالة البحوث (CERA) (CAMBRIDGE ENERGY RESEARCH ASSOCIATION) بتاريخ (7) كانون أول (1998)، عدَّد المستشار الخاص للرئيس كلنتون المتخصص في الدبلوماسية الخاصة بالطاقة القزوينية، ريتشارد مورنينغستار (RICHARD MORNINGSTAR)، عدد الأهداف الأربعة الرئيسة التي تلاحقها واشنطن في هذه المنطقة من العالم.

-تعزيز استقلال الدول الجديدة في آسيا الوسطى.

-دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية فيها.

-تكثيف الروابط الاقتصادية بين هذه البلدان، التي لم يتم التعاون معها في الماضي مطلقاً، على الرغم من الروابط الثقافية بهدف خفض احتمال نشوب نزاعات إقليمية.

-ضمان استقلال المصادر الطاقية في هذه الأصقاع، في سبيل مصلحة الولايات المتحدة، وهذه أهداف رئيسة، حسب مورنينغستار، لأن الهدروكاربور “المشتقات النفطية” التي تنتج منها ستمكنه من ربح الأسواق الدولية دون كثير من العقبات:

يضاف إلى ذلك، فمن أجل ضمان أن تستطيع المشروعات الأمريكية أن تزيد من نشاطاتها، يعتقد مستشار الرئيس كلنتون بأنه من الضروري، التفكير بأنه ما من دولة مشاركة تستطيع أن تشكل احتكاراً وطنياً قابلاً لأن يتعارض مع الشركات الأمريكية القائمة. ويعتقد رئيس تحرير (U.SIA) فيليب كوراتا PHILIP KURATA مثله كمثل برززنسكي تماماً، بأن إنشاء خط أنابيب شرق- غرب، منطلقاً من الحقول الهدروكاربورية في القوقاز وآسيا الوسطى من أجل أن تنتهي في تركيا، هي العنصر الأساس في الاستراتيجية الأمريكية في أوراسيا وفي القزوين. وفي هذه الظروف، فقد صمم الاستراتيجيون الأمريكيون وكذلك الشركات الأمريكية، ومنذ عدة سنوات مثلاً، مشروعاً طموحاً، سمي “الممر الأوراسي للنقل”، وسيشتمل على نظام كامل من الأنابيب منطلقة من آسيا الوسطى حتى البحر الأبيض المتوسط، في (CEYHAN) ، مروراً بالقوقاز، إذن بأذربيجان، وهذا يشكل مركزاً عصبياً في “لعبة كبرى” نفطية، في القرن الواحد والعشرين، وستواجه واشنطن “بناء خط أنابيب للتصدير رئيس ” (MEP)، وذلك كرد على القلق حيال فعالية ذلك المشروع، الذي سيكون قادراً على الانطلاق من آسيا الوسطى إلى الأسواق الغربية، عن طريق تركيا، وحقول أذربيجان النفطية في القوقاز- وآسيا الوسطى. وبهذا الصدد، ستكون أذربيجان البلد الرئيس “المحوري” في الاستراتيجية الجيو اقتصادية الأمريكية، لأنها نقطة العبور الإجبارية لخطوط نقل النفط الرئيسة التي يجري بناؤها.

وإنه يتضمن من جهة أخرى حقولاً نفطية لا تحصى حول شبه جزيرة أبشرون (APCHERON)، نقطة الانطلاق لخطين من أنابيب النفط نحو البحر الأسود، مكان وصول النفط والغاز التركماني، ولقد وقع الرئيس الآذري حيدر عالييف، بشهر آب (1997)، حيث قام بزيارة رسمية لواشنطن، وقع خلالها بروتوكولا لاتفاقيات نفطية مع الرئيس كلنتون، وزعماء شركة آموكو (AMOCO) . وقررت الولايات المتحدة عندئذ أن القوقاز “منطقة مصالح استراتيجية أمريكية”. وجرت دراسة مشروعين خططا لأنابيب نفط مخصصة لنقل النفط من القزوين:

أحدهما في (الجنوب): باكو- تبليسي-سايهان، بطول (1730) كم.

