اعداد : د. خالد هيدان – دكتوراة  في الحقوق – المغرب

المركز الديمقراطي العربي

مقدمة:

مند مدة قطع مفهوم ” الاقتصاد الأخضر” صلته مع عالم المتخصصين في الاقتصاد البيئي ليدخل في الخطاب السياسي العام، وتأتي الأهمية المكتسبة لهذا المفهوم من توالي خيبات الأمل التي أفرزها اعتماد النموذج الإقتصادي المهيمن والإحباط الناتج عن تعدد الانتكاسات المتتالية، فضلا عن الاختلالات التي طبعت العشرية الأولى من الألفية الثالثة، خاصة الأزمة الاقتصادية والمالية لسنة 2008، ولكن بالمقابل، شكل وجود نموذج اقتصادي جديد وبديل ترتبط فيه الثروة المادية لزوما بالزيادة في الأخطار البيئية،أو الشرح الموارد أو تفاقم الفوارق الاجتماعية الصارخة، وجها جديدا فرض نفسه على المشهد التنموي، كما أن العديد من الوقائع والأحداث تفرض بدورها انتقال لا محيد عنه نحو الاقتصاد الأخضر لاعتبارات اقتصادية واجتماعية، وهكذا تستلزم المعطيات الجديدة الحكومية والقطاع الخاص على بدل جهود مضاعفة للانخراط في هذا التحول الاقتصادي، مما يحتم على الحكومة وضع قواعد جديدة تشجع على منتوجات سليمة بيئيا والتخلي التدرجي عن الدعم الذي كان سائدا من ذي قبل وتعديل سياستها البيئية، وتبني تدابير جديدة.

وهنا تبرز إشكالية أساسية متمحورة حول، أهمية الانتقال البيئي ضمن السياسات الترابية

ولمعالجة هذا الموضوع سنتحدث،عن أهمية العمل بمداخل الاقتصاد الأخضر (المحور الاول) ثم إدماج البعد البيئي في التخطيط الجهوي (المحور التاني)

المحورأولا: العمل بمداخل الإقتصاد الأخضر

لمناقشة هذه النقطة سنتحدث عن أهم هذه المداخل والمتجلية في:

إدراج تسريع الوثيرة ضمن مسار الاقتصاد الأخضر:

أطلق المغرب مند الإستقلال أوراشا استثمارية مهمة لتنمية البلاد، وتزويدها بالبنيات التحتية الصناعية الأساسية، بحيت يشكل القطاع الصناعي 15% من الناتج الداخلي الخام. ولكن الهيمنة الطويلة للصناعات الفلاحية – الغذائية والنسيج والجلد على القطاع الصناعي، فقد اتجه هذا الأخير بشكل سريع نحو التنوع بفضل رؤية استراتيجية قائمة على الاستمارات النوعية الهادفة التي مكنت المغرب من تنمية قطاعات جديدة، وتبقى فرص الاستثمار في الاقتصاد الأخضر قائمة وفعلية، ويمكن للمغرب أن يطور هذه القطاعات الإنتاجية لتجعله، يفضل قوتها التنافسية، رائدا جهويا وقاريا في هذا المجال.

وفي هذا الصدد، حددت الحكومة العديد من “المنظومات الخضراء”، التي قام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بذكرها في تقريره كالتالي:

المنظومات الخضراء الأولى: منظومات الطاقة المتجددة (المخطط المغربي للطاقة الشمسية المخطط المغربي للطاقة الريحية….)؛

المنظومات الخضراء الثانية: منظومات النجاعة الطاقية في قطاع المباني؛

المنظومات الخضراء الثالثة: منظومات التطهير ومعالجة المياه العادمة؛

المنظومات الخضراء الرابعة: منظومات تدبير وتثمين النفايات وفي هذا المجال، نقترح إضافة المنظومتين التاليتين:

المنظومات الخضراء الخامسة: منظومات الخشب من أجل ضمان تدبير وتثمين الرصيد الغابوي؛

المنظومات الخضراء السادسة: منظومات العطرية والطيبة على اعتبار وقعها الإيجابي على تدبير وتثمين التنوع البيولوجي النباتي وإمكانية مساهمتها في تنفيذ برتوكول – ناغويا – Protocole de NOGOYA مع الاستفادة من منافع تطبيقية خصوصا بالنسبة للسكان القرويين[1].

تسريع وثيرة تنفيذ سياسات النجاعة والانتقال الطاقيين:

باعتبار المغرب دولة في طريق النمو ولا يتوفر على موارد طاقية أحفورية مستقلة (96% من إحتياجاته الطاقية مستوردة)، فإنه يعرف إشكالية طاقية حادة نظرا لكلفة الفاتورة االطاقية التي تؤثر على التنافسية الوطنية وتنعكس على ميزان الأداءات بما أن الفاتورة الطاقية تمثل 11% من الناتج الداخلي الخام 2011.

