تمهيد:

   أن العالم يجتاز في الفترة الراهنة تحولات عميقة في بنية النظام العالمي، وإعادة صياغة الكثير من الرؤى والمفاهيم والقوى الحاكمة للعلاقات الدولية، ومع التسليم بأنّه لم تسفر هذه التحولات عن قيام نظام جديد واضح المعالم والمسارات، فإن ما يحدث على الساحة الدولية من تطورات وأحداث بتغيراتها وتأثيراتها يتطلب النظر والتعمق فيه بغية استشراف اتجاهات إعادة بناء النظام العالمي، وتشير مجمل تلك الاتجاهات إلى حقيقة أساسية مُفادها: ان العالم يتحرك تحركا حثيثاً نحو مزيد من التكتلات السياسية والعسكرية والأمنية، وكذلك التكتلات الاقتصادية الكبرى، سواء أكان عن طريق قيام تجمعات اقتصادية جديدة أم تفعيل هياكل قائمة بالفعل، وإعادة وتحويل الأهداف المنوطة بالمؤسسة الاقتصادية الدولية لتتوافق ومقتضيات التغيرات الجارية على الساحة الدولية منذ إنهيار الكتلة الشرقية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وما تلا ذلك من تطورات دراماتيكية لإعادة ترتيب هيكل القوة الاقتصادية في العالم.

  وسنحاول في هذا الفصل: بيان الانعكاسات الإقليمية والدولية للعلاقات الروسية-الصينية، وعلى هذا الاساس تم تقسيم الفصل إلى ثلاثة مباحث رئيسية: حيث تناولنا في المبحث الاول: البُعد السياسي في العلاقات، فيما تناولنا في المبحث الثاني: البُعد العسكري والأمني، وخصصنا المبحث الثالث: للبُعد الاقتصادي والثقافي-الحضاري في العلاقات.

المبحث الأول: البُعد السياسي:

    لقد كان لتفكك الاتحاد السوفيتي، ونهاية الحرب الباردة إيذانا لبداية مرحلة جديدة من مراحل النظام السياسي الدولي، فقد كانت هذه الاحداث بمثابة متغير أساسي لمتغيرات لاحقة مؤثرة في طبيعة العلاقات الدولية، وكذلك طبيعة مقومات ومعايير القوة، فضلاً عن: هيكل النظام الدولي بشكل عام، فضلاً عن: ان النظام السياسي الدولي مرّ في مرحلة مهمة من مراحل صيرورته التاريخية، تختلف عن المراحل التي سبقتها، لتأتي  بصورة  ونمطية تتلائم مع طبيعة وتأثير التحولات الدولية، ومع وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى السيطرة العالمية أصبح من الضروري الاهتمام بمتابعة التوجهات السياسية لهذه الدولة العظمى، فتبلور النظام الدولي في ظل التحولات التي شهدتها البيئة الدولية في إعقاب انتهاء الحرب الباردة، وتغيير معادلة التوازن الدولي مرتبطاً بدرجة كبيرة بطبيعة الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة الأمريكية، والسياسات التي تتبناها في ظل نظام أحادي القطبية.

    وعلى هذا الاساس، واستناداً إلى إختيار أهم القضايا السياسية التي تشغل الاهتمام العالمي، تم اختيار الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط كأنموذجين لبيان تأثير العلاقات الروسية-الصينية فيهما، لذلك قسم هذا المبحث إلى مطلبين: إختص المطلب الاول: بالولايات المتحدة  الأمريكية في العلاقات الروسية-الصينية، في حين خصصنا المطلب الثاني: للشرق الأوسط في العلاقات الروسية-الصينية.

المطلب الاول: الولايات المتحدة الأمريكية في العلاقات الروسية-الصينية:

    تُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى الأكثر تأثيراً في السياسة الدولية في عالمنا المعاصر؛ نتيجة لما تملكه من مدخلات القوة، والتي أهلتها لأن تمارس دور الهيمنة والتأثير في العلاقات الدولية بشكل عام والعلاقات الروسية-الصينية بشكل خاص، إذ أصبحت بذلك ضابط الإيقاع العالمي، فضلاً عما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية من مثلث القوة القائم على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنلوجية، ومارست التأثير من هذا المنطلق، مما أثر وبشكل كبير في التراتبية الدولية، وآلية توزيع القوة والأدوار للقوى الدولية الأخرى، ومن ثم التأثير في طبيعة وتوجهات النظام السياسي الدولي.

     إلاّ أنّ الأمر لا يتوقف على ما تؤثر به الولايات المتحدة الأمريكية على تلك العلاقات، وإنمّا أصبحت العلاقات الروسية-الصينية، وتحديداً منذ الألفية الجديدة عامل مؤثر على ما تصيغه الولايات المتحدة الأمريكية من سياسات بحكم ما تمتلكه كل من: روسيا والصين من عناصر ورؤية لما يجب أن يكون عليه النظام الدولي.

أولاً: العلاقات الروسية–الأمريكية:

    أدخل تفكك الاتحاد السوفيتي مرحلة جديدة على معادلة العلاقات الدولية بشكل عام، وعلى معادلة العلاقات البينية بين القوتين العظيمتين بصورة خاصة، فالعلاقات الدولية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ما عادت مبنية على سياسة القطبين المهيمنين على الشؤون العالمية، وظهرت كتابات مثل نهاية التاريخ لــــــ(فوكاياما)، حيث أشار فيها إلى: إنتصار التجربة الأمريكية، وهيمنتها على التجربة العالمية ككل.

   ان العلاقات الروسية-الأمريكية خلال المدة الممتدة ما بين الأعوام(1991-2000)، كانت في مرحلة مد وجزر، إذ سعت الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق استراتيجيتها العسكرية إلى الحفاظ على تفوقها العسكري عن طريق تحديث قواتها وتسليحها بالأسلحة الحديثة والمتطورة للحفاظ على هيمنتها العالمية. أما روسيا، فأنها انتهجت سياسة للحفاظ على كامل الوحدة الإقليمية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي سابقاً.

     وشهدت العلاقات الروسية-الأمريكية تحولاً جديداً منذ العام2000م صعوداً، أن ذلك التحول في العلاقة يقترن بـــــــ”الألفية الجديدة” وله مسبباته ودواعيه، وهو مرتبط بالتحول الذي طرأ على نوعية القيادة أو الزعامة في كلا الطرفين الروسي والأمريكي، ففي الجانب الأمريكي: وصلت إلى البيت الأبيض إدارة من أكثر الإدارات الأمريكية السابقة تطرفاً وعدوانية وتشدداً، فقد تبنت نظرية هي: ان العالم أما أبيض؛ وهو: من يقف وراء السياسات الأمريكية أينما كانت، أو أسود وهو: من يعارض السياسات الأمريكية. أما في الجانب الروسي فقد وصلت قيادة من نمط جديد تكونت من الواقعيين الذين لا ينظرون إلى العلاقات الدولية من وجهة النظر المبدئية فقط، وإنما نظرة واقعية إلى طبيعة الحراك السياسي الدولي؛ ولذلك اصطدمت توجهات القيادتين، ولم تلتقيا إلا في نقاط قليلة، فكان التقاطع والتنافس هو السمة الابرز في العلاقة.

   ان العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية يوجد فيها نوع من التفاهم والتنسيق في بعض القضايا وخاصة القضايا الأمنية؛ لأنها: تمثل تهديد مشترك لأمنها القومي، في مقدمتها: قضايا الحد من الانتشار النووي، وأسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، وتهريب المخدرات، إذ تُعدّ مجموعة العمل الروسية الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب نموذجاً لهذا التعاون.

    وبعد أحداث 11/أيلول من العام2001م، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على أتباع سياسة(مكافحة الارهاب) باعتباره من أولوياتها، فضلاً عن(مشروع الشرق الأوسط الكبير)، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية صفقات مع روسيا لتمرير سياستها في الشرق الأوسط مقابل تغاضيها عما تفعله في الداخل والجوار الروسي، وبدأ الدور الروسي يستعيد مكانته في المناطق التي تراجع فيها الدور الأمريكي، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط، مستغلة الأزمة الأمريكية في حربها على العراق والإرهاصات الأخرى التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية.

    إذ عَدّت روسيا: ان العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية من أولويات السياسة الخارجية الروسية، وهي تمثل عاملاً هاماً في اشاعة الاستقرار الدولي، وقد ثبتت مبادئ حوار الشراكة الثنائي في اعلان موسكو حول العلاقات الاستراتيجية الجديدة، الذي وقعه الرئيسان الروسي والأمريكي في أيار عام 2002م، وحددت الاتجاهات الأولية للتعاون الثنائي، وهي: العمل المشترك لصالح الأمن الدولي والاستقرار الاستراتيجي ومكافحة الارهاب الدولي ومواجهة الاخطار والتحديات الاخرى التي قد تواجه البلدين.

    وفي اللقاء الذي جرى في14–15/تموز من العام 2006م، في بطرسبورغ، عشية قمة مجموعة “الثماني”، صدر البيان المشترك للرئيسين: الروسي والأمريكي المتعلق بالتعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، ومقاومة الانتشار النووي، وكذلك الاعلان المشترك حول المبادرة الشاملة في مكافحة الارهاب النووي.

    وفي ختام المباحثات التي جرت في 1– 2/تموز من العام 2007م، اصدر الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس(جورج بوش الأبن)في كينيبانكبورت(ولاية مين)، بيان بخصوص صناعة الطاقة النووية، وعدم الانتشار، والذي يتضمن: برنامج الخطوات الملوسة في مجال تعميق التعاون الثنائي والدولي، في مجال الاستخدام السلمي للطاقة الذرية بشرط: الالتزام الصارم بنظام عدم الانتشار، وفي 6/نيسان من العام 2008م، صدر في ختام قمة(سوتشي)اعلان الاطر الاستراتيجية للعلاقات الروسية-الأمريكية، الذي عكس الطابع الشامل للتعاون بين الدولتين في الاتجاهات الرئيسية من أجل: ضمان التواصل المستقر في المستقبل، ويتضمن الاعلان بصورة موجزة ما تم تحقيقه في الاعوام الأخيرة في مجال الأمن، وعدم الانتشار ومكافحة الارهاب، وبضمنه: الارهاب النووي، وتطوير الذرة في الأغراض السلمية، والمضي قدُما في الشراكة بمجالات: الاقتصاد والتجارة وصناعة الطاقة.

    كما كانت الازمة الروسية الجورجية عام 2008م، بداية علاقات جديدة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، حينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدعم جورجيا ضد القوات في أوسيتا الجنوبية، حيث أدى ذلك إلى توتر في العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فمن خلال هذه الازمة حاولت روسيا تعزيز مكانتها الدولية. ومن الأمور الأخرى التي تقف عائقاً بوجه العلاقات الروسية الأمريكية هي منطقة القوقاز وحوض بحر قزوين، تلك المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية على أنها ذات أهمية استراتيجية كبيرة من الناحية العسكرية والاقتصادية، حيث تتنافس الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على النفوذ فيها.

    على الرغم من كل تلك التحديات والمشكلات التي شهدتها العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية التي تحدثنا عنها، فقد شهدت الساحة الدولية متغيرات أخرى كان لها انعكاساتها على تلك العلاقة، ومنها تزايد القوى الدولية المؤثرة في النظام الدولي الجديد، والتنافس الحاد للحصول على الموارد المختلفة سواء أكانت نفطية أم غيرها، وغلبة النزوع الى أستخدام القوة العسكرية، وعدم قدرة الاتحاد الاوروبي بالدفاع عن نفسه وعن الحلفاء، كما بدا واضحاً في الأزمة الجورجية، فضلاً عن تراجع النزاع الفكري والايديولوجي بين القوى الكبرى ليحل محلهُ النهج البرغماتي في العلاقات الدولية، وأن كل تلك المتغيرات جعلت من العلاقة بين الدولتين تتجه نحو التعاون.

    أن السياسة الخارجية الروسية أصبحت أكثر برغماتية، وأكثر تحرراً من القيود الأيديولوجية، بحيث نرى: ان التناقض الأيديولوجي بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية قد زال بتفكك الاتحاد السوفيتي، وتحولت العلاقة بينهما من الصراع والتنافس إلى الشراكة الاستراتيجية القادرة على: احتواء الخلافات وتسويتها على النحو الذي يضمن لروسيا حماية مصالحها وأمنها القوميين، فلم يعد هناك شرق أو غرب. ولكن هناك ثمانية كبار بينها روسيا، وتتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم هناك حدود للمواجهة الروسية-الأمريكية والتي تقتصر غالباً على (الوسائل الدبلوماسية). ومن ناحية أخرى، فإنّ تزايد النفوذ الروسي في أمريكا اللاتينية، وخاصة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي(مدفيدف)في العام 2008م، إلى كل من: فنزويلا وكوبا، والمناورات العسكرية المشتركة بين القوات البحرية الروسية-الفنزويلية في العام 2008م، قد اقلق الأدارة الأمريكية، مما جعلها تُعيد النظر في سياستها أتجاه روسيا، فبعد توليه الرئاسة في الولايات المتحدة في العام 2009م عمد(اوباما)على استخدام لغة الحوار مع روسيا حول الدرع الصاروخي الأمريكي والقضايا الثنائية المشتركة بين البلدين في كافة الميادين.

ثانياً: العلاقات الصينية-الأمريكية:

     تشكل العلاقات الصينية-الأمريكية نمطاً غاية في التعقيد والتشابك، فلا يمكن وصفها بأنهّا: علاقة عداء. ولكن من الناحية الاخرى لا يمكن وصفها بأنهّا: علاقة صداقة، وان العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تتأرجح ما بين التعاون والصراع، فالعلاقات الصينية-الأمريكية قد شهدت تقدماً مهماً على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية، وأن اصطدمت بعقبات عدة. لعل أهمها: إستمرار الدعم الأمريكي لتايوان، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بضرب مقر السفارة الصينية في صربيا، ثم إسقاط الصين لطائرة التجسس العسكرية فوق السواحل الصينية في العام 2008م التي ادت إلى نوع من التوتر في تلك العلاقة، إلاّ أنّ العلاقات سرعان ما إنفكت من أسر تلك العقبات لتستمر بتوسعها في مختلف الميادين، حيث يلاحظ: أن التعاون الفعلي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية قد شهد تطوراً أفقياً وعمودياً منذ العام 2003م، حيث جمعت الجانبين مصالح مشتركة في جوانب مختلفة خاصة في القطاع المالي ومجالات التعليم والصحة والطاقة.

    أن الجانب الجوهري في العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية هو: متعلق بقضايا استراتيجية وأمنية وسياسية، والولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى العلاقة مع الصين على أنهّا: وسيلة فعالة ومهمة للتغلغل إلى آسيا ونشر المفاهيم والقيم الأمريكية من خلال أبواب متعددة بدءً من التجارة المفتوحة وحقوق الانسان، وإنتهاء بإقرار الحريات، كما أن المنظور الجيوستراتيجي الأمريكي للصين يتضمن: الرغبة بالاحتفاظ بوضع القوة الأولى والوحيدة في العالم، ومنع أية قوة أخرى من تحدي هذا الوضع ومنافسته، والصين هنا واحدة من اللاعبين الجيوستراتيجيين، والتي تمتلك القدرة على ممارسة القوة والنفوذ يؤهلها في ذلك قوتها الاقتصادية والعسكرية.

   كما أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تفتقر إلى: فهم جوهري مشترك لأسس بناء النظام الدولي في المستقبل، والبنى التي سيتمتع بها، فقد عمل الطرفين للتوصل الى فهم من هذا النوع وأن الجانبان يرغبان في إدارة خلافاتهما بواسطة آليات لتلافي النزاع. ولكن الحوار الاقتصادي الاستراتيجي، ومحادثات تنسيق السياسة الدفاعية لم يكونا فعالين بدرجة كافيه للتغلب على التباينين: الجوهري والهيكلي الناتجين عن إختلاف الأنظمة والفلسفات والثقافات في الصين والولايات المتحدة الأمريكية. أما القضايا المتعلقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تتراوح ما بين سياسية واقتصادية أمنية.(1) أما على المستوى الاقتصادي، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تغير من نظرتها الاقتصادية إزاء الصين، وإنما تطورت لتشكل أهمية كبيرة في علاقاتها معها، وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية وعن طريق(إيبك)*أن تلعب دور الموازن في علاقات شرق وجنوب شرق آسيا بإستخدام قوتها العسكرية والاقتصادية من جهة، والعمل على تقوية حلفائها من جهة أخرى، وكذلك عن طريق إحتواء الصين، ودمجها في الاقتصاد العالمي الرأسمالي.

* منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي)إبيك): هو منتدى يضم(21)دولة تطل على المحيط الهادي، والتي تسعى: لتشجيع التجارة الحرة، والتعاون الاقتصادي في منطقة آسيا، ودول المحيط الهادي، تأسس عام 1989م، تلبية للنمو الاقتصادي المتزايد للدول المطلة على المحيط الهادي، وظهور تكتلات اقتصادية أخرى في العالم مثل الاتحاد الأوروبي الذي ظهر في العام1992م، و(النافتا)التي ظهرت في العام1994م، حيث تسعى إبيك لرفع مستوى المعيشة والتعليم من خلال تحقيق نمو اقتصادي متوازن وتشارك العوائد بين دول آسيا والمحيط الهادي، حيث يشكل تعداد السكان القاطنين للدول المطلة على المحيط الهادي ما يقارب من(40%)من عدد سكان العالم، يحضر الاجتماع السنوي لإبيك رؤساء الحكومات من الدول الأعضاء عدا جمهورية الصين الوطنية(تايوان)، الممثلة تحت اسم(تايبيه)الصينية على مستوى وزير، حيث يتغير مكان إنعقاد المنتدى سنوياً بين الدول الأعضاء

   وتحتل الصين مركز الصدارة في أولويات الاهتمامات الأمريكية في آسيا والعالم، ومصير هذه العلاقة يرتبط بأمن وأستقرار قارة آسيا، وقضايا الحرب والسلم فيها، أن الحرص الذي تبدية الولايات المتحدة الأمريكية على تدعيم علاقاتها مع الصين نابع عن عامليين أساسيين، هما: الاول/هو: حاجتها الاقتصادية من منطلق علمها: بأنهّا تتعامل من دولة تمثل خمس سكان العالم، والثاني/هو: المستوى الذي بلغته الصين في تطوير الجانبين: التكنلوجي والعسكري، وما يمثله هذا من خطر مثير للقلق والانزعاج الأمريكي.

    كما أن مسألة تايوان تُعدّ إحدى المشاكل التي تعترض مسيرة العلاقات الصينية–الأمريكية، ولها تأثير واضح في السلوك السياسي والاستراتيجي الأمريكي، إذ لا يمكن لأي ادارة أمريكية التخلي عن تايوان– حكومة وشعباً، وذلك لأسباب كثيرة، منها: العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة الأمريكية وتايوان التي تعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية، والتأييد الأمريكي للتطورات الديمقراطية في تايوان، فضلاً عن العلاقات التجارية الوطيدة والواسعة.

  ان من القضايا الأخرى التي كانت عقبة أمام العلاقات الصينية-الأمريكية هي: الصراع على بحر الصين الجنوبي، حيث يمثل أحد المعضلات الأمنية التي تجابه عموم منطقة جنوب شرق آسيا بفعل الطموح الصيني الذي يصطدم بطموحات دول الإقليم الاخرى، أن الولايات المتحدة الأمريكية تُعدّ الصراع في بحر الصين الجنوبي، وإحتمالية تفاقمه بالشكل الذي يهدد طرق الملاحة في المنطقة أهم مبررات تمسكها بشبكة تحالفاتها مع دول شرق وجنوب شرق آسيا.

   فمن جانب اخر، يُلاحظ: أن الولايات المتحدة الأمريكية تستبعد حدوث صراع في بحر الصين الجنوبي مالم ينطوي الامر على تهديد مباشر لمصالحها، مع أنهّا ستحاول منع الصين أو أي قوة أخرى من السيطرة على هذا البحر.

 حيث يحكم العلاقات الصينية-الأمريكية مجموعة محددات لعل من أبرزها:

أولاً: الاحتياج الاستراتيجي: ويقصد بذلك: وجود إدراك متزايد ومتبادل بين الطرفين بأهمية الطرف الآخر واحتياجه له، وإن اختلف معه، ويفسر هذا الأمر مستوى التعاون بعد كل خلاف تشهده العلاقات بين البلدين.

ثانياً: سيطرة المنظور أو الفكر الواقعي في إدارة كل طرف لعلاقاته مع الطرف الآخر، وعدم الرغبة في تقديم أية تنازلات، فالولايات المتحدة الأمريكية تضغط على الصين في محاولة للتحكم في صعودها، حتى لا يضر المصالح الأمريكية، في حين أن الصين من ناحيتها: ترفض فكرة الهيمنة الأمريكية، وقيادة الأخيرة لشؤون العالم بمفردها، حيث أن الصين تدرك الرغبة الأمريكية في إحتوائها، لذا فإنهّا تسعى إلى: الحفاظ على مصالحها في مواجهة الضغوط الأمريكية.

ثالثاً: هي: ان العلاقات الصينية-الأمريكية تتأثر بتغيرات الإدارات الأمريكية دون أن تتأثر بتغير القيادات الصينية، إذ أن من الملاحظ: ان معظم الإدارات الأمريكية بمجرد وصولها للبيت الأبيض تتبع سياسة متشددة تجاه الصين، منتقده الإدارة التي سبقتها لضعف سياستها، ثم لا تلبث أن تغير من موقفها.

