دراسات اقتصاديةدراسات مغاربية

الاقتصاد الكلي التونسي في المنظور القريب: بين الهشاشة المؤسَّسية والتجاذبات السياسية والضائقة المالية

علي الشابي جامعي تونسي متخصص في القضايا الاقتصادية والمستشار الاقتصادي السابق لرئيس الحكومة

بالرغم من إنشاء حكومة جديدة وإعلان رئيس الدولة عن “حوار” حول طبيعة النظام السياسي البديل للنظام الحالي، فانّ هناك اختلافا في التقديرات حول المخاطر السياسية التي تؤثّر على الاستثمار وعلى الإنتاج وعلى التمويل الداخلي والخارجي.

خلال الستين عامًا الماضية، لم تشهد تونس أبدًا هشاشةً لاقتصادها الكلي المتعددة المصادر، ولم يستمرّ عدو استدامة الدين العام لسبع سنوات متتالية (2015 -2021). وفي الواقع، من الناحية الإحصائية البحتة، بدأ التحقق من عدم استدامة الدّين العام منذ سنة 2015 وما زال يواجه صعوبات متزايدة حتى اليوم. وقد أدى ذلك إلى خفض التصنيف السيادي من قِبل وكالة موديز في أكتوبر الماضي من (B3)، أي “موقع المضاربة العالية ومستوى عالٍ من مخاطر الائتمان”، إلى موقع (Caa1)، أي “سندات مضاربة ذات نوعية رديئة للغاية، ومستوى عالٍ جدًا من مخاطر الائتمان”.، بإضافة مع نظرة مستقبلية سلبية وهو وضع لم تُدرج فيه تونس منذ بدأ تصنيفها السيادي في عام 2002(1). ومفادُ هذا التدهور في التصنيف السيادي الناجم عن استنتاج عدم استدامة الدين، أي عدم قدرة الدولة على سداد ديونها إذا بقيت الحالة على ما هي عليه، انّ تونس لن تستطيع الوصول الى التمويل من الأسواق العالمية الاّ بمصاعبِ اقناع المستثمرين بشراء سنداتها وبزيادة نسب الفائدة كتغطية إضافية لمخاطر عدم السّداد. هذا، وينجرّ أيضا عن ذلك “ارتفاعٌٌ” في نسبة مردود السّندات التونسية على قيمتها السوقية المتداولة في اليورو-سوق (Euro-Market Bonds)، بسبب تخلّص أصحابها بأسعار منخفضة، تجنّبًا لخاطرها، كما انّ هذه القيم السوقية قد تذبذبت كذلك مواءمةً مع الاحداث السياسية في البلاد خلال شهريْ يوليو وسبتمبر 2021.

وتُعزى في نهاية المطاف هذه الصعوبات المتزايدة التي تواجهها المالية العامة، والتي يمكن اختزالها في التقلّص بشكل متزايد في الحيز المالي (Fiscal space) والذي هو ناتج بالأساس عن انخفاض غير مسبوق في مسار نمو الناتج المحلي الإجمالي المحتمل، ليصل إلى 0.8٪ فقط في عام 2020. وفي واقع الأمر، هناك عدة عوامل يتم تقديمها كقيود ضد تنفيذ إصلاحات تضمن أداءً اقتصادياً تستفيد منه السلطات التونسية من حيث الإيرادات الضريبية والسياسات العامة، مثل:

(1) غياب “السياسات الصناعية” على معنى الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جون تيرول (Tirole)(2)،  والتي بقدر ما تستهدف “مرونة النظام الإنتاجي” حيال الصّدمات التي يتلقاها الاقتصاد وتعديل الأسواق، بقدر ما تشمل في تونس القطاعات ذات القيمة المضافة “المُحتملة” العالية وذات القدرة أكثر من غيرها على التوظيف كقطاع الخدمات مثلا، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الذي يمثّل في المتوسط 63.6 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي ويعمل به ما يقرب من 43 ٪ من القوى العاملة والذي يساهم بالنصيب الاوفر في مؤشّر “التعقيد العالمي” باعتبار نسبة “المعرفة في اجمالي السلع والخدمات المصدّرة(3). وتحسين التنافسية والسماح بتحسين التمركز في سلاسل القيمة الدولية، حيث لتونس إمكانات مقارنة بالعديد من دول المنطقة تبدو غير مستغلّة الاستغلال الأمثل من خلال سياسات ممنهجة(4).

(2) انخفاض جاذبية مناخ الأعمال للاستثمار(5)، حيث تُصنّف تونس من قِبل البنك الدولي في عام 2020، في المرتبة 78من أصل 190 دولة، فيما اثّرت جملةٌ من مكوّنات المؤشر العام لجاذبية الاستثمار سلبا على التصنيف، وهي (أ) حل الإفلاس و(ب) إنفاذ العقود و(ت) التجارة عبر الحدود و(ج) تسجيل الملكية و(د) الحصول على الائتمان ودفع الضرائب. وهي تعكس سلبيات مؤسسية ونقصا في قدرات التمويل وتجميعه.

(3) تنامي عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي (ثلاث حكومات بين عامي 2020 و2021) ومئات التعيينات / الفصل في أجهزة الدولة، ممّا يقلّص بالضرورة من أداء العاملين على الشأن العام ووضع خططهم التنموية فضلا عن رؤاهم الاستراتيجية. وفي سياق الفصل 80 المثير للجدل، تمّ تركيز كل السلطات في مؤسسة رئاسة الجمهورية التي تهتمّ بكل دقائق الشأن العام، ممّا يتمثّل كحدٍّ إضافي من القدرات المؤسسية.

(4) المخاطر السياسية المتزايدة. بالرغم من إنشاء حكومة جديدة وإعلان رئيس الدولة عن “حوار” حول طبيعة النظام السياسي البديل للنظام الحالي، فانّ هناك اختلافا في التقديرات حول المخاطر السياسية التي تؤثّر على الاستثمار وعلى الإنتاج وعلى التمويل الداخلي والخارجي. ذلك آنّ الاحداث الأخيرة تؤشّر على استمرار هذه المخاطر السياسية فيما تبقى من السنة المالية الحالية. فالأحزاب السياسية ليست في غالبيتها داعمةً “للحالة الدستورية الاستثنائية” التي تمرّ بها البلاد، فيما لم يتمّ الإعلان من قِبل رئاسة الجمهورية عن خريطة طريق سياسية للمستقبل القريب ممّا يحجب الرؤية عن الفاعلين الاقتصاديين المحلّيين والأجانب وكذلك الجهات المانحة، إضافة الى الضغوطات الأجنبية على السلطات المحلية وبوادر تنظّم المعارضة -غير الحزبية- لاستئناف التحرّكات المناهضة للسلطات الحالية. كل هذا يدور في سياق تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وضيق هامش المناورة للسياسات المالية والعامّة.

(5) الإدارة المثيرة للجدل لأزمة كورونا وتأثيرها السلبي على النمو والتوظيف في عام 2021. ففي أوج الازمة، حيث ظنّ التونسيون أنّهم “تغلّبوا” على الجائحة “بصفر” إصابة في يونيو 2020، تمّ التخلّي عن الاغلاق تدريجيا -لكن بدون احتياطات – في ظل سياقات سياسات مشحونة أفضت الى التخلّي عن الحكومة قبل استبعاد العديد من وزرائها في القطاعات الصحية والتقنية. فساءت إدارة الازمة وتأخّرت القرارات اللازمة وكانت تداعيات ذلك سلبية على النشاط الاقتصادي الذي خضع في الموجة الثانية الى الاغلاق، وعلى الصحّة العامّة.

(6) محدودية القدرات المؤسسية في مجابهة الازمة المالية الحالية: أصبحت محدودية القدرات المؤسسية أمرًا جليًّا منذ حكومة يوسف الشاهد حيْث استُثمرت تقريبا في مجملها حول ضرورة التخفيض من نصيب الكتلة الاجرية في القطاع العام الى الناتج المحلّي الإجمالي، التي استجلبت كل الاهتمام على حساب الابعاد التنموية والاجتماعية الأخرى. وبالرغم من ذلك، فقد سُخّرت جلّ الإمكانات البشرية والإدارية لهذا الغرض المرتبط بتحفيز التقاعد المبكّر والحد من التوظيف بُغية تخفيف العبء على الميزانية التشغيلية في الانفاق العام وتخفيف العبء على الصناديق الاجتماعية. ولكن لم تكن النتائج في مستوى الأهداف المرجوّة، اذ كان على القائمين على الشأن العام تجويع القدرات المؤسسية الى دفع النمو بسياسات ترفع من الإنتاجية وتدفع النمو عموما حتى يتقلّص نصيب الكتلة الاجرية في الناتج المحلي الإجمالي وترتفع موارد الدولة الضريبية ويتقلّص العجز بصفة مستدامة.

وفي هذا السياق الاقتصادي غير المواتي وبدون آفاق واضحة للفاعلين الاقتصاديين، يتلقّى التونسيون ردود أفعال صارمة من المؤسسات المالية الدولية، ولا سيما صندوق النقد الدولي(6)، والتي تتطلب اعداد أجندة إصلاح هيكلية وخطة عمل دقيقة بضمانات لإنجازها مقابل الحصول على تمويل خارجي، بالإضافة إلى ردود أفعال من جهات في السلطة الأمريكية وفي البرلمان الاوروبي تضمّنت طلب العودة إلى “الديمقراطية الدستورية” كشرط للدعم المالي والتعاون. وحيال ذلك عين رئيس الجمهورية حكومةً جديدة كلّفها بإدارة الأزمة المالية. هذه الحكومة، التي لا تزال خاضعة لنفس الموقف الرسمي المولي زمنيّا ووفقًا للخطاب الرسمي الافضلية “لإرساء نظام سياسي جديد” و”محاربة الفساد”، على الإصلاحات الاقتصادية المستعجلة، لم تعلن أي شيء منها منذ تنصيبها في 11 أكتوبر 2021 الى 6 نوفمبر 2021، تاريخ كتابة هذا المقال، آو بشأن خطة العمل والبرنامج الاقتصادي الذي ستتبعه، سوى بعض الاخبار الشحيحة كما نبيّن ذلك أدناه.

وفي هذا الصدد، نخصّص القسم الأول من هذا المقال للمستجدات الحالية في الاقتصاد الكلي التونسي والقسم الثاني للسيناريوهات المحتملة. ثمّ ننتهي الى توصيات من حيث السياسات الاقتصادية والمؤسسية.

أوّلاً: أهم المستجدّات في الاقتصاد الكلي التونسي

على إثر جائحة فيروس كورونا في الربع الثاني من عام 2020 وإجراءات الاحتواء المختلفة التي تم وضعها، انكمش نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بنسبة (-19.8) ٪ على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2020، و(-2.0) ٪ على أساس ربع سنوي في الربع الثاني من عام 2021. ولا يمكن اعتبار النمو السنوي المرتفع (16.2٪) المسجل في الربع الثاني من عام 2021 مؤشرَ تعافٍ اقتصادي بقدر ما هو ناتج من التأثيرات الأساسية الإحصائية (base effects) وذلك وفقًا للبيانات التي أُعيد تحديدُ سنة الأساس لاحتسابها من 2010 الى 2015 حسب الإصدار الأخير للمعهد الوطني للإحصاء(7). وكان الانكماش في الربع الثاني مدفوعًا بالانخفاضات الحادة في قطاع المطاعم (-35.2) ٪ على أساس ربع سنوي، حيث كانت القيود المفروضة على الحركة والتجمعات هي الترتيب اليومي في معظم الربع الثاني. كما غذت هذه القيود التراجع الفصلي الحاد في النقل (-20.9٪). من ناحية أخرى، ارتفع إنتاج التعدين (33.6٪ على أساس ربع سنوي) بشكل ملحوظ بعد الانكماش في الربعين السابقين. ومن القطاعات الأخرى التي أظهرت نموًا واعدًا تكرير النفط، الذي نما بنسبة 29.4٪ على أساس ربع سنوي. كما أدى الانكماش الفصلي الإجمالي في الربع الثاني إلى محو المكاسب التي تحققت في الانتعاش الاقتصادي في الربعين الماضيين – وهو مؤشر واضح على مدى خطورة آثار متغير دلتا لـجائحة كورونا في تونس.

وفي ذات الفترة، ارتفعت نسبة البطالة بشكل طفيف إلى 17.9٪ في الربع الثاني من عام 2021، من 17.8٪ في الربع السابق. وهي يقترب من نسبة البطالة البالغة 18.0٪ المسجلة في الربع الثاني من عام 2020. ويوظف قطاع الخدمات 55٪ من القوى العاملة في تونس، كما أن الاضطرابات الهائلة التي تسببت بها جائحة كورونا للقطاع تساهم بشكل كبير في ارتفاع معدل البطالة. وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن عدد السكان العاملين في تونس انخفض بمقدار 18300 على أساس ربع سنوي في الربع الثاني وأن معدل المشاركة خلال الربع الثاني بلغ 47.0٪، وهو أقل بمقدار 0.5 نقطة مئوية عن الربع السابق.

ومن جهة أخرى يشهد الاقتصاد العالمي ضغوطا تضخّمية كانت منتظرة منذ الربع الاوّل من عام 2021، مدفوعًة بارتفاع أسعار الطاقة، واختناقات سلسلة التوريد المتسبّبة في عدم استقرارها، ورفع إجراءات الاغلاق الذي أرجع الطلب الاستهلاكي للعائلات الى منحىً تصاعديٍّ بعد “الادخار الاسري لعام 2020، مما أثّر على الطلب المحلّي في كبريات الاقتصاد مثل الولايات المتحدة. ومن ملامح هذه الضغوط انّها تنتشر عالميا خاصّة في البلدان المستوردة الصافية للطاقة وللمواد الغذائية وذات نظام الصرف المرن، من خلال انزلاق سعر صرف العملة المحلّية مقارنة بالعملة الأجنبية المتداولة في التجارة الخارجية، مثل تونس. فعلاوة على انزلاق نسبي للدينار التونسي مقارنة بالدولار وباليورو والمصاعب المنتظرة لتحقيق الاستقرار فيه (لو تواصل توسّع العجز التجاري)، وانخفاض المخزون من العملة الصعبة بمناسبة تسديد جزء من الدين الخارجي، فانّه وفقًا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء، قفز تضخم مؤشر أسعار المستهلكين إلى 6.5٪ على أساس سنوي في يوليو 2021، من 5.7٪ على أساس سنوي، مدفوعة بالارتفاع الطفيف في أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية والزيادة في أسعار منتجات التبغ.

وفي سياق انحراف التوازنات الاقتصادية الكلية، كان مستوى النشاط التجاري أعلى في النصف الأول من 2021 مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي. لكن في نهاية شهر سبتمبر 2021، كان مؤشر معدلات التبادل التجاري (Terms of Trade index, ToT) 94.2، أي بمتوسّط انخفاض 0.8٪ شهريًا منذ بداية السنة. وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار الصادرات بنسبة 10.6٪ أقل من ارتفاع أسعار الواردات التي كانت بنسبة 19.3٪. ونتيجة لذلك، انخفضت معدلات التبادل التجاري (ToT) بنسبة 7.3٪. ولكن، رغم تحسّن الميزان التجاري للسلع في النصف الأول من هذا العام، فإن ميزان الخدمات وخاصة السياحة قد يتحسّ بنهاية العام لكن التاريخ الاحصائي لهذا الميزان يبيّن أنّه يصل الى أوجه في الربع الثالث من العام أي في الموسم السياحي الصيفي الذي تمّ تجاوزه ولم يكن ذا مردود عال باعتبار عدم الاعداد للموسم وللمصاعب المؤسسية التي واجهتها حكومة المشيشي حيث اشتغلت بثلثي أعضائها. ولا نعتقد أنّ العجز سيتقلّص بنهاية العام المالي 2021 الاّ إذا نجحت الإدارة الحالية في التسويق الأقصى خاصّة في السوق الأوربية لمحصول الزيتون (الذي من المنتظر أن ينخفض بنسبة 66 ٪ مقارنة بالعام الماضي)(8)، والتمور، ممّا يثير الانتظار باعتبار عدم سلاسة العلاقات الديبلوماسية الحالية مع الاتحاد الأوروبي.

وفيما يتعلّق بعجز المالية العامة المرتبط محاسبيا بالعجز الخارجي(9)، فانه قد بلغ في عام 2020 نسبة 13.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي وهي الأعلى منذ عقود، الاّ ان هناك شحًّا في البيانات الرسمية المنشورة والمتعلّقة برصيد المالية العامّة حاليا، عدى إعلان وزارة المالية بان الموازنة العامة للدولة لعام 2021 تحتاج لتعبئة موارد مالية بقيمة 18.5 مليار دينار (6.515 مليار دولار) مقسمة إلى 5.6 مليار دينار قروض داخلية و13 مليار دينار (4.6مليار دولار) قروض خارجية، كما أعلنت الوزارة أنّ العجز المرتقب في نهاية العام الجاري سيكون حوالي 7.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي(10). ونعتقد أنّ واقعية هذا الرقم تخضعُ الى شرط تعبئة الموارد أعلاه وأنّ نسبة النمو المرسومة في التقديرات القطاعية للقيم المضافة – والتي لم يتمّ تحديثُها أو الإعلانُ عنها على الأقل- ستتحقق. وفي هذا السياق يُقدّر صندوق النقد الدولي آنّ نسبة النمو بنهاية عام 2021 ستمون حوالي 3٪، أي أقلّ من 4.5 المرسومة في ميزانية الدولة بداية العام. ولذلك فانّ نسبة العجز العام بنهاية علم 2021 سيكون أعلى من 7.3٪.

هذا، وقد زادت الحكومة الإنفاق المالي للتخفيف من الضائقة الاقتصادية الناجمة عن الوباء. ومع ذلك، ستكون هناك حاجة إلى مزيد من الإنفاق لمعالجة تصاعد العبء الاقتصادي الذي يتحمله التونسيون في الأسابيع الأخيرة. واعتبارا لحاجة الحكومة للتمويل من المواطنين عبر القسط الثاني من “قرض السندات العام” بمبلغ 400 مليون دينار (أي حوالي: 1300 مليون دولار)، نتوقع أن يظل العجز المالي واسعا عند 9.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2021(11).

وفي ظل تدهور الترقيم السيادي الذي كان حاجزا أمام الوصول الى السوق الأوربية، بادرت الجهات الرسمية ارتداد الديون الخارجية بتعبئة موارد من خلال طرح سندات عامّة في السوق المالية المحلية. فقد تمّ تسديد قرض خارجي قدره 503.5 مليون دولار (1،397.2 مليون دينار تونسي)(12)،  ولذلك، جمعت الخزينةُ العامة مبلغ 406 مليون دينار باقتراض داخلي من خلال اصدار “أذون الخزانة قصيرة الأجل” (Short-term treasury bills) بالعُملة الاجنبية لدى البنوك المحلّية (بعَملية مقايضةِ العُملة، SWAP)(13)، مدّتُه ثلاثة أشهر بسعر فائدة 6.52٪. ويعتبر هذا السدادُ الثانيَ في غضون أسبوعين. فالأول كان في 23 يوليو 2021، قيمته 506 مليون دولار (500 مليون أصل و6 ملايين كفوائد) أي ما يعادل 1،412.6 مليون دينار(14). وتمكنت تونس من السداد (بالدولار) كذلك من خلال رفع من السوق المحلية ما قيمته 1400 مليون دينار في إطار مزاد تمّ في يوليو 2020، حيث اصدرت الخزينة أذون الخزانة قصيرة الأجل لأجل 90 يوما بقيمة 1.4 مليار دينار وبنسبة فائدة 6.52٪. ويمكن الاطلاع على بنية الدين المستعملة لسد العجز و/أو لخلاص الديون السابقة التي وصلت الى تاريخ سدادها في عام 2021 في الجدول التالي:

تعبئة الموارد للخزينة العامة، 2021

طبيعة الدين في فترة يوليو-نوفمبر العملة  المبلغ (ملايين) العملة الاجنبية

أهم الديون السابقة

حصة الاكتتاب القطري $ 250
أهم الديون الجديدة لسداد بعض الديون السابقة أسواق مالية بضمان أمريكي $ 500
أسواق مالية بضمان أمريكي $ 500
قرض مشترك (بنوك تونسية) $ 52
قرض مشترك (بنوك تونسية)

euro

203.00
(يناير 2021) BTA* TND 7005
(يونيو 2021) BTA* TND 425
(نوفمبر 2021) BTA* TND 376.7
اشتراك TND 166.6
BTCT* TND 2435.4

المصدر: وزارة المالية التونسية. (*) أذون الخزانة (قصيرة الأجل)

ومن هنا، يبدو جليّا أنّ البلد أصبح يسدد الديون العامّة المتخذة بذمّته انطلاقا من تداين جديد، وهو يدلّ على وضعيّة “فخ الديون” (debt trap) المؤدية الى مخاطر “وضعيّة بونزي” (Ponzi) المعروفة في الاقتصاد الكلّي(15). فالتعاطي السليم مع الدّين العام انّما يخضع الى تحكيم بين الاجل القصير والاجل المتوسط والطويل، كما يتطلّب ربطه بالأداء الاقتصادي المستدام وبإدارة جملة المخاطر المالية والتشغيلية المرتبطة به. ولذلك بات من الضروري أن نشيرَ الى أنّ هناك قضيتيْن وجب معالجتهما، وهما:

(1) استحداث قانون مالية تكميلي للعام الحالي في أقرب الآجال، يتضمّن تعبئة الموارد أعلاه لتفادي إدارة المالية العامّة لتفادي إدارتها بمراسيم رُبعية من رئاسة الجمهورية – كما تنص عليه القوانين المحلّية- حيث يتسبّب ذلك في تدهور إضافي في الترقيم السيادي. أو ختم الميزانية كُلّيا وإلغاء قرارات الانفاق التي لم يتمّ صرفُها باعتبار التقلّب المؤسسي وفترة اعفاء الحكومة؛ و،