بحيث يبقى الجزء تبليسي- سيهان في وضع الاستعداد للعمل به، أما في (الشمال)، باكو- غروزني، نوفوروسيسك، فقد آثرت الولايات المتحدة إتمام العمل في الجنوب، على أنه الأقل مردودية من الكل ويقترح بعض البلدان العربية خطأ ثالثاً، فقد دفعت الرياض والكويت اللتان لا تنظران بعين راضية لهذه المنافسة النفطية في القزوين، لذلك، دفعتا منظمة الدول المصدرة للنفط (OPEP) للعمل على رفع حصص الإنتاج بمقدار 10% من أجل العمل على هبوط الأسعار، وجعل خط الجنوب خاسراً، وعلى نحو موازٍ، سيقوم الخطّاب، الزعيم الإسلامي “الأردني-الشيشاني”، وهو على صلة بالعربية- السعودية، حيث أنه يحمل جنسيتها، سيقوم بغارات على البويناناكسيك BOUINAKSK بهدف نقل الثورة (الإسلامية) إلى داغستان، ويوجه الثوار الإسلاميون الشاشانيون ضربة جدية إلى خط الشمال، كما لو أن الأمر عفوياً، مع ذلك، يجب أن يكلف تحديث خط الأنابيب الروسي- الأكثر مردودية من ذلك في الجنوب، المدعوم من قبل أنقرة وباكو، حيث سيكلف أقل من مليار دولار كتكاليف للضخ، بمعدل (20-25) دولار للطن الواحد، في حين، يقدر للمشروع باكو- تبليسي- سيهان بأنه سيكلف ما بين (2.7-3.3) مليار دولار، وبكلفة ضخ ما بين (42-110) دولار للطن الواحد. وألحت الشركة النفطية الإنجليزية الساكسونية، من جانبها(36) على واقع أن خط الأنبوب الشمالي هو أقل كلفة. من جانب آخر. لن تقبل واشنطن وباكو وأنقرة وتبليسي و(المقلقون) الإسلاميون المدعومون من قبل الرياض، بخدمة المصالح الروسية، التي يعتمد عليها، وذلك بالحراسة والسيطرة على طرق النفط أيضاً، أغلقت الشيشان بتاريخ (30) آذار(1999)، من جانب واحد سكور خط الأنابيب الشمالي، بحجة أنه يتوجب على موسكو دفع (100) مليون روبل، ولم تعد إلى المفاوضات مع غروزني، وشرعت موسكو بالعمل على نقل النفط بواسطة خط السكك الحديدية منذ تاريخ (7) تموز، مجتازة داغستان، وملتفة حول الشيشان، وذلك من قبل شركة ترانسنفط TRANSNEFT المالكة لكل خط الأنابيب الروسي، ويعتقد أنه بإمكانها بناء تحويلة باتجاه الداغستان، وهذا ما يمكنها من “إنقاذ” وتأمين خط الأنابيب الشمالي عبر الشيشان، الذي كان من قبل في حالة غليان وهذا هو في الواقع، في هذه اللحظة، وبعد “المعركة من أجل خط الأنابيب”، يدخل الثوار الوهابيون التابعون للخطاب وياساييف وهم المعارضون الإسلاميون للرئيس ماسخادوف، الذي تفاهم سابقاً مع موسكو، يدخلون في المسرح من جديد، ويبدو بأنهم يقادون ويوجهون ويطلب لهم من قبل المخابرات السرية السعودية والأمريكية لخلق عدم الاستقرار في الداغستان، وذلك بالإعلان عن “الجمهورية الإسلامية” وإبعاد الروس “غير المخلصين”، “زعيم الحرب الشيشاني شامل باساييف، وحليفه السعودي خطاب، فهل يوجد في رأسيهما، سؤال بشأن قطع طريق النفط في أذربيجان، وذلك بعد أن أطلقا غاراتهما في الداغستان، هذا ما تساءلت عنه صوفي شهاب، فهذه الغارات بدأت بالأول من آب، تماماً بعد أن نجحت الترانسنافت في تنظيم نقل هذا الخام عن طريق سكة الحديد(37)” وعلى الدوام، هل وقعت الاضطرابات في زمن محدد، لأن موسكو لم يعد باستطاعتها، العمل على تبديل رأي الشركات الأمريكية، وبصورة أقل أنقره وباكو، لتقرر هجر خط الشمال بشكل نهائي، على الرغم من الجهود الدبلوماسية المبذولة بعد ذلك. وسيصبح الاتفاق باكو-تبليسي، أنقرة، موقَّعاً عندئذٍ على هامش قمة منظمة الأمن والتعاون الأوربي (OSCE) في أسطنبول بتاريخ (18و 19) تشرين الأول تحت الرعاية العالية لبيل كلنتون. وستعتبر واشنطن الحدث بأنه نصر أساس في “معركة أنابيب النفط”. ولقد اقترح جون وولف JOHN WOLF المستشار الجديد للرئيس كلنتون لشؤون القزوين، أثناء زيارته الأخيرة لأنقرة، اقترح أنه يجب أن يكون خط أنابيب باكو- سيهان مستخدماً من أجل تصدير الذهب الأسود المستخرج من بلاد أخرى في المنطقة، بصورة رئيسة من كازاخستان، التي صرحت بأنها تلتزم بتصدير جزء من نفطها عن طريق هذا الخط للأنابيب، في الوقت نفسه، وعلى نحو موازٍ، وقعت البلدان عبر القوقاز والمحيطة ببحر قزوين مشروعاً يتعلق بأنبوب غاز عبر قزوين، أثناء قمة منظمة الأمن والتعاون الأوربي، وبطول (2000) كم وتقدر تكاليفه بـ (2.2) مليار دولار، ويسمح لتركمنستان بتصدير غازها نحو تركيا، وهو مشروع ينظر إليه في الوقت نفسه بعين غير راضية تماماً من قبل موسكو، وهي تحجب على استحياء البعد الاستراتيجي المعادي لروسيا، وأطلق بيل كلنتون، صيحات كاذبة- قائلاً: “سيساهم الاتفاق بتعزيز الاستقلال الوطني لتركمنستان” ويضيف، “إن الاتفاقيات التي جرى توقيعها، منذ وقت، هي في الواقع، تاريخية (…) وإن هذه الخطوط النفطية، ما هي إلا شرطة أمان لضمان أن تمر مصادر الطاقة عبر طرق متعددة، وليس عن طريق مضيق
ضيق”(38).

وهذا ما أطلقه أيضاً، وبوضوح أكثر مراد نيازوف صابر MOURAT NIAZOV SAPAR، الرئيس التركماني.

لكن المستفيد الكبير الآخر، من هذا النصر، هو تركيا، دون أدنى شك التي سيمر عبر أراضيها خط أنابيب النفط الجديد والذي طور نشاطاً دبلوماسياً كثيفاً منذ عام (1997) لإقناع باكو، مع ذلك، كانت على عجلة من قبل موسكو لكي تختار الطريق، تركيا- جورجيا، الطريق الوحيد، القابل للعمل لكي يتوافق مع المصلحة التركية – الآذرية والأمريكية، لأن استبعاد روسيا وإيران من هذا الجزء “من طريق الحرير الجديد”، وبهذا تكون أنقرة قد ضمنت بأنها ستكلف بالتكاليف التي ستتجاوز التوقعات الحيوية من (2.4) مليار دولار، وذلك بإقناع الشركات النفطية الأنجلو- ساكسونيه المهتمة B. P، آركو، EXXON) بدفع هذه التكاليف، ولقد أشار الرئيس التركي سليمان دوميريل، الذي حضر إلى باكو بعد عدة أيام بمناسبة العيد الثامن لاستقلال أذربيجان، والذي اسْتُقبل بهتاف من جماهير آذرية، وهي تصرخ (ليعش قادة العالم التركي)، أشار علناً، في اللحظة نفسها، عند تدشين المطار الآذري الجديد، إلى البعد الاقتصادي والجيو سياسي للمشروع- باكو- سيهانو “سيساهم بطريقة رئيسة في تنمية العالم التركي وأذربيجان”. لكن، لن يتوقف دور تركيا هنا، لأن الاستراتيجية الأمريكية، كونها “شاملة ومتكاملة”، طبقاً لكلمة آرنود آآرون أوبنسكي ARNAUD AARON UPINSKI ، فالولايات المتحدة تقدر بأن تعهد إليها السيطرة العسكرية، على أنابيب النفط والغاز، المهددة غالباً بالمستقبل من قبل هزات تتعلق بالهوية والطائفية، وسيتوجب على تركيا، حجر الزاوية في السنوات القادمة في الجناح الجنوبي لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، سيتوجب أن تلعب الدور الأوراسي الأساس لصالح الولايات المتحدة، والأكثر أهمية أيضاً، من ذلك الدور الذي يعهد إليها لتلعبه اليوم. وسيكون لدى تركيا نزعة تنظيم البلدان الناطقة بالتركية TURCOPHONIE في أوراسيا، من شمالي الصين حتى الجمهوريات الإسلامية من الاتحاد السوفياتي السابق،
جمهوريات انفصالية من الاتحاد الروسي، عاصية في الوقت الحاضر
على موسكو، أو غير معلنة ذلك”

الشيشان، باخور ستان، أنغوشيا، كاباردينو، بالكاري، داغستان.. الخ”، ويجري ذلك بالتعاون مع أذربيجان التي وضعت منذ زمن قليل القاعدة الجوية التي كانت الأكثر أهمية بالنسبة للجيش الأحمر في أوزباكستان، بالقرب من بحر قزوين، تحت تصرف منظمة حلف شمالي الأطلسي، وبأنها بلغت بأنها قد تخلت عن الميثاق الذي كان يربطها بروسيا في نطاق مجموعة الدول المستقلة.

وأصبحت تركيا تمتلك بعد الآن حدوداً داخلياً وخارجياً محاذية لروسيا باسم منظمة حلف شمالي الأطلسي، بفضل الروابط الإسلامية، مع الناطقين باللغة التركية. يضاف إلى ذلك، لواشنطن وأنقرة، وعن طريق الرياض وإسلام آباد، الوسائل لإعادة تنشيط بؤر التوترات العرقية أو الوفرة من المجاهدين أو القوميين المتطرفين الآخرين العصاة، القادرين أن يصبحوا محرضين ومستخدمين كأكباش فداء ضد روسيا، في كل مكان، في الحالة التي ستبحث هذه الأخيرة عن فك الموانع الأمريكية، التركية، وفي استعادة (طريق الحرير الجديد) مجدداً، من الأدرياتيك إلى الصين.

فمنذ حرب الخليج، وتدمير العراق، يشاهد أن الدبلوماسية الأمريكية، هي بصورة أساسية محددة، بالأوامر الاقتصادية- النفطية، منذ تاريخ (6)نيسان
(1995) بلسان مساعد وزيرة الخارجية المكلف بشؤون الشرق الأوسط، روبرت بلترو (ROBERT PELLETREAU) أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس: “الأفضليات الأمريكية في المنطقة هي:

التفاوض وتطوير اتفاقيات الأمن في منطقة الخليج العربي – الفارسي، بهدف تأمين الاستقرار فيها والوصول إلى الاحتياطات النفطية الحيوية بالنسبة لرفاهنا الاقتصادي،وضمان الوصول إلى المشروعات الأمريكية في المنطقة…(39). تدخل السياسة الأوراسية للولايات المتحدة، إذن، في نطاق “الاستراتيجية الشاملة” تماماً، وهنا يوجد أصل توجه السياسة الدولة الأمريكية التي هي حربجية أكثر فأكثر وقهرية. فهي لا تتردد أبداً في أن تحل محل “منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون الأوربي… الخ”، بلا قيد أو شرط، منذ حرب الخليج، وكذلك في كوسوفو، مروراً بالقصف الجوي، أو الغارات الأخرى، في الصومال وفي ليبيا، وأفغانستان، وفي السودان، وهي موجهة تحت ذريعة تنظيم عمليات “للمحافظة على السلام”، أو باسم الأعمال المسلحة الدفاعية في العالم. ولنستمع بالأحرى لروبرت دول أحد الزعماء الجمهوريين، وهو يقول: “وهو أشد أنصار التدخلات المسلحة الأمريكية، في الخليج وفي يوغوسلافيا السابقة: “لقد كانت حرب الخليج رمزاً لقلق الأمريكيين بالنسبة للأمن الخاص باحتياطات النفط والغاز، وتتوجه الحدود لهذا القلق بسرعة أكثر نحو الشمال، ويتضمن ذلك القلق، القوقاز والصرب والكازاخستان”(40).

الواقع، لم تتوقف الغارات الأمريكية والبريطانية، على العراق منذ عام
(1991)(41) هذا ما أشير إليه، كثيراً من قبل المسؤولين الأمريكيين، بأن الأمر يتعلق برهان استراتيجي أساسي بالنسبة لواشنطن، استراتيجية على المدى الطويل، تنفذها مختلف الإدارات، جمهورية أم ديموقراطية، وتدخل في نطاق حرب حقيقية جيو اقتصادية شاملة. إنه من الأمور الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة، تعزيز حضور شركاتها، في كامل المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية معروفة وملائمة تقريباً، وهذا ما يسمح لها المحافظة على استقلال نسبي في مجال الطاقة الضروري لهيمنتها الدولية. وكذلك الحال بالنسبة للمصادر النفطية الأمريكية التي بلغت مرحلة النضوب تقريباً، خلال العقود القادمة، كذلك عرقلة عملية التطوير الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والصناعي في الدول العربية-الإسلامية، خاصة تلك التي يمكن أن تسبب إزعاجاً للمصالح الأمريكية الأكثر في العالم، وكذلك لحلفائها السعوديين والكويتيين والأتراك، وخاصة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وإننا نجد هنا استراتيجية “البطن الطري”- المطورة من قبل بيير ماري غالوا التي تستهدف إظهار خشية الولايات المتحدة من التطور المحتمل في الوطن العربي خاصة والعالم الثالث عامة، لهذا فإنها تدعم، في كل مكان لحد ما الأنظمة القابلة أن تحافظ على تخلفها، وبالتالي اعتماد هذه الدول تجاه المزود والسيد الأمريكي- الغربي، بهذا، أصبح العراق فجأة معاداً إلى خمسين عاماً إلى الوراء وذلك بعد عشرات السنين من الغارات عليه وكذلك الحظر، ومنعه من التطور، وهو البلد العربي الوحيد الذي كان سائراً في طريق التصنيع، وعملية الدَنْيَوَة (SECULARISATION) والتحديث.

سابقاً، فالعراق كان لا أدريا، وتشرب الأساليب الاشتراكية، لكنه اليوم، أصبح يبحث عن صلاح الدين جديد، ليحارب “الصليبية الغربية” الجديدة المعادية للقضايا القومية العربية، لهذا ونجد اليوم الكثيرين من المثقفين العرب أيضاً يؤمنون بأن الأمريكيين خصوصاً والغربيين عموماً يحملون أحقاداً وضغائن للعالم العربي، لذا فهم وكرد فعل يعادون الولايات المتحدة، لا بل الحضارة الغربية عموماً، لذلك نجد النظام في العراق قد عمل على زيادة عدد الجوامع والمراكز الدينية مؤخراً، وكتب الصيغة القرآنية (الله أكبر) على علمه، وأدخل العلوم الدينية اليومية في البرامج التلفازية وفي المدارس… الخ”. وتطلق مآذن بغداد نداءات بلا انقطاع إلى الصلاة خلال النهار. يضاف إلى ذلك فالوضع الاجتماعي والطبي والاقتصادي كارثي في العراق، ويشكل ذلك كتلة رائعة للحقد المعادي للغرب، وبالتالي عملية إقرار شرعي للحركات الإسلامية العراقية”(42) ولقد حذر البعض من النتائج المرعبة لسياسة الإبادة التي تتبعها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق، حيث تزايدت نسبة الوفيات بين الأطفال ثلاث مرات. “تشير الإحصاءات إلى أكثر من مليون ضحية بين الأطفال”، كما تشير إلى تراجع مرعب في جميع الوسائل الصحية والطبية والاجتماعية، وخفض هائل في معدات المستشفيات بسبب الإجراءات الخاصة بالحظر والإجراءات الخاصة المدانة دولياً بسبب التعقيدات التي تفرضها- خاصة وإن معظم أعضاء اللجنة هم من الولايات المتحدة وبريطانيا أو الدول التابعة لهما، وقد تم الكشف عن الكثير من تجاوزات هذه اللجان وكأنها فعلاً تتبع  وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (cia) أو أحد أجهزة البنتاغون، كما جرى الكشف عن أعمال تجسس من قبل أعضاء بعض اللجان المكلفة بالكشف عن الأسلحة.. وهكذا ازدادت الوفيات في العراق، خاصة بين الأطفال، ومضاعفتها عشرة مرات، و كذلك في مجالات تلوث البيئة والسرطانات لعدم موافقة اللجان على تزويد السلطات العراقية بالمعدات اللازمة، حتى ما يتعلق منها بمجاري المياه العادمة وغير ذلك من الفضائح التي انتشرت في كل أنحاء العالم، حول تصرفات تلك اللجان اللا إنسانية- لا بل وكانت تلك اللجان مخصصة للإضرار بالشعب العراقي والحكم عليه بالإبادة، وهناك أمر استمرار القصف الجوي اليومي تقريباً، علماً أن ذلك الأمر، لا يرتبط بقرارات من الأمم المتحدة، وتقوم به كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تقوم قواتهما الجوية في معظمها من قواعد في السعودية وفي الكويت، لقصف بعض ما تبقى سالماً من البنية التحتية للإيذاء بالعراق وشعبه، وجرى نتيجة هذا القصف تدمير شبكات المياه العادمة في المدن، وكذلك أنابيب التزود بالمياه الصالحة للشرب، وهذا مما زاد من انتشار الأوبئة. أخيراً، أصبح الحظر المفروض على العراق غير مبرر أمام الرأي العام الدولي مهما كانت الأسباب ويمنع على الشعب العراقي مثلاً استيراد واستهلاك عشرات المنتجات الاستهلاكية والتي لا يمكن أن يكون لها علاقة بصناعة الأسلحة، كأجهزة الراديو، وأجهزة خاصة بالهواتف، أشرطة الفيديو، وأجهزة الأوديو، والغسالات، سيارات الإسعاف، الباصات، الدراجات، السلال، الحقائب، البطاريات، الكؤوس، القناني، النحاس، المطارق، أنابيب الماء، أدوات الطبخ، الكتب، المجلات، الألبسة، الصابون، معجون الأسنان، لعب الأطفال… الخ، أيضاً، وصل الأمر ببعض المسؤولين عن برامج التفتيش التابعين للأمم المتحدة في العراق، بأن احتجوا بشكل علني ضد سياسة الاستبداد الأمريكي في العراق، وبصورة متزايدة: فطبقاً للرأي الذي أعلنه دنيس هوليداي DENIS HALLIDAY المدير السابق للجنة الأمم المتحدة لمراقبة التسلح في العراق (UNSCOM) ، والذي قرر الاستقالة عام (1997) من مهمته في الأمم المتحدة، وحيث كان المسؤول من الدرجة العالية منذ (34) عاماً، بأن الوضع في العراق هو ضد كل حقوق الإنسان وضد الإنسانية جمعاء، وأضاف لقد روّعَ الحظر العالم نتيجة البؤس والمأساة الإنسانية والكارثية الناتجة عن الحظر)(44). وهذا هانس فون سبونيك HANS VON SPONECK ، مُنسِّق المساعدات الإنسانية التابع للأمم المتحدة في العراق الذي قدم استقالته أيضاً، بعد أن شاهد المأساة وتعسف الولايات المتحدة حيال الشعب العراقي وتقديم شكوى نتيجة “الدراما الحقيقية”. وأخيراً وليس آخراً السيدة جوتا بورغارت JUTTA BURGHART ممثلة برنامج الأمم المتحدة المسماة “النفط مقابل الغذاء”، وقد دقت الأبواب معربة عن مخاوفها، وأضافت أن الوضع أصبح لا يطاق، وأن بعض الدول المتنفذة في مجلس الأمن هي التي تستمر في فرض الحصار مخالفة بذلك كل الأعراف الدولية وذلك بأن تحكم على شعب بالكامل بالهلاك، دون مبرر، وذكرت أنه يموت كل عام حوالي (110000) طفل بسبب تلك الجريمة النكراء.

إنها حصيلة مقلقة جداً، وجريمة إنسانية، سببها (الدبلوماسية القهرية) التي تمارسها الولايات المتحدة، ويزيد ذلك التصرف من عقدة يعاني منها الشعب العراقي بكامله بمعاداته للغرب، ويطل ذلك من حلقة مفرغة، في معاداة الغرب، ويزيد من الحقد بين الشعوب، ويخلق حالة من عدم الاستقرار الدولي، خاصة في تلك المنطقة الحيوية من العالم التي تسمى “الشرق الأوسط”، فمن هو بحاجة لأن يصبح العراق أفغانستان جديدة؟ ومحلَّ مجابهات وعداوات إقليمية ومصادمات بين مصالح القوى العظمى(45). سؤال طرحه الاختصاصي الجيو سياسي فرانسوا تووال. والجواب هو لدى الفكرة القوية القائلة الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى بعض المحللين من رجال السياسة الأمريكية أنفسهم، أمثال صامويل هانتغتون إلى ناعوم شومسكي، مروراً بـ “بات بوشانان PAT BUCHANAN ، يعتقدون أن هذه “السياسة المتعجرفة” تنتهي، ضمن مدى ما، إلى أن تتحول ضد الشعب الأمريكي.

رسمياً، تقاد تلك السياسة، باسم الدفاع عن حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وقيم “العالم الغربي”، لكن تعلل بصورة رئيسة، بالسياسة النفطية، والغربية للولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، لكن لم يكن بالإمكان شن حرب الخليج مطلقاً قبل سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة التي تبعته، إن الأمر يتعلق باستراتيجية الولايات المتحدة الثابتة التي من أولوياتها “حماية الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة” وهناك أسباب أخرى، للدعم الغربي قدمته بعض الدول العربية، للتحالف الغربي ضد العراق، ومن تلك الأسباب أيضاً، استخدام تركيا التي تحتل جزءاً من قبرص، وبصورة غير شرعية منذ عام
(1974) كقاعدة عمليات لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، وقد أدى ذلك أيضاً إلى إيقاظ موجة معادية للغرب في جميع أنحاء الوطن العربي لا سابقة لها. ومن المتوقع، وحسبما كان يجري في الماضي، أن تصمم الولايات المتحدة وتصر على تدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي في نطاق حرب جيو اقتصادية، كون واشنطن ولندن احتفظتا بإلهام من الحصص الربحية في “العقود” التي قد تجري في المستقبل نتيجة احتلال إمارات الخليج الغنية من قبل القوات الأنجلو- ساكسونية.

والأمر ذاته، بالنسبة لتدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي في يوغوسلافيا السابقة، المبررة بحجج “قيم الغرب” و “حقوق الإنسان”، والمسجلة في نطاق استراتيجية، جيو اقتصادية تهدف منع مرور روسيا للوصول إلى البحار الدافئة وحرمان موسكو من السيطرة على طرق النفط وتقاطع الطرق الاستراتيجية التي تربط الغرب بأوراسيا الإسلامية التي هي القوقاز، أو بلدان البلقان.

والحاصل تعرض بناء أوربا مستقلة للخطر. كل ذلك باسم “حقوق الإنسان” وباسم “القانون الدولي” والاستشهاد بـ “القيم الغربية” وشارك في الأمر هنا أيضاً “كلام حربجي متصنع” في العراق، كما في كوسوفو، إننا نشاهد الحرب الاقتصادية لا تنفصل عن حرب الإعلام، لا بل بالأحرى حرب اللا إعلام، حرب من أجلها، فإن الصور والكلمات والبيانات هي أسلحة حقيقية، أحياناً، أكثر فعالية من القنابل التي تكسبها الشرعية.

¡ الهوامش

1-برونو كولسون BRUNO COLSON الاستراتيجية الأمريكية وأوربا، ECONOMICA 1998.

2- ظهرت في مجلة شؤون دولية.

3-توجيه الخطة الدفاعية للسنة المالية (1994-1995)، واشنطن، شباط، (1992).

4-برززنسكي، اللاعب الكبير، أمريكا وباقي العالم، بايارد BAYARD (1997)

5-برززنسكي، المصدر السابق، الصفحات (249-251).

6-مشيل بونيون-موردان MICHEL BUGNON-MURDANT، أمريكا المستبدة TOTALITAIRE L’AMERIQUE، الولايات المتحدة والسيطرة على العالم، 1997.

7-ذكرت في جريدة اللوموند(30) حزيران (1998).

8-ذكرت في جريدة اللوموند (16) تشرين أول (1998)

9-نوعام شومسكي NOAM CHOMSKY ما تحت سياسة العم سام.

10-جاك سورو JACQUES SEUROT “أمريكا للأمريكيين”.

11-المرجع السابق.

12-برززنسكي “القوة الأمريكية والاستقرار الدولي” “المؤسسة الخاصة بالبحث الاستراتيجي”.

13-المرجع السابق.

14-ماكندر هو الذي اقتبس عبارة (HEARTLAND) من الجغرافي البريطاني جيمس فيرغرييف JAMES FAIRGRIEVE، التي نشرت عام (1915)، الجغرافيا والقوة الدولية.

15-المرجع السابق.

16-باسكال لورو وفرانسوا لوثال.

17- P.M غالوا، جغرافيا، الجغرافيا السياسية، والقوة البحرية والبرية، المدرسة الإكليريكية الوطنية العالية الحربية (11) أيار (1978).

18-غالوا، الجغرافيا السياسية، طرق القوة (بلوم) 1990.

19-ملاحظة بناءة بقوة، جورج كينان، يؤكد في تشرين أول (1945) ليست القوة العسكرية الروسية- السوفياتية التي تهددنا، بل بالضبط، القوة السياسية الروسية.

20-برززنسكي، اللاعب الكبير، أمريكا وباقي العالم. ص (68).

21-غينادي زيو غانوف، روسيا بعد الـ (2000)، رؤيا جيو سياسية.

22-كيسنجر، الدبلوماسية ص (743).

23-كونون، ص (129).

24-ميشيل أوبرسكالسكي “بعض التوقعات لما يسمى بالنظام الدولي الجديد” بروكسل (2-4) أيار 1996) ليبر بلجيك.

25-برززنسكي “قوة أمريكية واستقرار دولي”، مرجع سابق، ص(23).

26-تووال، غاسبيان الجديدة، والرهانات بعد الاتحاد السوفياتي السابق. ص(39) (1998).

27-كولون، مصدر سابق، ملاحظة (58) (كيسنجر).

28-مرجع سابق، ص(151). انظر الملاحظة (50)روشو.

29-ثووال، الرغبة بالأرض،    1999 ص (17).

30-ديانا جونستون، سيد العالم، كوليكتيف 1999 باريس.

31-ثووال، الرغبة بالأرض، “الترتيبات الإمبريالية” ص (30).

32-الشخصيات الرئيسة الأمريكية المتورطة بالشأن القزويني: منهم بيل كلنتون وألبرغور مروراً بمادلين أولبرايت الخ.

33-النفط في القزوين وتعقيداته الجيو سياسية والدولية بالنسبة لروسيا (1992-1999) (الذهب الأسود في القزوين)، تموز 1998. الصفحات (19-22).

34-(بحر قزوين) ومصادره، مجلة الأوبك (5) أيار (1997).

35-منذ زيارة طشقند من قبل وزير الدفاع الأمريكي ويليام بيري، شهر نيسان (1995)، يصبح التعاون العسكري الأمريكي، الأوربي البارز   .

36-الشركات النفطية الأعضاء في الكونسورسيوم المكلف باستقلال ثلاثة آبار نفط الأكثر أهمية في بحر قزوين.

37-صوفي شهاب “المصالح النفطية الروسية، رهان آخر في الأزمة”

38-ذكرى في اللوموند 20 تشرين الثاني 1999.

39-مجلة السياسة الخارجية، مرجع سابق ص (427).

40-فاز (15) حزيران 1992.

41-بالنسبة للعام 1999 وحده، قامت القوات الجوية الأنجلو- أمريكان أكثر من (500) غارة جوية “ألف طلعة جوية” النتائج، أكثر من (200) قتلى، آلاف الجرحى، خلال الخمسة أسابيع الأولى لذلك العام، والـ (70) غارة التي شنت ضد العراق، تسببت بإلحاق أضرار أكثر مما تسببت عملية ثعلب الصحراء بشهر كانون أول 1998.

42-الكسندر دل فال إسلاميون- والولايات المتحدة (1999).

43-نيكولا بيليه “جمعية الصداقة فرنسا-العراق”

44-” تكاليف الحظر غير مقبولة، إذ نتج عنها (6000) قتيل إلى (7000) من بين أطفال العراق شهرياً، بسبب سوء التغذية 30% من الأطفال من عمر أقل من خمس سنوات، تصريح لجنة حقوق الإنسان (3) شباط (1999).

45-أندريه دوليه، بغداد عام (2000)، أي مستقبل للعراق، تموز 1999.