رابعاً: والذي يتمثل بتأثير العوامل الداخلية على العلاقات الصينية-الأمريكية، إذ يلاحظ: ان الإعلام والكونجرس الأمريكي، وكذلك جماعات حقوق الانسان كلها تلعب دوراً في الضغط على الإدارات الأمريكية لدفعها إلى إتباع سياسات متشددة تجاه الصين، ويتكرر هذا المشهد داخل الصين، فما يشهده المجتمع الصيني من تحولات جعل سياسة الصين الخارجية أقل اعتماداً على الاعتبارات الأيديولوجية، وأكثر إعتماداً على اعتبارات المصلحة، ولذلك تؤثر القوى الاقتصادية بداخلها على سياسة الصين تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثاً: تأثير العلاقات الروسية-الصينية على الهيمنة الأمريكية:

   ان العالم اليوم، وفي ظل الظروف التي تشهدها الساحة الدولية، وما تسبب عنها من: تخبط وضعف، كان سببه: كيفية التعامل مع الأزمات والاحداث الدولية، فقد أصبح هنالك توجه من قَبِل العديد من الدول على تجاوز القطب الأوحد الذي أسفر عن: نكبات غير مسبوقة بحيث جعلت الموقف الدولي يخضع للازدواجية، وتسيس القانون الدولي، وفرض القرارات المفتقرة للشرعية الدولية، فإنّ نشوء نظام دولي متعدد الأقطاب لن تستفيد منه، الدول المشكلة له فحسب، وإنمّا ستكون الدول النامية طرفاً مستفيداً من هامش الحركة ومساحة الحرية.

   فمنذ نهاية الحرب الباردة، وانتهاء مرحلة القطبية الثنائية إتضح تدريجياً: ان هناك صراع بين الاتجاه الداعي إلى: عالم متعدد الاقطاب، والاتجاه الاخر الذي يتبنى: أحادية القطب، والذي تحاول فيه دولة أو تحالف دولي السيطرة على الشئون الدولية، وأصبح ذلك بؤرة الصراع والتنافس في العلاقات الدولية.

  ويلاحظ: ان النظام الدولي لما بعد العام 2000م، إستمر بهيمنة قوة واحدة على الساحة الدولية متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، التي سيطرت على القرار الدولي، وممارسة التأثير واستخدام القوة، ويمكن وصف الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي طيلة عقد التسعينات عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، وإنتهاء نظام القطبية الثنائية، بأنها فترة إنفراد أمريكي مطلق، إلاّ أنّ هذا النمط ما لبث أن تراجع وأنحسر؛ نتيجة المغامرات والتكاليف الباهظة سواء أكانت الاقتصادية أم العسكرية منها، التي نتج عنها: تراجع دورها ومكانتها في المجتمع الدولي.

   وحاولت الأدارة الأمريكية للمحافظة على مكانتها الدولية، لاسيما بعد تراجع الدور والنفوذ الأمريكي خلال السنوات الثمانية لحكم الرئيس السابق(بوش الأبن)، فقد جاءت استراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها الرئيس(باراك أوباما)، في العام 2010م، لتعكس رؤية الإدارة الأمريكية لمواجهة تراجع النفوذ الأمريكي عالمياً، أن الاستراتيجية الجديدة هدفت إلى تدعيم القدرة الأمريكية على لعب دوراً قيادياً في النظام العالمي لتحقيق مصالحها في القرن الحادي والعشرين.

أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة عولت على تحقيق أهدافها عن طريق مساريين: أولهما: تمثل ببناء قوتها الداخلية، وثانيهما: يتمثل بالعمل على بناء نظام دولي يمكن عن طريقه: مواجهة التحديات الدولية، وهذا ما أكده الرئيس(أوباما) في أكثر من محفل دولي، وهي: أنه ليست هناك دولة واحدة بغض النظر عن قوتها تستطيع الوقوف بوجه كل التحديات العالمية بمفردها، وهو الامر الذي يفرض: إعادة صياغة المقاربات التعاونية أو التشاركية القادرة على تحقيق نجاحات دولية.

   ان أحداث 11/أيلول من العام 2001م، في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من تحولات في الاستراتيجية الأمريكية نحو الحرب الهجومية، واعتبار الإرهاب بمثابة القضية المحورية للسياسة الخارجية الأمريكية، قابلها تعاطف من قَبِل روسيا، فقد دعم الرئيس(بوتين)التوجه الأمريكي في القضاء على الارهاب أملاً في الحصول على دعم أمريكي مماثل ضد الحركة الانفصالية الشيشانية، وكذلك للحصول على الدعم الاقتصادي. وأن هذا التأييد الروسي للولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة الإرهاب لا يخفي وجود اعتراض وقلق روسي من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية من استمرار الهيمنة على العالم، حيث أنتقد الرئيس(بوتين) السياسة الأمريكية الأحادية والانفرادية، وطالب بأنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، مع تقوية دور المنظمات الدولية وحيادتها، وتقوية القانون الدولي، وفي العام 2007م، وفي خطابه قُبالة مؤتمر (ميونيخ)للسياسات الأمنية، أنتقد(بوتين) الهيمنة الأمريكية على السياسة الدولية، وميل الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاستعمال المفرط للقوة العسكرية في تلك السياسة. في هذا الصدد نشير الى العبارة الشهيرة التي قالها(ريتشارد هاس)* وهي:(الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتاج لإذن من العالم لكي تتصرف. لكنها تحتاج إلى تأييد العالم لكي تنجح).

*ريتشارد هاس: هو رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شغل هذا المنصب منذ تموز من العام 2003م، وكان ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية حتى حزيران من العام 2003م، حيث كان مستشاراً أول لوزير الخارجية(كولن باول)في مجال واسع من إهتمامات السياسة الخارجية، وكان هاس، الذي أمرَ مجلس الشيوخ الأمريكي على منحه رتبة سفير قد عمل منسقاً للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بمستقبل أفغانستان. وقد كان المسئول القيادي في الحكومة الأمريكية لدعم عملية السلام في إيرلندا الشمالية، وبسبب الجهود المميزة التي بذلها فقد حصل على جائزة الشرف بامتياز من وزارة الخارجية الأمريكية. 

    أي بمعنى: أن العالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، فقد أدهش خطاب(بوتين) في مؤتمر ميونيخ في العام 2007م، الكثيرين، فقد كتبت صحيفة بوسطن جلوب تعليقاً على خطاب (بوتين) فحواه: ان روسيا قبل الولايات المتحدة الأمريكية أدركت حقيقة مهمة هي: ان العالم أصبح عالم متعدد الأقطاب، أي بمعنى: نظام دولي يديره عدد كبير ومتنوع من اللاعبين في ظل مجموعة متغيرة من الروابط وعلاقات التبعية.

   ومن السياسات التي تبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في التفرد والهيمنة في منطقة آسيا، هو: التوسع في المنطقة من خلال عدة دول، مثل: اليابان وكوريا الجنوبية الشريكان الاساسيان للولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما تعدّه الصين مصدر قلق في المنطقة، خصوصاً وهي تتطلع لدور عالمي، وكذلك التوسع الأمريكي في منطقة أورآسيا تلك المنطقة الحيوية والمهمة بالنسبة لكل من: روسيا والصين، إذ ترى كل من الدولتين: ان الوجود الأمريكي في المنطقة يُعدّ مظهراً جيو-سياسياً أساسياً من مظاهر الهيمنة الأمريكية.

أن الصين رغبت في تشكيل نظام دولي جديد متعدد الاطراف، ومن ثم هي رفضت نظام القطبية الأحادية وعارضت سياسة الهيمنة الأمريكية والتفرد بالقرارات الدولية، وعلى الرغم من أن الصين رفضت الهيمنة الأمريكية لكنها غير راغبة في سياسة المواجهة أو التحدي مع الولايات المتحدة الأمريكية بل أنها اتجهت إلى سياسة الأحتواء، وضمن المواقف المشتركة بين روسيا والصين ضد الهيمنة والتفرد الأمريكية، فقد وقع الرئيسان(هو)،(وبوتين)أعلاناً مشتركاً في العام 2008م، يدعو الى: نظام عالمي للقرن الواحد والعشرين، تكون الهيمنة المركزية للبشرية جمعاء مع صون عملية السلام والاستقرار الأمنيين العالميين، والعمل على تحقيق مبدئي: السيادة والمساواة.

    إن الحديث عن نظام دولي متعدد الأقطاب ليس كالحديث عن إتفاقية يوقعها طرفان أو أكثر، بل ان النظام الدولي المتعدد الأقطاب يعرف بوجود عدد من الوحدات السياسية العظمى التي تمتلك مصادر قوة مادية ومعنوية تحقق لها الموازنة مع بعضها البعض، وهذه القوة تؤهلها التربع فوق قمة الهرم السياسي الدولي، وتجعلها متميزة عن الوحدات الأخرى الأقل منها قوة وتأثيراً التي تقف في المرتبة الثانية وتظل تدور في فلكها، ولها فعلها في النظام الدولي. ولكنه أقل من تأثير القوى العظمى.

    أما بخصوص السياسة الروسية والصينية المشتركة في مواجهة السياسة الأمريكية في شرق ووسط آسيا والشرق الأوسط، حيث يلاحظ: إنّ هناك تنسيق وتفاهم بين الدولتين في تلك المناطق، مدعوم بمخاوف حقيقة من الوجود الأمريكي في تلك المناطق التي تعدّها الدولتين: مناطق نفوذ لها، إذ يرى: ان السياسة الروسية والصينية هي تقف بوجه السياسة الأمريكية في المنطقة، والتي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إستقلال مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية من أجل بسط السيطرة والنفوذ في تلك المناطق، هذا ما تخشاه كل من روسيا والصين.

  ان تأثير الهيمنة الأمريكية على العلاقات الروسية-الصينية بدى واضحاً، خاصة بعد المواقف التي تبتها كلتا الدواتين من السيطرة والتفرد بالعالم من قَبِل دولة واحدة، والعمل على إيجاد عالم متعدد الأقطاب.

   إذ نرى: ان المواقف التي تسير في أتجاه الهيمنة الأمريكية بحيث يمكن وصفها على أنهّا بدأت تدفع الساحة الدولية نحو عملية إستقطاب جديدة أدركت ومن خلالها كل من: روسيا والصين: أن مصالحهما في الشراكة، والتحالف لمقاومة الهيمنة الأمريكية على العالم أو حتى في آسيا على الأقل قد أصبح ضرورة ملحة حيث تقف كل من: روسيا والصين موقفاً رافضاً للتصرفات الأمريكية لبناء عالم أحادي القطب، وممارستها لنزعة التفرد والهيمنة، وتدعوان الى بناء عالم متعدد الاقطاب، والتأكيد على توسع إدوار المنظمات الدولية وحيادتها، وعدم التدخل في شئونها، وخاصة منظمة الأمم المتحدة.

    ومما سبق، يلُاحظ: على الرغم من الدعوات التي تعالت في منع الهيمنة الأمريكية، والدعوة الى عالم متعدد الأقطاب، وأن زوال الهيمنة الأمريكية في نهاية الأمر لن ينطوي على أعادة تعددية الأقطاب إلى القوى الرئيسية المعروفة التي سيطرت على العالم في القرنيين الأخيريين، كما أنه لن يؤدي إلى سيطرة قوة واحدة مهيمنة تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية مهما كانت حيازتها من القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنلوجية، وبمعنى: إنّ النظام الدولي المتعدد الأقطاب المستقبلي له طابع عالمي أيضاً؛ لأنه سيقوم بحراب وقوى دول عظمى، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وجميعها قوى نووية من العيار الثقيل، وستكون هناك دول كبرى بدرجة أقل من الدول العظمى في القوة والتأثير، بحيث نرى: إن تكافؤ الدول العظمى يحقق التوازن الدولي، ويحول دون وقوع حرب عالمية ثالثة قادرة على تدمير البشرية بأكملها.

المطلب الثاني: الشرق الأوسط في العلاقات الروسية-الصينية:

   ترتبط  منطقة الشرق الأوسط بعامل جغرافي واضح الأثر في كل أرجائه؛ ذلك هو: عامل المكان والعلاقات المكانية التي ميزت وتميز الشرق الأوسط: كمنطقة مركزية منذ القدم في علاقات الشرق والغرب القديم، وحديثاَ الشرق بمضمونه الحضاري–الاقتصادي عامة في آسيا وأفريقيا الشمالية والشرقية والغرب بالمضمون الحضاري–الصناعي العام في أوربا وأمريكا الشمالية وروسيا، وهذه الأهمية المكانية جعلت الشرق الأوسط هدفاً للاستهداف والاحتلال منذ القدم، ومما سبق، فإنّ منطقة الشرق الأوسط تُعدّ مركز إستقطاب للقوى الدولية، حيث ان استراتيجياتها تكاد لا تخلو مطلقاً من التركيز على المنطقة ومحاولة السيطرة عليها لدرجة: أنهّا عدّت لحقبة ليست بالقصيرة ، ومازالت مسرح عمليات الصراعات والنزاعات العالمية، فضلاً عن ان طموح السيطرة على إقليم الشرق الأوسط لم يقتصر على الدول الفاعلة في المنطقة نفسها، مثل: إيران وإسرائيل وتركيا، بل يشمل أيضاً: القوى العالمية.

أولاً: روسيا والشرق الاوسط:

    فرضت الجغرافيا على روسيا منذ زمن القياصرة الاهتمام بالشرق الاوسط، حتى قبل أن تسمى هذا المنطقة بهذا الاسم في العام 1902م، على يد ضابط البحرية الأمريكي(الفرد ماهان) في مقال بعنوان:(الخليج الفارسي والعلاقات الدولية)، وكان مبعث اهتمامها هو: الوصول بروسيا إلى المياه الدافئة، وبما أن روسيا تشغل الحيز الأكبر من الكتلة الأور-آسيوية الملاصقة للشرق الأوسط، فقد وضعته في بؤرة سياستها الخارجية.

       وأثارت التحركات الروسية في منطقة الشرق الاوسط خلال المدة التي عقبت وصول بوتين إلى السلطة في روسيا العديد من علامات الاستفهام حول توجهات السياسة الخارجية الجديدة، وطبيعة حركتها خلال المرحلة، والآثار التي يمكن أن تنتج عنها على الأوضاع والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط، وفي الواقع لا يمكن فهم تلك التحركات والتوجهات في السياسة الخارجية بعيداً عن الاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية الروسية، والتي تبلورت مع وصول الرئيس بوتين، وما نتج عنها من تحركات للسياسة الخارجية الروسية على الصعيد العالمي.

   ان الاهتمام الروسي في منطقة الشرق الاوسط يأتي من خلال مصالح محددة، فقد حددت روسيا ثلاث مصالح كبرى في الشرق الاوسط، هي:

المصلحة الأولى: منافسة الولايات المتحدة الأمريكية بالقدر الذي ينهك الأخيرة استراتيجياً من أجل أعادة حساب موازين القوة العالمية، بما يسمح بإعادة تشكيل ميزان القوة العالمي. حيث قدم التورط الأمريكي في العراق إلى روسيا فرصة استراتيجية مهمة، فقد تزامن الانغماس الأمريكي في العراق مع صعود إقليمي لإيران لم تكن روسيا بعيده عنه، بل دعمت ولأكثر من مرة إيران في بناء قدراتها النووية، مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية في مأزق العراق، واستحالة قيام ضربة عسكرية ضد إيران، أن كل هذا كان يمثل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية  نافذة تُنفتح على خسارة في الشرق الاوسط، في حين يمثل لروسيا نافذة تؤدي إلى فرصة يجب إلاّ تضيعها موسكو، هذا ما رأيناه عن طريق الموقف الروسي من وصول حركة(حماس)إلى السلطة في فلسطين في العام 2006م، حيث دعمتها روسيا، وبادرت بإستقبال قيادتها، هذا ما اقلق الولايات المتحدة الأمريكية التي وضعت تلك الحركة في قائمة الدول أو المنظمات الداعمة للإرهاب الدولي.

 أما المصلحة الثانية لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، فهي اقتصادية صريحة، تقوم على أساس حسابات الربح والخسارة، إذ يحتل التنسيق التعاون في مجال الطاقة قمة أولويات السياسة الروسية في المنطقة العربية، وحوله تتمحور الدبلوماسية الروسية، والتقارب مع الدول العربية، لاسيما دول الخليج العربي، ويلي ذلك أوجه التعاون الأخرى، سواء أكان في المجال التقني أم الاقتصادي أم العسكري، فقطاع الطاقة يمثل أحد المجالات الأساسية التي تتلاقي فيها المصالح العربية والروسية.

   وتنظر روسيا إلى دول الخليج، لا سيما السعودية، كحليف لها في سوق الطاقة العالمية، وليس منافسة أحدهما للآخر، ويتم التنسيق والتعاون بين روسيا والدول العربية في مجال الطاقة بإطار محورين أساسيين: أولهما: الحفاظ على استقرار السوق النفطية، وضمان حد أدنى لأسعار النفط، وذلك عن طريق التحكم في حجم الإنتاج، خاصة أن روسيا تشارك في اجتماعات أوبك كمراقب، وثانيهما: الاستثمارات الروسية في قطاع النفط العربي، والإقبال من جانب شركات النفط الروسية على الاستثمار في قطاع النفط في الدول العربية، عن طريق المشاركة في عمليات البحث والتنقيب وتطوير الإنتاج. وقد زار بوتين في العام 2007م، السعودية وقطر، وتمخض عن تلك الزيارة  بيع السعودية دبابات(T-90)الروسية المتطورة إلى جانب التشاور في قطر بخصوص إمكانية إنشاء منظمة لمصدري الغاز الطبيعي، تضم إلى جانب روسيا وقطر كلا من: الجزائر وإيران وتركمانستان وأوزبكستان وفنزويلا.

     أن النظرة الروسية الى الشرق الأوسط: كمنطقة جارة على الحدود الجنوبية زادت العلاقات معا بفعل التطورات الأمنية والعسكرية المتفاقمة، لاسيما إبان الحرب على العراق، والتدخلات في أفغانستان وجورجيا، فقد إستخدم الرئيس الروسي(بوتين)الأوراق التي يمتلكها في إعادة إحياء دورها في الشرق الأوسط، وخاصة في المجالات التجارية وسوق السلاح.

أما المصلحة الثالثة لروسيا في الشرق الأوسط، هي: أمنية حتمتها الجغرافيا السياسية، فالشرق الأوسط أشبه بخاصرة رخوة تحيطها بجمهوريات آسيا الوسطى، والقوقاز، اللتان تُعدّهما روسيا جواراً قريباَ لها فيهما مصالحها الحيوية، حيث تعمل روسيا جاهدة من أجل منع أي تعدي أو توسع باتجاه تلك المناطق ذات النفوذ الروسي.

   وكذلك، سعت روسيا إلى تنشيط صادراتها من الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط، ليس إنطلاقاً من إعتبارات سياسية أو أيديولوجية. ولكن نظراً لما تمثله عوائدها من مورد مهم للدخل القومي، وذلك ليس فقط لحلفائها التقليديين في المنطقة، لاسيما سوريا والجزائر وليبيا(قبل التغيير في العام 2011م) واليمن. ولكن عن طريق فتح أسواق جديدة في الأردن ودول الخليج العربي، والتي تعد سوقا تقليدية للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية.

ثانياً: الصين والشرق الأوسط:

   تُعدّ منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للصين واحدة من بين المناطق التي لها تأثيراً في عملية التنمية الصينية، على الرغم من أن الصين إحتفظت بعلاقات قوية مع بعض البلدان في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة العربية منها في الخمسينيات والستينيات، وأنّ مصالحها النفطية، واعتمادها الكثيف على نفط الشرق الأوسط منذ آوائل تسعينيات القرن الماضي، ادى إلى تحول اساس في العلاقات الصينية-العربية، فقد أصبحت مصالح الصين النفطية والتجارية بالأساس هي التي تحدد مسار هذه العلاقات، وليس مجرد المصالح السياسية.

   ان أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين في كونه المصدر الرئيسي للنفط الذي تستورده من جهة، فضلاً عن أن صادرات السلاح الصيني المتنوعة التي تذهب إلى العديد من بلدان هذه المنطقة من جهة أخرى يجعل من التنسيق والتعاون أمراً لا محال منه، وبما أن هناك تنسيق وتعاون بين الصين والشرق الأوسط على المستويين: الاقتصادي والاستراتيجي، فقد أصبحت حاجة صينية-شرق آوسطية متبادلة لتوظيف ذلك التعاون عَبِرَ شركات استراتيجية في مجالات التصنيع والخدمات والمبادلات الثقافية.

   ان سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بقضاياه ومشكلاته وفرصه الاقتصادية الرائعة تُعدّ إنموذجاً حياً للطريقة التي تفكر بها الصين لتأمين مصالحها الحيوية في تلك المنطقة، إذ يدرك القادة الصينيون أهمية المنطقة، وارتباطها باستقرار حالة النمو الاقتصادي الداخلي، وهذا ما يتطلب ضرورة أشاعه نوع من الاستقرار النسبي في المنطقة.

  أما بالنسبة للمصالح الصينية في الشرق الأوسط، فهي تتوزع على محاور عدة من أهمها:

 المصلحة الأولى: هي نفطية: حيث يعدّ الشرق الأوسط المصدر الأساسي للنفط والغاز الذي تستورده، وفي ذلك المجال نرى: إنّ هناك تعاون بين الطرفين، حيث تعد الصفقات الصينية في مجالي: النفط والغاز مع كل من: السعودية وإيران وقطر خلال العقد الأول من القرن الحالي، عنصراً اساسياً، ومحركاً في التوجهات الصينية في المنطقة، وتهتم الصين بشكل أساسي على الأقل: كموقف مبدئي بتأمين ممرات النفط الدولية، لاسيما القادمة من منطقة الشرق الأوسط.

  ولذلك إتجهت الصين للاستثمار في قطاع النفط في المنطقة العربية، وفي هذا المجال نرى: ان الصين استوردت من المنطقة العربية نحو(0.6)مليون برميل/يومياً في العام 2000م، ثم أرتفع استيرادها من النفط العربي إلى نحو(2.4)مليون برميل/يومياً في العام 2008م، كما ازداد حجم التبادل التجاري بين الصين والمنطقة العربية، بحيث ازداد من نحو(1.3)مليار دولار في العام 1990م إلى نحو(10.8)مليار دولار في العام 2000م ولتبلغ نحو(17.5)مليار دولار في العام 2004م، ثم ليرتفع إلى نحو(32.5)مليار دولار في العام 2010م.أما المصلحة الثانية: للصين في الشرق الأوسط هي: ان الصين لديها شراكة أقتصادية مع دول الشرق الأوسط، حيث تنمو التجارة الصينية مع بلدان الشرق الأوسط بنسبة عالية، بمعنى: ان التعاون بين الصين وبلدان الشرق الأوسط، ومنها: العربية: يتضمن: مجالات عدة منها: الصناعة والزراعة والطاقة والعلوم والتكنلوجيا والسياحة وغيرها من القطاعات.