(2) بناء ميزانية الدولة للعام المقبل، 2022 تتضمّن سياسات اقتصادية تستهدف استدامة الدين العام، وفي نفس الوقت تدفع الاقتصاد نحو نسب نمو أعلى، وذلك بهدف الرجوع الى التفاوض الفعلي مع المؤسسات المالية الدولية وخاصّة صندوق النقد الدولي. وإذ نعتبر أنّ الاهتمام البالغ من السلطات الرسمية بالاقتصار على البحث لتغطية العجز هذا العام بتحويلات داخلية (دين من السوق المالية المحلّية) أو خارجية (ثنائية ومتعددة الأطراف) كأولوية قصو ى، فانّ هذا المنحى لا يمكن اعتباره حلاًّ مستديما، لأنّه بدون: (1) استقرار مناخ الاستثمار و(2) استقرار مؤسسي، و(3) وتنسيق ممأسس (Institutionalized) بين السياسة النقدية والسياسة المالية، و(4) ديبلوماسية اقتصادية نشطة تدفع نحو تنوّيع الشراكات الاقتصادية الخارجية، و(5) الارتقاء بمسار النموّ من خلال إصلاحات هيكلية، مما يتطلّب أفقا زمنيا لا يقل عن الثلاث سنوات، لا يمكن للاقتصاد الكلي التونسي عموما وللموازنات المالية العامة خصوصا أن تسترجع عافيتها. ولذلك نلاحظ انّ هناك تحدّيا يكمن في ضرورة التحكيم بين الاجل القصير من جهة، وهو تعبئة الموارد لسدّ العجز المالي في الميزانية العامّة، وضرورة الإصلاحات الهيكلية التي تتطلّب سنوات من جهة أخرى. ولكن في الاثناء هل ستوصّل الإدارة الحالية الى بناء القدرات المؤسسية اللازمة وإرساء الاستقرار الاجتماعي وضمان السلم الاجتماعية؟

ثانيا: الاقتصاد الكلي التونسي في المنظور القريب: بعض السيناريوهات الممكنة

كما أشرنا أعلاه بأنّ شح المعلومات خاصّة تلك المتعلّقة بالبرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة المعيّنة، ولغاية تحليل وتحديد الإمكانات المتاحة للسلطات التونسية الحالية في ادارتها للازمة المالية الخانقة، لا يسعنا إلا النظرُ في بناء سيناريوهات واقعية لمستقبل إدارة المالية العامة وهامش المناورات المحتملة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي للبلاد وآفاقه المستقبلية. واعتبارًا لما نلاحظه من الوثيقة المسرَّبة عن وزارة المالية بعنوان “مشروع قانون المالية لسنة 2022″(16)، التي تتضمّن جملةً من الإجراءات تسعى -كما جاء فيها- الى (1) مساندة المؤسسات ودعم التشغيل ودفع الاستثمار، (2) الاصلاح الجبائي ورقمنة الادارة، (3) مقاومة التهرب الضريبي، (4) اجراءات ذات طابع صحي واجتماعي، فإننا نقف على الملاحظات التالية:

– تتضمّن الوثيقة اجراءات اغلبها بدون تداعيات مالية، وهي أقرب الى “التعبير عن نوايا” منه الى “اجراءات تشغيلية”.

– ليس في الوثيقة ايّ حجم الميزانية حتى نعرف ما إذا ستكون السياسات المالية توسّعية أو تقشفية.

– هناك تحفيزات لبعض القطاعات بعينها دون اخرى بدون تأطيرها ضمن رؤية شاملة(17).

– تغلب على هذه الاجراءات الطابع الاجتماعي ولا تعكس بدقّة هدفي اصلاح المنظومة الجبائية ولا رقمنة الادارة.

– ليس هناك في الوثيقة ما يدلّ على ما إذا كان قانون المالية لعام ٢٠٢٢ مرتبطا بقانون مالية تكميلي لعام ٢٠٢١ محل جدل منذ مارس قبل الماضي ام لا.

ولهذه الاسباب ستقتصر على معالجة التحديات التمويلية من وجهة نظر اقتصادية وفق المسالك الممكنة التالية:

(1)     سيناريو التمويل الثنائي

ويقتضي هذا السيناريو باتجاه السلطات الى الدول الصديقة للاستفادة من تحويلات في شكل ديون خارجية لسدّ الثغرة في الميزانية التي هي على الأقل 4.6مليار دولار (إذا اعتبرنا حاجة التمويل الخارجي فقط)(18). ولكن، يبدو آن بوادر تحقيق هذا السيناريو بدأت تتضاءل لانّ الدول المرشحة لذلك مازالت تحتاج هي الاخرى الى تمويل اقتصاداتها في هذه الفترة حيث التقلبات الاقتصادية في العالم تُنبئ بانّ التعافي المنتظر في الاقتصاد العالمي سيكون مشتّتَا عبر البلدان، وذلك (أ) لسياسات التضييق النقدي المنتظرة من الخزانة الفدرالية الأمريكية ومن بعض البنوك المركزية الأخرى لكبح الضغوط التضخمية. (ب) مواصلة التجاذبات التجارية بين الصين وأمريكا، مع بوادر انهيار قطاع العقارات في الصين والجفاف في بعض أكبر دول منتجة للقمح، (ج) عدم استقرار سلاسل القيمة والتزويد في العالم مع عدم اليقين لدى المستثمرين والعملاء في العالم، و(د) تشديد شروط الوصول الى التمويل الخارجي سيعرقل الانتعاش في البلدان والأسواق الناشئة. ومن ناحية أخرى، بيّنت الاشغال الحديثة ان التمويل الثنائي للبلدان النامية قد لا يفرض اصلاحات اقتصادية ولا حتى السداد بالعملة الاجنبية لكنه يفقد ضمانات لتعزيز التنمية(19). واضافةً الى ذلك فانه قد يُؤخذ في بعض الأحيان من قِبل البلد المقرض كأداة جيواستراتيجية قد تهدد السيادة الوطنية بإقحام البلد المقترض في استراتيجيات المحاور إذا لم تكن له قدرات تفاوضية عالية، فضلا عن كونه تضخيمًا للدين العام. ولئن تونس مديونة حاليا من ١٩ بلدا في إطار شراكات ثنائيّة، فإنها عليها ان تكون لها قدرات تفاوضية عالية لإبرام ديون ثنائية جديدة، ما لا يبدو لنا متاحًا في الوقت الحالي.

(2)     سيناريو التداين من السوق المالية العالمية

لا يبدو التداين من السوق المالية ممكنًا باعتبار تدهور الترقيم السيادي – كما بيّنا أعلاه- الذي يرفع من نسب الفائدة في صورة استطاعت ان ترفع المبلغ المطلوب وهو أمر مستبعد مقارنة بتجربة وزارة المالية في يوليو الماضي عند عدم التوصّل لتعبئة كل الموارد المطلوبة من السوق المالية المحلّية. وهذا لا نراه ممكنًا حاليا في الأسواق المالية العالمية الاّ بضمان احدى الدول الصديقة مثل امريكا في عامي 2014 و2016.

(3)     سيناريو التداين المتعدد الاطراف من المنظمات المالية العالمية

كانت تونس منذ سنوات تستفيد من دعمٍ للميزانية خاصةً من صندوق النقد الدولي، ومن البنك الافريقي للتنمية، ومن الاتحاد الاوروبي، وذلك بشرط ان تبني ميزانيةً “قابلة للتطبيق بحيث يكون العجز فيها مستدامًا. ولكن الدعم للميزانية لا يكفي تغطية العجز الحالي فضلا عن تمويل ميزانية العام المقبل. ولذلك يمكن ان تلتجئ السلطات الحالية الى التوجّه الى صندوق النقد الدولي للاقتراض متوسط الاجل لإنقاذ الاقتصاد من الارتهان الى نادي باريس لو تقلّص مخزون العملة الاجنبية في غضون اقل من عام واعلنت الدولة عدم قدرتها على تسديد الدين الخارجي. وهو من وجهة النظر هذه سيناريو لبناني. وهو الاخطر اما اه من تداعيات تهدد ارتهان الدولة. الاّ انّ صندوق النقد الدولي، يمكن ان يباشر المفاوضات مع السلطات التونسية بنوعيْن من الشروط بما تقتضيه لوائحُه الداخلية ولكن كذلك ما عبّر عنه سابقًا. وهي،

1- التعهّد بإصلاحات متمحورة مُخرجاتها حسب وجهة نظر الصندوق أساسًا حول (أ) التقليص من الميزانية التشغيلية، اي رفع دعم المحروقات والتقليص من كتلة الاجور في القطاع الحكومي لفائدة ميزانية التنمية/الاستثمار، وذلك لتخفيف العبء على الصناديق الاجتماعية وضمانًا لاستدامة المالية العامّة من خلال ضبطها، (ب) اعتماد نظام صرف مرن يمكَن من الاقتراب من اسعار صرف التوازن الكُلّي ويمكّن من الحفاظ على المخزون من العملة الاجنبية، (ج) اصلاحات المؤسسات الانتاجية العامة التي راكمت العجز وتحديد مصير العديد منها. ويتطلّب هذا الشرط الاعداد “العلمي” لبرنامج الحكومة في التحكّم في المالية العامة بما يقتضيه من بناء اطار متوسط الاجل للإنفاق الحكومي (Medium Term expenditure framework) واجراء اختبارات الاجهاد اللازمة التي تبيّن المنحى المستقر لنسبة الدين ونسبة الاجور في الناتج المحلي الاجمالي، يجري التفاوض حولها ضمن فريق من الخبراء من كلا الجهتين قبل الحديث حولها في مستوى المسؤولين من الدرجة الاولى، وفي هذا المعنى من المفاوضات الفنية، نعتبر انّها لم تنطلق فعليا بين تونس وصندوق النقد الدولي ذلك أنّ البيان الصادر عن البنك المركزي التونسي في يوم 4  نوفمبر 2021 لم يبّيّن اجندة المفاوضات.

2- وثوقية النظير بما يتضمّنه من شرعية واستقرار مؤسسي وذلك لضمان انجاز الاصلاحات اعلاه واسترداد الدين. ويبدو انّ هذا الشرط لم تتوضّح ملامحُه بعد في ظلّ طبيعة الحوكمة العامَة الحالية في تونس التي تنقصها الشفافية بعدم الاعلان عن خريطة الطريق، وما تتصف به من استثناء جُمّد فيه البرلمان وعُلّق فيه ثُلثا الدستور وما توحي به الاوضاعُ الاجتماعية من احتجاجات والاوضاع السياسية من تحركات تطالب بالرجوع عن مركزية السلطة. وفي هذا السياق، قد تكون المفاوضات مع صندوق النقد الدولي عسيرةً لا فقط على المستوى الفني المتعلّقة بالإجراء المالية التي ان تسمح للدولة بالزيادة في التوظيف الذي يلعب دورا هاما في الاستقرار الاجتماعي حتى ولو مكنت جدواه الاقتصادية منخفضة جدا، لا وكذلك على مكانة المستوى المؤسسي الذي هو محور تجاذبات داخلية قد تؤدي بالبلاد الى المزيد من الركود الاقتصادي وتصاعد الاحتجاجات وفقدان الثقة في المؤسسة الرسمية.

