Print Friendly, PDF & Email

إن الوضعية التي تشهدها اقتصاديات الدول النامية، والتي تطبعها مظاهر التخلف في شتى مجالات التنمية قد شغلت حيزا كبيرا في كتابات المهتمين بالقضايا التنموية، لاسيما مع استفحال مظاهر الفقر، وتمادي اتساع الفجوة بينها وبين الاقتصاديات المتطورة، في ظل العولمة ونشاط التكتلات الاقتصادية بين الدول الكبرى، والتسارع الهائل في محال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، إن النقطة الرئيسية التي تدور حولها هذه الكتابات في البحث عن الطريقة التي تمكن من تضييق هذه الفجوة، وتشخيص الاستراتيجيات التنموية الكفيلة ببعث قوى النمو داخل اقتصاديات البلدان النامية.

لقد بينت التجارب في مجال التنمية أن الدول النامية التي حققت انطلاقها الاقتصادي كانت خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في وضع أقل بكثير من ناحية الوسائل والثروات من الدول النامية الأخرى التي لم تحقق انطلاقها الاقتصادي إلى اليوم، وهو ما يشير إلى أن عملية الانطلاق الاقتصادي لا تفتقر إلى الوسائل فقط، بل وأكثر من ذلك إلى إطار نظري يتلاءم وخصائص كل دولة من الناحية المادية والثقافية والسياسية والاجتماعية.

ثم إن هذا الإطار النظري لابد أن لا يقف عند حدود الافتراضات التي ينظر إليها كحقائق ويربط بينها بفلسفة تعتبر صالحة لكل زمان ومكان – كما فعل منظرو الرأسمالية -، بل ينبغي أن يركز على الملموس من النتائج أكثر من تقديم الحلول النظرية، فقد أثبتت التجارب الواقعية أن كل اقتصاد ناجح إنما تعامل مع متطلبات الواقع أكثر مما يتطلبه التطبيق الصارم للجانب النظري للنظام الذي يتبناه، رأسماليا كان أو اشتراكبا، فتكييف النظري مع واقع البلد وخصوصياته هو مفتاح الانطلاق الاقتصادي.

ولقد عرفت الدول النامية في تاريخها الاقتصادي تطبيق العديد من الاستراتيجيات التنموية المستوردة والتي لم ود سوى إلى تأزم الوضع التنموي، وخلق اختلالات هيكلية لازالت تعاني آثارها إلى اليوم، رغم اتجاهها إلى تطبيق برامج الإصلاحات التي كانت هي الأخرى مفروضة من الخارج تحت ضغط ظروف المديونية الثقيلة، وضغوط الفقر والأزمات الداخلية، ولم تنبع عن قناعات أو اختیارات حرة مبنية على دراسات دقيقة للواقع الداخلي للاقتصاد، و تشخیص نقاط القوة والضعف، والمدى الذي تسمح الإمكانيات الداخلية ببلوغه وفق ما يتماشى وخصائص محتمعاتها، وبذلك ظل انطلاق التنمية في أغلب هذه البلدان أملا يكاد يكون بعيد المنال في ظل ما يحيط بها من ظروف دولية صعبة وقاهرة، والنتيجة المستخلصة من ذلك أن الانطلاق الاقتصادي لا يمكن تصور تحقيقه بنماذج جاهزة مستوردة من الخارج ومبنية على واقع يختلف كثيرا عن واقع الدول النامية، بل لابد من ضرورة أن تستلهم مفردات نموذج هذا الانطلاق من داخل تلك الدول، أو من تحارب دول تتشابه معها في الخصائص، وإذا كان المفكر “روستو” قد حاول بناء نظرية متكاملة للانطلاق الاقتصادي في كتابه “مراحل النمو الاقتصادي”، إلا أن الواقع أثبت محدودية طرح “روستو”، وبعد العديد من السنوات لم تبلغ الغالبية الكبرى من الاقتصاديات النامية مرحلة الانطلاق الاقتصادي التي بشر کا روستو واعتبرها مرحلة طبيعية حتمية تمر بها المجتمعات، | ولكن على فترات زمنية مختلفة، مما جعل نظريته محل انتقادات عديدة. ولعل المشكل الرئيسي في هذه النظرية هو محاولتها استقراء شروط الانطلاق الاقتصادي من تاريخ الاقتصاديات المتقدمة -الآن- في مرحلة الثورة الصناعية، | ومحاولة تطبيقها وتعميمها على الاقتصاديات التامية، رغم الاختلاف الكبير بينها في الظروف الاجتماعية والاقتصادية | والتاريخية والثقافية.

لذلك فإن من الاهتمامات التي ينطلق منها هذا البحث هو التساؤل فيما إذا كانت المناهج الغربية طريق النجاح الوحيد لتحقيق انطلاق الاقتصاديات النامية، أم أن هناك نماذج ناجحة في الدول النامية، تتضمن خصوصية | في الطرح، يمكن الاستفادة منها في تلمس معالم نموذج الانطلاق الاقتصادي الملائم للدول النامية.

ولقد شهد العالم في النصف الثاني من القرن الماضي بروز اقتصادیات ناشئة تمكنت من تحقيق انطلاق | اقتصادي باهر لم يستند إلى النظريات المستوردة، بل أصبح موضوع البحث عن تنظير لدى العديد من الباحثين في بحال اقتصاد التنمية، حيث تبرز الصين في الآونة الأخيرة كأهم اقتصاد ظل يشد إليه أنظار العالم من حيث مستوى النمو العالي الذي بلغه وظل محافظا عليه لسنوات متتابعة، وأصبحت التوقعات تشير إلى تؤيه المكانة الثانية بعد الاقتصاد الأمريكي في غضون السنوات العشر المقبلة، بل وتذهب توقعات أخرى إلى القول بإمكانية تحاوزه حتى الاقتصاد الأمريكي محتلا الصدارة عالميا مع مطلع النصف الثاني من القرن الحالي، الأمر الذي يجعل هذا الاقتصاد | نموذجا مناسبا لاستخلاص أهم العوامل التي كانت وراء تحقيق انطلاقة الاقتصادي، وبحث كيفية الاستفادة منها | وتطبيقها في واقع الأقتصاديات الشامية المتطلعة لهذه الغاية، لاسيما وأن مرجعية البحث تعود إلى تجربة دولة نامية عکس النهج الذي اتبعه “روستو” في دراسة تحارب دول متقدمة)، مما يجعل النتائج أقرب إلى القبول والتطبيق.

تأسيسا على ما سبق، فإن هذه الدراسة تحاول بحث إشكالية الانطلاق الاقتصادي في الدول النامية انطلاقا | من التجربة الصينية، يطرح يختلف عن طرح المفكر “روستو”، حيث تنطلق من فكرة أن الانطلاق الاقتصادي عملية تفاعلية متكاملة تتحقق باجتماع مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، وليس مرحلة طبيعية في سياق خطي للتنمية كما رأی روستو، كما تعتبر هذه الدراسة أن الانطلاق الاقتصادي لا يمكن أن يشكل هدفا خائيا في حد ذاته، بل يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى، لضمان استمرارية التنمية في مرحلة ما بعد الانطلاق.