ثالثاً: تأثير العلاقات الروسية-الصينية في الشرق الأوسط(ثورات الربيع العربي ليبيا-سوريا):

 تفرض المتغيرات الدولية التي أفرزتها الثورات العربية، والمواقف الدولية منها: ضرورة تحديد طبيعة النظام الدولي السائد، من أجل إتاحة إمكانية فهم حدود سلوك الدول الفاعلة في مجريات الثورات العربية.(1)

    حيث شهدت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة, نشأة نظم حكم إتسمت بالاستبداد والتسلط، وكان البعض منها: مدعومة بعوامل دولية، إلاّ أنّه وبعد أن طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع الشرق الأوسط الكبير في العام 2003م، والقائم على ضرورة: ان تحدث دول المنطقة اصلاحات في نظمها: السياسية والاقتصادية، والتعليمية والحريات، وإنها اتجهت إلى تحريك القاعدة الاجتماعية لأحداث التغيير بدلاً من اللجوء إلى إعادة استخدام الأنموذج العراقي في العام 2003م، وانتهى الحال إلى إندلاع ثورات عربية في كل من: تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا وغيرها من البلدان، فتلك الثورات كانت وليدة تفاعلات داخلية تراكمت على مدى اعوام طويلة، شهدت تفاقم الكثير من الأزمات، والكثير من اخفاقات النظم الحاكمة سواء أكان على مستوى ادارة السياسة والحكم في الداخل أم على مستوى ادارة الحكم لعلاقاته الخارجية، على الرغم من تلك الإخفاقات التي تشهدها البلدان المنتفضة، والسياسات غير المجدية تجاه الشعوب في الداخل، والتخبط في ادارة السياسة الخارجية تجاه العالم الإقليمي أو الدولي، إذ نرى: ان هناك في حقيقة الأمر أطرافاً إقليمية، وأخرى دولية أن لم تكن طرفاً مباشراً في تفجير بعض الثورات الشعبية في بعض البلدان العربية، فإنهّا كانت طرفاً مباشراً في تفعيل مجرى تطور تلك الثورات سواء أكانت باتجاه الاحتواء، وضبط المسار أو حتى منع التطور أو باتجاه تفعيل التطورات، والوصل بها إلى النحو الذي آلت إليه.

1.تأثير العلاقات الروسية-الصينية في الشرق الأوسط(ليبيا):

   ان الموقف الروسي-الصيني من تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة(ليبيا) كان واضحاً، فحينما شرعت الولايات المتحدة الأمريكية بالقيام بتدخل في ليبيا أثر الاحتجاجات التي حصلت فيها في17شباط من العام 2011م، أصدر مجلس الأمن القرار(1973) في17 آذار من العام 2011م، بعد مشاورات واسعة بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، على الرغم من عدم تصويت روسيا على القرار القاضي: بفرض عقوبات على نظام الزعيم الليبي وعائلته والمقربين منه، وكذلك حظر بيع الأسلحة. وكان الهدف من التدخل في ليبيا هو: تمكين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو من مواجهة الأخطار المتدفقة من ليبيا؛ نظراً للموقع الجيوستراتيجي الذي تتمتع به لليبيا باتجاه أوروبا، وكذلك للحفاظ على خطوط المصالح في عمق منطقة الساحل والصحراء، خاصة فيما يتعلق بخطوط النفط والغاز الطبيعيين الأفريقي الممتد من ليبيا إلى تشاد، ثم الكاميرون ونيجيريا.

    حيث كان الموقف الروسي من قرارات مجلس الأمن ضد ليبيا، هو: أنهّا وافقت على قرار مجلس الأمن رقم(1970)الصادر في 26اشباط من العام 2011م، المتمثل بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية شاملة على السلطة الليبية، وقال الرئيس الروسي(ميدفيدف): ان القرار لا ينص على التدخل الخارجي في ليبيا، وروسيا تؤيد الدعوة إلى حماية المدنيين، وإيقاف العنف الدامي في البلاد.

   حيث نلاحظ: وجود تناقض في المواقف لدى القيادات الروسية، إذ وصف(بوتين) التدخل الأطلسي بــــــ(الحرب الصليبية)، في حين عـــــــــــــدّ(مدفيدف): ان التدخل الأطلسي يهدف إلى: تجنب المدنيين الجرائم التي يرتكبها النظام.

    وعندما طرح قرار(1973) للتصويت في مجلس الأمن لم تصوت روسيا ضده، بمعنى أنهّا لم تستخدم حق النقض ضده، ولم تكن جزء من التحالف الدولي الفاعل، فهي رفضت الاشتراك في الحملة العسكرية على قوات القذافي، حيث صرح وزير الخارجية الروسي(سيرجي لافروف) قائلاً: بما أن الحلف الأطلسي يباشر بتطبيق القرار(1973)بخصوص ليبيا، فعليه إحترام موجبات القانون الدولي.

     بمعنى: ان روسيا لم تؤيد الثورة في ليبيا، وأكتفت بالإعلان عن إيقاف أراقة الدماء، مع الدعوة إلى: عدم التدخل الخارجي، على الرغم من أنها مررت القرارات الدولية بدون إعتراض، وعندما رأت ملامح الهزيمة تقترب من حكم القذافي دعته إلى الرحيل، وأجرت مفاوضات مع المجلس الانتقالي الليبي في بنغازي.

   في حين اختارت الصين: تجنب الصِدَام مع القوى الغربية حيال التطورات في ليبيا، والتزمت موقفا تميز بــــــ”الغموض المدروس”، بسبب علاقاتها الاقتصادية الكبيرة مع النظام الليبي، وأنّ سياسة الصين تجاه الأزمة الليبية كانت محكومة بهاجسين: أولهما/التأثير السياسي الداخلي الذي قد تحدثه الاضطرابات بالمنطقة، والأخر/هو: الآثار الاقتصادية إذ تولي الصين إهتماماً خاصاً باستقرار البلدان التي تزودها بالنفط سواء أكان بأفريقيا أم خارجها.

    إن المساس الأميركي المتزايد بمصالح القوى الدولية المختلفة بما فيها مصالح الصين قد يرسم وضعاً جديداً في علاقات الصين بالغرب، وقد يدفعها إلى انتهاج سياسة خارجية ودفاعية ستبتعد تدريجياً عن تقليد الحياد والتحفظ والدبلوماسية الهادئة، ففي قضية أمن الطاقة، تعتمد الصين على الدبلوماسية الصامتة والفعالة للحفاظ على مصالحها وعلى مصادر تدفق الطاقة إليها، إذ ترى الصين: بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية تحاول ابتلاع العالم مرة تلو مرة غير آبهة بمصالح  الدول الأخرى، وهو أمر حصل في أفغانستان والعراق، وهو ما يقلق الصين التي تشهد علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية صراعات خفية على كل المستويات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية.

   من هنا نرى: ان الموقفين: الروسي والصيني من الثورة الليبية كانا في البداية مؤيدين للعقوبات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي فرضت على النظام الليبي. لكن ما لبث التباين بينهما، وبين مواقف الدول الغربية يبرز مع صدور قرار مجلس الأمن رقم(1973)، الذي أقر: فرض منطقة حظر جوي، إذ تحفظت روسيا والصين على القرار، وإن لم تستخدما حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن؛ نتيجة للضغوط الدولية الكبيرة في هذا الشأن، وكذلك بسبب الرد العنيف من قبل النظام الليبي على الثوار عن طريق استخدام الأسلحة الثقيلة. لكن حدة التباين بدأت تزداد مع تجاوز القوات الجوية الغربية التفويض الممنوح لها من مجلس الأمن لحماية المدنيين، واستخدام القوات الجوية ضد قوات النظام الليبي، الأمر الذي غير بشكل واضح ميزان القوى على الأرض إلى الضد من قوات النظام الليبي. 

2.تأثير العلاقات الروسية-الصينية في الشرق الأوسط (سوريا):

   كانت سوريا على الدوام مركزاً لصراع الدول الكبرى وقد تمددت إليها الحرب الباردة فور إنقسام أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحصل الصراع على سوريا بين الشرق والغرب بعد قيام حلف بغداد في العام 1954م، ثم أصبحت سوريا لاعباً اساسياً في المنطقة بعد دخولها العسكري إلى لبنان في العام 1976م.

    ان سياسة روسيا والصين في سوريا تتأثر بالموقف الدولي المتغير من سوريا منذ التسعينات، وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين، إذ نرى: ان أربع مشاكل واجهت سوريا وهي: أولاً/الضغط الأمريكي على سوريا بحجة دعم الإرهاب، والاعلان الأمريكي عن إمكانية فرض حصار على سوريا، وفرض عقوبات دولية عليها، وثانياً/التهم الموجهة من الولايات المتحدة الأمريكية ضد سوريا بصنع أسلحة الدمار الشامل، وقيام الولايات الأمريكية بالتخطيط لتوجيه ضربات عسكرية وقائية لسوريا حسب السيناريو العراقي، وثالثاً/الضغط الاسرائيلي على سوريا وإقامه نظام من العزلة الدولية على سوريا، ورابعا/إتهام المخابرات السورية بأنهّا: وراء إغتيال رئيس الوزراء اللبناني(رفيق الحريري) في العام 2005م، ومطالبة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بسحب القوات السورية من لبنان.

    وقد تفجرت الاعتراضات الشعبية على نظام(بشار الأسد) في مدينة(درعا الجنوبية) في 15أذار من العام 2011م، متأخرةً عن سابقاتها من الثورات العربية، وعدّ النظام(الانتفاضة) مؤامرة خارجية، فقمعها بالقوة، في حين عدّتها الأغلبية الشعبية ثورة من أجل الحرية، ولقمة العيش، وإسقاط الحكم الفردي الدكتاتوري، وأن معظم المجتمع الدولي الغربي، والدول العربية(ماعدا اليمن والسودان والجزائر)، ادانت تصرفات النظام القمعية ضد المنتفضين.

    في حين أيدت إيران وروسيا مواقف النظام منذ اللحظة الأولى، وإلى جانبهم بعض الدول الأخرى، لا سيما(الصين)، أن الموقف الروسي-الصيني من الأزمة السورية تمليه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وأن القضية في الموقف الصيني ليست قضية نظام الرئيس الأسد، بل المصالح الصينية في منطقة استراتيجية، حيث إستخدمت روسيا والصين حق النقض(الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرارين يتعلقان بالأوضاع في سوريا، ويتضمنان شيء من التدخل لإنقاذ المدنيين السوريين، فضلاً عن دعوة الرئيس الأسد إلى ترك السلطة؛ وذلك في 14/10/2011م، و4/2/2012م، حيث بدأت تتكشف حقيقة الصراع الدولي بخصوص سوريا، فتكوَّن شكل من اشكال الانقسام بين الدول الكبرى التي تختلف في تقييمها لما يجري في سوريا.

   كما أن التوزع الحاد للقوى الدولية بخصوص ما يجري في سوريا، اضفى على الأزمة ابعاداً دولية، بل أصبحت الاحداث السورية بمثابة صراعاً دولياً بإمتياز، لا يقتصر على مجرد انتفاضة من المعارضة بوجه النظام، كما كان عليه الامر في تونس وليبيا ومصر واليمن بحيث افرزت التجاذبات الدولية توزيع جديد للقوى المحلية في سوريا، إذ استند كل طرف من طرفيها إلى غطاء دولي، اسهم في إبعاد عمليات الحسم لصالح احد الطرفين.

  وترى روسيا: ان مصير الوضع في سوريا سيرسم طبيعة النظام الدولي الجديد، ومن ثم فإنّ الرؤى الدولية المتباعدة بخصوص الأحداث السورية تنظر إلى أن التغيير في هذا البلد هو: تغيير للخارطة الجيوسياسية، وليس تغييراً للنظام، وتأكد روسيا دائماً على الحوار لحل الأزمة، وعدم موافقتها بأي ثمن على سقوط الأسد عسكرياً من دون التفاوض.

   وتعدّ روسيا: بأنّ سوريا هي: مفتاح المنطقة، وأن القضية السورية هي: فرصتها لاستعادة دورها الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وارتبط الموقف الروسي أتجاه الأزمة السورية بالمتغير الاستراتيجي في ميناء(طرطوس)، حيث تولي روسيا أهمية للحفاظ على القاعدة العسكرية في الميناء، حيث تجوب في البحر الأبيض المتوسط قطع حربية من اسطول البحر الاسود، وللقاعدة موقع استراتيجي في المنطقة، لقربها من مضيق(البوسفور، وجبل طارق)، وهذا الموقع يُمكن روسيا من وصول قطعها البحرية إلى المحيط الأطلسي، وكذلك تخشى من المشكلات الأخرى: كفقدان الامتيازات الاقتصادية، ووصول مد إسلامي-سياسي بالقرب من مصالحها الحيوية، وهو أمر تخشاه روسيا.(1) وبما أن روسيا فقدت سوقاً مهماً لسلاحها في ليبيا، إلاّ أنها لا تريد أن يُعاد عليها السيناريو نفسه في سوريا.(2)

   إذ يشكل السلاح الروسي(80%) من مجمل سلاح الجيش السوري، فقد عقدت إتفاقية في العام 2007م، بين روسيا وسوريا تزود روسيا بموجبها سوريا بأسلحة متطورة شملت: طائرات مقاتلة سوخوي(27)، ووسائل دفاع جوي، وصواريخ مضادة للدبابات بقيمة(10)مليارات دولار، وفي المقابل دفعت سوريا مبلغ مليار منها، وألغت روسيا ديون سوريا السابقة بأكملها، والتي سبق وأن اعفى الرئيس الروسي بوتين سوريا من(37%) من ديونها لروسيا البالغة(13) مليار دولار في العام 2005م، وحصلت روسيا في المقابل على موافقة سوريا على تطوير القاعدة العسكرية الروسية في ميناء(طرطوس)وميناء(اللاذقية)على الساحل السوري.

       أما بالنسبة للصين، فهي من الواضح: إنهّا تنظر بريبة إلى إمكانية إنتقال عدوى الثورات العربية إلى الداخل الصيني، وحالة الترقب والحذر والارتباك موجودة داخل أروقة صناعة القرار بخصوص: كيفية التعامل مع هذه المستجدات، ومع نتائجها وإفرازاتها في منطقة تُعدّ بالغة الأهمية بالنسبة للمصالح الصينية، خاصة في قطاع النفط.

    حيث طرحت الصين ثلاثة مبادئ للتعامل مع الاضطرابات السياسية والأمنية الناتجة عن الثورات التي تجتاح دولاً في منطقة الشرق الأوسط، وهي: أولاً/الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية المعنية، مع احترام استقلالية وسيادة وسلامة أراضي الدول المعنية، والامتناع عن التدخل في شئونها الداخلية، وثانياً/ان أية مساعدة من المجتمع الدولي يجب أن تكون ذات طبيعة بناءة، وتفضي إلى: استعادة الاستقرار والنظام العام في سوريا، وضمان المحافظة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية، وثالثاً/إستبعاد استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في التعامل مع الأزمات، وهو ما لا يمكن أن يكون حلاً للمشكلة، ولن يسبب إلاّ أزمة إنسانية أكبر.

    أن الأزمة السورية سواء أكانت في استمراريتها دون حل سياسي أم حسمها بطريقة ما، فهي تطرح تحديات استراتيجية على جميع القوى الإقليمية والدولية، نظراً لنوعية الاستحقاقات التي سوف تتمخض عن هذا الخيار أو ذاك، حيث فرضت ارتباكاً هائلاً وما تزال تفرض هذا الارتباك في مواقف الدول لكن الاهم من ذلك هي: أنهّا تباعد بين تلك المواقف، ومن شأنها أن تعيد رسم خريطة التفاعلات الدولية والإقليمية حسبما سوف تؤول إليه الأحداث في سوريا.

    خلاصة ما تقدم: تظل المصالح تحكم سلوك الدول، صغيرة كانت أم كبيرة، وتصبح السياسات الدولية في جزء كبير منها: محاولة لتحقيق أكبر قدر من النفوذ والهيمنة التي يمكن عن طريقها تحقيق وتعظيم المصالح القومية، وتُعدّ مصادر الطاقة والموقع الإستراتيجي التي يتمتع بهما العالم العربي عوامل جذب للقوى الدولية، مما يقود إلى مزيد من التكالب الدولي على المنطقة العربية، من هنا يمكن القول: بأنّ التنافس الدولي على موارد المنطقة في ازدياد كلما تعاظم التنافس بين القوى الدولية، خاصةً الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من ناحية، وروسيا والصين من ناحية أخرى.

    وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المصاعب السياسية التي تعُانيها منها غالبية الدول العربية، نتيجة الحروب الأهلية أو مظاهر عدم الاستقرار السياسي، أو نتيجة التوتر الذي يشوب العلاقات العربية-العربية، فإن النتيجة المنطقية هي: ضبابية المشهد الإقليمي، وإمكانية استغلال عملية التحول السياسي التي تشهدها المنطقة العربية لخدمة أغراض التدخل الأجنبي، خاصة وأن عدد الدول العربية المركزية القوية في تناقص بعد إحتلال العراق جراء الغزو الأنجلو-أمريكي، والثورة التي تشهدها سوريا، وما نتج عن ذلك من دمار بشري ومادي، في حين تواجه مصر مصاعب سياسية واقتصادية بالغة، الأمر الذي يجعل الحديث عن جبهة عربية قادرة على الثبات والتكيف مع التحديات الخارجية أمراً في غاية الصعوبة، ناهيك عن حالة الاستقطاب التي بدت نذرها تطل على العالم العربي، إذ السباق بين النموذج الاسلامي في الحكم مقابل الأنظمة السياسية التقليدية، إذ أصبح هذا المشهد الثنائي يعمل على مستويين: محلي وإقليمي، وترتكز هذه الثنائية السياسية على اعتبارات إيديولوجية لا تخلو من البُعد الإستراتيجي الذي ما يزال رحاها يدور، بل إنها في بداية تكونها السياسي. لكنها قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار الداخلي، الأمر الذي يغذي حالة من الاستقطاب الإقليمي الحاد، مما يجعل للقوى الأجنبية فرصة أكبر للتدخل تحت ذرائع متعددة، مثل: التدخل الإنساني، والتحول الديمقراطي، وحقوق الإنسان. لكن هدفها الأساس هو: إحكام قبضتها على الموارد الاقتصادية والإستراتيجية التي يتمتع بها العالم العربي.

المبحث الثاني: البعد العسكري والأمني:

     يشكل البعد الأمني والعسكري في العلاقات الروسية-الصينية أهمية كبرى، خاصة في ظل الأوضاع الدولية المنبثقة عن تفكك الاتحاد السوفيتي، ومن بعده احداث 11/ايلول من العام 2001م، فقد زادت مخاوف كل من: روسيا والصين إزاء تلك الاوضاع المتمثلة بالتكتلات والمنظمات العسكرية والأمنية، وخاصة تلك التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المتمثل بــــــــــ(حلف الناتو)، وتوسعه نحو شرق أوروبا، حيث مناطق النفوذ الروسي، ما ولد قلق من قَبِل الجانب الروسي، وعلى هذا الاساس إتجهت روسيا باتجاه الصين، ودخلت معها في تحالفات، كان من أهمها: تشكيل منظمة شنغهاي بالتعاون مع دول آسيا الوسطى، لكي تكون سداً بوجه توسعات حلف الناتو.

   ان الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية قد إستخدمت(حلف الناتو)، من أجل تمرير سياساتها الأمنية في مناطق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بذرية محاربة الإرهاب، ونشر الديمقراطية ومنع انتشار الأسلحة النووية.

    وعلى هذا الاساس تم تقسيم المبحث إلى ثلاثة مطالب: حيث تناولنا في المطلب الأول: توسع حلف الناتو شرقاً. أما المطلب الثاني فقد تناولنا فيه: منظمة شنغهاي للتعاون، في حين تناولنا في المطلب الثالث: تأثير العلاقات الروسية-الصينية في بعض الأزمات الإقليمية والدولية(الملف النووي الكوري الشمالي والبرنامج النووي الإيراني).

المطلب الاول: توسع حلف الناتو شرقاً:

      لقد كانت التغييرات التي حدثت في آواخر القرن العشرين، وبالتحديد خلال عقد التسعينيات، على درجة عالية من الأهمية،  حيث شهد العالم تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية المواجهة بين الشرق والغرب وخروج أوروبا من تداعيات الحرب الباردة، فضلاً عن ذلك كان هناك ظهوراً لدول جديدة أو إندماج لدول أخرى. وقد رافق ذلك: صراعات وتحديات جديدة، ينبغي وضع استراتيجيات مواجهة جديدة تتناسب ومستوى التغيير الحاصل بفعل طبيعة المشاكلات الجديدة.

 وقد أنُشأ(حلف الناتو) في العام 1949م، إذ جاء ليمثل: الذروة في ترتيبات الأمن الجماعية التي أنشأها الغرب لمواجهة ما يسمى بـــــ(الخطر الشيوعي)، والحيلولة دون إمتداده إلى داخل أوروبا، وبقية الأقاليم الاستراتيجية في العالم.

   ولقد تم طرح فكرة توسيع الحلف لأول مرة في مبادرة برنامج الشراكة من اجل السلام الذي اعلنه قادة دول وحكومات الحلف في اجتماعهم ببروكسل يومي(10 و11)كانون الثاني من العام 1994م، اذ اكد البيان الصادر عن القمة: ان هذا البرنامج يذهب إلى مدى أبعد من الحوار والتعاون لكي يضع شراكة حقيقية، لذلك ندعو الدول المشاركة في مجلس تعاون شمال الأطلسي، واعضاء مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا إلى المساهمة في هذا البرنامج لِمّا لهذه المساهمة من دور مهم في توسيع الحلف.

وفي اطار الرغبة الأمريكية لتوسيع الحلف إتخذت قمة الحلف ببروكسل في كانون الثاني من العام 1994م، ثلاثة قرارات مهمة شكلت بداية لتوسيع الحلف. وهي:

أولاً: إقرار برنامج الشراكة من اجل السلام(PFP)، لفتح الباب قبالة الدول الشيوعية السابقة لإقامة مزيد من علاقات التعاون العسكري مع الحلف.

ثانياً: تطبيق مبدأ(القوات المشتركة متعددة المهام)، لتمكين قوات الناتو من التحرك بمرونة في التعامل مع الصراعات الإقليمية.

ثالثاً: فتح الباب لأعضاء جُدد للانضمام للحلف.

    ويُعدّ مشروع توسيع عضوية الحلف ليضم: دولاً في شرق أوروبا من بين تلك التي كانت في مرحلة الحرب الباردة تنتمي إلى المعسكر الاشتراكي، وأحد أبرز التطورات الدولية في نهاية القرن العشرين، كما أن قضية توسع الحلف أصبحت قضية محورية، خصوصاً: ان بعض الدول في وسط وشرق أوروبا قدمت طلب للانضمام إلى الحلف، وهو ما كان عامل تشجيع بالنسبة للتيار الغربي المؤيد للتوسع.

    وبخصوص توسيع(حلف الناتو)، وتغيير عقيدته، فقد قال وزير الدفاع الأمريكي السابق (روبرت غيتس): ان أعظم تطور حصل في(حلف الناتو) خلال الأعوام العشرين الماضية هو: تحوله من قوة دفاعية مستقرة ساكنة إلى قوة جاهزة للقيام بمهام أمنية بعيداً عن حدودها التقليدية عبر المحيط الأطلسي.

     ان عملية التوسع لا يمكن أن تقتصر على دخول: بولونيا، وهنغاريا، وجمهورية التشيك في العام 1999م، التي إنضمت إلى الحلف بدعوة أمريكية، فتوسع الناتو نحو الشرق كان أمراً لا يمكن تجنبه منذ أن تبنى الحلف استراتيجيته الجديدة في العام 1994م، ولكن التوسع  لم يعدّ لعبة أرقام أو عملية ميكانيكية أوتوماتيكية، وإنمّا هو: تعبير عن الحاجة إلى إكمال البنية الجديدة لنظام الأمن الجماعي الأوروبي الأطلسي.(1)

   وما أن إنتهت الحرب الباردة حتى شغل(حلف الناتو) بقيادة الغرب، وعلى رأسها: الولايات المتحدة الأمريكية بثلاث مهام رئيسة. هي:

أولاً: إحتواء القارة الأوروبية على أساس وحدة أمنها، وضمانه عِبَرَ توسيع حدود الحلف.

ثانياً: إحتواء روسيا بإقامة علاقة خاصة معها لقطع الطريق عليها للتفكير في إنشاء حلف أو تكتل عسكري جديد تقوده.

 ثالثاً: تجديد وتحديد الهيكل التنظيمي والمهام والمدى الجغرافي للحلف، فقد أدى هذا التحول  في العام 1999م، إلى تفسير في مفهوم التحالف من كونه: أداة للدفاع ضد عدو محدد إلى منظمة مشتركة للحماية ضد تهديدات غير محددة يمكن أن تهدف إلى تقويض أمن الدول الأعضاء، وبعد أن تفكك الاتحاد السوفيتي عملت الولايات المتحدة الأمريكية على التمدد في أوربا الشرقية التي كانت جزءاً حيوياً من الكتلة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي، وتندرج في إطار(حلف وارشو)، فإنضمت تلك الدول، وبدعم أمريكي إلى الاتحاد الأوربي، وأصبح أغلبها يعمل في إطار (حلف الناتو)، وأن هذا الامر أصبح تحولاً جيوبوليتيكياً خطيراً واجهته روسيا.

   ان الولايات المتحدة الأمريكية تخشى مشاركة قوية وفعالة ومستقلة من قَبِل بعض الدول في الاتحاد الأوروبي، مثل: فرنسا وألمانيا في حلف الناتو، هذا ما بدء واضحاً من وجود خلافاً أو صراعاَ ضمنياً بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين من جهة أخرى، على خلفية توسع الحلف شرقاً، فقد وقفت روسيا بوجه التمدد الأطلسي، خاصة الأمريكي عن طريق(حلف الناتو) في مجالات روسيا الحيوية، ولا سيما في أوروبا الشرقية، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، والاقتراب على نحو واسع من مياه البحر الاسود.

ان تحديد مصالح ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في شرق أوروبا، وفي القوقاز، وآسيا الوسطى جعلها قوة إقليمية كبرى مجاورة لروسيا، فضلاً عن كونها قوة عظمى تكاد تنفرد بالقرار السياسي الدولي، فهي متواجدة وبأشكال مختلفة عسكرية وأمنية وسياسية في مناطق أوروبا الشرقية ومنطقة آسيا الوسطى، أي في مناطق النفوذ الروسي، وذلك شَكَلَ عامل قلق بالنسبة لروسيا.

      لقد ظل (حلف الناتو)، ومنذ نشأته في العام1949م، متأثراً بشكل حاسم بتوجهات السياسة الأمريكية وخياراتها الاستراتيجية، ويسعى(حلف الناتو) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من وراء توسيع حدوده باتجاه شرق أوروبا، وضم جورجيا إلى الحلف لكي تصبح جزاءّ من منظومته، حتى تصبح الحدود الجنوبية لروسيا بتماس مباشر مع حدود قوات(حلف الناتو)، بعد ان كانت قوات الحلف خارج حدود أوروبا الشرقية، مما يعني: إمكانية عزل وتطويق روسيا، وقصر مدة الإنذار للقوات الروسية في حالة تعرض روسيا للخطر، لقصر المسافة بين قوات(حلف الناتو) والقوات الروسية.

    وسعت الولايات المتحدة الأميركية إلى: توسيع(حلف الناتو)، وزيادة عدد أعضاءه، لذلك أصبحت جمهورية التشيك وهنغاريا (المجر) وبولندا أولى الدول التي انضمت إلى الحلف، وكانت سابقاً من دول(حلف وارشو) المنحل، ثم قرر وزراء(حلف الناتو) بإجتماع لهم في براغ في تشرين الثاني من العام 2002م، توجيه دعوات رسمية الى كل من: استونيا ولاتيفيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا، والتي إستجابت للدعوة، كما تقدمت بطلب الإنضمام كل من: كرواتيا والبانيا وجمهورية الجبل الأسود(مونتنيغرو)، وهذا ما زاد من التخوف الروسي تجاه هذه التحركات، وعدّته تحدياً خطيراً، ومحاولة من الولايات المتحدة الأميركية للتقرب الى العمق الروسي.

   وفي قمة(حلف الناتو) في أذار من العام 2004م، تم قبول عضوية سبع دول من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية، وهي:(أستونيا، لاتيفيا، ليتوانيا، بلغاريا، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا)، على الرغم من أن قدرتها العسكرية لا تؤهلها للانضمام للحلف، فقد أعلن الرئيس الروسي(بوتين)، وخلال مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية في 10شباط من العام  2007م، أن توسع (حلف الناتو)، يُعدّ عامل خطر يقلل من مستوى الثقة المتبادلة، خاصة على ضوء إنضمام جمهوريات البلطيق الثلاثة، مما وضع الحلف قبالة بوابة روسيا، وقال: ان بلاده تمتلك الحق في السؤال عما يهدف إليه(حلف الناتو)، حين يوسع قواعده وبنيته التحتية باتجاه روسيا، في حين أن التهديد الحقيقي العالمي يشكله الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، ومما لاشك فيه: ان تصريحات بوتين كانت بمثابة تقييم للسياسة الأمريكية وتعبير عن رفض روسيا لها لما تمثله من تهديد على مصالح روسيا الحيوية والقومية.

     أما من جانب آخر، فنرى: ان سعي الولايات المتحدة الأمريكية من عملية توسع(حلف الناتو)  تُعمدّ عن طريقه إلى: ضمان أبعاد أخرى لا تقل اهمية عن الأمن الأوروبي؛ لأن امتداد الدور القيادي للولايات المتحدة الأمريكية إلى الحدود الروسية عن طريق توسع الحلف يعني: محاصرة أي دور عالمي أو حتى إقليمي مهم لروسيا بعد أن تتعافى من عللها الاقتصادية والسياسية.

   وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية: أقناع(حلف الناتو) بضم: جورجيا إلى الحلف، بيد أن المعارضة الألمانية والفرنسية حالت دون ذلك، وكان الهدف الأمريكي من ضم جورجيا إلى الحلف يكمن في: وضعها تحت المظلة الأطلسية  لعدة أسباب، منها: تحذير روسيا من تهديدها، والتدخل بمسألتي: أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، مما يشكل مساحة أمنية غاية الأهمية للدرع الصاروخي الأمريكي في بولندا وجمهورية التشيك.

    وبخصوص توسع (حلف الناتو) فقد قال  وزير الخارجية الأمريكية الأسبق(هنري كيسنجر) بشهادته في العام 1997م، للجنة الكونجرس:(فتوسع حلف الناتو ليس سبيلاً للاحتواء العسكري الروسي فقط، بل للاحتواء الدبلوماسي للعديد من الدول التي يمكنها-لو لم يتم هذا، أن تعترض على مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية، وهكذا يضفي(حلف الناتو)، الموسع مظهر التعددية على الأهداف الأمريكية. ولكن من غير الاعتراضات المزعجة من نوع الثرثرة على شاكلة الأمم المتحدة).

  وكانت روسيا تأمل في أن مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي هو: المظلة الأساسية للأمن الأوروبي، ومن ثم ينتهي العمل من بقاء حلف الناتو ويتم حله، خاصة بعد أن تم حل(حلف وأرشو) وتفكك الاتحاد السوفيتي، إلاّ أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت على العكس  تسعى إلى: تفعيل الحلف، وإسناد مهام جديدة له في فتره ما بعد الحرب الباردة، ثم جاءت فكرة توسع (حلف الناتو) ليضم: دول شرق ووسط أوروبا، وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، فقد كان موقف روسيا من توسع (حلف الناتو)، هو: معارضة ذلك التوسع، إذ إنطلقت المعارضة من عدة إعتبارات.:

أولاً: عدم وجود مسوغاً لاستمرار الحلف بعد إنهيار الشيوعية التي قام الحلف لاحتوائها.

ثانياً: ان توسع الحلف دون ضم روسيا إليه سوف يساعد على تقسيم أوروبا.

ثالثاً: أن توسع الحلف بدعوى حماية دول شرق ووسط أوروبا من أي تهديد روسي مستقبلي لا أساس له من الصحة في ظل إلتزام روسيا بسحب قواتها من ألمانيا الشرقية، وباقي دول شرق أوروبا ودول البلطيق.

   أما بخصوص الموقف الصيني من توسع(حلف الناتو) شرقاً، لا يمكن النظر إلى موقف الصين الرافض لتوسع الحلف على أنه مجاملة لروسيا؛ لأن الصين تستشعر خطراً حقيقياً، وأن توسع النطاق الجغرافي للحلف في أوروبا هي خطوة قد تتبعها خطوات مماثلة في آسيا، وتدرك: بأنّ توسع الحلف قد يتسع نحو آسيا وقد تصبح اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مجالات مطروحة لدور أمريكي-أطلسي قد يؤثر على طموحاتها في المنطقة.

     ان موقف الصين من توسيع الحلف شرقاً اقتصر على التعبير عن معارضة استمرار نظام الاحلاف والتكتلات العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. لكنه لم يحدد بوضوح نوعية المخاطر والتهديدات التي يمكن أن يتعرض لها الأمن الصيني من توسيع الحلف شرقاً، في حين أن الموقف الروسي كان صريحاً ومعبراً عن نوعية المخاطر والتهديدات على جوانب الاستراتيجية الروسية كافة، وفي مقدمتها: الأمن القومي الروسي، والتي يمكن ان تنجم عن توسيع الحلف. 

أن من أهم أسباب توسيع  حلف الناتو شرقاً.هو الآتي:

أولاً: إيجاد المسوغ لإبقاء قواعدها العسكرية في أوروبا، لاحتواء فرنسا وألمانيا، وإفشال جهودهما السياسية نحو إستقلالية أوروبا عن الولايات المتحدة الأمريكية.

 ثانياً: عزل روسيا عن أوروبا، وإفشال أية محاولة للتكامل الاقتصادي والسياسي والعسكري معها، واحتواءها عن طريق: زرع قواعد عسكرية على حدودها، وضم وعزل الدول التي يمكن أن تشكل بُعداً استراتيجياً لها في المستقبل.

ثالثاً: تطويق الصين بقواعد عسكرية لحلف الناتو لكبح محاولاتها المستقبلية، بأن تبرز كدولة منافسة لها على الصعيد الدولي.

رابعاً: تهميش دور الأمم المتحدة، وإعادة صياغة ميثاقها، بما يتناسب والوضع الجيوسياسي الجديد لعالم أحُادي القطب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

   أما عن تأثير العلاقات الروسية-الصينية في توسع حلف الناتو، وموقف الدولتين منه، فتتمثل بما يأتي: ان الموقع الجديد للصين الشعبية عالمياً، وقدراتها الاقتصادية التي اخترقت الأسواق التقليدية للغرب خارج حدوده وداخلها، والطاقات العسكرية المتنامية، جميع ذلك يرجح في الأصل أن تكون هي العدو المستقبلي المحتمل لحلف الناتو، وعليه فإنّ الخطر الصيني بالمنطق الإستراتيجي هو: الخطر المستقبلي على الغرب، ومن ثم على حلف الناتو، لأن قدرات الصين الذاتية مع وحدة أراضيها يمكن أن تضع  حداً لهيمنة الغرب على العالم.

    أما الخطر الروسي: فهو نسبي آني، ولهذا تتجه العلاقات الغربية-الروسية عموماً نحو المزيد من التعاون والتكامل، زيادة على أن روسيا قوة تقليدية مثلها مثل القوى الغربية بمنظور موازين القوى العالمية. أما الصين، فتنتمي إلى جيل جديد من القوى، إذ تزداد قوتها دون أن تظهر لها  طموحات إستراتيجية أو أن تطرح بدائل للمنظومة القيمية(الديمقراطية، والليبرالية) الغربية.

      والجدير بالذكر: ان رؤية الصين عدواً إستراتيجياً بعيد المدى للغرب بزعامته الأمريكية على مدى القرن الواحد والعشرين وربما أبعد من ذلك: لا تنفي أنها ما زالت من الناحية الواقعية بعيدة المنال عن إمكانيات وقدرات(حلف الناتو) الحالية والمستقبلية ما لم ينضم لعضويته كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا في وقت لاحق، أو في إطار ما يسمى بــــــــــــــــــــــ(الشراكة المباشرة)، فضلاً عن دول مختارة من منطقة جنوب شرق آسيا، المتميزة بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من أجل الإحاطة الإستراتيجية بالصين، وإحكام الطوق عليها من الشرق والجنوب، وإضعاف خياراتها الإستراتيجية مستقبلاً.

     ومما سبق نرى: ان توسع حلف الناتو هو: محصلة طبيعية للمتغيرات الجذرية التي طرأت على الوضع الدولي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، والخلل الخطير في ميزان القوى الاستراتيجي على الصعيد العالمي، أن إستراتيجية توسع حلف الناتو يجب أن تشير وفق سياقات وتصورات أمريكية بحتة تؤكد عن طريقها الولايات المتحدة الأمريكية إلى: تثبيت الواقع الناجم عن هذا الخلل، وتوظيفه في خدمة استراتيجيتها للهيمنة على العالم، ومازالت قوتها الصاروخية النووية المظلة التي تحتاجها أوروبا لحماية أمنها واستقرارها آزاء مصادر التهديدات الجديدة، ولخلق حقائق على الأرض تعيق نهوض الخصم المنهزم وعودته إلى الاضطلاع بدور منافس يعيد بعض التوازنات إلى العلاقات الدولية، وهذا يفترض: تطويق روسيا، وإلغاء دور الأمم المتحدة، وإضعاف الدور الأوروبي، وإلتحاقه بالاستراتيجية الأمريكية، وإرغام العالم على القبول بشرعية الدور الأطلسي-الأمريكي الجديد الذي يطلق الذراع العسكري للحلف في الزمان والمكان المناسبين.

     أن الموقف الروسي-الصيني من توسعات الحلف هو: موقف واضح، رافض لتك التوسعات عدّها محاولة لتحجيم الدو الروسي، والسيطرة على مناطق نفوذها، خاصة في شرق أوروبا، وان روسيا لم تعبر بشكل صريح عن عدم رضاها على توسيع الحلف، خشية على علاقتها الجديدة مع الحلف في إطار الشراكة من أجل السلام، ومن ثم فإنهّا لم تتخذ مواقف معبرة عن هذا الرفض من حيث الاسلوب او إتخاذ المواقف والادوار المحددة تجاه هذا الرفض. أما بالنسبة للصين، فإنهّا تستشعر من أخطار حقيقية لتوسع النطاق الجغرافي للحلف في أوروبا فهي تعدّها خطوة قد تتبعها خطوات مماثلة في آسيا، وهي تدرك: ان توسع الحلف نحو آسيا قد تصبح اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مجالات مطروحة لدور أمريكي-أطلسي قد يؤثر على طموحاتها بالمنطقة، كما أنهّا تعتمد موقفي: الحذر والهدوء في تبني موضوع الاحلاف العسكرية ومعارضتها، فهي ترفض وبإستمرار نظام الاحلاف العسكرية، والعودة إلى عقلية الحرب الباردة، لذا فهي لا ترغب بالدخول في مواجهة مع هذا الحلف.

المطلب الثاني: منظمة شنغهاي:

   منظمة شنغهاي للتعاون هي: منظمة دولية حكومية عاملة بصورة دائمة، وقد أعُلن عن تأسيسها في حزيران من العام 2001م، في شنغهاي جمهورية الصين الشعبية، وتضم هذه المنظمة كلا: من كازاخستان والصين وقيرغيزيا وروسيا وطاجيكستان واوزبكستان، واربعة أعضاء مراقبين، هم: الهند وإيران ومنغوليا وباكستان. أما افغانستان فتشارك في عملها تحت إطار مجموعة(منظمة شنغهاي للتعاون-افغانستان)، وتُنظر المنظمة في طلب كل من: إيران وباكستان لنيل العضوية الكاملة فيها منذ العام 2006م، كما تم الإعلان عن أن المنظمة ستكسب شريكين جديدين في الحوار، وهما: بيلاروسيا وسريلانكا. يُنظر إلى الجدول ادناه.(1)

جدول(8)  الدول الأعضاء والمراقبين والشركاء في منظمة شنغهاي للتعاون، حتى عام2012م:

الدول الأعضاء المراقبين الشركاء في الحوار
الصين الهند بيلاروسيا
روسيا إيران سريلانكا
كازاخستان الباكستان
قرغيزيا منغوليا
طاجكستان
أوزبكستان

الجدول من إعداد الطالب بالاعتماد على: موقع المنظمة، 2010، على شبكة المعلومات وعلى الرابط الآتي: http://www.sectsco.org/EN/index.asp       

     حيث تبلغ المساحة الإجمالية للدول الاعضاء في منظمة شنغهاي حوالي(30)مليون و(189)ألف كم، أي(5/3)، من مساحة اور-آسيا، وعدد سكانها(1,5)مليار نسمة، أي(4/1)، سكان الكرة الأرضية.

أما بخصوص الهيكل التنظيمي واجتماعات قمة منظمة(شنغهاي) للتعاون فيمكن بيانه كما في الجداول أدناه.

 

                                                                              جدول(9)الهيكل التنظيمي لمنظمة شنغهاي للتعاون

مجلس رؤساء الحكومات (رؤساء الوزراء) 
مجلس وزراء الخارجية
أجتماعات كبار مسؤولي وزارات الخارجية و/ أو رؤساء الأقسام
مجلس المنسقين بين الدول
الأمانة العامة للمنظمة (السكرتارية) 
لجنة كبار المسؤولين
مجموعات العمل الخاصة
المندوبين الدائمين للدول في الوحدة الإقليمية

لمكافحة الإرهاب

لمكافحة الإرهاب

المؤسسات غير الحكومية:
مجلس أعمال منظمة شنغهاي.
كونسرتيوم مصارف دول المنظمة
منتدى منظمة شنغهاي

 

المندوبين الدائمين للدول في الأمانة العامة للمنظمة  
الوحدة الإقليمية

لمكافحة الإرهاب  

مجلس الوحدة
لجان الوحدة التنفيذية

 

مجلس رؤساء الدول

[1].المصدر من إعداد الباحث بالاعتماد على: الموقع الرسمي للمنظمة، 23/5/2012، على شبكة المعلومات الدولية على الموقع الآتي:

                                                           http://www.sectsco.org/EN/index.asp

    ومن الناحية التنظيمية والإجرائية، نشأت منظمة(شنغهاي)للتعاون كشبكة تعاون بين الحكومات، تدار عَبِرَ آليات محددة مثل: القمم السنوية التي تعقد بين رؤساء دول المنظمة، وأيضاً عن طريق الإجتماعات العادية(يُنظر: إلى الجدول ادناه) التي يعقدها رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية وأيضاً الإجتماعات التي يعقدها كبار المسؤولين للدول الأعضاء، وجميع الدول التي تحمل صفة مراقب بإستثناء الهند عندما تحضر الإجتماعات السنوية سواء أكان على مستوى القمم أو رؤساء الحكومات أو وزراء الخارجية ترسل تمثيل دبلوماسي مكافئ لمستوى حضور الدول ذات العضوية التامة، وتعدّ المسائل المتصلة بالأمن من أكثر المواضيع إهتماماً في اللقاءات التي تعقد على مستوى العمل التنفيذي، والتي باتت هذه اللقاءات تضم خبراء في أمن المعلومات، وأمناء مجالس الأمن القومي للدول الأعضاء، فضلاً عن رؤساء المحاكم العليا.