رابعا: الخاتمة: السيناريو الافضل، لكن الاقل حظوظا في المنظور القريب

يمكن لرئيس الجمهورية إعداد مشروعه المحوّل لنظام الحكم السياسي الحالي الى ما سُمّي “بمشروع البناء القاعدي” من خلال استفتاء، ولكن قد يقتنع بالاّ يكون على حساب الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية العاجلة بحكم عدم توفّر الموارد المالية وقصور القدرات المؤسسية الحالية -التي بدورها تحتاج الى بناء وتعزيز-. فهذا المشروع، إذا طغى على اهتمام إدارة الشأن العام فإننا لا نعتقد انه (أ) سيحظى بنصيب كاف من الاجماع ضمن المنظمات الاهلية خاصة منظمة الاعراف، والاحزاب السياسية التي يهددها بالإزالة من المشهد السياسي لأنه قائم على الافراد، ومن طيف واسع من المثقفين من مشارب فكرية متنوعة، ( ب) سيحظى بدعم من مواقع الضغط الخارجية (الأوروبية والأمريكية) خاصةً وانّه يتوجّه في آخر المطاف نحو تسليم السلطة المباشرة الى الافراد وازاحة الادارة من القرار والتي -هذه الاخيرة- تُعتبر جهازَ ضغط في الشأن العام. وحتى إذا مضى الرئيس الحالي قدما نحو هذا المشروع بما يتضمن ذلك من اثارة للجدل ومشاحنات ومقاومة، فان ذلك سوف يلقي بضلاله على مناخ الاستثمار وعلى ردة فعل الاسواق المالية الخارجية وتردد المؤسسات المالية العالمية في التنسيق مع السلطات التونسية في تمويل الحاجيات الملحة في أقرب الآجال. وما نستشفّه مؤخرًا من بوادر التخفيف من الاجراءات الصارمة حيال وسائل الاعلام(21)، ومن تكليف الحكومة والبنك المركزي باستئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بعد الموقف المعلن بانتقاد الاطراف الخارجية (منها المتابعة للترقيم السيادي ومنها الممولة) في تعاملها مع تونس بعد الطلب من رئيسة الحكومة بالاقتصار على التمويل الداخلي على التمويل الخارجي، ومن سحب للقوات الامنية من “عڤارب” امام احتجاج المواطنين،… بعد عدم الحصول على تمويل ثنائي من الدول الصديقة، فان كل هذه المؤشرات تنبئ بتوالي الاجراءات من وهذا النوع في المستقبل والرجوع الى الشرعية الدستورية ودور المؤسسات في مجابهة الازمة

وفي سياق هذا السيناريو، يمكن لتونس ان تستفيد من التجربة اليونانية على صعيديْن. الأول هو مواصلة محاربة الفساد ولكن بطريقة ممنهجة أكثر اداءً مع وضع خطة جدية للإصلاح الاداري حتى تلعب المؤسسة عموما دورها كمعين للنمو الاقتصادي. والصعيد الثاني هو تكوين حكومة تحظى بالثقة المحلية والعالمية، قادرة على التفاوض في نفس الوقت مع صندوق النقد الدولي، والبنك الافريقي للتنمية، والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي. ولكن وجب قبل ذلك اعداد خطة عمل متوسطة الاجل تتضمّن،

1- الارتقاء بالقدرات التفاوضية بتعبئة الكفاءات المحلية لبناء “إطار متوسط الاجل للإنفاق العام” قائم على المناهج العلمية المعتمدة في الاقتصاد الكلي الحديث، يخضع لشروط الضبط المالي” ويضمن منحى تنازليا لنسبة الدين والعجز العام من الناتج المحلي الاجمالي.  ثمّ يتم على ضوء ذلك بناء ميزانية عامّة تتضمّن سياسات اقتصادية دقيقة غير توسّعيّة ولكن ليست تقشّفية بالمعنى الوارد في الادبيات. لانّ سياسة التقشّف – كما تمّ الاعلان عنها من رئاسة الجمهورية- تعني التقليص الحاد من الانفاق العمومي بإيقاف التوظيف وتجميد الأجور أو التخفيض منها، الرفع من نسبة الفائدة لتشجيع الادخار والتقليص من طلب القروض الاستهلاكية، الرفع من نسب الضرائب، الحماية التجارية برسوم أو بالتقنين الكمي (quantitative rationing)(21). ولئن يمكن ان تؤتي هذه السياسة أكلها في هذه الازمة المالية، فانّ فرص نجاحها متاحها في حالتيْن قُصوييْن، امّا في نظام اوتوقراطي شديد، أو في بلد ذي ديموقراطية مستقرّة ومؤسسات ناجعة وشعب ملتفّ حول قيادته. وهذان الحالتان لا نظنّ انّهما متوفرتين في تونس حاليا، فلا هي ديموقراطية مكتملة في ظل التفاف الشعب حول القيادة، ولا هي اوتوقراطية شديدة. ولذلك، وجب على السياسات المضمنة في الميزانية المنتظرة آن تكون حول “ترشيد الانفاق دون المسّ من التحفيز المالي (Fiscal stimulus).

2- الاسراع بوضع خطّة تعزيز المالية الشاملة (Inclusive Financing) بتحويل “البريد التونسي” الذي له اعلى نسبة فروع منتشرة في البلاد، الى بنك تجاري يمنح القروض الصغرى لصغار المستثمرين ولأصحاب الدخل المنخفض ويساهم في تعزيز النظام البنكي.

3- الاسراع باسترجاع الاموال العامة المتخذة بذمّة المنتفعين منها سواء من ضرائب او ديون غير مستخلصة وذلك بتخصيص هيئة عليا لذلك. فذلك يرتقي بالأداء في تعبئة الموارد.

4- تخصيص هيئة تهتم بالمتابعة والتقييم كسائر العديد من الدول تعنى بإيجاد مخارج وحلول فنية حيال تدهور الترقيم السيادي والترتيب العالمي لإعداد استراتيجية للتداين، ولتحسين مناخ الاستثمار في أبعاده المتعددة ومراقبته.

5- اعداد سيناريوهات حول خصخصة بعض المؤسسات الانتاجية العامة في قطاعات غير استراتيجية والتي باتت عبئًا على المال العام، بشرط الحفاظ على الموظفين فيها.

6- تطبيق كل مكوّنات آلية التعديل الآلي لأسعار المحروقات المعتمدة منذ عام 2016، بحيث يتم اعادة التوزيع المباشر للفائض المالي الحاصل منها بالنسبة الى العجز الاصلي المرسوم في الميزانية، على مستحقيه للتقليص من الفوارق في الفقر النسبي بين المواطنين.

ولكن هذا يحتاج الى تمويل. ولذلك سيكون من المهم التنسيق اولا مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض متوسط الاجل بقيمة 4 مليار دولار، ودعم للميزانية من المؤسسات المالية الأخرى على أن يُضمن وضع الإصلاحات أعلاه.

ولكن، هل يكم الحل في التداين؟ نعتقد أن يبدأ العمل على أهداف متوسطة وبعيدة الاجل تتضمّن الارتقاء بالنمو المحتمل وذلك بزيادة التنويع الاقتصادي، بالارتقاء بمحددات الإنتاجية، بالاستثمار في رأس المال البشري وبالارتقاء بقطاع التعليم والتدريب المهني، وبإبرام شراكات تجارية متنوعة ، وبالاستفادة من إمكانات المناطق الداخلية بإرساء خطّة تنموية مكانية تستهدف التوازن بين المناطق وتحارب التفاوت الاجتماعي والجهوي.

مراجع

(1)- مع الإشارة الى انّ وكالة موديز قد صنّفت تونس حول “مخاطر العُملات الأجنبية على المدى الطويل” منذ عام 1995.

(2)- انظر:

  Tirole, J. (20200: “Competition and the Industrial Challenge for the Digital Age”. April 3, 2020 (accessed November 10, 2021): https://bit.ly/3qES37k

(3)- المعهد الوطني للإحصاء: ترتيب تونس من حيث “مؤشر التعقيد” لعام 2018، على الخمسة أعوام هو 46 من أصل 133 دولة. (تم التصفح في 1 نوفمبر 2021): http://www.ins.tn/ar

(4)- انظر تقرير “إدراج تونس في سلاسل القيمة العالمية ودور الشركات الخارجية”. أوراق عمل قسم الشؤون الاقتصادية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية رقم 1478.

(5): Ease of Doing Business ranking, World Bank’s Doing Business Report (2020), (accessed November 10, 2021):  

 https://www.doingbusiness.org/en/rankings

(6)- من المهمّ التذكير أنّ وفدا تونسيا بتكليف من رئيس الحكومة آنذاك- هشام المشيشي- زار واشنطن العاصمة في أوائل مايو 2020 للدخول في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4 مليارات دولار. وقد قدم صندوق النقد الدولي قائمة بالإصلاحات التي يريد أن ترى الحكومة تنفذها قبل أن تمنح قرضًا. وتشمل الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي (١) وقف التحويلات إلى الشركات المملوكة للدولة و(٢) تحسين التقارير المالية و(٣) الشفافية. كما طلب صندوق النقد الدولي جدولا زمنيا لتنفيذ هذه الإصلاحات.

(7)- مع الإشارة الى أنّه احصائيا، عند تغيير سَنَه الأساس الى الاحدث، ترتفع نسب النمو الى الأعلى كلّما كان الاجل قصيرا.

(8)- وفق المجلس الدولي للزيتون، 2021. (International Olive Council, 2021).

(9)- باعتبار ترابط كل رصيد بالآخر. فاذا كان رصيد المالية العامة سلبيا، فانّ ذلك يعني عجز الادخار الإجمالي بالنسبة الى حاجيات الاستثمار الاجمالي، ممّا يعني انّ هناك عجزا للصادرات في تغطية الاستيرادات، بما يستدعي التداين. ويُعتبر هذا التحليل في الادبيات “بنموذج العجز التوأم” (Twin Deficit Model).

(10)- Version finale du Rapport de la dette publique, Republique Tunisienne Ministère des finances, 15 mai 2020, (vu le 2 novembre 2021): https://bit.ly/3cf9fru

(11)- انطلاقا من تقدير “نموذج اقتصاد كلّي” من فصيلة نماذج ما بعد “كينز”  (Post-Keynesian Model).

(12)- تم الحصول على هذا القرض بالإصدار في السوق المالية الدولية في عام 2016 وهو قرض قيمته 500 مليون دولار بضمان من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في عام 2016 بقسيمة منخفضة بشكل استثنائي مع معدل فائدة سنوي يبلغ 1.416٪ يُدفع نصف سنوي، لمدة خمس سنوات.

(13)- (SWA) أو مقايضة بالعملات: تتمّ عبر عمليتين في وقت واحد: الشراء الآني للعملة الأجنبية بالدينار التونسي من قِبل البنك المركزي والبيع الآجل للحكومة..

(14)- تمت تعبئة القرض المذكور في السوق المالية الدولية في 24 يوليو 2014 بسعر فائدة 2.452٪ لمدة 7 سنوات على أن يتم سداده بغرامة.

(15)- Olivier Jean Blanchard & Stanley Fischer, 1989. “Lectures on Macroeconomics,” MIT Press Books, The MIT Press, edition.

(16)- مشروع قانون المالية لسنة 2020، وزارة المالية التونسية، نشر في 19 أكتوبر 2021 (تم التصفح في 4 نوفمبر 2021):

https://bit.ly/3DflG2F

(17)-   مثل “مادّة الغرانيت الخام” أو الأسلاك من الفولاذ المستعملة في صنع الكوابل من الصلب المعدّة للفلاحة والصيد البحري.

(18)- حيث أعلن البنك المركزي في منتصف أكتوبر الماضي أن تونس تجري “مناقشات متقدمة للغاية” مع السعودية والإمارات للمساعدة في تمويل ميزانيتها دون تحديد طبيعتها وشروطها وقيمتها.

(19)- Sundquist, J., 2021. “Bailouts From Beijing. How China Functions as an Alternative to the IMF”.  Global China initiative. Global Development Policy Center, GCI WORKING PAPER 015 • 02/2021 (accessed November 10, 2021):  

https://bit.ly/3Df6aE3

(20)- السماح مؤخرا لقناتيْ الزيتونة وحنبعل من استئناف انشطتهما بعد قرار اغلاقهما.

5/5 - (1 صوت واحد)

(Read more)  التجربة التنموية الماليزية

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى