تمثل مسألة “الأمن الأوروبي الموحد” إحدى الإشكاليات القائمة داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد الدعوات المطالبة بتدشين جيش أوروبي من أجل اتخاذ تدابير أكثر فعالية فيما يتعلق بمسألتي الأمن والدفاع، وهو ما يُواجَه بالعديد من التحديات لعل أبرزها وجود انقسام أوروبي حول ذلك الأمر، إلى جانب استمرار صعوبة تحقيق “الاستقلال الاستراتيجي” لدول القارة الأوروبية عن الحليف الأمريكي. وفي ضوء هذا نشر موقع “فايننشال تايمز”، تقريراً بعنوان “الدفاع الأوروبي.. والبحث عن الاستقلال الاستراتيجي”، أعده كلٌّ من “هنري فوي” المراسل الدبلوماسي بصحيفة “فايننشال تايمز”، و”سام فليمنج” رئيس مكتب بروكسل الخاص بالصحيفة، وذلك في 27 سبتمبر 2021. ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:

1- توتُّر متصاعد بين الولايات المتحدة وفرنسا: بحسب التقرير، فقد تصاعدت في الفترة الأخيرة إشكالية العلاقة بين الولايات المتحدة وفرنسا. فمن جانب أدى إلغاء عقد غواصات مبرم بين باريس وكانبرا، والإعلان عن صفقة “أوكوس” إلى إثارة غضب باريس، وأثبت الحجة القائلة بأن على فرنسا وأوروبا بناء تحالف دفاعي لا يعتمد على الولايات المتحدة المتقلبة.

بيد أن إعلان باريس عن قتل “عدنان أبو وليد الصحراوي”، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، على يد القوات الفرنسية، وبمساعدة الولايات المتحدة؛ أظهر مدى حاجة فرنسا للتعاون مع الولايات المتحدة، وأنها مدينة لواشنطن في هذه العملية؛ حيث قدمت الولايات المتحدة الكثير من الدعم للعمليات الفرنسية على مدار سبعة أعوام كاملة بمنطقة الساحل الإفريقي.

2- دعم أمريكي واسع لفرنسا في الساحل الإفريقي: لفت التقرير إلى أنه وفي حين ينتشر حوالي 3500 جندي فرنسي على الأرض في عملية “برخان” الجارية لمكافحة التمرد بالساحل الإفريقي، فإنهم يعتمدون -إلى حدٍّ كبير- على طائرات النقل الأمريكية للدعم اللوجستي، وطائرات الاستطلاع الأمريكية بدون طيار، والاستخبارات الأمريكية لتتبع الأهداف مثل “أبو وليد الصحراوي”، كما تقوم طائرات “ميراج” الفرنسية المقاتلة بدوريات في السماء بفضل الرحلات المنتظمة التي تستغرق تسع ساعات بواسطة طائرات التزود بالوقود الأمريكية KC-135 من قاعدة جوية في جنوب إسبانيا.

ومن هنا، سعى الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لتهدئة غضب نظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بشأن صفقة “أوكوس”، من خلال إشارته إلى أن فرنسا -وأوروبا أيضاً- لديهما المزيد لتخسره في حال فك الشراكة مع واشنطن، أكثر من مجرد عقد الغواصات الذي كان بقيمة 66 مليار دولار مع أستراليا.

3- استحالة الاستغناء عن الشراكة مع واشنطن: أشار التقرير إلى أنه مع انحسار الغضب الفرنسي من الجانب الأمريكي، فقد تحول هذا الغضب إلى “استياء ذكي”، حيث اضطرت باريس وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في استنتاج أوسع، وهو أن الولايات المتحدة وإن أضحت أقل تركيزاً على قضايا الدفاع الأوروبي، لكنها تظل الشريك الذي لا غنى عنه لدول الاتحاد.

وحتى مع تنامي الوعي بالحاجة إلى تحمُّل المزيد من المسؤولية الذاتية لحماية القارة الأوروبية، يقر مسؤولو الدفاع الأوروبيون بأن التعاون القوي والفعال بين الدول الأعضاء لا يمكن أن يحل محل الشراكة مع الولايات المتحدة، وهو ما شدد عليه أيضاً “بايدن” في اتصاله مع “ماكرون”، بتركيزه على “أهمية وجود دفاع أوروبي أقوى وأكثر قدرة، يُسهم بشكل إيجابي في الأمن عبر الأطلسي والعالم”.

4- أهمية تحقيق درجة معينة من الاستقلال الأوروبي: مع الإقرار بأهمية استمرار الشراكة مع واشنطن، فإن التساؤل هنا لا يتعلق بجعل أوروبا مستقلة عسكرياً عن الولايات المتحدة، ولكن كيف يمكن جعلها حليفاً أكثر موثوقية، إذ أن أوروبا القوية ستجعل التحالف أكثر قوة، لا سيما وأن أحداثاً مثل الإعلان المفاجئ عن صفقة “أوكوس”، والانسحاب المفاجئ للولايات المتحدة من أفغانستان في وقت سابق من هذا الصيف، كانت حافزاً للأوروبيين للعمل معاً وتعلم الدروس بشأن إدارة العلاقات مع الجانب الأمريكي، حفاظاً على مكاسب هذا التحالف، وتحقيقاً لدرجة من الاستقلال المطلوب في إدارة الشأن الأوروبي في الوقت نفسه، ودون أن يعني ذلك تقليص الشراكة الأمنية مع واشنطن.

5- ضرورة تطوير القدرات الاستراتيجية لأوروبا: في إطار تنامي اهتمام أوروبا بتطوير قدراتها الاستراتيجية بالتوازي مع الحفاظ على شراكتها عبر الأطلسي، وفيما يُصطلح على تسميته بـ”الاستقلال الاستراتيجي”؛ فإن هذا المفهوم من شأنه أن يسمح للاتحاد بنشر أصوله العسكرية بشكل مستقل عن القوى الأخرى. وقد عززت صفقة “أوكوس” من هذا التوجه لدى دول الاتحاد الأوروبي، التي تُدرك جيداً أيضاً توجيه واشنطن لسياستها الخارجية نحو المنافسة مع الصين، تاركة مسائل الأمن الأوروبي كأولوية أقل إلحاحاً مما كانت عليه خلال الحرب الباردة، فضلاً عن أن التعهد الأمريكي تاريخياً بالأمن الأوروبي، مع أهميته، لكنه -بحسب محللي الدفاع- كان سيفاً ذا حدين، لأنه أدى إلى أن عدداً قليلاً جداً من الجيوش الأوروبية يمكنها العمل بفعالية بدون واشنطن.

6- غياب رؤية موحدة حول “الاستقلال الاستراتيجي”: أوضح التقرير أنه برغم جاذبية التوجه الخاص
بـ”الاستقلال الاستراتيجي” في إدارة العلاقات مع واشنطن؛ إلا أن الاتحاد الأوروبي الذي انسحبت منه بريطانيا، التي كانت في السابق أحد أهم لاعبي الدفاع إلى جانب فرنسا، يفتقر إلى توافق في الآراء بشأن هذا الموضوع، لا سيما وأن الدول الأعضاء في الاتحاد لم تُوضح أبداً ما تعنيه بالاستقلال الاستراتيجي. بالنسبة للبعض، يتعلق الأمر بالانفصال عن الناتو، وبالنسبة لآخرين يتعلق الأمر أكثر بإدراك أن الوقت قد حان للمساواة أكثر مع الأمريكيين.

وختاماً، أشار التقرير إلى وجود قلق داخل العواصم التي تدافع بشدة عن حلف الناتو والتحالف العسكري مع الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. وحتى مع تنامي القدرات المشتركة للاتحاد الأوروبي، حيث تمتلك دول الناتو التابعة للاتحاد الأوروبي قوة مشتركة تبلغ 1.26 مليون جندي، وهي ليست بعيدة عن عدد 1.37 مليون جندي أمريكي؛ لكن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تفتقر إلى قدرات النقل الجوي الاستراتيجي، وأنظمة الدفاع الجوي الأرضية والمتحركة، وغالباً ما تفتقر المعدات التي تمتلكها بعض الدول الأعضاء إلى القدرة على التواصل والتشغيل المتبادل مع معدات الدول الأعضاء الأخرى.

المصدر:

– Henry Foy & Sam Fleming, European defence: the quest for ‘strategic autonomy’, Financial Times, September 27, 2021.