جدول(10)اجتماعات قمة منظمة شنغهاي للتعاون خلال المدة بين الأعوام(2001م-2012م)

الأعوام الدولة المكان
14 حزيران 2001 الصين شنغهاي
7 حزيران 2002 روسيا سانت بترسبرغ
29 آيار 2003 روسيا موسكو
17 حزيران 2004 أوزبكستان طشقند
5 حزيران 2005 كازاخستان أستانا
15 حزيران 2006 الصين شنغهاي
16 آب 2007 قرغيزيا بشكيك
28 آب 2008 طاجكستان دوشنبي
15 – 16 حزيران 2009 روسيا يكاترنبرغ
10 – 11 حزيران 2010 أوزبكستان طشقند
14 – 15 2011 كازاخستان أستانا
6 – 7 حزيران 2012 الصين بكين

  المصدر من: إعداد الباحث بالاعتماد على: الموقع الرسمي للمنظمة، 23/5/ 2012، على الموقع الآتي:

http://www.sectsco.org/EN/index.asp

     حيث مثلت منظمة شنغهاي تطوراً غير مسبوق في طبيعة العلاقات الروسية–الصينية بعد مرحلة طويلة تأرجحت فيها العلاقات ما بين القطيعة والعداء، وصولاً إلى تطبيعها قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، كذلك كانت المنظمة فرصة لتجميع دول آسيا الوسطى ضمن منظومة إقليمية مركزية عملت على حل الكثير من المشاكل العالقة وإيجاد تسوية للمسائل الحدودية ومشاكلها الموروثة من الحقبة السوفيتية، كما أن إنضمام إيران والهند والباكستان كأعضاء مراقبين هو: مؤشر على الامتداد الجغرافي لهذه المنظمة، والتي بدأت تشمل أهم دول قارة آسيا وهو ما يثير، بالطبع المخاوف لدى الولايات المتحدة الأمريكية من أن يكون لهذا الوزن الجيوبولتيكي للمنظمة تأثير فاعل في السياسة الدولية. وعلى أساس هذا الامتداد المكاني الجغرافي والإقليمي للمنظمة، باتت هذه الأخيرة من ناحية المساحة الجغرافية التي تشغلها الدول الأعضاء فيها من أكبر منظمات التعاون الإقليمي في العالم، فهي تمتد من (كالينغراد) في غرب روسيا إلى (فيلادوفستك) شرق سيبيريا الجنوبية، ومن البحر الأبيض في الشمال إلى بحر الصين الجنوبي، وفي حال أضيفت الهند وإيران والباكستان كأعضاء تامين سوف تصل حدود المنظمة إلى المحيط الهندي ومياه الخليج العربي.

    وترى كل من: روسيا والصين: بأنّ قيام أو تأسيس منظمة(شنغهاي) يأتي منسجماً مع سياسات البلدين الاقتصادية التي تذهب نحو: تعزيز التعاون الاقتصادي ما بين البلدين، وتشكيل هذه المنظمة ينصب في مصلحة البلدين، فمن ناحية الصين، فإنّ عضويتها في هذه المنظمة يدعم نموها الاقتصادي عن طريق تزويدها بالمواد الخام والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، فضلاً عن فتح أسواق الدول الأعضاء في المنظمة قبالة المنتجات الصينية الرخيصة.

كما وساعدت منظمة(شنغهاي) للتعاون على تعزيز الثقة المتبادلة وحسن الجوار بين البلدان الاطراف فيها، ودعم التعاون الفعال بينها في المجالات: السياسية والاقتصادية والتجارية والعلمية-التقنية، وكذلك في مجال التعليم وصناعة الطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة وغيرها، والعمل معاً على دعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، والمضي قُدما نحو إقامة نظام سياسي واقتصادي دولي جديد ديمقراطي وعادل ورشيد.

      وفي قمة(شنغهاي) التي إنعقدت في حزيران من العام 2005م، وضمن المساعي الحثيثة لكل من: روسيا والصين لتحجيم الدور والنفوذ الأمريكي، خاصة في منطقة آسيا الوسطى، حيث طالبت روسيا والصين في تلك القمة من الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها في كل من: قرغيزستان وأوزبكستان. لكن الولايات المتحدة الأمريكية مانعت وإتهمت وسائل إعلامها روسيا والصين بابتزاز حكومات المنطقة وإرهابها لتفكيك القواعد الأمريكية في المنطقة.

   أن روسيا عولت على منظمة(شنغهاي)، التي تعد أحدث شكل من أشكال التعاون الإقليمي، فقد سعت المنظمة في نهاية العام 2006م، لتوحيد القوات الجوية بين الدول الأعضاء كخطوة أولى على طريق تشكيل تحالف عسكري مشترك يقف بوجه التحديات والمخاطر الخارجية، من بين تلك التحديات هي: منافسة حلف الناتو، والوقوف بوجه اهدافه التوسعية باتجاه شرق ووسط أوروبا، وهي الفكرة التي عملت روسيا طويلاً على تحقيقها لمّا تراه من خطر توسع (حلف الناتو) في مناطق نفوذها، وكذلك تهديد مصالحها وأمنها القوميين.

    أما بالنسبة للصين عملت جاهدة على تقوية وتنشيط دور منظمة(شنغهاي) في العلاقات الإقليمية بين أعضائها من جهة، وبينها وبين منظمات تعددية مؤسسية من جهة أخرى، ومرجع ذلك: كون ان الصين عازمة على أن تنخرط في الدبلوماسية التعددية لما لها من منافع يمكن أن تجنيها، ففي قمة(شنغهاي) في العام 2003م، اقترحت الصين على: ان تبدأ المنظمة حواراً مع (حلف الناتو)؛ لأنها تدرك جيداً: أن الحلف أصبح متواجداً في منطقة آسيا الوسطى عسكرياً، خاصة في أفغانستان بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م،  كما وأن معظم دول المنظمة لديها علاقات شراكة مع(حلف الناتو) وروسيا.

   فمن الملاحظ: أن تطورات الأحداث، وزيادة التخوفات من التواجد العسكري الأميركي في آسيا الوسطى، جعل الصين تتحمس أيضاً للتعاون الأمني والعسكري مع روسيا في إطار منظمة (شنغهاي)، بحيث شهد شهر أب من العام 2005م، أول مناورات عسكرية مشتركة في تاريخ الدولتين الكبيرتين روسيا والصين، وهو الحدث الذي آثار قلقاً وتوتراً كبيرين في الغرب، خاصة لدى دول (حلف الناتو) والولايات المتحدة الأمريكية، التي نجحت طيلة أكثر من نصف قرن في الحيلولة دون التقارب العسكري بين روسيا والصين.

   كما أن منظمة(شنغهاي) للتعاون توفر ترتيباً مؤسساتياً قيماً يضمن لروسيا والصين: عدم تعرض مصالحها إلى التقليص بفعل النفوذ الأمريكي الآخذ بالاتساع في منطقة ذات أهمية استراتيجية وأمنية واقتصادية كبيرة، كما أن إنشاء منظمة(شنغهاي) يأتي تتويجاً للجهود المبذولة من قبل الدول الأعضاء لمواجهة أخطار الحركات الدينية المتطرفة في المنطقة، وتحقيقاً لمزيد من التعاون الأمني في منطقة غنية بمواردها من البترول والغاز.

كما أن توسع (حلف الناتو)شرقاً في دول البلطيق، والاعلان عن أقامة الدرع الصاروخي الأمريكي في شرق أوروبا، قد ساعد على تقريب الصين من روسيا وباتت الدولتين تتحدثان لغة مشتركة. أما الطريق السلبي في معادلة التوازن في منظمة(شنغهاي) فيتمثل في دول آسيا الوسطى، التي تأرجحت بين التحالف مع حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أو مع روسيا والصين من جهة أخرى.(1)
أن التقارب الروسي-الصيني في منظمة(شنغهاي) وتشكيلها يفسر: محاولة كل من: روسيا والصين الاهتمام بمصالحها في منطقة آسيا الوسطى، واهتماماتها الآخرى كقطبين بارزين: فروسيا بثقلها السياسي الكبير وخلفيتها التاريخية، والصين العملاق الإقليمي الصاعد، وتحاول المنظمة عبر القطبين الرئيسيين فيها: تكريس مواقف واضحة لها، لاسيما فيما يخص شئون أعضائها ومراقبيها وشركائها، وحساب كل التحولات والتطورات فيها محلياً وإقليمياً ودولياً، وهو ما يبين الاهمية التي تأخذها المنظمة خارج جغرافيتها، خصوصاً لدى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
بحيث أصبحت، القوة العسكرية الروسية والصينية بات دورهما الأمني مرتبطاً بحماية دول المنظمة من أي عدوان خارجي، وأيضاً لمساعدتها في مواجهة أي إضطراب سياسي يمكن تفسيره على أنّه: مكافحة لحركات إرهابية تحدث في المنطقة.

    وفي النهاية نرى: ان منظمة(شنغهاي) قد وقعت بين قوتي جذب متنافرتين في الأهداف، ومتوازنتين في النتائج، حيث أن روسيا كانت تستهدف: إستغلال المنظمة لتحقيق تجمع عسكري آسيوي يحقق قدراً من التماسك قبالة الاختراق الأمريكي الذي بدأ مبكراً في جورجيا وأذربيجان، وكذلك تثبيت أقدامه بزرع قواعد عسكرية في كل من: أوزبكستان وقرغيزستان. أما الصين، فكانت تستهدف: إستغلال المنظمة كأبواب شرعية لمزيد من الغزو التجاري، والوصول إلى التنقيب عن النفط، وتأمين حاجتها من الطاقة.

   إلاّ أنّ هذا التنافس الروسي-الصيني بخصوص الأدوار المهمة في المنظمة لم يقف عائقاً قبالة كلتا الدولتين في الإستفادة من منظمة(شنغهاي) للتعاون في تشكيل جبهة سياسية مشتركة تقف بوجه خطر الثورات الملونة)، فالدور السياسي المركزي لكلتا القوتين قد تمثل في الحيلولة دون تغيير الأنظمة الشمولية، ومواجهة حركات التغيير، وتقديم الدعم السياسي لهذه الأنظمة بالضد من أي عقوبات من المحتمل أن يفرضها المجتمع الغربي. ولعل هذا الواقع جعل المنظمة أشبه بالحاضنة الإقليمية لمجموعة دول تتشابه مع بعضها بجملة من الخصائص والسمات السياسية، مثل: سيطرة النخبة السياسية الضيقة أو الحزب الواحد على مقاليد السلطة السياسية، بإستثناء روسيا التي تبدو أكثر الدول تمايزاً مقارنة بباقي دول آسيا الوسطى والصين الأعضاء في المنظمة، وان كانت روسيا نفسها بدأت تنحو بإتجاه حكم الأقلية السياسية الضيقة (الأوليجارشي)، وهو ما يفضي للإعتقاد: بأنّ الدور الروسي-الصيني في إطار المنظمة يسعى إلى تعزيز ثقافة حكم الحزب الواحد أو النخبة الضيقة، وكذلك إلى تعزيز دور الدولة في الإدارة والتحكم بالإقتصاد.

    كما وتُعدّ المنظمة بداية تفاهم استراتيجي روسي-صيني لموازنة التوجهات الأمريكية، لاسيما في مواجهة: الدرع الصاروخي الأمريكي، وكذلك الوقوف بوجه توسعات حلف الناتو في شرق أوروبا ووسط آسيا، والتي تعدّها كل من: روسيا والصين على أنهّا مناطق نفوذهما.

المطلب الثالث: تأثير العلاقات الروسية-الصينية في بعض الأزمات الإقليمية والدولية:

     شهدتّ فترة ما بعد الحرب الباردة تنامي ظاهرة(الانتشار النووي)، حيث لم يعد بإمكان الدول الكبرى، بوصفها الراعية لنظام عدم انتشار الاسلحة النووية والسيطرة عليه، الاستمرار في فرض هذه السياسة دون تحريات حقيقية: ناهيك عن الفشل النسبي لجهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مساعيها لمنع الانتشار النووي أو الرقابة عليه، الأمر الذي دفع باتجاه البحث عن وسائل اخرى في التعامل مع هذه الظاهرة، وعلى هذا الاساس تم إختيار الملف النووي الكوري الشمالي، والملف النووي الإيراني: كمواضيع عسكرية وأمنية مهمة لها تأثيراتها وتجاذباتها الإقليمية والدولية، وتأثير العلاقات الروسية-الصينية في تلك القضيتين، ومدى تأثيرها في العلاقة بينهما.

أولاً: الملف النووي الكوري الشمالي:

 آثار البرنامج النووي الكوري الشمالي مخاوف المجتمع الدولي، إذ كشف عن مدى الاهتمام والخوف لدى الاطراف الدولية، خاصة بعد أن أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية الاولى في 9/10/2006م، فكان لهذا الحدث تداعياته الخطيرة بدء بالإدانة الدولية لهذا الخطر، ومن ثم صدور القرار(1718)في 14تشرين الأول من العام 2006م، من قَبِلِ مجلس الأمن ضد كوريا الشمالية، فصوتت كل من: روسيا والصين لصالح القرار، ومن ثم صار الاتجاه إلى عودة المحادثات السداسية* بخصوص الملف النووي الكوري الشمالي.

   ولم تكتف كوريا الشمالية بتجربتها النووية لعام 2006م، وإنمّا عاودت الكَرةَ في العام 2009م، فقد واجهت بإدانة شديدة من قَبِلِ روسيا والصين، إذ وصفت تلك التجربة على أنها: تحدياً سافراً للأسرة الدولية، حيث هددت الصين كوريا الشمالية بقطع المساعدات الاقتصادية، ومنها: النفط مما أدى ذلك إلى: إجبار كوريا الشمالية للعودة إلى المحادثات السداسية في العام 2006م.

    أن الصين ترى في مضي كوريا الشمالية في برنامجها النووي، خاصة العسكري منه ما يعقد الوضع، في المنطقة ويصعد من حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية، ويزيد من إحتمالات النزاع، كما أن عدوى المغامرة النووية قد تنتقل الى بلدان أخرى، فقد سعت الصين جاهدة على اقناع كوريا الشمالية بالموافقة على إخضاع منشأتها النووية لأعمال التفتيش، مع ضرورة حصول كوريا الشمالية على ضمانات أمنية معقولة في إطار الأسرة الدولية مقابل تخليها عن برنامجها النووي العسكري.

   ودعمت الصين المحادثات السداسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية منذ أن تم العمل بها في أب من العام 2003م، فهي دعت إلى: حل الأزمة عن طريق الحوار، وكذلك أيدت أن تكون منطقة شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية، مع الانصياع لقرارات الشرعية، واحترم الالتزامات الدولية.

  وأعلنت الصين عن رغبتها في تسوية الأزمة، خاصة بعد أن إعترفت كوريا الشمالية بإمتلاكها أسلحة نووية، إذ دعتها إلى تجنب إجراء تجارب نووية؛ لأن ذلك سوف يزيد من شدة التوتر في المنطقة، ويساعد على إطلاق سباق التسلح، وخاصة مع كل من: اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ولذلك خرجت الصين عن صمتها تجاه الأزمة، وتضيفت المحادثات السداسية في أذار من العام 2007م، ومارست ضغوطها على حكومة كوريا الشمالية للاستجابة لمتطلبات الحل السلمي، وفي تموز من العام 2007م، اغلق مفاعل(يونغ بيون) وبدأت كوريا الشمالية بتعطيل المنشآت النووية الرئيسة هذا من جانب، ومن جانب أخر، دفعت الولايات المتحدة في أواخر عهد(بوش الأبن)كوريا الشمالية من اللائحة الخاصة بتصنيف الدول الراعية للإرهاب العالمي.

      أما روسيا، فإنّ موقفها من البرنامج النووي الكوري الشمالي يختلف عن الموقف الصيني، على الرغم من أن روسيا دعمت المباحثات السداسية من أجل إيجاد حل سريع يوقف كوريا الشمالية عن تطوير برنامجها النووي والصاروخي، وإنهاء ما يسمى بــــــــــ(مسألة الأزمة النووية في شبه الجزيرة الكورية)، كما وأن روسيا ليس من مصلحتها تطوير برنامج كوريا النووي؛ لأن ذلك سوف تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية كحجة لأحكام سيطرتها على المنطقة. وكذلك عارضت روسيا فرض عقوبات إقتصادية قوية ضد كوريا الشمالية بعد تفجيراتها النووية في العام 2006م، فهي خشت أن ترضخ كوريا الشمالية للضغوط الأمريكية بحيث تنجح والولايات المتحدة الأمريكية لكسبها عبر توحيدها مع حليفتها الغنية-كوريا الجنوبية، على غرار ما حدث مع المانيا  بعد سماح روسيا بوحدتها عقب إنتهاء الحرب الباردة.

      أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وموقفها من البرنامج الكوري الشمالي، فهي أبدت تحفظها وقلقها الشديد من البرنامج الكوري خاصة بعد التجربة النووية في العام 2006م، فهي صوتت على القرار(1718)الصادر من مجلس الأمن في العام 2006م، ضد كوريا الشمالية؛ وبسبب القرار الأممي عادت كوريا الشمالية إلى المحادثات السداسية، حيث أقرت مساعدات وضمانات أمنية يقدمها الطرف الأمريكي إلى الطرف الكوري الشمالي مقابل تخلي الثانية عن برنامجها النووي، إلاّ أن تلك المحادثات تعثرت بسبب تشدد مواقف الطرفين الأمريكي والكوري الشمالي، أذ طالبت كوريا الشمالية بتقديم اعانات مالية وأمنية، وإنهاء حالة العداء، وتطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، في حين كان موقف الولايات المتحدة الأمريكية يتمحور في: تفكك البرنامج النووي لكوريا الشمالية أولاً قبل تقديم الاعانات والضمانات الأمنية.(1)

   وفي 25آيار من العام 2009م، قامت كوريا الشمالية بإجراء تجربتها النووية الثانية تحت الأرض، والتي قوبلت بانتقادات شديد من جانب المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية واليابان، إذ أعلن مجلس الأمن في 12حزيران من العام 2009م، قراراً بالإجماع يتضمن: فرض عقوبات على البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، ويتضمن أيضاً إلزام: أعضاء الأمم المتحدة بفرض مراقبة مشددة على حمولات السفن والطائرات، وخصوصاً التي تحمل السلاح، والموارد العسكرية الآتية إلى كوريا الشمالية.

  حيث نرى: أن الولايات المتحدة الأمريكية والقوى المعنية بأزمة البرنامج الكوري الشمالي اتبعت ثلاث آليات رئيسية لإدارة تلك الأزمة، تتراوح بين سياسة الحوافز الاقتصادية والعقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى مرحلة التصعيد العسكري.

     والملاحظ: ان الولايات المتحدة الأمريكية لم تتمكن بشكل منفرد من تسوية الملف النووي لكوريا الشمالية بالطريقة التي تراها، نظراً لأن كل من: روسيا والصين من جانبهما لم يبديا المساعدة الكافية للولايات المتحدة الأمريكية، بل الأكثر من ذلك: إنهمّا عملا على جعل هذا الملف أحد القضايا التي تثبت عجز الولايات المتحدة الأميركية عن قيادة العالم كقطب واحد، بمعنى آخر: كأنمّا أرادت روسيا والصين أن يكون الملف النووي لكوريا الشمالي بداية الطريق لبناء عالم متعدد الأقطاب، عن طريق مشاركتهما بشكل مباشر في هذه القضية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس عندما بدأت ازمة البرنامج النووي الكوري الشمالي مع مطلع شهر كانون الأول من العام 2002، بإعلان(بيونغ يانغ) أنها ستعيد تشغيل مفاعلاتها النووية التي تعمل بــــــــ(البلوتونيوم)، والتي جمدت بعد إتفاق العام 1994م، لم تعد الولايات المتحدة الطرف الوحيد في المفاوضات، بل باتت كل من: وروسيا والصين أطراف فيها، فضلاً عن: اليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك الأمم المتحدة، وهو ما عرف بــــــــ(المحادثات السداسية).(1)

    وفي نهاية الأمر، وبخصوص البرنامج النووي الكوري الشمالي، نرى: ان مستقبل البرنامج النووي الكوري الشمالي، سيتأثر بالنجاح في تطوير نظام شامل للانتشار النووي يرتكز بالإساس على المعايير القانونية المتمثلة بالسماح للدول بإمتلاك التكنلوجيا النووية للأغراض السلمية، لاسيما اغراض التنمية، وفي الوقت نفسه تطوير آليات رادعة للدول التي تسعى لامتلاك السلاح النووي.

    ولعل المؤشرات التي باتت تطرحها هذه القضية أن التوافق الروسي-الصيني بخصوص الملف النووي لكوريا الشمالية، وتقديمهما الدعم الإقتصادي لها بالضد من العقوبات الأميركية المفروضة عليها، كان بمثابة: إضعاف للجهد السياسي الأميركي في جنوب شرق آسيا، ومن أجل إبقاء ميزان القوى متكافئاً بين كل من: روسيا والصين وكوريا الشمالية من جانب، والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكوريا الجنوبية من جانب آخر.

ثانياً: الملف النووي الإيراني:

     ترجع البداية الحقيقية لتبني إيران برنامجاً سريعاً في مجال الصناعة النووية إلى العام 1958م، الذي شهد سعياً للحصول على منزلة مهمة في سلم القوة الشاملة، فمنذ ذلك الوقت وإيران تعمل على بناء برنامج ضخم في المجال النووي من خلال إمتلاك القاعدة التكنولوجية والعلمية التي اخذت بالتطور منذ العام 1958م، عندما انشأ شاه إيران مركزاً للأبحاث النووية في جامعة طهران للقيام بأبحاث الفيزياء النووية، وفي العام 1967م، وقعت إيران إتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية تنص على تجهيز الأخيرة إيران بمفاعل قدرته(5ميغاواط) من نوع(POLL-TYPE)، منتج من شركة (جنرال اتوميك كوربونيتش) الأمريكية شرط خضوعه لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي وافقت إيران عليها لينتقل وقوده الخاص من الولايات المتحدة الأمريكية إلى إيران.

      إلاّ أن النشاطات النووية المهمة بدأت بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991م، حيث الاصرار الإيراني على تخصيب اليورانيوم أحد اقوى بواعث الشكوك الدولية، ولاسيما الأمريكية والاوروبية في مقاصد إيران، على الرغم من ان معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ليس فيها ما يحول دون استخدام أي تقنية تراها الدولة الراغبة في ذلك على أن تكون لأغراض سلمية، ولأن الأمر يختلف في حالة إيران، نظراً لتعلقه بإمكانية استخدام القدرة النووية لأغراض عسكرية، فقد استدعى ذلك: فرض الرقابة على نشاطها النووي.

 وبعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، ثم الحرب على العراق، اتبعت الإدارة الأمريكية نهجاً تصعيدياً ضد إيران وعمدت بين الحين والآخر إلى التلويح بأن مجالات التعامل مع البرنامج قد تتسع لتشمل الخيار العسكري.

       لقد تعاقبت الأحداث بسرعة بعد هجمات 11/أيلول من العام 2001م، وانعكست على العلاقات الدولية، إذ وضعت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية مكافحة ما أسمته بــــــــــــ(الإرهاب)، وبدأت هذه الاستراتيجية بالحرب على أفغانستان، وتصريحات الرئيس الأمريكي السابق(بوش الأبن)في 29/كانون الثاني من العام 2002م، حول ما أسماه بـــــــ(دول محور الشر) والمقصود بها هي(إيران والعراق وكوريا الشمالية).

      لقد نشبت الأزمة النووية الإيرانية، عقب إقدام إيران على تطوير قدراتها في مجال تخصيب اليورانيوم، وذلك حينما اتضح في أواخر العام 2002م، أن الحكومة الإيرانية تقوم ببناء منشأتين سريتين: الأولى/لتخصيب اليورانيوم بالقرب من مدينة(ناتنز)، والثانية/لإنتاج الماء الثقيل بالقرب من مدينة(أراك)الواقعة غرب طهران، من دون إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعلى الرغم من ذلك، وفي تموز من العام 2002م، وقعت إيران وروسيا اتفاقاً لبرنامج طويل الأمد لتعزيز التعاون عن طريق بناء عدة مفاعلات نووية التي من المخطط أن تصل إلى ستة مفاعلات وبرنامجاً مشتركاً لإنتاج الطائرات، وبذلك أضحى البرنامج النووي الإيراني مصدراً مهماً لخلافات مهمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

     وخلال اللقاء الذي تم بين الرئيس الروسي(بوتين) مع سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السابق ورئيس الإيراني الحالي(حسن روحاني)بموسكو في العام 2005م، أعلن الرئيس الروسي: عن أن بلاده ستواصل تعاونها مع إيران في كافة المجالات بما في ذلك المجال النووي، لكن بوتن آشار على أهمية مواصلة إيران الالتزام بكل التعهدات التي أخذتها على نفسها على المستويين: الثنائي والدولي.

      فقد وصف الرئيس الروسي إيران بأنهّا: شريك قديم ومهم لروسيا، أن الموقف الروسي من الأزمة الإيرانية يتمثل في أن يتم التعامل مع الأزمة النووية الإيرانية بالعقلانية، وأن يكون لإيران حق الاحتفاظ ببرنامج نووي مدني مع تقديم الدعم لها في مجال تطويرها البرنامج، بشرط أخذ ضمانات كافية من قَبَل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية مقابل أن تتخلى عن النشاطات النووية العسكرية، ان اهمية العلاقات بين روسيا وإيران ليس التعاون الثنائي بمجال استخدام الطاقة الذرية فقط، وإنما أيضاً في مجال إستثمار ثروات بحر قزوين، خاصة أن موقف البلدين متطابق بشأن إغلاق حوض البحر على الدول المطلة عليه، وعدم السماح بوجود قوات أجنبية.

    أن موقف روسيا يهدف إلى: إغلاق الطريق قبالة مساعي إيران لتخصيب اليورانيوم، والحصول على تقنيات نووية من الممكن استخدامها لأغراض عسكرية، وهذا ما ترفضه روسيا بشدة، فروسيا تؤيد حق إيران في استخدام الطاقة الذرية لأغراض السلمية، فقد سعت كل من: روسيا والصين في محاولة: لنزع فتيل الأزمة بين إيران ووكالة الطاقة الذرية، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الترويكا الأوروبية*وبفضل جهود كل من: روسيا والصين إستبعدت مسألة استخدام القوة لحل الأزمة النووية الإيرانية.

   وتعتقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير نشرته في العام 2002م، أن إيران تخالف أنظمة معاهدة حظر الانتشار النووي للعام 1968م، لأنها لم تعلن عن نشاطات نووية مهمة طيلة عشرين عاماً، ومنذ ذلك التاريخ وحرب التهديدات والعقوبات والتهويل الاعلامي في سجال بين إيران من جهة، والمجتمع الدولي ممثلاً بمجموعة(الخمسة+ واحد)*من جهة اخرى، وفي المقابل كانت روسيا والصين يرفضان أي عقوبات اقتصادية مشددة على إيران، كما تُعارضان الحل العسكري لمهاجمة المفاعلات النووية، حيث كانت روسيا تستخدم هذا الملف في علاقاتها المتقدمة مع إيران لاستعادة نفوذها في إحدى المناطق المهمة بالشرق الأوسط.

     بحيث أبدت روسيا مرونة كافية مع الموقف الأمريكي تجاه الملف النووي الإيراني، وقامت سياستها على أساس الموازنة الدقيقة بين المحافظة على مصالحها وعلاقتها مع إيران من جهة، والحيلولة دون تحول إيران إلى قوة نووية من جهة أخرى، بحيث إنضمت روسيا في العام 2003م إلى كل من: الولايات المتحدة الأمريكية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما ايدت أعمال التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المنشآت النووية، ودعت إلى ضرورة تعاون إيران معهما للتأكد من عدم استخدام المشروع النووي لأغراض عسكرية.

     لقد أصبحت الأزمة النووية الإيرانية واحدة من القضايا التي تثيرها الولايات المتحدة الأمريكية وجميع حلفاؤها، وأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تثير هذه القضية مع روسيا باعتبارها الحليف العسكري لإيران، وكانت تسعى إلى: فك ذلك الحلف، ومنع تصدير التكنولوجيا النووية إلى إيران؛ لأن ذلك سيؤدي إلى: تهديد المصالح الأمريكية والغربية.

     فضلاً عن: سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى تجريد روسيا من إستخدام الملف النووي الإيراني كورقة ضغط عليها، إذ كان وما زال الملف النووي الإيراني من أهم نقاط الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فملف إيران النووي من وجه النظر الأمريكية يشكل تحدياً يجب التعامل معه بسرعة،  في حين لا ترى روسيا في البرنامج النووي الإيراني ما يستدعي تخوف الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي.

  ان ثبات الموقف الروسي الرافض لفرض عقوبات دولية على إيران، ومنعها من تطوير برنامجها النووي يعود بالدرجة الاولى إلى: مهارة القيادة الإيرانية في إدارة المعركة الدبلوماسية لملفها النووي، وكذلك قوة إيران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً قبالة الضغوطات الأمريكية، وقدرتها على ردع الولايات المتحدة الأمريكية عن مهاجمتها، أي ان الموقف الروسي يتغدى بالموقف الإيراني، والعكس صحيح.

     كما أن روسيا خالفت رأي الولايات المتحدة الأمريكية في نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، وإنتقدت التهديدات الأمريكية لإيران، عاداً إياها فارغة المضمون، وخصوصاً: انه لم يثبت إمتلاك إيران للسلاح النووي أو سعيها الجاد لذلك، فقد ناشدت روسيا الأمريكيين مع الأوروبيين(الترويكا) لتسوية المسألة دبلوماسياً، والابتعاد عن مجلس الأمن، ومن جانب آخر: دعت إيران إلى إبداء تعاون أكبر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

    ومثلما كان لروسيا دور في تنمية البرنامج النووي الإيراني، كذلك كان للصين إسهام في هذا المجال، هذا ما يدل على أن الدولتين يتبنيان سياسة تكاد أن تكون موحدة تجاه تقويم وتقوية الأنظمة المعادية للسياسة الأمريكية، وخاصة الدول التي من المتوقع أن يكون لها دوراً إقليمي مؤثر في المصالح الأمريكية.

   ان العلاقة بين كل من: روسيا والصين بإيران كانت تتسم في الكثير من الفترات الزمنية بنوع من التنسيق والتفاهم الإيجابي بحيث اثار حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية، وطلبت من روسيا والصين بالضغط على إيران للكف عن دعم الإرهاب، والتخلي عن برنامجها النووي، حيث نرى: أن التباعد الأمريكي-الإيراني قد أنتج تقارب إيراني مع كل من: روسيا والصين، وتحولت القضية الإيرانية إلى محك للتنافس، وإثبات الدور على المستوى العالمي، فعدم أستجابة روسيا والصين للضغوطات الأمريكية بخصوص البرنامج النووي الإيراني يفهم على أنه تأكيد لعدم أحادية صنع القرار الدولي، وكذلك عدم ترك الولايات المتحدة الأمريكية تحتكر عملية تسوية القضية، وإرغامها على إشراكهما كطرفين فاعلين في هذا الملف.

    ان الموقف الروسي-الصيني من الأزمة النووية الإيرانية هو متطابق إلى حد كبير، فهما دعتا إلى: عدم استخدام القوة العسكرية عن طريق إحالة الملف إلى مجلس الأمن؛ نظراً للمصالح العسكرية والنفطية التي تربط هذين البلدين مع إيران، ناهيك عن اعتبارات متعلقة بالهيمنة والنفوذ الدوليين، فهي مواقف مصلحية أكثر منها مبدئية، وأن ارتباط مصالح هذه الدول بشكل شديد بالولايات المتحدة الأمريكية يجعل الاعتماد عليها حصراً أمراً غير مضمون بالنسبة لإيران.

     أما بخصوص تأثير العلاقات الروسية-الصينية في بعض الأزمات الإقليمية والدولية، ومن ثم موقف البلدين من البرنامجين: النووي الكوري الشمالي والبرنامج النووي الإيراني، إذ نرى: ان هناك إجماع من قَبِل كل من: روسيا والصين على تفكك البرنامج النووي الكوري الشمالي، فروسيا اشترطت: ضرورة الابتعاد عن استخدام القوة العسكرية، وأن تكون العقوبات محددة زمنياً. أما الصين، فهي أصرت على أن تشمل العقوبات: إتخاذ تدابير اقتصادية وتجارية، ولا تشمل الاستخدام التلقائي للقوة العسكرية.

     وبغض النظر عن تطورات الأزمة الإيرانية، إلاّ أنّ ما يستحق الإشارة هو: ان هذه الأزمة التي لم تكن فيها الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الوحيد بقدر ما كانت جزءاً من سلسلة أطراف مؤثرة تضم: روسيا والصين فضلاً عن دول أخرى.

   حيث نرى: ان الروسي والصيني يبدو وكأنه يدفع بإتجاه دعم تصعيد الأزمة، وبشكل معاكس للتوجه الأميركي، ومثلما يرد الموقف الروسي والصيني تجاه إيران إلى: رغبتهما في تطوير مصالح مع دولة تُعدّ مركزاً مهماً للطاقة في العالم، كذلك يرد جزء من هذا الموقف إلى: عدم قيام إيران بأي دور في منطقة الجمهوريات الإسلامية التي نشأت بعد تفكك الإتحاد السوفيتي، وعدم إستغلالها للعامل الإسلامي بشكل يؤثر سلباً في مصالح روسيا أو الصين بحيث كان لهذا القرار الإيراني إنعكاس إيجابي على تعاون كلتا الدولتين مع إيران على خلاف الموقف التركي الذي كان يجد له دعماً وتأييداً من الولايات المتحدة الأمريكية.

      لقد كان السياق الدولي الذي تطور مع إدارة الملف النووي الكوري الشمالي له انعكاسات كبيرة على تحديد مستقبل الملف النووي الآخر، وهو: الملف النووي الإيراني الذي وأن تراجع إلى المرتبة الثانية بعد الملف الكوري الشمالي، إلاّ أنّ سلوكية إيران تأثرت بشكل كبير بكيفية تسوية الملف الكوري الشمالي، علماً أن إيران تمتك ورقتين أساسيتين لا تمتلكهما كوريا الشمالية، وهما: حجم القوة الأقتصادية والسياسية من جهة، والهدف المعلن بالحصول على قوة نووية مدنية عند إيران، وليس عسكرية كما فعلت كوريا الشمالية من جهة أخرى.

المبحث الثالث: البُعد الاقتصادي والثقافي-الحضاري:

     تولد عن الحرب العالمية الثانية حالة عالمية جديدة، تميزت: بسيادة نظام القطبية الثنائية، الذي صُبغَ باللون(الرمادي) للحرب الباردة. لكن سباق التسلح والصراع الصامت بين القطبين الكبيرين: الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، وأوضاع الاتحاد السوفيتي الداخلية منها البيروقراطية، والجمود الفكري، والفساد والتطورات العالمية الأخرى، أنهت الحرب الباردة، بتفكك الاتحاد السوفيتي، وتراجع الدور الروسي، وسيادة نظام القطبية الأحادية، وتصوير ذلك كله على أنّه: انتصار لليبرالية الاقتصادية الجديدة، وتتويج للرأسمالية العالمية، وللقيم الديمقراطية، ومبادئ حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، حيث إتُخذ من ذلك ذريعة للتدخل في الشئون الداخلية للدول المستقلة، فضلاً عن أنّ الاقتصاد العالمي واجه واحدة من أصعب الأزمات في تاريخه الحديث، وأكثرها حدة منذ أزمة الكساد الكبير في العام 1929م، حيث تضافرت العديد من الاسباب والعوامل، وتراكمت لعدة أعوام لتصنع أسوء أزمة يشهدها الاقتصاد الأمريكي والعالمي،   بحيث لم تقتصر تداعياتها على الأسواق المالية والبنوك فحسب، بل إمتدت إلى كل المرافق الاقتصادية في العالم، وكانت لها إنعكاسات بالغة الخطورة على معظم الاقتصاديات العالمية.

     كما أثرت الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، على الادوار، وطبيعة التفاعلات الدولية بين الدول الكبرى، الأمر الذي يرجع إلى إعادة التوازن على مستوى النظام الاقتصادي العالمي، مما يعني: إدخال التعديلات الضرورية على آليات عمل المؤسسات الدولية، والقيام بإصلاح مؤسسي يواكب التغيير الحاصل.

    ولذلك تم تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: تناولنا في المطلب الاول: الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008م، وتأثيرها في العلاقات الروسية-الصينية، فيما خصصنا المطلب الثاني لرابطة دول جنوب شرق آسيا(منظمة الآسيان)، وتأثيرها في العلاقة بين روسيا والصين، فيما تناولنا في المطلب الثالث: العلاقات الروسية-الصينية وتأثيرها في أطروحة صِدَام الحضارات.

المطلب الاول: الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008م، والعلاقة الروسية-الصينية:

    لقد أصبحت الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي في العام 2008م، مرحلة مهمة ومفصلية في تاريخ النظام الاقتصادي العالمي، حيث أثرت على كثير من مفردات وثوابت هذا النظام، فقد كشفت الأزمة المالية عن أن هناك قصور واضح في النظام العالمي الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية مع عجز ما يعرف بــــــــــ(آليات السوق)عن تصحيح نفسها، وهذا ما يتطلب: وجود تعاون مشترك بعد أن عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن قيادة العالم بمفردها، والحاجة إلى نظام دولي متعدد الاقطاب. بحيث فرضت الأزمة المالية العالمية التي إجتاحت العالم الرأسمالي الكثير من التساؤلات حول مستقبل النظام الرأسمالي العالمي، وأنعشت آمال الكثير من الاقتصاديين ذوي الاتجاهات المخالفة، وعلى رأسهم التيار الاشتراكي، وأخذ الجميع يعدّ العدة تهيئاً لما بعد سقوط(الرأسمالية)*

   ان الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أدت إلى: الاضرار بالنظام الرأسمالي الذي كانت تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية بوابة الديمقراطية، وأدت إلى خسائر إقتصادية، كما قد أدت تلك الأزمة إلى: تبخر زعامة الولايات المتحدة الأمريكية المعنوية والاقتصادية، وبدأ العالم يبحث عن نظام اقتصادي جديد أكثر وثوقاً واستقراراً.

أما تأثير تلك الأزمة في دول أوروبا وآسيا فقد تبين فيما يأتي:

-هبوط حاد في البورصات الأوروبية بهبوط ما بين(6-7%) في حادثة ليس لها مثيل.

– أعلنت بريطانيا: أن مستوى التضخم هو الأعلى منذ(16)عاماً متأثراً بالأزمة المالية الأمريكية.

– أعلنت المانيا: بأنهّا متأثرة بالأزمة بشكل قد يحل فيها الركود الاقتصادي.

– عمدت فرنسا إلى ضخ مبلغ(36)مليار يورو للجهاز المصرفي لمواجهة الأزمة.

– ضخت اليونان(28)مليار يورو للجهاز المصرفي لمواجهة الأزمة.

-إنخفاض النفط الأوروبي(برنت) دون(70) دولاراً للبرميل الواحد.

-إجتماعات مكثفة للمسئولين الأوروبيين، وعقد قمة لقادة(منطقة اليورو).(1)

-إنخفاض حاد في الأسواق المالية الآسيوية.

– شهدت بورصة كوريا الجنوبية هبوطاً بنحو(7%).

– شهدت بورصة هونك كونك هبوطاً بنحو(6%).

– خفضت الهند الاحتياط النقدي للمصارف فيها.

– إتتخذت اليابان إجراءات عده لمواجهة الأزمة على الرغم من هبوط حاد في الأسهم في بورصتها.

    يتضح مما سبق: إن الأزمة المالية العالمية كان لها تداعياتها وستستمر لفترة لاحقة، إذ أن الاقتصاد العالمي إتجه نحو الركود والكساد، وهذا بدوره جعل الحكومات المؤسسات والبنوك عاجزة عن تنفيذ سياساتها التنموية،  وربما  لا تقوم بعمليات التمويل والإقراض، وهذا بدوره حجم من أعمال التنمية والتشييد، ومن ثم  تراجع الطلب على الكثير من المواد والمنتجات المختلفة.(1)

  لقد إنتقلت الأزمة إلى معظم الأسواق المالية العالمية، فمباشرة بعد هبوط أسهم بورصة(وول ستريت)إنخفض المؤشر العام في أهم البورصات العالمية، كما مبين في الجدول أدناه:                          

           جدول(11) يبين مدى انخفاض المؤشر العام في أهم البورصات العالمية في العام 2008م:

البورصة فرانكفورت باريس لندن مدريد طوكيو شنغهاي ساو باولو الرياض دبي بيروت
نسبة انخفاض المؤشر (بالمئة) 07.1 06.8 05.4 07.5 03.8 05.1 06.00 09.8 09.4 03.00

المصدر من أعداد  الطالب بالاعتماد على: حنان عبد اللطيف، الاقتصاديات الخليجية وتداعيات الأزمة المالية، مجلة السياسة الدولية، العدد(175)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2009، ص176.

    كما إنعكست الأزمة المالية بآثارها في أغلب دول العالم، وكان انعكاسها متفاوتاً بين دولة وأخرى، ومن بين تلك الدول التي تأثرت بالأزمة المالية العالمية هي: دول الاتحاد الأوروبي، حيث إنخفضت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، فبعد أن كان يتراوح في عامي(2006-2007م)عند مستوى(3,46%)،(3,18%) على التوالي، إنخفض في عامي(2008-2009م)، إلى (0,6%) و(-4,1%)على التوالي.(2)

    وقد انعكست آثار الأزمة المالية العالمية على العالم أجمع من حيث: إنخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، والذي يتضح عن طريق الجدول ادناه:

       جدول(12) معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي من العام 2004م حتى العام 2009م:

الأعوام 2004 2005 2006 2007 2008 2009
المعدل العالمي 4,9 4,5 5,1 5 3,8 2,2
الإتحاد الأوروبي والدول المتقدمة إقتصادياً 2,69 2,16 3,46 3,18 0,6 -4,1
وسط وجنوب شرق أوروبا 8,3 7 7,7 7,6 6 3,3
شرق آسيا 8,9 8,9 10 10,4 8,4 7
جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي 6,4 5,9 6,1 6,4 5,1 4,2
جنوب آسيا 7,6 8,7 9,2 8,8 7,5 5,8
أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي 6,1 4,7 5,5 5,6 4,5 2,5
الشرق الأوسط 6,3 5,8 5,5 5,7 6 5,1
شمال أفريقيا 4,7 5 6,1 6,1 6,2 5,1
جنوب أفريقيا 7 6,2 6,3 6,6 5,3 5

 المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على:

  2010.p19.         -IMf, world Economic outlook database, October                                           

 كما ويوضح الشكل التالي التغيير في معدلات البطالة والناتج المحلي الإجمالي على مستوي العالم منذ العام 1998م وحتى عام 2008م.

المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على: محمد أحمد معيط، أثر الأزمة المالية الراهنة على خلق فرص عمل جديدة، منظمة العمل العربية، الرياض، 2010، ص12-23.

   وهناك العديد من الملامح والمؤشرات الاقتصادية التي دلت على: ضعف الاقتصاد الأمريكي، والتي هي في تزايد مستمر، وهذه الملامح هي الاساس في وقوع الاقتصاد الأمريكي في أزمات متكررة، ومن أهم الملامح: أولاً/تصاعد العجز التجاري، وثانياً/العجر في الحساب الجاري، وثالثاً/العجز في الموازنة العامة، ورابعاً/إرتفاع نسبة البطالة، وخامساً/تصاعد المديونية، وهذا ما سوف نوضحه في الجدول إدناه.

الجدول(13) بعض المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال المدة ما بين الأعوام(2000-2009):

 

الأعوام

 

    مقدار

العجز التجاري

 

   العجز في

الحساب الجاري

 

  العجز في

الموازنة العامة

 

الدين العام الإجمالي

 

معدلات البطالة%

2000 375,7 444,667 236,400 5674,18 3,9
2001 375,8 393,371 127,100 5807,46 4,7
2002 418 480,861 106,200 6228,24 5,8
2003 496,5 530,668 91,802 6783,23 6,0
2004 561,3 625,0 412,7 7379,05 5,5
2005 715,3 729,0 318,3 7932,71 5,1
2006 760,4 788,1 2482 8506,97 4,6
2007 701,4 731,2 162,2 9007,65 4,6
2008 695,9 673,3 458,6 9986,08 5,8
2009 390,1 418,0 1,412,7 11875,9 8,9

الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر الآتية:  .Economic indicators ,council of Economic Advisers,Washington,DC,2010,p32 1

    

   أما عن تأثير الأزمة المالية والاقتصادية في العلاقة بين روسيا والصين، في حين كانت الأزمة المالية في العام 2008م، على أشدها في الولايات المتحدة الأمريكية مع تداعيات كارثية في الاسواق الأوروبية والآسيوية، أظهرت رسملة سوق الأسهم والسندات الروسية، إنّه: خسر نصف قيمته، علماً أنهّا كان من أفضل الأسواق أداءً من العام 2005م، وحتى أوائل العام 2008م، فضلاً عنّ ذلك فقد كان على المصارف الروسية أن تسدد(16)مليار دولار في الربع الأخير من العام 2008م، إلى مؤسسات أجنبية، وتدفق الأستثمار إلى روسيا إنقلب إلى تحولات للخارج، حيث بلغت(15)مليار دولار في شهر آب من العام 2008م، وكانت التقديرات تشير إلى: تحولات على مستوى(30)مليار دولار في شهر أيلول في العام 2009م، وتقدر مجموعة السحوبات من روسيا في العام2008م، بــ(140)مليار دولار، لكن هذه الوضعية إنقلبت في العام 2009م، وتحسن مؤشر الأسهم في روسيا بنسه فاقت ما تحققه في غالبية البلدان الصناعية، كما تزايدت احتياطات روسيا بحيث تجاوزت لـــــــ(425)مليار دولار في آوائل العام 2010م.(

   حيث أثرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في الاقتصاد الروسي بشكل كبير جداً، حيث ارتفع معدل البطالة من(8,400%) في العام 2009م، بعد أن كان(7,200%) في العام 2006م، أما بالنسبة للناتج المحلي الجمالي فقد إنخفض من(10,046%) في العام 2000م، إلى(5,2%) في العام 2008م، كما شهد الاقتصاد الروسي معدلات متصاعدة من التضخم، من (9,679%)في العام 2006م، إلى(11,654%) في العام 2009م، وإنخفض الاحتياط المالي الروسي من(700)مليار دولار إلى(300)مليار دولار خلال العام 2008م، وكذلك سوف نوضح المؤشرات الاقتصادية الروسية قبل وبعد الأزمة المالية كما في الجدول فيما يلي.(

الجدول (14) معدل النمو الناتج المحلي الإجمالي والتضخم والبطالة في روسيا للمدة ما بين الأعوام(2000-2009)(%):

الأعوام الناتج المحلي الإجمالي التضخم البطالة
2000 10,046 20,776 10,519
2001 4,253 21,461 8,939
2002 7,253 157,83 8,000
2003 6,388 13,666 8,600
2004 6,388 10,887 8,200
2005 6,4 126,83 7,600
2006 8,2 9,679 7,200
2007 8,5 9,007 6,100
2008 5,2 14,108 6,400
2009 -7,8 11,654 8,400

الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر الآتية:

1.دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، أفاق الاقتصاد العالمي، الواقع والمخاطر، ترجمة:(شعبة اللغة العربية أدارة التكنولوجيا والخدمات العامة)، صندوق النقد الدولي، ابريل، 2013، الصفحات: 153-158-167.

     أما بخصوص تأثير الأزمة المالية العالمية في الصين، فعلى الرغم من أن الازمة المالية والاقتصادية في العام 2008م، أثرت سلباً في معظم اقتصادات المتقدمة في العالم، فقد واصلت الصين معدلات نموها، محققة معدل نمو بلغ(9,1%) في العام 2009م، كما وصل إجمالي ناتجها المحلي في العام نفسه إلى(9,2)مليار دولار، هذا لا يعني: ان الصين لم تتأثر بالأزمة المالية. لكن تأثيرها بمعدلات أقل مما هي في بقية دول آسيا، فصعدت بذلك إلى المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وكان لصعود الصين وعدم تأثرها الكبير بالأزمة المالية والاقتصادية تداعيات على المستويين: الإقليمي والدولي فقد إرتبطت الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الآسيان بشبكة متداخلة من العلاقات التجارية والاستثمارات. ولكن صعود الصين أصبح يهدد عدداً من المصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مثار قلق لدول الآسيان المجاورة من حيث تخوفها من تحولها إلى مرتبة الدول التابعة للصين.

   وعمقت الأزمة المالية من التباين بين الصين بوصفها أعلى الاقتصادات نمواً، والولايات المتحدة التي أصبح اقتصادها بفعل الأزمة المالية يشهد معدلات نمو سالبة وركود، فقد عملت الحكومة الأمريكية إلى محاولة الضغط على الصين لرفع قيمة عملتها، كما رفعت من درجة نشاطها الدبلوماسي في منطقة الآسيان وآسيا الوسطى وآسيا الباسيفيكي، حيث يبدو تمدد النفوذ الصيني في هذه المناطق على حساب وجود أمريكي متناقض بفعل ما فرضته الأزمة المالية العام 2008م، من أولوية الشأن الداخلي، وإعادة هيكليته وبنائه، كما يجب عدم اغفال الضغوط المتزايدة التي تضعها تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على العلاقات الصينية-الأمريكية، حيث أن هذه الأزمة وضعت نهاية للمدة التي كانت فيها العلاقة التجارية بين البلدين تمثل عامل استقرار، ودشنت بداية مرحلة جديدة، تصبح فيها مصدراً لتوتر ونزاع متصاعد.       

     حيث كان النجاح الصيني في ظل الأزمة المالية على صعيدي: التجارة الدولية والاحتياطات المالية عن طريق الإبقاء على سعر صرف عملتها الوطنية(اليوان)من أبرز الأسباب التي أدت إلى: زيادة الحساسيات السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ومن ثم تحولت الصين من حليف اقتصادي يعتمد عليه في إنعاش الطلب العالمي، خلال الأزمة المالية العالمية إلى مشاكس عنيد يصر على دعم عملته وصادراته الخارجية، يُنظر الجدول أدناه

الجدول(15) معدل النمو الحقيقي والاحتياطات الخارجية وحجم التجارة في الصين للمدة ما بين الأعوام(2000-2010م):

 

الأعوام

 

النمو الحقيقي %

 

الاحتياطات الخارجية بمليار دولار

 

الصادرات بمليار دولار

 

  الواردات

 بمليار دولار

 

حجم التجارة

الصينية العالمية

بمليار دولار

2000 8 168,9 249,303 225,094 474,3
2002 8 292,2 325,591 295,171 620,6
2004 8,4 615,5 622,808 581,727 1204,5
2006 12,7 1,069,5 969 792 1761
2008 9,6 1,950,3 1203,5 928,7 2132,2
2010 10,3 2,889,6 1300,1 1011 2311,1

  الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر الآتية:

 1.IMF, Direction of trade Statistics Year Book, Washington D.C.2012,p.p131.       

    وعززت الأزمة المالية من مكانة الصين كقوة اقتصادية، فحقق الاقتصاد الصيني نمو بلغ(9,6%)في العام 2008م، في حين كانت تعاني معظم بلدان العالم من الانكماش، وتعكس الارقام القوة الاقتصادية للصين، حيث بلغت احتياطاتها الخارجي(1,950,3)مليار دولار في العام 2008م، إذ زادت بنسبة عالية لتصل(2,889,6)في العام 2010م، وقد استخدمت الصين (586)مليار دولار لتنفيذ خطة ناجحة للإنعاش الاقتصادي، حيث تشير معظم الدلالات إلى أن الصين هي الرابح في ظل الأزمة المالية العالمية، وأن ذلك سوف يؤهلها لأن تصبح متحدياً للهيمنة الأمريكية.(1) أن جهود الصين المبذولة في استقرار التنمية الاقتصادية، وموقفها الإيجابي في مواجهة الازمة المالية العالمية حظيت بإشادة من قَبِل المجتمع الدولي، وفى القمة الاسيوية-الاوربية التي أقيمت ببكين في العام 2008م،  فقد آشار الرئيس السلوفيني(دانيلو تورك)، إلى أن الصين أصبحت قوة هامة لا غنى عنها خلال مواجهة الأزمة المالية العالمية، لان التنمية الاقتصادية الصينية بصورة مستقرة ستسهم في التنمية الاقتصادية العالمية.

  وفي ذات السياق تبدو الصين طرفاً أساسياً في أي إجراءات لمواجهة الأزمة الدولية؛ نظراً لأن لديها احتياطي هائل من العملات الأجنبية، فضلاً عن أن الاقتصاد الصيني يُعدّ أحد أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم، ومن ثم فإنّ الصين من الدول القليلة التي لديها فائض من السيولة يُمكنها من مساعدة الدول الأخرى، حيث تسعى الصين جاهدة إلى حل الأزمة المالية العالمية، لكن مقابل ذلك تريد الصين قوة وصلاحيات أكبر داخل صندوق النقد الدولي الذي تسيطر عليه أساساً الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.

    وفي ظل تنامي إنعكاسات الأزمة المالية على دول العالم، تسارعت أغلب الدول إلى إتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة الأزمة المالية في الداخل، فضلاً عما ضختهُ دول العالم من أموال لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، إذ إنّ تفاقم أثر الأزمة المالية على الاقتصاد الأمريكي يكون أثره الأكبر على الدول ذات التشابك الاقتصادي الكبير مع الاقتصاد الأمريكي، ومن ثم فإنّ تخفيف حدة الأثر على الاقتصاد الأمريكي يضمن استقرار اقتصادات هذه الدول.

     كما إن روسيا والصين لديهما مواقف متماثلة بشأن إصلاح النظام المالي العالمي، وهذا ما قالة مساعد الرئيس الروسي( دفوركوفيتش)، في لقاء صحفي نقلته وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”: أن روسيا والصين أعربتا عن دعمهما لفكرة “عملة احتياط عالمية”، وعقد البلدان مناقشة بخصوص هذه القضية وأضاف(دفوركوفيتش)، أن قمة مجموعة العشرين في لندن قد تبدأ في تشاور واسع حول هذه القضية،  واشار إلى أن تطبيق عملة احتياط عالمية في الميزان الدولي والتجارة الدولية يمكن وضعه في الاعتبار على المدى القصير.

      وضمن التنسيق والتعاون ما بين كل من: روسيا والصين من أجل مواجهة الاخطار الاقتصادية التي خلفتها الأزمة المالية في العام 2008م، صرح الرئيس الصيني(هو جين تاو)، في اجتماع ثنائي مع الرئيس الروسي(دميدفديف)، على هامش قمة مجموعة الـــــــ(20) بواشنطن في تشرين الثاني في العام 2008م، بشأن الاسواق المالية والاقتصاد العالمي: إنّه ينبغي ان تعزز روسيا والصين التعاون في الجهود المبذولة للتخلص من التأثير السلبى للازمة المالية، والحفاظ على استقرار أسواقهما المالية، مشيراً إلى صعوبة الأزمة المالية التي ضربت العالم في العام 2008م، وتأثيرها في العلاقة بين الدولتين.

    وعن طريق دراسة الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، والتي عصفت بالاقتصاد العالمي، وتأثيرها على اقتصادات دول العالم، فقد تبين: ان هناك تأثير للأزمة المالية العالمية في كل من: روسيا والصين، إلاّ أنّ درجة تأثرهما بالأزمة  كانت محدودة مقارنة ببقية الدول.

   إذ إنخفاض حجم التبادل السلعي بين روسيا والصين في العام 2008م؛ وذلك على خلفية الأزمة المالية العالمية، وبموجب نتائج العام 2009م، تقلصت التجارة الروسية-الصينية بنسبة (38.5%)بالمقارنة مع نتائج العام 2008م، بما في ذلك: إنخفض التصدير الروسي إلى الصين بنسبة(41%)، وتقلص الاستيراد الروسي من الصين بنسبة(36.8%)، الامر الذي سجل عجزاً في تجارة روسيا مع الصين بقيمة(1.5)مليار دولار. لكن هذا لا يعني: ان العلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين لا تستطيع إعادة عافيتها من جديد، حيث تتوفر الإمكانيات والقدرات كافة اللازمة لكي يصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى المستوى الذي يجعل تطوير العلاقة بينهما، ولاسيما الاقتصادية أمراً ضرورياً في ظل التحديات التي تشهدها الساحة الدولية.

    ومما سبق نرى: أن الأزمة المالية والاقتصادية في العام 2008م، قد قربت من سياساتهم: الاقتصادية والسياسية لدى كل من: روسيا والصين بحيث أصبح هناك تنسيق وتعاون مشترك في المجالات كافة، لا سيما في المجالين: العسكري والاقتصادي؛ لأن العالم يشهد تطورات خطيرة خاصة في المجال الاقتصادي بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول العالم، حيث ما تزال تلك الدول تعاني آثار الأزمة المالية، وكذلك نجحت الأزمة المالية العالمية في استقطاب إهتمام عالمي، واستثمارات دولية كبيرة توجهت إلى أسواق الدولتين واقتصاداتهما، أي في كل من: روسيا والصين.

المطلب الثاني: رابطة دول جنوب شرق آسيا(منظمة الآسيان)، والعلاقة الروسية-الصينية:

    نتيجة التغيرات الدولية وإنتهاء الحرب الباردة، وقيام التجمعات الاقتصادية القوية: كالسوق الأوروبية الموحدة، ومن بعده الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة الحرة في أمريكا الشمالية، شعرت دول جنوب شرق آسيا بالقلق بالنسبة لمستقبل الاستثمارات الأجنبية، ومصير الأسواق العالمية لمنتجاتها، وهذا ما جعلها تقتنع بأهمية الاتجاه نحو التعاون الاقتصادي الوثيق عن طريق التجمعات الاقتصادية الإقليمية.

    وفي البدء لابد من القول: ان هذه الرابطة واحدة من أهم المنظومات والترتيبات الإقليمية، والتي تأسست في العام 1967م، من كل:(اندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، تايلند، الفليبين)، صحيح: ان إنبثاق هذه الرابطة كان يهدف إلى: تعزيز العمل الاقتصادي المشترك بين دول الإقليم. ولكنها وبسبب جملة من تفاعلات الحرب الباردة، وآثار سياسات القوى العظمى آنذاك، فإنهّا لم تجد من حل سوى الانخراط في تفاعلات تلك الحرب، والاهتمام بالمسائل العسكرية والإقليمية والسياسية، إلى جانب العمل الاقتصادي المشترك.

إذ أن هذه الرابطة عمدت إلى التأكيد على:

– الإسراع بالتنمية الاقتصادية لدول الرابطة.

– تحقيق التقدم الاجتماعي والتنمية الثقافية .

– المساواة وعدم التدخل في الشئون الداخلية لكل دولة عضو في الرابطة.                                                  

    ان توسيع دور الآسيان الاقتصادي في العلاقات الدولية في وضع دولي متغير يوسع دائرة التعاون على حساب الخلافات الحدودية والأمنية، وهو ما يطرح أحتمالاً مستقبلياً بتطور المنظمة وتوسعها لتظهر بشكل تكتل اقتصادي مهم خاصة إذا ما استطاعت تحقيق الهدف الامني أيضاً، أما عن هيكلية المنظمة فتتكون المنظمة من: 

اولاً: مؤتمر القمة: وهو السلطة العليا للمنظمة، ويتكون من رؤساء الدول الاعضاء، ويجتمع مرة كل ثلاث أعوام.

 ثانياً: مؤتمر وزراء الخارجية: وهو يتكون من: وزراء خارجية الدول الأعضاء، وتنعقد الاجتماعات سنوياً وبشكل دوري في بلدان الدول الأعضاء.

ثالثاً: اللجنة الدائمة: تتكون من: وزير خارجية البلد المضيف وسفراء دول المنظمة، وتناط بهم مهمة تنفيذ أعمال وقرارات وزراء الخارجية، وتعقد اللجنة اجتماعها عند الضرورة إلى المدة ما بين المؤتمرات الوزارية بقصد: التشاور، ويتم عقد الاجتماع في أحد الدول الأعضاء وبالتناوب. رابعاً: الأمانة العامة: تأسست الأمانة العامة مع أنشاء المنظمة في العام 1967م، ومقرها(جاكارتا)بإندونيسيا، وتشكل الأمانة دور المنسق الرئيس، ووظيفة الأمين العام تتم توليتها بالتناوب بين الدول الأعضاء حسب الحروف الأبجدية، ولمدة ثلاث أعوام.

خامساً: مجموعة لجان آسيان: هنالك خمس لجان تختص بمسائل التعاون الاقتصادي، وتعمل في إطار توجيهات وزراء الاقتصاد لدول المنظمة، ويدخل في إطار اختصاصاتها المواضيع الآتية:(الأغذية، الزراعة، والغابات، المالية، المصارف الصناعية، المعادن والطاقة، النقل والمواصلات، التجارة والسياحة).

      أن المنظمة ومنذ نشأتها في العام 1967م، بإعلان(بانكوك)من قَبِل الدول المؤسسة حددت الاهداف الآتية: النهوض بمستوى التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في دول المنظمة، وتعزيز الأمن والاستقرار في دول المنظمة من خلال مبدأ (العدالة)، ودور القانون في العلاقات الدولية بين دول المنظمة، وتعميق التعاون بشكل جديد من أجل الاستخدام الأفضل لموارد الدول الأعضاء الزراعية والصناعية، وتوسع التجارة وتحسين المواصلات السلكية واللاسلكية، والمساهمة في تقييم المساعدات في مجالات التدريب والابحاث، وتشجيع التعاون الدولي والإقليمي.

    وقد سعت(الآسيان) إلى تأكيد هويتها إزاء التكتلات الاقتصادية الأخرى؛ وذلك في إطار توسيع دائرة تعاملاتها الخارجية، والحد من السيطرة الأمريكية على شئون العالم، مما حفزها على تبني فكرة عقد قمة آسيوية-أوروبية دورية لأعاده موازنة العلاقات الدولية بين آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والتأكيد على تعزيز وتطوير العلاقات بينهما، لاسيما في الجوانب الاقتصادية منها.

     وتشكل الاهداف الاقتصادية والتجارية جوهر مسوغات إنشاء منظمة(الآسيان) لاعتبارات ذاتية وموضوعية، وأن إعتماد بلدان المنظمة على سياسة اقتصاد السوق، ومعدلات النمو المتسارعة لديها، فضلاً عن ذلك إشتراكهما في انتاج المواد الخام، وخاصة النفط والمعادن، كل ذلك شَكَلَ حافزاً لتنسيق سياساتها الاقتصادية، وتنمية التبادل التجاري فيما بينهما واعتماد سياسة للتكامل الاقتصادي تحقيقاً للمصالح المشتركة.                                                                                                       

    ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، والانسحاب الأمريكي من بعض المناطق، مثل: قواعد الفلبين، فإنّ ذلك أدى إلى: تغيير أساسي للتوازن الإقليمي، دفعت نحو تبلور معطيات إقليمية جديدة، جعلت من الأمن الإقليمي في منطقة جنوب شرق آسيا ترتبط بتقديم المتغير الاقتصادي، ومن الواضح جلياً في الوقت الحالي: ان المتغير الاقتصادي سيؤدي دوراً فعالاً في علاقات المنظومة الإقليمية(الآسيان)، حيث تشكل الآسيان واحدة من أسرع الإقليم نمواً في العالم.

   أما عن العلاقة التي تجمع  روسيا بمنظمة الآسيان، منذ العام 1996م، أصبحت روسيا وآسيان شريكان في الحوار، وفي كانون الأول من العام 2005م، عقد المنتدى الأول على مستوى رفيع بين روسيا والآسيان، حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع آسيان(6)مليارات دولار، وفي قمة روسيا-آسيان الأولى في كانون الأول من العام 2005م، في(كولالمبور) وبمشاركة الرئيس الروسي(بوتين) وقعت وثيقتان هامتان هما: الميثاق المشترك بخصوص تطوير التعاون الشامل بين روسيا والآسيان، وبرنامج العمل لتطوير التعاون بين روسيا والآسيان للمدة ما بين الأعوام(2005-2015م)، حيث وصف(مارغيلوف) رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي، نتائج هذه القمة بقوله: إنهّا أكدت تنوع اتجاهات سياسة روسيا الخارجية، وإن استراتيجية تعزيز دور روسيا ومشاركتها في المنظمات الآسيوية المختلفة، تسمح لروسيا باستخدام الموارد السياسية الشرقية لديها في شتى اتجاهات السياسة الخارجية.

     كما أن منظمة الآسيان، ترى في تطوير علاقاتها من روسيا عامل أساس ومهم قد يحد من التفرد والهيمنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان، كما أن روسيا قد يستمر تواجدها العسكري في منطقة المحيط الهادي ذلك من أجل الضغط على أن يكون لها دور واضح في منظمة الآسيان، إذ عملت روسيا على توثيق علاقتها من الهند ذلك الشريك الاستراتيجي لدول الآسيان كمفتاح لعلاقات جيدة من الآسيان.

      أما الصين، فإنهّا تضع في قبالتها قضيتين أساسيتين في تعاملها على الصعيدين: الآسيوي والدولي، وهما: تايوان وهونك كونك، وهما تمثلان الركيزتين الأساسيتين اللتين تعتمد عليهما الصين في تحديد أطر سياستها وعلاقتها الاقتصادية، لاسيما أن وحدة كل من: تايوان وهونك كونك مع الصين يعني: ظهور عملاق اقتصادي عالمي لا يمكن أن تجاريه أي قوة اقتصادية عالمية أخرى، وقاربت المشكلتين إلى الحل، حيث أن هونك كونك عادت إلى الصين في 1/7/1999م، بموجب الاتفاق بين الصين وبريطانيا، أما بالنسبة لتايوان، فالصينيون يرون: ان مسألة تايوان التي ستُحل بدون صعوبة، وأن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية ستشهد حتماً تحسناً وتطوراً مع التأكيد على توحيد تايوان مع الصين سلمياً.

    كما أن سياسة الصين في منطقة جنوب شرق آسيا(الآسيان)، ترتبط بأهداف استراتيجية، إذ استندت الصين إلى قدراتها العسكرية والاقتصادية في تحقيقها؛ وذلك بإسترجاع بعض الأراضي التي فقدتها في أوقات ضعفها في تايوان لتحقيق هدف الصين الكبرى بعدما استطاعت إستعادت جزيرتي هونك كونك ومكاو.فقد عملت السياسة الخارجية الصينية على كسب ثقة الدول الآسيوية، والعمل على تذويب مظاهر الشك والتوجس التي حكمت العلاقات الصينية-الآسيوية لأعوام طوال، فالصين حاولت جاهدة لكي تصبح جزءاً من المنظومة الإقليمية الآسيوية، وخاصة في الجوانب الاقتصادية، فعملت على الاندماج في التعاملات السياسية والاقتصادية في منطقة آسيا-الباسفيك، وانخرطت في علاقتها مع منظمة(آسيان)حيث عقدت عدة إتفاقيات وبروتوكولات بين الصين والمنظمة في مجالات مختلفة.

     ويمكن القول: بأنّ تجربة الآسيان تطرح إنموذجاً تعاونياً ناجحاً في بيئة صراعية، إذ إتسمت المنطقة قبل ظهور الرابطة وبعدها بكثرة الصراعات والانقسامات بين دول المنطقة، والتي وصلت إلى حد الخلافات العرقية الحدودية، عمقتها خلافات في الرؤى تجاه قضية الأمن الإقليمي والموقف من القوى الإقليمية الأخرى، وكذلك القوى الدولية، كما نجحت الرابطة في استثمار اللحظة التاريخية المواتية التي تمثلت في نمو التهديد الفيتنامي-السوفياتي، وتصاعد النفوذ الصيني، ومن ثم إستثمرت دول الرابطة فكرة الإحساس بالخطر المشترك في وضع أسس بناء إقليمي لتحقيق الأمن والرفاه الاقتصاديين.

     أما بخصوص تأثير منظمة الآسيان في العلاقات الروسية-الصينية، حيث تحتل المنطقة أهمية كبرى في الاستراتيجية الصينية، وأن هذه الأهمية تأتي لقربها من الصين وتماثلها الثقافي والديمقراطي/أولاً ولأهميتها الاقتصادية/ثانياً ولأمدادها الجيوبوليتيكي لروسيا/ثالثاً، حيث نرى: ان هنالك تنافس أمريكي روسي-صيني في المنطقة، لاسيما أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت في الماضي استخدام هذه المنطقة لتشكيل منها طوقاً ضد كل من: الصين والاتحاد السوفيتي السابق، كما أن هذه المنطقة كانت تدخل ضمن الاستراتيجية السوفيتية السابقة في مجابهة الصين/أولاً والوصول إلى المياه الدافئة/ثانياً، هذا إلى جانب دعوة كل من : روسيا والصين على أن يكون دور المنظمة محايد في شئون تفاعلات الإقليم، ورفض الإطار السياسي-الأمني، سبيلاً إلى عدم تحول المنظمة إلى حلف عسكري، والتأكيد على صبغتها الأقتصادية

المطلب الثالث: العلاقات الروسية-الصينية وتأثيرها في اطروحة صِدَام الحضارات:

   في عالم ما بعد الحرب الباردة صارت الدول تتجه إلى تحديد مصالحها على أسس حضارية، وبشكل أكثر من ذي قبل، وهي تتعاون وتتحالف مع دول ذات ثقافات مشتركة، وغالباً ما تكون في حالة صراع مع دول تنتمي لثقافات مختلفة، وتحدد الأخطار والتهديدات على اساس نيّات الدول الأخرى، ان هذه النيّات وكيفية إدراكها صارت تشكلها الاعتبارات الثقافية على نحو جلي بمعنى: ان التهديد عادة يأتي من دول مختلفة عنها ثقافياً، وهذه الفكرة هي أبرز ما كتب فيها الأمريكي(صاموئيل هنتنغتون) الذي تحدث عن عالم سيسوده صراع بين الحضارات.

   والافتراض الأساسي في صدام الحضارات هو: الثقافة أو الهوية الثقافية الحضارية، فهي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، وهي التي تحدد المواقف السياسية المختلفة بحيث أن الهوية الثقافية هي التي تحدد علاقات الدول بعضها ببعض.

   أن الرؤيا للمستقبل كما يريدها الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى: الهيمنة على العالم واعادة إحتواء شعوب العالم إلى أنماط تابعة للمركز الرأسمالي العالمي وفق مصالحه بإسم (المقاربات الإيديولوجية)، وبمنهجية خططوا لها بأساليب تبدو في إطارها العام مبهرة براقة، تبعث الأمل والطمأنينة في نفوس متعطشي الحرية، بعبارة أخرى: (أن الصراع في العالم الجديد لن يكون إيديولوجياً أو اقتصادياً، بل سيكون ثقافياً أو حضارياً بالمعنى الأدق).

    أن روسيا تعارض أي محاولة لتقسيم العالم إلى ما يسمى بــــ(البشرية المتقدمة)وباقي العالم؛ لأن ذلك سوف يؤدي إلى: كارثة عالمية، أن روسيا ودول أخرى صاحبة حضارة عريقة مثل: الهند والصين، تلك الدول المؤيدة لسياسة موحدة تكون العامل الرئيس في منع تقسيم العالم على أساس حضاري، كما تثير العولمة مسائل تمس فعلياً وجود البشرية، فقد بات واضحاً بالفعل أن الموارد الطبيعية محدودة؛ ولذلك من الصعب تأمين الاستهلاك للجميع بنفس مستوى استهلاك الدول الصناعية، وقد تحدث الكاردينال الألماني(جوزيف راتزينجر) في خطابه له قبالة الأكاديمية الكاثوليكية في بـــــ(افاريا) في كانون الثاني من العام 2004م، عن الحاجة إلى ضبط النفس، كما انتقد مظاهر الغطرسة الغربية، قاصداً مزاعم العالمية إنطلاقاً من الثقافات الكبرى للغرب، وثقافة الدين المسيحي، وثقافة العقلانية العلمانية على حد سواء.

   ويرى هنتنغتون: أن هناك ثلاثة خيارات أمام المجتمعات والحضارات الأخرى في تعاملها مع الغرب هي: أولاً/الانغلاق والانعزال، والثاني/هو ركوب موجه الغرب، والثالث/فهو محاولة إقامه التوازن مع الغرب بتطوير القوى الاقتصادية والعسكرية، والتعاون مع المجتمعات غير الغربية الأخرى، مع الحفاظ على القيم والمؤسسات المحلية، أي باختصار التحديث، وليس التغريب.

    أن الحضارتين: الكونفوشيوسية والإسلامية تتفق كل منهما منفردة في ثقة متزايدة وتأكيد للذات بوجه الغرب، كما انه من المرجح: أن تنشأ أخطر الصراعات في المستقبل نتيجة تفاعل الغطرسة الغربية، والتعصب الإسلامي بحيث أن الدول صاحبة الثقافة العميقة والحضارة العريقة، والتي لا تستطيع أو لا ترغب في الاندماج الكلي بالغرب ستتجه إلى تطوير قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وكذلك ستتجه إلى التعاون فيما بينها.

   ومن الواضح: ان المجتمعات البشرية تقع تحت تأثير عوامل عدّة منها: جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية وثقافية-حضارية، وبما أن دور وأهمية هذه العوامل يتغير من مجتمع إلى آخر، والمجتمعات بدورها تقع تحت تأثير بعضها البعض، وأن ذلك لا ينفي حدوث تصادم للحضارات المختلفة التي تمثل تلك المجتمعات، وعلى هذا الاساس يمكن رصد أهم مرتكزات وبواعث صِدَام الحضارات. والتي تتمثل بالآتي:

1.الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل.

2.القرارات التي تصدر عن المنظمات الدولية ينبغي أن تخدم مصالح الغرب. ولكنها تُقدم في صورة إرادة المجتمع الدولي.

3.المجتمعات الإسلامية لا تحدد هويتها إلاّ بالإسلام (الأصولي)، ورفض العلمانية الغربية هو أكبر الحقائق الاجتماعية في بلاد المسلمين طوال القرن العشرين.

4.الكتل الاقتصادية الإقليمية المتنافسة هي صيغة الاقتصاد العالمي في المستقبل.

5.الصراعات العسكرية بين الحضارتين: الإسلامية والغربية استمرت عدة قرون، وسوف تستمر وتزداد في المستقبل، وقد تكون أكثر قساوة.

6.أطراف العالم الإسلامي هي مناطق صِدَام بين الإسلام وغيره من الأديان: في الجنوب (جنوب السودان،  نيجيريا، الصومال، إريتريا، إثيوبيا)، في الشمال( البوسنة ، كوسوفا، ألبانيا مع الصرب، وأرمينيا مع أذربيجان، وروسيا مع أفغانستان، وباكستان مع الهند، والفلبين مع الجنوب الإسلامي الفلبيني)، فحدود العالم الإسلامي حدود دامية.

7.حروب المستقبل ستشهد تحالفاً وتضامناً بين حضارات ضد حضارات.

8 ـالغرب سيسيطر على بقية العالم عن طريق المؤسسات الدولية.

  والسؤال الذي نود مناقشته هنا هو: إلى أي حد يمكن عـــــــدّ حرب الخليج الثانية، وحرب أفغانستان، وحرب العراق في العام 2003م، ومجموع حروب الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب، تحققاً فعلياً لنظرية صاموئيل هنتغتون؟

   لقد كان صاموئيل هنتغتون صاحب(أطروحة صدام الحضارت)، وفرانسيس فوكوياما صاحب نظرية(نهاية التاريخ)، ضمن لائحة المفكرين الذين وقعوا على وثيقة رفعت للبيت الأبيض تدعو إلى شن هجوم عسكري على العراق، وإسقاط نظام(صدام حسين)لإعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وقاموا بتسليم الوثيقة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق(بيل كلينتون)في شباط من العام 1998م، وإن كانا فيما بعد قد عبرا عن إستيائهما من طبيعة هذا التدخل، لذا رأى الكثير من النقاد في هذه الكتابات: إطاراً تسويغياُ لشرعنة العدوان الغربي على المسلمين والصين. ولقد كانت أحداث 11/ أيلول في ال 2001م، المأساوية بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، إذ رأى فيها الكثير من المناصرين: بداية لتحقق نبوءة صاموئيل، غير أن ما يحيط حول هذه الأحداث وحيثياتها من إبهام وغموض يجعلها بعيدة عن أن تكون دليلاً على صِدَام حضاري.

  كما أن هناك جملة من القضايا المشتركة بين الحضارات، والتي تجعل علاقاتها متوترة وعدائية كثيرا خاصة بين الحضارة الغربية، والحضارتين: الإسلامية والصينية، ومن هذه القضايا: رفض مظاهر العالمية الغربية، ومحاولة الاهتمام بالقيم والثقافات المحلية، وكذلك تحدي الغرب والوقوف في وجهه؛ نظراً لأشكال الغطرسة والتدخل في شئون الحضارات الأخرى التي يقوم بها، وهذا يولد نوعاً من الازدراء والعدائية تجاه الغرب، هذا فضلاً عن قضايا أخرى متعددة ومتشابكة: كالهجرة، والديمقراطية، وانتشار الأسلحة.

     فضلاً عن كل القضايا المذكورة فيما تقدم، والتي تحدث عنها هنتنغتون، فهو يضيف قضايا أخرى أساسية يبدو له أنها قد تكون باعثاً على الصِدَام الحضاري، وهذه القضايا هي: ما يتعلق بمسألة الدول الأساسية للحضارات أو الدول المركز في كل حضارة، ومحاولة الهيمنة من بعضها على باقي دول الحضارة، وهذه الأمر قد يشكل تهديد في إطار المصالح الغربية.(1) فالآسيويون يفتخرون بقيمهم وثقافتهم الأسلامية والكونفوشيوسية، ويحتقرون الثقافة الغربية المتفسخة، والتي هي وراء بداية إضمحلال الغرب وإخفاقه رغم وجود فوارق بين دول شرق آسيا، فالآسيويون يرون: أن هناك قواسم مشتركة بينهم وأهمها: نظام القيم في الكونفوشيوسية التي تقاسمتها معظم دول الإقليم، وكذلك يرون في ثقافتهم وقيمهم صفة العالمية، وعلى كل من يريد اللحاق بالغرب وتجاوزه أن يقتدي بها، وهي مطروحة حتى قبالة الغرب لكي يجدد نفسه، ومن ثم فهذه القيم تشكل بشكل حاسم طابع النظام العالمي الجديد، فنظرة الغرب لآسيا إنقلبت رأساً على عقب، وأصبحت معكوسة، إذ أنّ الآسيويون الآن يؤمنون بعالمية قيمهم بدلاً من القيم الغربية.

  وعلى وفق تلك المعطيات نرى: أن الآسيويين سيقبلون بالهيمنة الصينية، مما سيرغم الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتراف للصين بذلك، وسيتقلص ذلك الصراع، وعدم الاستقرار بشرق آسيا، وهكذا يعيد التاريخ نفسهن إلاّ أنّ هيمنة الصين هذه إن تحققت، فلن تتوقف؛ نظراً للتحالفات الأخرى خاصة بينها وبين الدول الإسلامية.

    أما دول الحضارات المتأرجحة، خاصة روسيا: فهي تتقلب من حضارة إلى أخرى وفقاً لمصالحها إذ تتجه تارة نحو الغرب كلما إقتربت من تسوية عدة أمور معلقة مرتبطة بأوروبا الشرقية، وتنفر منه إذا وقع عكس ذلك، كما أنها تميل إلى التحالف مع الصين؛ نظراً للتعاون الاقتصادي والقرب الجغرافي بينهما، إلاّ أنهّا تنفر كذلك منها؛ لأنها تشعر بالخطر الذي تشكله في المنطقة على حساب مصالحها، وقد افترض هنتنغتون حرباً حضاراتية متوقعة تنطلق من أحداث كبيرة؛ بسبب تغير موازين القوى في العالم.

    ويرى هنتنغتون: أن الاختلاف والتنوع يشكلان مصدراً للنزاع، ومن هنا فإنّه يعدّ بأنّ الحضارة الغربية تختلف بصورة أساسية، لا بل تتناقض مع الحضارات الكونفوشيوسية واليابانية والهندوسية والبوذية والإسلامية والسلافية-الأرثوذكسية، وأن هنتنغتون كان مناهض لفكرة(التنوع الثقافي) ويؤكد دائماً على أن الصراع المستعر بين الحضارات هو:(سمة العصر).

   بينما يرى العالم الروسي(يرسوف): ان عملية التواصل الحضاري والثقافي على المستوى الغربي-الروسي والغربي-العالمي، لا تجري حسب رأيه بين أطراف متكافئة أو بين نمطين متساويين من النمو الحضاري، فهو يقر بالإنجازات الخارقة التي حققتها الثورة المعلوماتية، والتي فتحت المجال واسعاً للتواصل والتعاون بين الشعوب.

 إذ يرى(يرسوف): ان العولمة قد أفرزت حالة لها ثلاثة تفرعات، ولكل تفرع قيمته وهمومة وطروحاته، وكان سبب ذلك هو: من جراء سياسة الطرف المهيمن على العولمة، حيث قسم(يرسوف)العالم إلى ثلاثة:

العالم الأول: دول الشمال الغنية حيث يوجد استقرار الحالة المطمئنة للحاضر، ولكي يحافظ العالم الأول على حالة الرقي التي أنجزها عليه أن يسيج نفسه بشبكة من الأمان.

أما العالم الثاني: فيعطيه(يرسوف) توصيفاً غير التوصيف الذي كان سائداً في القرن العشرين، حيث كان يشمل: معظم البلدان الأوروبية الشرقية، والبلدان الأخرى التي إنتهجت الاشتراكية نظاماً لها، فالعالم الثاني أضحى يشمل: الحضارات الصينية والهندية والاسلامية.

     فهو يرى: أن هذا العالم الذي يشهد حالة من التوتر الداخلي والصراع الضمني للحفاظ على الذات يقوم بجهود مستمرة من أجل شحن طاقاته للتصدي للعالم الأول الذي أحدث هذا الخلل الكبير على المستوى الدولي، وكون حالة من إنعدام التوازن على كل مستويات الحياة.

     أما العالم الثالث: فيضم كل الأطراف الأخرى الرافضة أو المتمردة على افكار العالم الأول، والأصولية النرجسية للعالم الثاني، والذي يأخذ ألواناً وصوراً متنوعة من الطروحات والنشاطات اليسارية، ومن خلال تلك التقسيمات للعوالم الثلاثة، وأن مسيرة العولمة تولد من داخلها حالات دائمة من الصراع والتوتر تتغذى من الحاجة الدائمة لتطور التكنلوجيا والتحسن العقلاني لدور المؤسسات المالية والعسكرية، فهو يرى: ان الفكرة التي تؤكد على: استمرارية وحتمية الصراع هي غير صحيحة، وأن حالة التنافر والنزاع ليست السمة السائدة، بل أن التواصل والتفاعل في الميادين الفكرية والروحية والأخلاقية والعلمية هو الذي يشكل العنوان الأبرز للعلاقات الراقية بين الحضارات المتنوعة.

    ولا يمكن أن نفترض صورة واقع عالمي محدد يكون الخيار الوحيد والحتمي للتطورات الدولية، وهو(صدام الحضارات)، وهكذا فإذا كان القول بالصِدَام الحضاري، قد دعم وجهة نظر بجزيئية وعنصرية بين البشر، فإنّه لم يكن ذلك محل إجماع، بل كان مرفوضاً من المؤمنين بالتعددية الثقافية، وبتلاقح الثقافات وحوارها، وممن يعتقدون: بأنّ تباين الثقافات وإختلافها يثري الحضارة الكونية، وقد يكون عاملاً من عوامل التقارب لا الصِدَام.

    وهذا يعني: أن الأحداث التي يشهدها العالم المعاصر غير واضحة تماماً حتى يمكن أن نتحدث عن صِدَام بين الحضارات، فالعالم واسع، ويحوي مجتمعات عدّة ومتنوعة وثقافات مختلفة ومتباينة، ولا يمكن أن تنطوي تحت إيديولوجية واحدة كيفما كانت، حتى وإن كانت الديمقراطية الليبرالية، كما أنه لا يعني بالضرورة: أن تعدد الثقافات واختلافها هو باعث عن الصِدَام والصراع فيما بينها؛ ونظراً لهذا نرى: قصوراً مفاهيمياً كبيراً في أطروحة(صِدَام الحضارات).

     أما عن تأثير العلاقة الروسية(السلافية الارثوذكسية)، والعلاقة الصينية(الكونفوشيوسية) في بُعد صراع الحضارات العالمي، فنرى: ان الحضارات تتجه على وفق التقسمين الذي طرحة هنتنغتون لتأكيد وجودها في النظام الدولي، وإنهّا تتجه بشكل متزايد لتصميم علاقاتها على هدي الاعتبارات الحضارية، أي ان الصراع موجود بين حضارتين هما: الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وان الحضارة السلافية أو الارثوذكسية والهندية والافريقية والكونفوشيوسية هي اقل الحضارات صِدَاماً من الحضارات الغربية، وأن ذلك تسبب لمخاوف حقيقية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كشفت احداث 11ايلول في العام 2001م، عن تلك المخاوف من تحركات الإدارة الأمريكية عندما قلصت جوانب الاختلاف الاستراتيجية مع روسيا والصين لمصلحة الدفع بلغة الحوار معهما، ومع الهند على نحو يعكس تقسيمات رؤية(هنتنغتون) للحضارات.

     وفي نهاية هذا الفصل نخلص إلى: ان النظام الدولي شهد العديد من التطورات والاحداث منذ بداية القرن الحادي والعشرين، والتي دفعت البعض للحديث عن التحول نحو نظام عالمي جديد تنتهي معه الهيمنة الأمريكية، والتي ظلت في حالة تفرد منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، فقد منيت الولايات المتحدة الأمريكية بالفشل في حربيها: بأفغانستان والعراق، وعجزت عن القضاء على الإرهاب، كما عجزت عن تحقيق سياستها بالعراق في ظل الخسائر الكبيرة، وجاءت الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، لتكرس الحديث عن عصر الهيمنة الأمريكية، فتبوؤ الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1992م حتي يومنا المكانة العليا في النظام الدولي، يرجع في الأساس لقوة النظام الاقتصادي والمالي الأمريكي، وأن تلك المرحلة ساعدت على تنسيق وتطوير العلاقة بين روسيا والصين، خاصة في ظل تنامي القوة الأمريكية بمناطق نفوذهما، حيث جعلت كل من: روسيا والصين من التطورات والاحداث التي شهدتها الساحة الدولية، ومنها: السياسة التوسعية لــــ(حلف الناتو) في مناطق النفوذ الروسي، وكذلك الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، وتداعياتها على الاقتصاد العالمي والأمريكي بشكل خاص، إذ قربت من سياساتهم الاقتصادية من أجل التغلب على أخطار تلك الأزمة مستثمرين الضعف الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي من جرائها، فقد حدث تصدع في النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعلنا نتحدث عن مرحلة لا تقل أهمية عن المرحلة التاريخية التي تمخض عنها تفكك الاتحاد السوفيتي، وتأثيرها في تشكيل النظام العالمي.

المصدر: رسالة ماجيستير بعنوان العلاقات الروسية – الصينية لفترة 2000-2012، من اعداد الباحثة سداد نوري جاسم العيساوي – جامعة النهرين – العراق