ولمواكبة التنمية السوسيو – اقتصادية لبلادنا بشكل مستدام، وضع المغرب استراتيجية طاقية جديدة ومندمجة تعالج الجوانب المختلفة المتعلقة بالنجاعة الطاقية وإدماج الطاقات المتجددة على أساس تمكين المغربي في أفق سنة 2020 من رقم حصة الطاقة المتجددة إلى %42 من إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة و% 52 في أفق سنة 2030.

كما جعلت الاستراتيجية الطاقية من النجاعة الطاقية إحدى أبرز أولويتها، على أساس تكريسها في مختلف القطاعات المنتجة. ويمكن تحقيق كل من الاقتصاد في الطاقة وكذا تحسين النجاعة الطاقية بتغيير السلوكيات أو بتطوير التكونولوجية والمواد بحيث يستوجب الهدف الأول (تحقيق الوعي لدى السكان وأصحاب القرار مع إعادة النظر في أنماط العيش والعادات الاستهلاكية)، أما بخصوص الهدف الثاني، فيمكن أن يطور تدريجيا حسب الأولويات ليشمل قطاعات النقل، والبناء والصناعة[2].

المحور التاني: إدماج البعد البيئي في التخطيط والمشاريع الإستثمارية

تبنت معظم الدول سياسة تدبير المخاطر التي تتعرض لها البيئة عن طريق الاستثمارات، بحيث تم إدماج البعد البيئي في مخططات التنمية[3]. ونجمت عن هذه الاديولوجيات الألمانية الشاملة، شبكة ضخمة من البنية التحتية العائدة لقطاع النقل والمواصلات والاتصالات التي ترتبط ربطا محكما الشق الإقتصادي بالجانب الثقافي، لأن المقاييس والمعايير التقنية التي يفرضها الإستراد الكتيف لوسائل التجهيز من بلدان المصنعة تشكل مصدر إرتهان بدأ الإهتمام به مند فترة ليست بالقصيرة لمواجهة أعباء الإستيراد المتزايد وتسديد الديون والإكثار من تصدير الثروات القومية مثل اليد العاملة، والطاقة والمنتجات الزراعية، أو المنتجات الصناعية القادرة على المنافسة بفضل وجود اليد العاملة الرخيصة.

إن الوعي بندرة موارد الأراضي وتفاقم التلوث، وتوقع الكارثة المقبلة التي تهدد مستقبل كوكب الأرض جعل المفكرين والسياسيين والمنظمات والهيئات الدولية والمحلية تطالب بنموذج تنموي بديل يضع حماية البيئة والمحافظة عليها على رأس أهم أولوياته[4].

وهذا ما ذهب إليه المشرع المغربي من خلال القوانين المنظمة للبيئة[5]، وكذا المرسوم المتعلق بإعداد وتنظيم الهيئات المكلفة بالمحافظة على المجال[6]، وتحيينها لإدماج البعد البيئي في المشاريع الاستثمارية لنهج سياسة تنموية دون الأضرار بالأجيال الحاضرة، لأن كل المشاريع التي تم إنجازها فرض عليها إدراج البعد البيئي كقطاع استراتيجي، مرتبط بكل المشاريع والمخططات التنموية،وذلك عبر مداخل التنمية المستدامة التي تعني التوزيع والاستغلال العادل والمتكافئ للخيرات بين مختلف الأجيال من خلال مبادئ الاعتراف والتقاسم والتثمين[7]. كما ركز دستور 2011 لأول مرة على حماية البيئة من التلوث من خلال عدة الفصول[8] عكس الدساتير السابقة.

كما أن المحاور المتعلقة بالبيئة والتنمية الاقتصادية يختص بتناولها المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي تلقائيا أو بناء على طلب من الحكومة بصفته هيأة إستشارية تعد الدراسات وتعطي الأراء على سبيل الاستئناس[9] ويظهر الاهتمام الذي أعطاه المشرع الدستوري لموضوع البيئة والتنمية المستدامة كمنهجية جديدة تبرز التوجيهات المعاصرة في مجال الإجابة عن حاجيات وانتظارات المواطنين في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويتماشى هذا التعامل والتأسيس لبيئة مؤسساتية واقتصادية مناسبة للتنمية، وهذا ما أصبح يقوم به كل المتدخلين والشركاء من أجل خلق توازن بين البيئة والمشاريع التنموية عن طريق التشاور مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

خــــاتمة :

عبر هذه الرؤية لمسألة  الانتقال البيئي ضمن السياسات الترابية، ، يتضح لنا جليا أهمية الجهة في تحقيق هذه المعادلة، فهذه الأخيرة هي أهم وحدة مرجعية جديرة بالتطبيق،نظرا لكون عدم الاهتمام بها يقود إلى “لا تنمية” و”لا أمن” جميع الوحدات المرجعية الأخرى، كالإنسان والمجتمع والدولة.

وقد شكلت الحكامة البيئية أحد المواضيع الرئيسة في دراسات قضايا التنمية، وهو ما يدل على أهمية وضرورة تبني مقاربة شمولية لفهم جميع إشكالات التنمية على المستوى المركزي والترابي. بناءا على ما سبق، يتضح لنا أن المغرب يشهد تجربة رائدة في الديمقراطية الترابية إن على المستوى القانوني التراكمي، غير أن هذه التجربة تشهد مجموعة من التحديات التي من شأنها عرقلة دور الجهات المغربية في تحقيق التنمية المستدامة، ولتقوية دورها التنموي – الجهة -، فإنه لا يمكن الاقتصار فقط على الاصلاح وتحديث المنظومة القانونية، وإنما ينبغي، بالإضافة إلى ذلك وجود إرادة سياسية، وتطوير الية الانتقال البيئي في إطار تعاقدي بين مختلف المتدخلين وذلك وفق المرتكزات التالي:

عقلنة وحوكمة التنظيم الترابي مع انخراط جميع الفاعلين حول المشاريع المحلية ذات البعد التنموي والبيئي؛

تتمين العنصر البشري المحلي، مع التركيز على تنمية حسن المواطنة والصالح العام لديه بغية مشاركته الفعالة والمسؤولية في تنفيذ البرامج؛

جعل التنسيق بين ممثلي الإدارة اللامركزية والإدارة اللامركزية آلية أساسية مختلف الشروط الموضوعية للتعاون بين كل المتدخلين لتمكين الجميع من المشاركة في تحقيق التنمية المستدامة؛

تطوير آليات التواصل (أفقيا، عموديا) وتفعيل حق الحصول على المعلومات بغاية حسن وضع السياسات العمومية.

بناءا على المهام العديدة للجهة التي نص عليها دستور 2011 والقانون التنظيمي (للجهة)، فإن العائق الكبير الذي سيلازم التدبير الترابي هي المعادلة بين البعد التنموي والبيئي، التي تعد آلية رئيسية لتحقيق التنمية المستدامة، وفق منظور يأخذ بعين الاعتبار تطوير حركية الاقتصاد الجهوي في بعده البيئي.

[1]  مخلص الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2016- 2030″ ، ص 23.

[2]  “ملخص الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2016- 2030” مرجع سابق، ص 24.

[3]  إن النتيجة المنطقية لهذه الإديولوجية الإنمائية هي ضرورة التعاون الدولي من أجل تعميم التقدم والسماح للبلدان النامية أن تستدرك التأخر بواسطة حقنات كتيفة من رأسمال وتحديث وتكنولوجية أتية من المراكز المصنعة لهذا السبت هذا الإنماء والتعاون فكرتين مثلازمتين إذ أن الإنماء لا يمكنه أن يتحقق إلا بواسطة التعاون والتعاون لا يمكنه أن يهدف إلا إلى تعميم الإنماء، وبالتالي هناك البشرية.

لقد استقطب حول هذه الإديولوجيات انتجلنسيا، أي نخبة ثقافية كاملة تقوم بإثرائها وتضخمها وتدخلها في كافة قطاعات المجتمع، وتتألف هذه الأنتلجنسيا بصورة أساسية من خبراء الأمم المتحدة والبنك الدولي ومؤسسات المساعدات وأساتدة الجامعات والموظفين الكبار في بلدان العالم الثالث وتوسعت مؤخرا لتشمل موظفي الشركات والمصاريف المتعددة الجنسية والتي تعمل في العالم الثالث ولها ندين بلغة خاصة كاملة وبأطنان من التقارير والنشرات والكتيبات  والنشرات حول مختلف شؤون الإنماء: الاقتصاد والصحة والتربية إديولوجيات شاملة تتعاظم باستمرار بفعل المؤتمرات وللقاءات الدولية الجديدة التي تكسب هذه الأنتلجسنا نمط حياة مميزا ولغة خاصة يزدادان أناقة باستمرار.

أورده: عبد العزيز مرررق، “الحكامة البيئية وتنمية الاستثمارات بالمغرب” أطروحة لنيل شهادة الدكتراه كلية الحقوق بسطات 2017، ص 224.

[4]  عبد العزيز مرزاق: “الحكامة البيئية وتنمية الاستثمارات بالمغرب” مرجع سابق، ص 225.

[5]  أنظر المادة السادسة من القانون رقم 12.03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة.

[6]  مرسوم رقم 2.93.1011 صادر في 18شعبان 1417 الموافق من يناير يتعلق بإعداد الهيئات المكلفة بالمحافظة على البيئة وتحسينها، الجريدة الرسمية بتاريخ 17 فبراير 1997.

[7]  عبد العزيز مرزاق: مرجع سابق، ص 227.

[8]  أنظر دستور 2011 للمملكة المغربية: الفصول 31 و35 و136.

[9]  ينص الفصل 152 من دستور 2011 على أن:  للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في جميع القضايا التي لها طابع اقتصادي والاجتماعي.

يدلي المجلس برأيه في التوجيهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة.