تطلق تسمية «أوراسيا» على الكتلة الأرضية المكوِّنة لقارتَي أوروبا وآسيا، والممتدة على مساحة 54.000.000 كم2، تشكلت هذه الأخيرة قبل حوالى 350 مليون سنة، واعتبرها الجغرافيون قارة واحدة مثلها مثل الأمريكتين وأفريقيا. بما أن قارتَي أوروبا وآسيا غير منفصلتين طبيعياً بمحيط أو بحر. نجد أن الإغريق قسموا العالم إلى ثلاث مناطق: آسيا، أوروبا وأفريقيا، هناك من يقسم «أوراسيا» نفسها إلى غربية تشمل أوروبا والشرق الأوسط، يضيف إليهما البعض شمال أفريقيا لكون المنطقة منفصلة عن بقية أفريقيا بواسطة الصحراء الكبرى، والشرقية تشمل بقية آسيا عدا منطقة الشرق الأوسط منها. تربط «أوراسيا» وتجمع بذلك بين شرق أوروبا وغربه فهي بذلك تشكل قلب العالم ومحور صراعاته منذ فجر التاريخ‏[1].

تمتد حدود أوراسيا غرباً من حدود أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي، وتمتد حتى ضفاف الصين وروسيا على المحيط الهادئ في الشرق، لقد عرفت أهمية هذه المنطقة منذ فجر القرن العشرين وتحديداً مع بداية انهيار الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي. وهذه الأهمية لم تكن فقط لهذا الموقع الجغرافي المتميز بل زاد على ذلك كون هذه المنطقة هي مخزن الطاقة العالمي بدءاً من نفط الشرق الأوسط في إيران والعراق ودول الخليج. كما يمتد المخزن إلى منطقة بحر قزوين. الإشكالية المتعلقة بهذا البحث هي: ما حقيقة التوسع الأوروبي نحو الشرق وما مضمون التوجهات الأوراسية المنتهجة للتنافس على المنطقة لتحقيق النفوذ الاستراتيجي؟ وهل للانسحاب البريطاني تأثيراته في ترتيبات الاتحاد الأوروبي؟

أولاً: أوراسيا في الفكر الاستراتيجي الغربي

يعود الفكر الاستراتيجي الغربي تجاه «أوراسيا» إلى «نيكولاس سبيكمان»، الذي قسم جغرافيا أوراسيا إلى: «قلب قاري» (Heart Land) وهو روسيا والتي لها امتداد بري يتجاوز 17 مليون كم2، وهلال كبير من الدول الساحلية سماها «أرض الحافة» (Rim Land)، ويشمل أوروبا وشبه الجزيرة العربية، العراق، وآسيا الوسطى، إيران، أفغانستان، الهند، جنوب شرق آسيا، الصين وكوريا. كلها دول تمتاز بأهمية مواقعها ومواردها الطبيعية والاقتصادية المتنوعة والمهمة. رأى «سبيكمان» أن الحرب العالمية الثانية حدثت للسيطرة على هذا النطاق الساحلي، ومن ثم فهي «منطقة الارتطام» (Crush zone)، أي المنطقة تشهد صراعاً من أجل السيطرة على مواردها، وممراتها المائية‏[2]. اعتباراً من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، ظهر نمط جديد من التحالفات الدولية، التي تتسم بخاصتين: أنها لا تماثل النمط التقليدي للأحلاف العسكرية في القرن التاسع عشر، ولكنه يتخذ شكل «تحالفات ومشاركات استراتيجية» ذات أبعاد متعددة تدور حول التزامات عسكرية وسياسية واقتصادية ترقى إلى نمط الأحلاف المعروف باسم «أحلاف الوفاق»، أما الخاصية الثانية، فهي تمركز أغلبية هذه التحالفات وقيامها في أوراسيا أو حول أوراسيا‏[3].

