محمد حمشي – (*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 460 في حزيران/يونيو 2017.

قدرُ الصينيين المتجهين غرباً والعرب المتجهين شرقاً أن يلتقوا ليعيدوا أمجاد الشرق العظيم، التي تعود إلى ما يزيد على ألفيتين كاملتين من الزمن.

مقدمة:

تمتد العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية عبر ما يزيد عن ألفيتين كاملتين من الزمن، حيث شكّل طريق الحرير القديم جسراً تاريخياً للتواصل التجاري والثقافي بين العرب والصين. وزاد زخم هذه العلاقات حديثاً، وبخاصة منذ تأسيس منتدى التعاون الصيني – العربي في كانون الثاني/يناير 2004. ومنذ إنشاء هذا المنتدى، تحول الوطن العربي إلى سابع أكبر شريكٍ تجاري للصين، حيث قفز حجم المبادلات التجارية بين الطرفين من 36 إلى 250 مليار دولار أمريكي (2004 – 2014)، كما تسعى مجموعة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خلال السنوات الأخيرة، إلى التوصل إلى اتفاقيةٍ لإنشاء منطقةٍ للتبادل الحر مع الصين. وفي عام 2013، طرحت الصين مبادرة استراتيجية تهدف إلى إحياء طريق الحرير القديم، في شقيها البري والبحري، حيث يشكل الوطن العربي معبراً حيوياً لهذه الطريق، جغرافياً واقتصادياً.

غير أن اللافت للانتباه هو أن هذا التطور الثابت في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين يأتي في سياقٍ دولي مضطرب (Turbulent)، وبخاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي؛ وهو ما يبرر دعوة هذه الدراسة إلى التحول نحو مقاربة العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية من منظور حقل الاقتصاد السياسي الدولي (IPE)، الذي يسمح بمساءلة الكيفية التي يتأثر بها السياسة الدولية والاقتصاد العالمي في مسار العلاقات بين الطرفين؛ حيث إن الاكتفاء بقراءة المؤشرات الكمية، كما يحدث مع قطاعاتٍ كالطاقة، أو الاستثمار في البنى التحتية، أو التبادل التجاري في السلع الاستهلاكية، من شأنه أن يؤدي إلى استنتاجاتٍ متسرعة وقاصرة عن إدراك التعقد المتزايد الذي تعرفه حالياً – والذي تسير نحوه العلاقاتُ الاقتصادية بين الطرفين.

غالباً ما يؤدي الفصلُ بين السياسي والاقتصادي إلى نتائج مضلِّلة، سواءٌ على صعيد تقديم «الوصف» بشأن الراهن أو على صعيد تقديم «الوصفة» (Prescription) بشأن المستقبل، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بما هي عليه وما ينبغي أن تكون عليه العلاقاتُ بين طرفين غير متماثلين: الصين التي تمثل فاعـلاً اقتصادياً جامحاً يعاني فيض الإنتاج وغيض الاستهلاك المحلي من جهة، وفاعـلاً سياسياً مُراجِعاً (Revisionist) يسعى لإعادة النظر في ترتيبات النظام الدولي الأحادي القطب في حقبة ما بعد الحرب الباردة من جهة أخرى؛ والوطن العربي الذي يمثل من جهةٍ فاعـلاً اقتصادياً نامياً يعاني عدة مشاكل اقتصادية بنيوية أهمها التبعية المفرطة لقطاع المحروقات، كما يمثل من جهة أخرى فاعـلاً سياسياً مُثقـلاً بالخلافات والتصدعات السياسية، بعضها مرتبطٌ بميراث الحقبة الاستعمارية وبعضها مرتبطٌ بتحولات ما بعد الربيع العربي.

تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة مباحث. يقدم المبحث الأول مدخـلاً تاريخياً مقتضباً للعلاقات بين الصين والوطن العربي. أما المبحث الثاني فيتصدى لفحص التحديات التي تعرفها العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية: تحدي التبادل اللامتكافئ؛ تحدي «المشترك» في مكاسب مشروع الطريق والحزام؛ تحدي الاستقرار الأمني في المركب الأمني المشرق – الخليج العربي؛ التمركز المفرط للسياسات الخارجية العربية حول الغرب؛ غيض المعرفة والفهم المتبادلين بين الصين والوطن العربي؛ والانقسامات السياسية العربية – العربية.

بينما يسعى المبحث الثالث لاستكشاف الفرص التي ينبغي الاستثمارُ فيها من أجل الوصول إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين: إشراك الوطن العربي في مشروع الطريق والحزام؛ تطوير منتدى التعاون الصيني – العربي؛ وتفعيل مضامين وثيقة السياسات الصينية تجاه البلدان العربية. فضـلاً عن ذلك، يسلط الضوء أكثر على الفرص الاستراتيجية التي ينطوي عليها التكامل الاقتصادي العربي – العربي.

أخيراً، وإذ تحاول هذه الدراسة مقاربة الموضوع من منظور الاقتصاد السياسي الدولي، فإنها تناقش في الخاتمة كيف يمكن أن يؤدي السياسيُّ دوراً محفزاً في مسار العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية، بدلاً من الدور المعوق الذي قد يمارسه، وبخاصة مع تفاقم خلافات وانقسامات ما بعد الربيع العربي، سواءٌ بين البلدان العربية نفسِها، أو بين الصين وبلدان عربية على تباين – وأحياناً تصادم – مع مواقف السياسية لهذه الأخيرة.

أولاً: مدخلٌ تاريخي للعلاقات الصينية – العربية

يمتد تاريخ العلاقات الاستثنائية بين العرب والصين، كما هو معروفٌ، إلى ما يزيد على ألفيتين كاملتين من الزمن؛ حيث شكل طريق الحرير وطريق البخور القديمان‏[1] جسراً تاريخياً للتواصل والتبادل بين الطرفين. ومن ثم شكّل الوطن العربي عبر التاريخ معبراً حيويّاً بين الشرق والغرب. واستمرت هذه العلاقات وثيقة إلى غاية اكتشاف رأس الرجاء الصالح بداية القرن السادس عشر وما نجم عنه من تحولٍ في مسارات التجارة الدولية، تبِعه خضوع الوطن العربي لحكم الخلافة العثمانية.

لم يتم استئناف هذه العلاقات إلا مع قيام جمهورية الصين الشعبية (1949) وحصول البلدان العربية على الاستقلال تباعاً خلال النصف الثاني من القرن الماضي. وكانت مصر أول قطر عربي يقيم علاقات رسمية مع الصين (1956) في إثر اعتراف الرئيس جمال عبد الناصر بحكومة الصين الشعبية بدلاً من حكومة تايوان، بينما كانت السعودية آخر دولة أقامت علاقات رسمية معها (1990)، وذلك بسبب الاستقطاب الدولي، أيديولوجياً وسياسياً، الذي عرفته حقبة الحرب الباردة.

الخريطة الرقم (1)

طريق الحرير الجديد بشقيه البري والبحري


المصدر:  <https://www.weforum.org/agenda/2016/06/why-china-is-building-a-new-silk-road>.

يميز محمد سليم بين أربع مراحل كبرى في تاريخ العلاقات العربية – الصينية. تمتد المرحلة الأولى من القرن الثاني قبل الميلاد حتى ظهور الإسلام في القرن السابع، وهي مرحلة النشأة التي اتسمت بهيمنة التبادل التجاري كمظهرٍ أساسي لها. وتمتد المرحلة الثانية من القرن السابع حتى بداية الحقبة الاستعمارية (القرن السادس عشر)، واتسمت باستمرار علاقات التبادل التجاري فضـلاً عن بروز قضايا دينية وثقافية مع مساعي نشر الإسلام شرق آسيا وتطور التبادل العلمي والثقافي بين الحضارتين الصينية والعربية/الإسلامية‏[2]. أما المرحلة الثالثة فتبدأ من القرن السادس عشر وتمتد حتى بدايات القرن العشرين، وتتسم بالانقطاع تحت تأثير الحقبة الاستعمارية. ولم تشرع هذه العلاقات في العودة إلا خلال فترة ما بين الحربين وفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مع تصاعد حركات التحرر الصينية والعربية، حيث بدأ العامل السياسي في البروز. أخيراً، تمتد المرحلة الرابعة من تأسيس جمهورية الصين الشعبية (1949) حتى نهاية الحرب الباردة‏[3].

غير أن البدء في تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي (1978) يُعد معلماً حاسماً في هذه المرحلة؛ حيث أدى سعي الصين لتعبئة طاقاتها محليّاً من أجل تنمية وتطوير اقتصادها إلى ارتفاعٍ متسارعٍ على نحو غير مسبوق في حجم نمو الاقتصاد الصيني، ما أدى بدوره إلى زيادةٍ مطردة في الطلب على الطاقة، الأمر الذي جعل الحاجة إلى بعث العلاقات مع الوطن العربي الغني بموارد الطاقة أكثر إلحاحاً. مع ذلك، بقيت هذه المرحلة، الممتدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تتميز بهيمنة السياسي، حيث شهدت تبادلاً لافتاً للدعم السياسي في العديد من المسائل؛ فأيدت البلدان العربية سياسة «الصين الواحدة» إزاء مشكلة تايوان، كما دعمت استعادة الصين مقعدها في مجلس الأمن الدولي (1971). بينما أيدت الصين قضايا التحرر الوطني في البلدان العربية، وساندت مصر في قضية تأميم شركة قناة السويس، وأيدت موقفها في مواجهة العدوان الثلاثي (1956)، كما حافظت على موقفٍ إيجابي ثابت تجاه القضية الفلسطينية، وهو ما شكّل دافعاً أساسياً نحو مزيدٍ من التقارب الصيني – العربي.

مع نهاية الحرب الباردة، عاد الاقتصادي ليهيمن على مشهد العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية، حيث عرفت مزيداً من التشابك، لكن مزيداً من التعقد أيضاً. وعرفت هذه المرحلة تحول الصين، على خطىً ثابتةٍ، إلى قوةٍ اقتصادية أصبحت اليوم تحتل الترتيب الثاني عالمياً. وأصبحت تمثل نحو 22 بالمئة من الاقتصاد العالمي طامحة خلال السنوات العشر القادمة إلى حجم تصدير سنوي يبلغ عشرة تريليونات دولار واستثمارات في الخارج بخمسمئة مليار دولار‏[4]، حيث يعد الوطن العربي فضاءً واعداً لهذه الحجوم الهائلة من التجارة والاستثمارات (انظر الشكل الرقم (1)). وزاد زخم هذه العلاقات حديثاً، وبخاصة منذ تأسيس منتدى التعاون الصيني – العربي في كانون الثاني/يناير 2004، الذي عقد اجتماعه الوزاري السابع في الدوحة، أيار/مايو 2016. غير أن التطور المطرد في مجال التبادل التجاري الذي تعرفه العلاقات العربية – الصينية لا ينفي وجود تحدياتٍ ومشاق ينبغي على الطرفين التعامل معها، وهو ما يناقشه المبحث التالي.

الشكل الرقم (1)

تطور التبادل التجاري بين الصين والوطن العربي

(مليارات الدولارات)

المصدر: Assem Abu Hatab, ««Economically Aggressive Politically Soft»: Understanding China’s Policy toward the Arab World,» p. 5, paper published on SSRN website, <https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2788552>.

ثانياً: تحديات العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية

رغم الطبيعة الواعدة للعلاقات الاقتصادية بين الصين والوطن العربي، إلا أنها تظل مع ذلك تواجه العديد من التحديات والمشاق التي تحتاج إلى المزيد من التفكير واتخاذ خطواتٍ جادة من كلا الجانبين. غير أن الجانب العربي يبقى الطرف المعني أكثر بضرورة اتخاذ مثل هذه الخطوات، وذلك بكونه يشكّل الحلقة الأضعف نظراً إلى قوة الاقتصاد الصيني المتعاظمة، وبخاصة خلال السنوات الأخيرة من جهة، ونظراً إلى المشكلات والمصاعب، السياسية والاقتصادية على حدٍّ سواء، التي تواجهها البلدان العربية من جهة أخرى. يلقي هذا المبحث الضوء على ستة تحدياتٍ هي: تحدي التبادل اللامتكافئ؛ تحدي «المشترك» في مكاسب مشروع الطريق والحزام؛ تحدي الاستقرار الأمني في المركَّب الأمني المشرق – الخليج العربي؛ التمركز المفرط للسياسات الخارجية العربية حول الغرب؛ غيض المعرفة والفهم المتبادلين بين الصين والوطن العربي؛ وتحدي الانقسامات السياسية العربية – العربية.

1 – التبادل اللامتكافئ في العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية

يعتبر اللاتكافؤ في مضامين التبادل الاقتصادي بين الطرفين مسألة اقتصادية من السهل رصدها، فالأمر لا يتطلب إقحام البعد السياسي لملاحظة الكيفية التي تبدو بها هذه المضامين ضرورية للطرفين، لكنها مهمة (Significant) للصين أكثر مما هي عليه بالنسبة إلى الوطن العربي. لذلك، ينبغي على الأدبيات الشائعة أن تتوقف عن استعمال مفهوم التكامل (Integration)‏[5] للتعبير عن نمط العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية‏[6]. من المعروف أن الصين تُصدّر إلى الوطن العربي معظم حاجاته السلعية بأسعارٍ تنافسية مغرية، في الوقت الذي تُصدّر فيه دولٌ عربية محد(و)دة إلى الصين حاجاتها الطاقية المتنامية لتحافظ على تسارع الدوران في عجلة نموها الاقتصادي (قارن بين الشكلين ذواتي الرقمين (2) و(3)). تكمن المشكلة في أنّ سوق المواد الطاقية، على عكس المنتجات السلعية، تتسم على نحو ما هو معروف بخاصيتين أساسيتين، هما التقلب واللااستدامة؛ فتقلُّب الأسعار يجعل عوائد الدول المصدّرة غير مستقرة تماماً كما أن قابلية المواد الطاقية للنضوب تجعل تلك العوائد غير ثابتة.

الشكل الرقم (2)

الواردات الصينية من الوطن العربي (1995 – 2013)

المصدر: المصدر نفسه، ص 6.

الشكل الرقم (3)

الصادرات الصينية إلى الوطن العربي (1995 – 2013)

المصدر: المصدر نفسه، ص 7.

يبقى الأمل معلقاً على الوعود المرتبطة بتوطين، وليس مجرد توريد، التكنولوجيا الصينية، التي لا تتسم فقط بكونها رخيصة ويمكن أن توفر للبلدان العربية بديـلاً من التكنولوجيا الغربية الباهظة، لكن يمكن أن تساهم في حل العديد من المشكلات التقنية، في العديد من المجالات، نظراً إلى التقارب النسبي في نمط الحياة الغالب لدى الطرفين، هذا إذا سلمنا بمقولة أن الصين والبلدان العربية تتشارك الانتماء إلى الجنوب الكبير/عالم المجتمعات النامية.

فضـلاً عما سبق، ينبغي أن يتم نزع الطابع المركزي عن الطاقة في عمليات التبادل الاقتصادي بين الصين والوطن العربي. على البلدان العربية أن تأخذ السوق الصينية ذات القدرة الشرائية المتنامية على محمل الجد، تماماً كما تتعامل الصين مع السوق العربية، وعليها أن تتخذ مزيداً من الخطوات للاستثمار في هذه السوق، عبر تطوير إمكاناتها الواسعة لجعل التبادل أكثر تكافؤاً، بدءاً بالصادرات الزراعية وصولاً إلى الصادرات السياحية. لذلك، يبدو واضحاً أن البلدان العربية إن لم تتخذ الخطوات الكافية والملائمة في هذا الصدد، فإن عملية التبادل ثنائية/متعددة الأطراف ستبقى في مصلحة الصين، التي تدرك تماماً أن الإبقاء على تقدم/ثبات مستويات نموها الاقتصادي يعتمد على تلبية حاجتها المتزايدة لإمدادات الطاقة، فضـلاً عن حاجتها إلى أسواقٍ استهلاكية نامية، وهو ما يبرر حاجتها إلى التعاون مع الوطن العربي. يضاف إلى ذلك، حاجة الصين إلى تطوير التعاون مع البلدان العربية في العديد من المجالات الواعدة، كالمقاولات وتوظيف العمالة الفائضة والاستثمارات الأجنبية المباشرة ونقل التكنولوجيا.

2 – تحدي «المشترك» في مكاسب مشروع الطريق والحزام

يهدف مشروع (إعادة) بناء الطريق والحزام إلى إحياء طريقَي الحرير البري (الطريق) والبحري (الحزام) اللذيْن كانا يربطان الصين ببقية العالم قبل ألفي عام، واللذيْن كان يتم عبرهما تبادلُ الحرير والعطور والبخور والتوابل والعاج والأحجار الكريمة وغيرها، فضـلاً عن الثقافات والعلوم. وقد تم الإعلان عن المشروع من قبل الرئيس شي جينبينغ في 2013. وهو يتضمن إعادة إحياء الطريق والحزام عبر ثلاثة خطوط رئيسة (الخريطة الرقم (1)). أهم هذه الخطوط هو الخط البري الذي يمتد من الصين (الغربية) نحو أوروبا، مروراً بآسيا الوسطى والمشرق العربي، والخط البحري الذي يمتد من السواحل الصينية نحو السواحل الأوروبية، مروراً ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي.

سبق أن بشَّر وزير الخارجية الصيني وانغ يي بأن المبادرة لاقت تجاوباً ومشاركة نشطة من نحو سبعين دولة تطل على خط الطريق، بما في ذلك دول المشرق العربي. ويتضمن المشروع، وبخاصة في شق الطريق، المئات من المشاريع التي سيتم تنفيذها على نحوٍ تدريجي، والتي من شأنها ربط الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، والأفريقية أيضاً، التي يمر بها الطريق عبر شبكاتٍ مكثفة من الطرق البرية وسكك الحديد وخطوط الطيران، فضـلاً عن قنوات وأنابيب النقل الحيوي، وهو ما يَعِدُ بتهيئة الظروف اللازمة لتنميةٍ اقتصاديةٍ مشتركةٍ لجميع هذه الدول‏[7].

لكن، بالنسبة إلى الوطن العربي، ينبغي إعادة قراءة استراتيجية الطريق والحزام ليس فقط بوصفها خطاباً للسياسة الخارجية الصينية، لكن باعتبارها أيضاً أداة للسياسات الاقتصادية العامة للصين. هناك الكثير مما يكتب فضـلاً عن المؤتمرات والندوات العلمية أو السياسية التي تُعقد والتقارير الإعلامية التي تُعد حول هذه الاستراتيجية. غير أن هذا لا ينفي ضرورة الاستمرار في قراءة وعود وحدود هذا الخطاب على نحوٍ نقدي.

من الناحية الجيوستراتيجية، يتمتع المشرق العربي بأهميةٍ تاريخية حيوية بالنسبة إلى المشروع؛ فهو يمثل تقاطعاً وممراً للوصول إلى أوروبا شمال المتوسط، وإلى المغرب العربي جنوب المتوسط. لذلك، ينبغي على البلدان العربية، وبخاصة في المشرق، أن تعيد تعريف دورها في هذا المشروع، فهي تجد نفسها بالفعل أمام مسارين عليها الاختيار أيهما ستسلك: إما أن تبقى مجرد ممرٍ جغرافي لعبور الواردات و/أو الصادرات ذهاباً وإياباً بين أوروبا وشرق آسيا‏[8]، فضـلاً عن استمرارها في تمثيل دور السوق الاستهلاكية الآخذة في الاتساع بالنسبة للصادرات، وإما أن تسعى لاستبدال دور الممر الجيوستراتيجي بدور اللاعب الجيواقتصادي المشارك بفعالية في الحركية الاقتصادية التي يُنتظر أن تنشط على الطريقين على نحوٍ متسارع خلال العقود القادمة. بعبارة أخرى، على الوطن العربي أن يتوقف عن الوقوع ضحية ما سماه عبد النور بن عنتر «النرجسية السياسية» الناجمة عن توظيفٍ خطابي للمفهوم من دون أن يجد له صدى يذكرُ في الممارسة.

استناداً إلى ما كتبه بن عنتر، في سياقٍ مختلفٍ لكن على صلةٍ وثيقةٍ بموضوع هذه الدراسة‏[9]، ينبغي دائماً مَشكلة مفهوم «الممر الجيوستراتيجي» في الخطاب السائد حول مشروع الطريق والحزام، كما ينبغي الاستمرار والإلحاح في طرح السؤال الأهم: عندما يُسمَّى الوطن العربي ممراً جيوستراتيجياً، فهو كذلك بالنسبة إلى من؟ ولمصلحة من؟ فعـلاً، ليس لأن الآخرين يستعملونه، فالتوصيف بالضرورة حقيقيٌّ وحتماً يمثل شيئاً جيداً بالنسبة إلى الوطن العربي. فعلى عاتق البلدان العربية وحدها تقع مهمة تقدير وزنها الحقيقي، والمرغوب فيه بالنسبة إليها، في هذا المشروع، وعليها أن «لا تنساق نحو لعبة الإغراء السياسي و/أو أن تغرق في النرجسية السياسية. (…) فالمكانة المنشودة تُكتسب وتُنتزع [من خلال الفعل] ولا تُمنح [من خلال مجرد القول]»‏[10]. وإذا كانت البلدان العربية تريد فعـلاً أن تكون ممراً جيوستراتيجياً في مشروع الطريق والحزام، فعليها أن تقوم بما يتطلبه ذلك تماشياً مع مصالحها الاستراتيجية ككتلةٍ واحدة، قادرة على الفعل ولا تكتفي بمجرد رد الفعل حيال المبادرات القادمة من الخارج.

3 – الاستقرار الأمني في المُركّب الأمني المشرق العربي – الخليج العربي

يبقى الاستقرار الأمني في المُركّب الأمني المشرق العربي – الخليج العربي (Middle-East–Arab Gulf Security Complex)‏[11]، على المديين المتوسط والبعيد، تحديّاً على الطرفين مواجهتُه، سواءٌ تعلق الأمر بانعكاسات الربيع العربي طويلة المدى، أو باستعصاء الصراع العربي – الإسرائيلي، أو بالتوتر المتزايد على ضفتي الخليج العربي. وهنا، ينبغي على الوطن العربي أن يضغط على الصين لتبذل جهداً أكبر يتناسب ودورها كقوةٍ عالميةٍ صاعدة، ويتناسب وعمق صداقتها التاريخية مع الوطن العربي، ويتناسب وحجم طموحاتها التي ينطوي عليها مشروع الطريق والحزام. في هذا السياق، على النخبة الحاكمة في الصين أن تعي فعـلاً أن الاقتصاد الصيني طالما أنه من أكبر الاقتصادات المستوردة للطاقة في العالم، وطالما أن معظم وارداته تأتي من دولٍ تقع ضمن حدود هذا المُركب الأمني، فإن السياسة الخارجية الصينية يجب أن تسخر الأدوات والآليات المتاحة لديها لجعل المنطقة فضاءً مستقراً على المديين المتوسط والبعيد.

من بين هذه الأدوات، يمكن الحديث مثـلاً عن علاقات الصين الجيدة مع كلٍّ من إيران وإسرائيل. كما يمكن الحديث عن دور القوة الناعمة الذي تؤديه الصين على صعيد علاقاتها الخارجية، عبر اعتمادها على مبادئ التعايش السلمي في العلاقات الدولية (الاحترام المتبادل للسيادة، احترام وحدة وسلامة الأراضي، عدم الاعتداء، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمكاسب المتبادلة). وهي المبادئ التي تزعم النخبة الحاكمة في الصين أن مشروع الطريق والحزام يقوم عليها. لكن هذه المبادئ قطعاً لا تتناغم مع موقف الحياد الذي تصر عليه الصين عندما يتعلق الأمر بالاستمرار في تعزيز علاقاتها مع دولٍ تنتهك المبادئ نفسها. لذا ينبغي أن لا تبقى هذه المبادئ أسيرة الخطاب السياسي السائد لدى النخبة الحاكمة في الصين‏[12].

4 – التمركز المفرط للسياسات الخارجية العربية حول الغرب (west-centric)

في سنة 2007، أشار عمرو موسى (أمين عام جامعة الدول العربية حينها) إلى ضرورة الارتقاء بالاهتمام العربي بالصين كدولةٍ كبرى إلى نفس درجة الاهتمام الذي يوليه الوطن العربي لدولٍ كبرى أخرى‏[13]. صحيحٌ أنه ما من شك في أنّ صعود الصين أصبح بمثابة الظاهرة التي فرضت نفسها بقوة على الصعيدين العربي والدولي، إلا أن الفرق واضحٌ بين الصورة التي أصبحت ترتسم بشكلٍ جلي بشأن دور الصين في النظام العالمي الراهن، وبين انعكاسات هذه الصورة على السياسات الخارجية العربية، سواءٌ في الشق السياسي/الأمني أو في الشق الاقتصادي. خلال حقبة الحرب الباردة التي مثلت ذروة الاستقطاب الثنائي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، كان من الطبيعي والمتفهَّم أن يعتمد الوطن العربي على نحو مفرط على (إحدى) القوتين العظميين. لكن، بعد انهيار القطبية الثنائية، بدا الوطن العربي وكأنه أسير اللحظة أحادية القطب التي زعمتها الولايات المتحدة لنفسها، والتي أصبح واضحا الآن، بعد مرور ربع قرن على نهاية الحرب الباردة، أنها كانت لحظية وأن النظام الدولي الراهن نظامٌ آخذٌ في السير نحو التعددية القطبية، خاصة على الصعيد الاقتصادي العالمي. على أنه يجب التأكيد دائماً على أن الفصل هنا بين السياسي والاقتصادي في السياسة العالمية إنما يتم من أجل أغراض تحليلية فقط.

حتى مع تزايد الاهتمام العربي بدور الاتحاد الأوروبي، تبقى السياسات الخارجية العربية متمركزة على نحو مفرط حول الغرب. يتجلى هذا التمركز عبر طيفٍ واسع من القضايا، بدءاً بالمسألة الفلسطينية (في المشرق العربي مثلاً) وصولاً إلى الشراكات الاقتصادية (في المغرب العربي مثلاً). يؤكد هذا التمركزُ الملاحظة التي أبداها تشانغ هونغ في وقت سابق، والتي اشتكى عبرها من أن الدول العربية لا تحظى بمعرفةٍ جيدة حول دور الصين في هذه القضايا. ورغم أن هونغ اكتفى بالحديث عن إمكانات الصين كسوقٍ آخذة في الاتساع للعالم بعامة وللوطن العربي بخاصة، وأن الاستثمارات داخل الاقتصاد الصيني آمنة وأن التعاون مع الصين فيه مصلحة الدول العربية‏[14]، إلا أنه من المهم الانتباه إلى أن تشبيك الاقتصادات العربية بالاقتصاد الصيني، من خلال الشراكات ثنائية/متعددة الأطراف، من شأنه أن يوفر مدخـلاً لإقحام الصين في السياسات الخارجية العربية والتخفيف من حدة تمركزها حول الغرب (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي).

5 – غيض المعرفة والفهم المتبادلين بين الصين والوطن العربي

تحتاج العلاقات العربية – الصينية إلى المزيد من التأصيل المعرفي. في الجانب العربي، هناك غيضٌ واضحٌ في حقل الدراسات الصينية. سبق وأن أكد تشانغ هونغ هذه الملاحظة عندما أشار إلى أن من يتابع باهتمام العلاقات العربية – الصينية يجد أن البحوث والدراسات العربية حول الصين نادرة، فضـلاً عن قلة المعاهد ومراكز البحوث المتخصصة في دراسة الشؤون الصينية، وهو ما يؤثر في حجم ونوع التوصيات ذات القيمة المقدمة إلى دوائر صنع القرار في الحكومات العربية. وهذه الفجوة بطبيعة الحال لا يمكن أن تسدها جمعيات الصداقة العربية – الصينية الموجودة في أغلب البلدان العربية، ولا حتى اللجان المشتركة السياسية والاقتصادية. لسد هذه الفجوة، لا بد من إقحام جماعاتٍ معرفية/إيبيستمية (Epistemic Communities) تضم باحثين وخبراء قادرين على فهم وتأويل السياسات العامة الصينية بمختلف قطاعاتها‏[15]، وقادرين فضـلاً عن ذلك على التأثير في دوائر صنع القرار في حكوماتهم. ينبغي النظر دائماً إلى المعرفة حول الآخر كقوةٍ حاسمة وضرورية للتفاعل معه.

هناك مشكلة أخرى تَنتج من، وفي الوقت نفسه تؤدي إلى، غيض المعرفة العربية بالصين. تكمن في أن صورة العربي حول الآخر الصيني لا يرسمها بنفسه، بل يرسمها من خلال مضامين الإعلام الغربي حول الشؤون الصينية. يتفق هذا كذلك مع الملاحظة التي سجلها هونغ عندما أشار إلى أن مطالعة الصحف والمجلات العربية أو مشاهدة قنوات التلفزيون العربية أو الاستماع إلى قنوات الإذاعة العربية تكفي للاستنتاج أن معظم الأخبار والتقارير والتعليقات حول الصين منقولة عن الوكالات والقنوات الغربية، وهي من وجهة نظره غالباً ما تكون مجانبة للموضوعية والواقعية‏[16]. في نهاية المطاف، ينبغي الانتباه إلى أنه إذا كانت المعرفة قوة، فإن المعرفة غير الصحيحة غالباً ما تقوضها. لا يتعلق الرهان فقط بحجم ما نعرفه حول الصين، ولكن بطبيعة ومدى موثوقية ما نعرفه.

6 – الانقسامات السياسية العربية – العربية

تعرف الدول العربية تبايناً واضحاً على عدة صعد؛ فهي تتفاوت من حيث المصالح السياسية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ونماذج التنمية السياسية والاقتصادية. كما تتبنى مواقف سياسية تصل إلى حد التعارض. وقد زادت حدة هذه التباينات منذ 2011. ولا يمكن غض الطرف عن الأثر السيئ للتباعد في المواقف السياسية من القضايا الإقليمية، التي تمس الوطن العربي في حد ذاته، على تطور علاقاته مع الصين. لذلك، ينبغي النظر إلى هذا التحدي بوصفه مفصلياً في راهن ومستقبل العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية، وبخاصة بالنسبة إلينا في الوطن العربي، لأن الاستجابة – مرة أخرى – يجب أن تكون عربية خالصة، ولا تتحمل الصين أيّ وزرٍ في إيجاد أو تكريس هذا الوضع. والواقع أن اللاتناغم في المواقف السياسية يؤثر على نحو سلبي في التجانس في كيفية تعريف المصالح الاقتصادية والسعي للدفاع عنها. سنعود إلى هذه المشكلة في المبحث التالي.

المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 460 في حزيران/يونيو 2017.

(**) محمد حمشي: أستاذ مساعد في العلاقات الدولية، جامعة أم البواقي – الجزائر.

[1] يربط طريق الحرير القديم (البـري) مدينة تشانغ آن الصينية بالعراق وسورية ومصر عبـر آسيا الوسطى. أما طريق البخور القديم (البحري)، وهو الـمعروف في الأدبيات الحديثة بالحزام (Belt)، فينطلق في فرعه الأول من السواحل الصينية الغربية ويعبـر مضيق هرمز، بينما ينطلق في فرعه الثاني غرباً من مضيق هرمز نحو الغرب ليمر بسلطنة عمان فمدينة عدن، ثم شمالاً على طول ساحل البحر الأحمر وصولاً إلـى سورية ومصر.

[2] شهدت هذه الـمرحلة انقطاعاً طارئاً في إثر الغزو الـمغولي للصيـن وللوطن العربي في القرن الثالث عشر.

[3] محمد السيد سليم، «السياسة الصينية إزاء القضايا العربية: وجهة نظر عربية،» مجلة الفكر السياسي، العدد 7 (1999)، ص 147 – 148.

[4] انظر: «الصيـن والعالم العربي و10 سنوات على انطلاق منتدى التعاون العربي الصيني،» ورقة لـمركز الخليج للدراسات الاستـراتيجية، <http://www.akhbar-alkhaleej.com/13432/article_touch/121.html>.

[5] يستعمل هذا الـمفهوم على نحو غيـر حذر. على سبيل الـمثال، أشار لافشيـن مولاوي (خبيـرٌ اقتصادي وباحثٌ في مؤسسة (American Foundation إلـى أن وجود تكتل اقتصادي عملاق (بهذه العبارة) بيـن البلدان العربية والصيـن تتشكل ملامحه الأولية، وهو تكتلٌ، في حال تحققه، يخلق فرصاً بلا حدود للاستثمار والنمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي في الدول الـمشاركة ويزيد التقارب السياسي بينها‏. تكمن الـمشكلة، كما سيتضح لاحقاً، في أن توظيف مفهوم التكامل في أدبيات العلاقات الاقتصادية الصينية – العربية لا يختلف عن توظيفه في أدبيات العلاقات الاقتصادية شمال – جنوب في فتـرة الستينيات والسبعينيات من القرن الـماضي، حيث كان يتم الادعاء بأن تبادل الـمواد الطاقية الخام والـمواد الـمصنعة من شأنه أن يخلق سوقاً دولية مُكسِبة للطرفيـن. وهو ادعاءٌ ثبت تهافتُه، فقد تبيّـن أنّ هذا النمط من تقسيم العمل الدولي حوّل الدول الـمصنعة إلى دول سائرة في طريق النمو بينما حوّل الدول النامية إلـى دولٍ سائرة في طريق التخلف، على عكس ما توحي به مضاميـن ثنائية (Developed–developing Countries).

[6] ينطبق هذا أيضاً على منطقة التبادل الحر الـمنتظر إنشاؤها بيـن الصيـن ودول مجلس التعاون الخليجي، لأن منطقة التبادل الحر لا تمثل إلا الـمرحلة الأولى من مراحل التكامل الاقتصادي الدولي الخمس في نموذج بيلا بالاسا الـمعروف: منطقة التبادل الحر، الاتحاد الجمركي، السوق الـمشتـركة، الاتحاد النقدي، ثم التكامل الاقتصادي الشامل. انظر: Béla Balassa, The Theory of Economic Integration (California: R.D. Irwin pub., 1961).

[7] عزت شحرور، «طريق الحرير الجديد.. آمال وأشواك،» ورقة منشورة على موقع الجزيـرة، 16 أيار/مايو 2016. من شأن استكمال بناء هذه الشبكات أن يحقق هدفـي ضمان سلاسة النقل والشحن (البـري والبحري والجوي) وتسهيل التعاون في مجال تأميـن قنوات نقل النفط والغاز. غيـر أن الـمشروع يعد أكثـر طموحاً من هذا، حيث يهدف كذلك إلـى بناء ما يسمى أدبياً «طريق الحرير الافتـراضية» عبـر إنجاز شبكاتٍ هائلة للاتصال والـمعلوماتية من أجل تسهيل الـمعاملات الـمالية والتجارية الإلكتـرونية العابرة للحدود، فضـلاً عن «طريق الحرير الخضراء» التي يُؤمل أن تسهل التعاون الدولـي في مجال الطاقات الـمتجددة والاستجابة لتحدي التغيـر الـمناخي.

[8] سبق وأن عبَّـر الإعلامي الفلسطيني عزت شحرور عن هذا الخيار على نحوٍ بليغ قائلاً: «هل سيكتفي [العرب] بموقف الـمتفرج على القطارات الـمحملة بالبضائع التي تمر عبـر أراضيهم إلى أوروبا وتزويدها بالوقود؟»

[9] استخدم بن عنتـر هذه العبارة في سياق نقده لـمفهوم الدولة الـمحورية الذي استخدمته أدبياتٌ أمريكية، منتصف تسعينيات القرن الـماضي، لوصف الجزائر ضمن مجموع تسع دول أخرى. حيث يجادل بأن هذا الـمفهوم تم توظيفه خارجياً من منظور الأمن القومي الأمريكي حصراً، بينما انساق خلفه الخطاب السائد في الجزائر من دون تمحيص في مآربه بالنسبة إلى ـمصالح الولايات الـمتحدة في الـمنطقة. انظر: عبد النور بن عنتـر، البعد الـمتوسطي للأمن الجزائري (الجزائر: الـمكتبة العصرية، 2005)، ص 60 – 63.

[10] الـمصدر نفسه، ص 63.

[11] حول نظرية مركبات الأمن الإقليمي، انظر: Barry Buzan and Ole Waever, Regions and Powers: The Structure of International Security (New York: Cambridge University Press, 2003).

[12] عموماً، يبدو أن الوقت قد حان للإنصات إلـى الأصوات المـطالبة بـمَشكلَة مبدأ عدم التدخل في السياسات الصينية، لأنه يضع مصالحها في خطرٍ على الـمدى الطويل. ويبدو أنه من مصلحة كل من الصيـن والوطن العربي التفكيـر في التنسيق والتكيّف لاستبدال إطار عدم التدخل الحالـيّ. على أن تلتـزم الصيـن بالحفاظ على مستوىً عالٍ من الشفافية في أي شكل من أشكال أنشطة التدخّل الاستـراتيجية في الـمشرق العربي خصوصاً. لأن ذلك سيصبّ في مصلحة الصيـن لأنه سيثبت للعالم أنّ تدخّل الصيـن (في جهود مكافحة الإرهاب مثـلاً) يهدف حقاً إلى حماية أصولها ومواطنيها في الـمنطقة، وليس إلى تحقيق التفوق أو الهيمنة. انظر: تشاولينغ فنغ، «قبول الاعتماد الـمتبادل: ديناميكيات الصين والشرق الأوسط،» موجز السياسة (منشورات مركز بروكنجز الدوحة، 2015).

[13] محمد حسن رزق، «الصيـن والعرب: العلاقة التي لا بد منها،» مجلة الصيـن بعيون عربية، العدد 3 (2007)، ص 6.

[14] تشانغ هونغ، «السياسة العربية تجاه الصيـن والعلاقات العربية – الصينية،» مجلة الفكر السياسي، العدد 7 (1999)، ص 126 – 127. في هذا السياق، يمكن الإشادة على سبيل الـمثال بالاستثمارات السعودية في الاقتصاد الصيـني، ففضـلاً عن زيادة صادراتها من النفط نحو الصيـن (تصل إلى نحو 17 بالمئة من حاجاتها النفطية)، فقد عرضت الـمملكة الـمساهمة في بناء الاحتياطي النفطي الاستـراتيجي الصيني في جزيرة هاينان (أكثـر من 100 مليون طن). إضافة إلى ذلك، تستثمر شركتا ساينوبيك الصينية وأرامكو السعودية في بناء مصافٍ نفطية داخل الصيـن. كما تم تأسيس تكتل هام من شركات صينية وسعودية لإنشاء مصانع ومجمعات ضخمة متخصصة في إنتاج البتـروكيميائيات.

[15] لا شك أن تعلـ(ــيــ)ــم اللغة الصينية في الجامعات العربية يبقى رهاناً حاسماً في هذا السياق.

[16] المصدر نفسه.

[17] شحرور، «طريق الحرير الجديد.. آمال وأشواك».

[18] دينغ لونغ، «الصيـن والعالم العربي: نحو علاقات اقتصادية وتجارية أوثق،» الحياة، 14/5/2016، <http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/15594395/>.

[19] Degang Sun and Yahia Zoubir, «China-Arab States Strategic Partnership: Myth or Reality?,» Journal of Middle Eastern and Islamic Studies, vol. 8, no. 3 (2014), p. 91.

[20] المصدر نفسه، ص 89. انظر أيضاً: Xuewen Qian, «Sino-Arab Economic and Trade Co­operat­ion: Situations, Tasks, Issues and Strategies,» Journal of Middle Eastern and Islamic Studies, vol. 5, no. 4 (2011), pp. 65‑87.

[21] للـمزيد من الـمؤشرات الكمية على تطور العلاقات الاقتصادية الصينية العربية، انظر: Wang Jin, «Selective Engagement: China’s Middle East Policy after the Arab Spring,» Strategic Assessment, vol. 19, no. 2 (2016).

[22] فضـلاً عن هذه الإنجازات الاقتصادية، تحققت إنجازاتٌ أخرى على الصعيد الثقافـي والسياحي، حيث فتحت أكثـر من 20 جامعة صينية أقساماً لتعليم اللغة العربية، كما فتحت الصيـن أكثـر من 10 معاهد في دول عربية لتعليم اللغة الصينية. كما أصبحت 8 بلدان عربية مقاصد رئيسية للسياحة الصينية، علاوة على 145 رحلة طيـران أسبوعيّاً بيـن الصيـن وبلدان عربية. انظر: «الصيـن والعالم العربي و10 سنوات على انطلاق منتدى التعاون العربي الصيني» (مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية).

[23] رسمياً، تتناول مفاوضات منطقة التبادل الحر بيـن الصيـن ودول مجلس التعاون الخليجي تجارة السلع، وتجارة الخدمات، والتعاون الاقتصادي والتقني. لكن على الـمدى البعيد، تضع الصيـن نصب عينيها الوفرة النسبية في الرساميل التي تتمتع بها دول الخليج العربي، مع حاجة هذه الأخيـرة إلـى إعادة هيكلة اقتصاداتها فضـلاً عن تطويـر البنى التحتية وتنويع صناعاتها، خاصة مع أزمة الانخفاض الحاد الذي تشهده أسعار النفط خلال السنوات الأخيـرة.

[24] لونغ، «الصيـن والعالم العربي: نحو علاقات اقتصادية وتجارية أوثق».

[25] المصدر نفسه.

[26] يبقى مجلس التعاون الخليجي استثناءً، الذي يبدو أنه مدفوع بالهاجس الأمني (الخارجي) أكثـر منه بالضرورة الاقتصادية والاجتماعية (الداخلية). بينما يبقى الـمغرب العربي استثناءً أيضاً لكن في مقاومته لانتشار أمواج الإقليمية (Regionalism)، إلى الحد الذي يمكن معه وصفه بـ «إقليم بدون إقليمية» (A Region without Regionalism)).

[27] عبد النور بن عنتـر، «الاتحاد الـمغاربي بيـن الافتـراض والواقع،» ورقة منشورة على موقع مركز الجزيرة للدراسات، <http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/33d78146-e54c-439f-97fd-13f​3785a17​fa>.

[28] المصدر نفسه.

[29] تمت الدعوة سابقاً في هذه الدراسة إلى ضرورة إسقاط مفردة التكامل من الخطاب السائد حول العلاقات الاقتصادية الصينية – العربية، لأنها مفردة مضلِّلة بشأن واقع هذه العلاقات.

[30] يقول عبد النور بن عنتـر، في هذا السياق، إن التجارة البينية الـمغاربية تبقى صورة صادقة للتجارة البينية العربية عموماً التي تبقى ضعيفة جداً لا تتجاوز 10 بالمئة من مبادلات الوطن العربي مع العالم الخارجي، بينما تبلغ التجارة ما بيـن دول الاتحاد الأوروبي ما يزيد على 60 بالمئة من مبادلات أوروبا مع الخارج. وتبلغ نسبة التجارة البينية الـمغاربية حالياً حوالى 3 بالمئة من التجارة الخارجية الـمغاربية. انظر: المصدر نفسه.

[31] في حالة الـمغرب العربي مثـلاً، تربط الدول الـمغاربية الأساسية الثلاثة (تونس، الجزائر والـمغرب) اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي كلٌّ على حدة، وبالتالي فهي تتفاوض معه فرادى في الوقت الذي نجحت فيه دول السوق الـمشتـركة لأمريكا الجنوبية مثـلاً في التحدث بصوت واحد مع الاتحاد الأوروبي.

[32] يرتبط الخلل البنيوي في الاقتصادات العربية أيضاً بالارتفاع القياسي في نسب البطالة الـمتـزامن مع تزايد الضغط السكاني، حيث تبقى معدلات النمو السكاني أكبـر كثيـراً من معدلات النمو الاقتصادي.

[33] انظر: المصدر نفسه.

[34] لا بد من التشديد على جدوى التكامل العربي – العربي في الحد من الانعكاسات السيئة لظاهرة اللاتوازن في الاهتمام الصيني بالبلدان العربية، وهي ظاهرة تسوغها مضاميـن الـمصالح الاقتصادية الصينية في التـركيـز على دول معينة دون أخرى.

[35] للاطلاع على النص الكامل للوثيقة، انظر: <http://news.xinhuanet.com/english/china/​2016‑01/​13/​c_135006619.htm>.

[36] تعزز هذا التوجه مع قرار الصيـن نزع الطابع الأيديولوجي عن سياساتها الاقتصادية الخارجية، حيث من الـمعروف أن بعض البلدان العربية كانت لديها تحفظات على دور السياسات الخارجية لدول معينة (من بينها الصيـن) في نشر الأيديولوجيا الشيوعية في الوطن العربي.

[37] Gao Zugui, «The New Development of China-Middle East Relations since the Arab Upheaval,» Journal of Middle Eastern and Islamic Studies, vol. 8, no. 4 (2014), p. 67.

[38] مفردة الاستلهام هنا لا تعني التعامل مع التجربة الصينية على أنها خالية من الانعكاسات غيـر الـمرغوب فيها، مثل بـروز الكثير من الـمعضلات الاجتماعية والاقتصادية كآثار جانبية للتنمية الاقتصادية الـمتسارعة في الصيـن، كعدم توازن النمو الاقتصادي بيـن الأقاليم، التفاوت الـمتـزايد في توزيع الثـروة، الفساد، التدهور البيئي وغيـرها.

[39] قدمت الصيـن، وما زالت تقدم، نفسها على أنها أقرب إلى دول الجنوب من بقية القوى الكبـرى الطامحة نحو الهيمنة (أوروبا والولايات الـمتحدة أساساً)، فهي من جهة تُعتبـر ضحية هي الأخرى للسياسات الاستعمارية التقليدية وليست صانعاً لها، ومن جهة أخرى تُعتبـر دولة من دول الجنوب، وبذلك تكون قد عملت، وما زالت تعمل، بشكلٍ أو بآخر على بناء ما يسميه بن عنتـر «أيديولوجية الجنوب/الانتماء للجنوب الواحد». انظر: عبد النور بن عنتـر، «الصيـن والـمغرب العربي: فرص ومخاطر،» في: مجموعة من الباحثيـن، «الـمغرب العربي في الاستـراتيجيات الدولية،» نشرة مجموعة الخبـراء الـمغاربييـن (مركز الدراسات الـمتوسطية والدولية، استانبول)، العدد 2 (2014)، ص 6.

[40] يحدد وو بنغ بنغ مضاميـن الـمصالح التي تستند إليها السياسات الصينية تجاه الوطن العربي كما يلي: الـمصلحة الاستـراتيجية في تعزيز التعاون مع دول رئيسية وتنفيذ مبادرة «الطريق والحزام»؛ الـمصلحة السياسية في اضطلاع الصيـن بدورٍ مسؤولٍ بوصفها قوّة رئيسية؛ الـمصلحة الاقتصادية في تسهيل التبادل التجاري والاستثمار فضـلاً عن الطاقة؛ الـمصلحة الأمنية في مواجهة التطرّف والقضاء عليه؛ والـمصلحة الثقافية في تعزيز الحوار بيـن الحضارات والجمع بيـن التقليد والحداثة. انظر:      <http://islamonline.net/16868>.

[41] تعتبـر هذه الـمسوغات تاريخية وسياسية في الوقت نفسه، حيث يعرف تاريخ الصيـن القديم والحديث (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين) عقدة التدخل الأجنبي، كما أن مسائل هونغ كونغ (سابقاً) وتايوان والتبت (راهناً) وتأثيـرها في مبدأ «الصيـن الواحدة» تدفع بالصيـن إلى التمسك بمبدأ عدم التدخل أياً كانت أشكاله. أما «التعاطف» الصيني الواضح مع التدخل العسكري الروسي الـمباشر في سورية، فيأتي تحت مسوغ تأييد الحرب ضد الجماعات الـمتطرفة.

[42] يبدو أن النخب العربية، السياسية والاقتصادية، تلقت توضيحات كافية حول الـموقف الصيني خلال الزيارات البارزة التي قادت، في سنة 2013، كـلاً من الـملك عبد الله الثاني، الـملك حمد بن عيسى آل خليفة، الرئيس عبد ربه منصور، والرئيس محمود عباس على سبيل الـمثال، فضـلاً عن وزراء الخارجية العرب الستة لكلٍّ من مصر، السعودية، سورية، السودان، اليمن والصومال، ناهيك بزيارات الـمسؤوليـن الصينييـن الـمتكررة للـمنطقة منذ 2011. هذا إضافة إلى عدم انقطاع دورات الهيئات واللجان الـمشتـركة، كمؤتمر رجال الأعمال العرب والصينييـن، وندوة الاستثمارات التابعة لـمنتدى التعاون العربي الصيني، فضـلاً عن اجتماعات الحوار الاستـراتيجي بيـن دول مجلس التعاون الخليجي والصيـن التي تبحث مشروع منطقة التبادل الحر بيـن الطرفيـن.