بقلم جورج قرم(**)

مقدمة:

ركّز الإعلام العربي والدولي خلال موجة الانتفاضات العربية على قضية الديمقراطية والحريات الشخصية حصراً، إذْ غاب عن تحليل ماجريات الأمور الثورية أي إشارة إلى طرق الوصول إلى نمط تنموي متجدد، مستقل عن النموذج النيوليبرالي الذي تعمّمه مؤسسات التمويل الدولية، كما الإقليمية العربية أو الإسلامية. وحسب علمنا فلم نرَ حزباً سياسياً، إسلامياً كان أم مدنياً، قد ركّز في برامجه وشعاراته على هذه القضية المركزية لكي تصل الثورات العربية إلى برّ الأمان. ما شهدناه هو فقط وعود بتحسين مستويات المعيشة، تجسّدت بشكل مجزأ وفوضوي بزيادات أجور هنا وهناك تحت ضغط العمال ونقاباتهم، دون أن تقابلها أي خطة للنهوض الإنتاجي بغية كسر حلقة الاقتصاد الريْعي الذي تتميّز به الاقتصادات العربية.

إنَّ هذه الحلقة السلبية الأثر، هي التي تحول دون دخول الاقتصاد العربي منذ عقود في عالم الإنتاج والعلم والمعرفة، وبالتالي في نموذج اقتصادي فعّال، على غرار دول شرق آسيا، يمكن أن يوفّر فرص العمل الكافية لاستيعاب كل العاطلين من العمل في المساهمة في الإنتاج لكي تدخل الاقتصادات العربية في حالة تنافسية حقيقية في الأسواق الدولية.

والجدير بالملاحظة أن الحكومات الجديدة في كل من مصر وتونس لم تطور بعد أهدافاً تنموية بديلة من شأنها أن تؤمِّن فرص العمل المفقودة. ومثل هذه السياسات يجب أن تركز على استراتيجية لتوطين العلم والتكنولوجيا لدى كل الفئات الاجتماعية، بما فيها بالأولوية الفئات الريفية والفئات المدينية الفقيرة. وهذا هو ما فعلته دول شرق آسيا واليابان كأولوية في سياساتها التحديثية الهادفة إلى تطوير قدرة إنتاجية، مستقلة نسبياً عن مصادر العلم والتكنولوجيا الغربية، لكي تتمكن من بناء نشاطات اقتصادية حديثة الطابع تنتج السلع والخدمات المطلوبة على النطاق الدولي بقدرة تنافسية من ناحية السعر والجودة.

كما أنَّ حكومات تلك البلدان صاغت الأهداف المرحلية والقطاعية في هذه العملية ورسمتها بشراكة قوية بين كبار المسؤولين عن الدولة ومنظمات أرباب العمل، وكذلك، في بعض الأحيان، مع الجامعات ومعاهد التعليم المهني والتقني. وقد تم في هذه العملية تكريس الموارد المالية اللازمة من قروض طويلة الأمد وميسّرة ومن مساعدات مباشرة من قبَل الدولة لتشجيع الأبحاث والتطوير والابتكار والريادة في الأعمال الصناعية والخدماتية الحديثة الطابع (إلكترونيات، برمجيات، معلوماتية، اتصالات سلكية ولاسلكية… إلخ) كما في الصناعات الثقيلة التقليدية، أيْ صناعة التجهيزات الرأسمالية ووسائل النقل كالسفن والسيارات والطائرات في حالتي الصين والبرازيل.

أما في الوطن العربي، لم تغيِّر الوصفات النابعة من «وفاق واشنطن» (Washington Consensus) منذ أكثر من ثلاثة عقود شيئاً في حجم حيّز الفقر ولا في حجم البطالة، وبخاصة لدى العنصر الشاب المتعلّم. ذلك أنَ سياسة محاربة الفقر الوحيدة الناجحة تكمن في عملية توطين العلم والتكنولوجيا والدخول في عالم الإنتاج المكثف للسلع والخدمات المطلوبة في الاقتصاد المعوْلَم، الذي أصبح سوقاً واحداً محرراً إلى حد بعيد. ومن يتخلّف عن مثل هذا التحوّل فمحكوم عليه البقاء في اقتصاد الريْع وفي الاتكال على المساعدات الخارجية، مع كل ما يستتبع ذلك من قيود سياسية أو اقتصادية ومالية لمصادر المساعدات (سواءٌ كانت مساعدات من دولة إلى دولة أو مساعدات من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية)، إضافة إلى الاتكال على تحويلات المغتربين والحركة السياحية في حالة العديد من الاقتصادات العربية.

ولا عجب أن الاقتصادات العربية حيث تأثرت بالانتفاضات الشعبية وبالتغييرات السياسية، تعاني مزيداً من التبعية المالية تجاه المصادر الخارجية وزيادة البطالة بدلاً من تراجعها، نظراً إلى ما يسبّبه عدم الاستقرار السياسي والانعدام التام لأي رؤية تنموية بديلة من إقفال مؤسسات اقتصادية أو تسريح عمال وعدم الإقدام على الاستثمار، الداخلي كما الخارجي، حتى في القطاعات الريْعية الطابع مثل التطوير العقاري أو المرافق السياحية. وبالتالي تقع الحكومات الجديدة في تبعية أكثر شدة بالنسبة إلى مصادر التمويل الخارجي، نظراً إلى عدم صوغ سياسات عامة بديلة اقتصادية واجتماعية وتنفيذها على نحو متسارع، من أجل استنفار كل القدرات البشرية المتوافرة لدى الفئات الشعبية كما لدى أصحاب المهارات والكفاءات، التي يجب انخراطها في عملية تبديل المسار التنموي والدخول الجدي في عالم الإنتاج خارج آليات الاقتصاد الريْعي الطابع؛ وبالتالي النجاح في القضاء التدريجي على النموذج الاقتصادي الاجتماعي السائد، وهو الذي يحول دون مثل هذا الاستنفار، وهو عنصر رئيسي في عملية التغيير الجوهري لا الشكلي.

نلاحظ هنا أن الاقتصادات العربية تتميز جميعها، وبدرجات متفاوتة، بالاتكال على مصادر ريع مختلفة وعلى رأسها تصدير المواد الأولية، وبوجه خاص النفط والغاز والفوسفات وبعض المنتوجات الزراعية، إضافة إلى الريوع العقارية وتلك العائدة إلى طرق المواصلات (قناة السويس، مرافق المواصلات الكبرى بما فيها قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية، حق مرور أنابيب النفط والغاز… إلخ.) إضافة إلى المساعدات الخارجية وتحويلات المغتربين الغزيرة[1].

نذكر في هذا المضمار أنَّ الولوج إلى مجتمع العلم والتكنولوجيا وتوطينه والمساهمة في ابتكارات جديدة هو عمل جماعي يجب أن تنخرط فيه كل الفئات الاجتماعية من أدناها إلى أعلاها. فالنجاح في التكنولوجيا لا يمكن في ظروف اليوم أن يكون نجاحاً فردياً، بلْ النجاح الفردي هو نتاج بناء وتنظيم القدرات الجماعية. والفشل الذريع في الاقتصادات العربية هو تجاهل هذه الناحية في عملية التنمية وتجزئة موضوع التنمية إلى قطاعات منفصل بعضها عن البعض وكأن لا شأن للواحدة مع الأخرى.

وفي الواقع، فإن التاريخ الاقتصادي للوطن العربي في الفترة الأخيرة هو تاريخ لنموذج «النمو المشوّه» المتعمّم الذي لم ينتبه إليه سوى القلة، وهو الذي يفسر إلى حد كبير البعد الاقتصادي ـ الاجتماعي المهم للثورات العربية. ففي ظل هذا النموذج ازدهر الفساد ونشأت العلاقات غير الصحية المتعددة الأوجه بين المؤسسة السياسية ومؤسسة الأعمال. ولقد ساد الصمت المطبق حول هذه الظاهرة سواء في الإعلام أو في البحث الأكاديمي أو في التقارير التقنية للمنظّمات الماليّة الإقليمية أو للاتحاد الأوروبي أو في المنظمات المالية الدولية العربيّة.

نبحث في القسم الأول من هذه الدراسة عناصر هذا النمو المشوّه ثم نبحث في القسم الثاني سبل التحوّل من هذا النمو السيئ إلى النمو الصالح.

أولاً: ثمانية مؤشرات رئيسية لنموذج النمو العربي المشوّه

اتّسم النمو الاقتصادي العربي والأداء الاجتماعي المرافق له، مقارنة بالبلدان الناشئة الناجحة، بمعدل منخفض من نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد (باستثناء البلدان العربية المصدرة للنفط ذات العدد القليل من السكان)، ومعدّل مرتفع جداً من تزايد البطالة، على الرغم من غناها بالموارد الطبيعية. ويمكن أن نشير هنا إلى ثمانية مؤشرات تدل بما لا لبس فيها إلى الأداء الناقص للاقتصادات العربية.

1 ـ أدنى معدل من السكان العاملين إلى العدد الإجمالي للسكان

تُظهر إحصاءات منظمة العمل الدولية أنّ نسبة السكّان العاملين إلى العدد الإجمالي للسكان في البلدان العربية التي تبلغ في المتوسط 45 بالمئة، تتعارض بحدّة مع المعدل العالمي الذي يبلغ 61.2 بالمئة ومع معدل شرق آسيا الذي يصل إلى 70 بالمئة. إلى ذلك، فإن إحصاءات العمالة في البلدان العربية تظهر انخفاضاً كبيراً في معدل مساهمة النساء في أسواق العمل ونسبة عالية جداً من العمل غير الرسمي التي تنتج عائدات ضئيلة جداً. وتبلغ هذه النسبة 70 بالمئة من مجموع العمالة في المغرب و48 بالمئة في مصر[2].

2 ـ أعلى معدل بطالة بين السكّان العاملين في سن العمل

إذا كان معدّل البطالة الإجمالي في الوطن العربي لا يبدو مرتفعاً جداً (نحو 10 بالمئة) رغم أنه الأعلى في العالم (باستثناء إسبانيا وأوروبا الوسطى)، فإن معدل البطالة بين الشباب (بين 15 و35 سنة) هو أعلى كثيراً (نحو 25 بالمئة) في حين تراوح هذه النسبة في أماكن أخرى من العالم النامي بين 8,9 بالمئة و15,7 بالمئة. ومن الخصائص الأخرى لبطالة الشباب في البلدان العربية، النسبة العالية جداً من البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي والثانوي. وهكذا قفزت نسبة العاطلين من العمل وسط ذوي التعليم العالي من 3.8 بالمئة عام 1994 إلى 17,5 بالمئة عام 2006، في حين ارتفعت نسبة الباحثين عن عمل من ذوي التعليم العالي من 23 بالمئة عام 2001 إلى 55 بالمئة عام 2007، بينما كانت نسبة عروض العمل أدنى كثيراً من ذلك. وتقدّر نسبة غير العاملين من ذوي التعليم الثانوي في مصر بنحو 80 بالمئة من مجموع العاطلين من العمل. وهي تبلغ في المغرب 29,6 بالمئة مقابل 37,8 في الجزائر و42,5 بالمئة في تونس[3].

3 ـ ركود الأجور الحقيقية ومؤشرات الفقر

أضف إلى ذلك أنّ منظمة العمل الدولية تقول إن الأجور الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم ترتفع إلّا قليلاً، هذا إذا كانت قد ارتفعت أصلاً، فضلاً عن أنّ إنتاجية العمال التي يستند إليها في تحديد الأجور الحقيقية ارتفعت بنسبة أقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أي مكان آخر في العالم باستثناء أوروبا الوسطى وآسيا الوسطى اللتين خضعتا لإعادة بناء اقتصادي شامل، فالحد الأدنى الرسمي للأجور في عيّنة من خمسة بلدان: أربعة عربية وتركيا (الجزائر والأردن والمغرب وسورية وتركيا) منخفض بحدة، إذ يراوح بين 164 دولاراً أمريكياً شهرياً في سورية و 425 دولاراً في تركيا، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور للعمل غير الزراعي في المغرب 235 دولاراً ولا يتعدى 152 دولاراً للعمل الزراعي[4].

ويقدر مصدر إحصائي آخر أنّ المعدل السنوي للدخل الفردي في المناطق الريفية في البلدان العربية لم يزد على 320 دولاراً في عام 2008 في حين بلغ معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد للعام نفسه (بما في ذلك البلدان المصدرة للنفط في شبه الجزيرة العربية) 5858 دولاراً[5].

إلى ذلك، تؤكد الإحصاءات المتوافرة حول الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن عدد الناس الذين يعيشون في حال الفقر قد غولي كثيراً في التقليل من حجمه. ذلك أنّ حصة الناتج المحلي الإجمالي مقابلة باستهلاك الفرد يومياً محسوباً بالدولار الأمريكي يظهر مدى الفقر على المستوى الوطني في بلدان عدة عربية، فهي تراوح بين 2,34 دولار في موريتانيا و11,05 دولار في الأردن، على الرغم من أن الاستهلاك اليومي للفرد يبلغ نحو 5 دولارات في معظم الحالات (باستثناء لبنان الذي يصل فيه إلى 22,36 دولار بسبب النسبة المرتفعة لتحويلات المغتربين في الناتج المحلي الإجمالي).

وذكر تقرير حديث يعرض التقدم في تحقيق أهداف التنمية الألفية في البلدان العربية[6] أنه برغم كون نحو 5 في المئة فقط من السكان في الوطن العربي يقعون ضمن تصنيف الفقر المدقع، إذا عنينا بذلك من يقل دخلهم عن 1,25 دولار يومياً، فإن الرقم يصل إلى 21 بالمئة إذا أخذنا بتعريف للفقر يشمل أولئك الذين يقل دخلهم عن دولارين يومياً. إلى ذلك، فإن 22 بالمئة من السكان في هذه المنطقة لا يحصلون على الرعاية الصحية الأساسية أو على التعليم أو على مستوى معيشة محترم. وأشار التقرير نفسه إلى أنّ سوء التغذية لدى الأطفال لا يزال مرتفعاً وأن أهداف التنمية للألفية على هذا المستوى لا تزال بعيدة من التحقق. إلى ذلك، وعلى الرغم من تحقيق تقدم جوهري في التعليم الابتدائي والثانوي فإن تمكين النساء لا يزال هدفاً بعيد المنال. وعلى الرغم من تقليص وفيات الأطفال إلى حدٍ كبير، فإن الإحصاءات الأخيرة تظهر نسبة تنذر بالخطر في وفيات الأمهات والولادة قبل الأوان.

إنّ معدلات الفقر مروعة جداً، لا لأنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غنية جداً بالموارد النفطية والفوسفات فحسب، بل لأنها أيضاً تملك أراضي خصبة شاسعة وموارد مائية (العراق ومصر ولبنان والمغرب والسودان وسورية وتونس).

4 ـ معدلات النموّ السنوية تعتمد إلى حدٍّ كبير على المتغيرات الخارجية

إن معدلات النمو في الاقتصادات العربية مرتبطة إلى حدّ بعيد بالمتغيرات الخارجية، وهذه المتغيرات هي:

ـ أسعار النفط.

ـ تساقط الأمطار الذي يؤثر في الإنتاج الزراعي.

ـ عائدات السياحة.

ـ تحويلات المغتربين.

ـ المساعدات الخارجية.

وهذا ما يجعل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي شديد التقلب، في البلدان المصدرة للنفط والبلدان غير المصدرة له؛ وقد باتت التغييرات في أسعار النفط (والفوسفات والمواد الكيميائية بشكل هامشي) المحدد الرئيسي لمعدلات النمو الإجمالية في المنطقة. ويعود ذلك إلى أنّ البلدان المصدرة للنفط تعتمد إلى حدٍ مهم على البلدان العربية الأخرى لتأمين اليد العاملة، وإلى أن الطلب على العمالة المهاجرة يزداد مع ارتفاع أسعار النفط وينخفض مع انخفاضها. وهكذا فإن الازدهار في البلدان العربية المصدرة للنفط بفعل ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط يؤدي إلى الاستثمار الخارجي المباشر للأغنياء العرب من هذه البلدان. وبالتالي فإن معدلات النمو في البلدان العربية غير المصدرة للنفط باتت تعتمد على الاستثمارات العربية الخارجية المباشرة، وعلى تحويلات المغتربين التي تأتي أيضاً من المهاجرين العرب في أوروبا والولايات المتحدة وكندا.

إلى ذلك، فإن غياب البنية التحتية المائية الملائمة والإدارة المائية في البلدان ذات الإمكانيات الزراعية مثل المغرب وسورية وتونس (إضافة إلى مصر والعراق والسودان)، جعل الدخل الزراعي يعتمد على الكمية السنوية لتساقط الأمطار. أخيراً، فإن السياحة الجماهيرية من أوروبا ومن البلدان العربية الغنيّة المصدّرة للنفط هي أيضاً مصدر مهم للدخل يعتمد إلى حد كبير على الاستقرار السياسي الداخلي وعلى تقلّب الناتج الإجمالي المحلي في البلدان التي يقدم منها السائحون.

وفي الواقع، إن المحرك الرئيسي للنمو في البلدان العربية ليس محلي المركز (التجديد الصناعي، والتنويع الاقتصادي، والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة التي يمكن تصديرها) بل يعتمد إلى حد كبير على متغيرات خارجيّة لا علاقة لها بالدينامية الاقتصادية المحلية.

5 ـ الهجرة ونزوح الأدمغة كمؤشر رئيسي على النمو القاصر

ينجم تزايد ظاهرة الهجرة عن ارتفاع معدل البطالة، في البلدان العربية. وبحسب دراسة لمنظمة العمل الدولية، فإن تدفق المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخصوصاً البلدان الواقعة جنوب المتوسط، هو أحد السمات الرئيسيّة للنمو المنحرف وما ينتج من ذلك من تشويه لأسواق العمل. إذ بلغ عام 2007 المجموع المتراكم لعدد المهاجرين من خمسة بلدان عربية: الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وتونس 8,1 مليون نسمة. ويتوزع هؤلاء المهاجرون كما يأتي: 55,44 بالمئة في أوروبا (وبصفة رئيسية في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا)، و23,76 بالمئة في البلدان العربية المصدرة للنفط التي توظف عمالاً غير مَهَرَة والمديرين والكوادر الإدارية، و7,33 بالمئة في بلدان الاغتراب التقليدية (أستراليا وكندا ونيوزيلندا والولايات المتحدة)، أمّا البقية فهاجروا إلى بلدان أخرى في أفريقيا جنوب الصحراء أو بلدان في أمريكا الوسطى والجنوبية[7].

يذكر، أنّه بين عامي 1998 و2007 تضاعف عدد المهاجرين من البلدان العربية الخمسة بالرغم من الإجراءات التقييديّة التي اتخذها عدد من الحكومات الأوروبية. فارتفع العدد من 90,800 مهاجر في عام 1998 إلى 195,600 في عام 2007 وبلغ العدد الإجمالي من المهاجرين الجدد في خلال هذه السنوات 1,550,000 منهم نحو 100 ألف طالب من البلدان الخمسة المذكورة إضافة إلى العراق، علماً أن عدداً كبيراً منهم (قدّر مؤخراً بـ 54 بالمئة) لا يعودون إلى بلدانهم. والحقيقة أنّ هذه الطفرة تكتسب على نحوٍ متزايد شكل هجرة الأدمغة واليد العاملة المؤهلة. ولقد أدى ذلك إلى مزيد من الانحدار في الإنتاجية والى أن تصبح الهجرة واحدة من ملامح النمو المشوّه موضع اهتمامنا[8].

بالطبع، ليست البلدان العربية هي الوحيدة التي تواجه مثل هذه الظاهرة، فهي موجودة أيضاً في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الوسطى والجنوبية وآسيا. ولقد تحدث العديد من الدراسات على نحوٍ إيجابي عن مزايا الهجرة وعن الدور الإيجابي لتحويلات المهاجرين لبلدان منشئهم في الحدّ من مشاكل الفقر والبطالة. ولكن بات جليّاً الآن أنّ البلدان التي شجعت بل حتى نظّمت الهجرة الكثيفة لمواطنيها بغية الاستفادة من تحويلاتهم لم تكن اقتصاداتها هي التي نمت أسرع من غيرها. وفي واقع الأمر فإنه في 11 بلداً معنياً بوجه خاص بتصدير اليد العاملة (الجزائر وبنغلادش ومصر والهند ولبنان والمغرب ونيجيريا والفيليبين وسيريلانكا والسودان وتونس) ازداد إجمالي تحويلات المهاجرين 800 بالمئة بين عامي 1990 و2007 ووصل إلى 800 مليار دولار، في حين أنّ معدل زيادة الدخل الإجمالي المحلي للفرد لم يتعدَّ خلال هذه الفترة 170 بالمئة، وكان هذا الدخل في سبعة من هذه البلدان أقل من 2000 دولار في السنة في عام 2008 ومنها 4 بلدان أقل من 1000 دولار[9]. وبالتالي فإن هذه الإحصاءات تظهر بوضوح غياب أي تأثير إيجابي للهجرة في البلدان المصدِّرة للقوى العاملة.

وفي الفترة نفسها، تلقّت مجموعة البلدان التي صدّرت الموارد الطبيعية والبشرية أكثر من 190 مليار دولار كمساعدات تنموية، أي أن هذه البلدان استفادت بين عامي 1990 و2008 من نحو 1000 مليار دولار من الموارد الخارجية من دون أن يدخل أي منها في دائرة حميدة من تنمية قائمة على سياسة ديناميّة لتملك التكنولوجيا، وذلك بخلاف الدول الآسيوية التي، بدلاً من أن تشجع الهجرة، اعتمدت على سياسة تعبئة فاعلة للموارد البشرية المحلية واستفادت من انتشار العولمة بتنمية قدرتها على تصدير السلع والخدمات ومن ثم تلبية الطلب المحلي.

إنّ حالتَي نيجيريا، التي بلغت حصة الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي 1370 دولاراً في عام 2008، والجزائر التي ارتفع نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي إلى 4845 دولاراً في العام نفسه (بعد جمود على مستوى أدنى من 2000 دولار على مدى 10 سنوات قبل أن يتحرك صعوداً أخيراً بفعل ارتفاع أسعار النفط)، تعبّران بشكل مأساوي عن فشل نموذج اقتصادي مبني على تصدير مواد أولية ويد عاملة. ذلك أنّ أيّاً منهما لم يتمكن من رفع مستوى المعيشة على نحوٍ جوهري، على الرغم من تدفق الموارد المالية من قطاع الطاقة، بخلاف بلدان أخرى لم يكن لديها مثل هذا الدخل ذي القاعدة الريعية. وإندونيسيا هي أيضاً مثال على ذلك. فعلى الرغم من كونها مصدراً رئيسياً للنفط والخشب وعلى الرغم من مواردها الطبيعية الهائلة، فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 1990 و 2003 كان منخفضاً إلى حد أنه راوح بين 640 و1000 دولار.

وكما في الحالة الجزائرية، لم يرتفع نصيب الفرد الإندونيسي من الناتج المحلي الإجمالي على نحوٍ جوهري إلا بعد الطفرة المذهلة في ارتفاع أسعار النفط منذ عام 2005، ما رفع دخل الفرد إلى مستوى 2246 دولاراً في عام 2008. وعلى سبيل المقارنة، فإنّه في العام 2008 كانت 3 اقتصادات، لا تملك أي موارد طبيعية، إلّا أنّها لم تشجع هجرة مواردها البشرية، تحظى بمتوسط سنوي لحصّة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يفوق كثيراً تلك التي ذكرناها: جمهورية كوريا الجنوبية حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هو 19,115 دولار؛ وسنغافورة بمستوى 37,597 دولار للفرد؛ وتايوان بـ 16,988 دولار للفرد.

وفي الواقع، تلقّت بلدان عربية في شرق المتوسط وجنوبه بين عامي 1970 و2009 ما يعادل 396 مليار دولار. وازداد تدفق تحويلات المهاجرين في شكل متواصل خلال السنوات العشر الأخيرة. فارتفعت من 10 مليارات سنوياً في عام 2000 إلى 27 ملياراً في حلول عام 2009. وقد أصبحت تمثّل جزءاً متزايداً على نحو مضطرد من الناتج المحلي الإجمالي في الدول المعنيّة، إذ بلغت نحو 20 بالمئة في لبنان و6 بالمئة في مصر و9 بالمئة في المغرب وذلك بحسب إحصاءات البنك الدولي.

إلى ذلك، فإن البيانات المتوافرة حول استخدامات تحويلات المهاجرين تظهر أنّها عندما لا تستخدم في زيادة الاستهلاك، فإنّها تتجه إلى امتلاك أو شيْد المساكن أو إلى الأعمال التجارية الصغيرة، الأمر الذي يزيد من تركُّز الاستثمار المحلي في قطاع العقارات أو في قطاع التجارة المحلية[10].

أمّا بالنسبة إلى هجرة الأدمغة، فإنّها تتشكل غالباً من الطلاب الذين يدرسون في الخارج ولا يعودون إلى بلادهم بعد الانتهاء من الدراسة. إضافة إلى عدد من أصحاب المهن الحرّة غير العاملين، أو غير الراضين عن ظروف عملهم (كالأطباء والمهندسين وعلماء الأحياء…) ممّن يقرّرون مغادرة بلدانهم. ولقد قدّرت مؤخراً مؤسسة للتوظيف تعمل في بلدان مجلس التعاون الخليجي ومتخصصة في العمالة المؤهلة، أنّ 54 بالمئة من الطلاب العرب في الخارج لم يعودوا إلى بلادهم وأنّ 70 ألف خريج جامعي يهاجرون من البلدان العربية كل عام[11]. وما له دلالته كذلك أنّ 120,602 طالب عربي تسجلوا في جامعات أجنبية في عام 1999 وهو رقم أعلى من عدد الطلاب الصينيين (106,036) أو الهنود ( 52,932) الذين كانوا يدرسون في الخارج في تلك السنة[12]. وكذلك يقدّر عدد العلماء والأطباء والمهندسين العرب الذين يغادرون الوطن العربي ولا يعودون إلى بلادهم بـ 100 ألف سنوياً، وهو ما يكلّف دولهم مليار دولار سنوياً[13]. وتشير دراسة أخرى إلى أنّ هجرة 450 ألف «دماغ» من الوطن العربي كلّفت البلدان التي هاجروا منها أكثر من 200 مليار دولار[14].

6 ـ  التمركز العالي للاستثمار في قطاعات قليلة بما يعوق تنويع الاقتصاد

على الرغم من النمو الكبير للاستثمار الأجنبي في المنطقة العربية، فإن ذلك لم يؤدِّ إلى نهضة اقتصادات المنطقة، بل إنّ هذه الاستثمارات ظلّت أقل من مثيلاتها في الاقتصادات الناشئة الأخرى. إلى ذلك، فإنها شجعت على تركز الاستثمارات في عدد قليل من القطاعات، بعضها ذات قيمة مضافة متدنية ومخاطره ضئيلة (النفط، الغاز، القطاعات البتروكيميائية، الأبنية الفخمة والسياحة). وهذا يبدو واضحاً من البيانات المتوافرة حول بعض اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على سبيل المثال، يلاحظ تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) في عام 2008 أنّ القطاعات التي جذبت أكبر نسبة من الاستثمارات الأجنبية هي قطاعات الطاقة والصناعات المرتبطة بها وقطاع الخدمات (وخصوصاً الخدمات المالية) وقطاع العقارات[15].

ففي ذلك العام (2008)، جذب قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة بها في السعودية 41,2 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مقابل 20,8 بالمئة لقطاع العقارات و25,5 بالمئة في قطاع الخدمات و6,9 بالمئة فقط للأنشطة الأخرى. وهكذا لم تجذب الصناعات الأخرى إلّا 5,6 بالمئة من إجمالي الاستثمارات. وفي الإمارات العربية المتحدة كانت بنية الاستثمارات الأجنبية المباشرة أكثر تمركزاً. ففي العام 2006، ذهب 60 بالمئة من الاستثمارات إلى قطاعين فقط: قطاع البناء (29 بالمئة) والوساطة المالية والتأمينيّة (34,4 بالمئة). وفي العام نفسه، لم يتعدّ ما توجّه إلى القطاع الصناعي نسبة 10 بالمئة. وفي لبنان ذهب 50 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع العقارات في حين جذبت السياحة والخدمات المالية 33 بالمئة. ولقد جذب قطاع النفط في مصر 57 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2008. وجذب قطاع الفنادق في العام نفسه في الأردن 36 بالمئة، وجذبت المناطق الصناعية الحرة 56 بالمئة.

أمّا في المغرب فكان القطاع الذي جذب إليه الحصة الكبرى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العام 2001 هو قطاع البريد والاتصالات (81 بالمئة) وذلك بسبب خصخصة هذا القطاع وإطلاق نظام الهاتف الخلوي، بينما جذب قطاع العقارات 31 بالمئة في عام 2002. وقد حدث الأمر نفسه في تونس، إذ أدّت خصخصة قطاع الهاتف إلى جذب 45,2 بالمئة من المجموع المتراكم من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين عامي 2002 و2006.

Print Friendly, PDF & Email