التغلغل الأوروبي في «أوراسيا» انطلق بتفكك الدولة العثمانية واستمر مع الحرب العالمية الثانية وظهور الثنائية القطبية. ببداية الصراع الأيديولوجي تشتت المنطقة بين نظامين (الرأسمالي ليبرالي والاشتراكي)، لتقسيم المنطقة. بعد حسم الحرب الباردة بتفوق الغرب على الشرق تغيرت المنطقة وباتت مركزاً للصراع الدولي بامتياز خاصة بين الثلاثية المتكونة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الذي لا يتوقف عن التوسع شرقاً وروسيا الطموحة لمجد جديد‏[4]. تعتبر «أوراسيا» القارة الأكبر في العالم، فهي مرتكز مجال الجيوبوليتيكا، تضم 75 بالمئة من سكان العالم، ومعظم ثروات العالم الباطنية والظاهرة، كما تحوي 60 بالمئة من الإنتاج القومي العالمي، و3/4 أرباع مصادر الطاقة في العالم، تقع فيها الدول الأكثر دينامية ونشاطاً‏[5].

عرف عالم ما بعد الحرب الباردة في ظل التسابق على المنطقة ولادة «الاتحاد الأوراسي» القائم على أربعة مبادئ: المنفعة الاقتصادية، التكامل المتعدد الجوانب؛ التحرك من الأصغر إلى الأكبر، بمعنى توحيد المنظمات السابقة لإقامة الاتحاد؛ التنظيم التدريجي، أي توحيد البلدان تبعاً لجاهزية كل منها. وفق «ألكسندر دوغين»، تعد روسيا دولة أوراسية عظيمة، وبمجيء بوتين أعطيت كل المقترحات الأوراسية فرصتها، وصولاً إلى إعلان قيام الشراكة الاقتصادية التي دعا إليها «نزارباييف» رغم التعثر نتيجة «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. ومن مؤشرات انحياز روسيا إلى المشروع الأوراسي إعلان بوتين في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2000، أن روسيا دولة أوراسية وتم التوقيع في 2011 على الاتحاد الجمركي بين روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان، بالتوافق مع الشراكة الاقتصادية الأوراسية، وخلال الأشهر التي تلت، تطورَ التبادل التجاري بين هذه الدول بنسبة 43 بالمئة، وأعلن تاريخ 1 كانون الثاني/يناير 2012 كبداية للفضاء الأوراسي المشترك بين بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا بالعمل فعلياً، إذ أُلغيت التأشيرات بين هذه البلدان، والإجراءات الجمركية، وسيتم لاحقاً اعتماد عملة موحدة، ليكون المشروع كفيـلاً بالوقوف في وجه لعبة المصالح الغربية‏[6].

ثانياً: واقع شرق أوروبا بعـد الحرب الباردة

حدد «ماكنيدر» و«ماهان» نظريتهما الجيوبوليتكية لمنطقة البلقان كمركز الصراع بين الشرق والغرب، إذ إنها تربط آسيا وأوروبا، (من اسكندينافيا، البيرينيه، آبين، البلقان إلى الشرق الأوسط فالهند وبورما، وإندونيسيا فالصين إلى اليابان). ينظر إلى المنطقة تاريخياً على أنها مركز كل أحداث القرون الثلاثة الماضية، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية. يقال بأن الخط الأول الرئيسي للصراع ما بين الشرق والغرب يمتد من سهوب روسيا إلى بولونيا والنمسا عبر الأطلسي. أما الخط الثاني فيمر من أوروبا الغربية باتجاه الجنوب الشرقي عبر البلقان، من سولون سالونيك إلى إسطنبول ويتابع سيره إلى الشرق الأوسط حتى المحيط الهندي.‏ كانت روسيا فيما مضى مسيطرة على القارة بعد تقسيم بولونيا. ثم في العهد السوفياتي سيطرت على كل أوروبا الشرقية وقسم من ألمانيا، وتوسعت الهيمنة تدريجياً مع الزمن. كانت روسيا – وبقيت – حساسة تجاه الثغور البحرية للمتوسط، وأظهرت حساسيتها مراراً في حروب القرم (1852/1856) والمسألة الشرقية (1875/1878) إذ لم يكن لها منفذ على المتوسط لمواجهة القوة الإنكليزية المسيطرة، فحاولت الوصول إلى «المياه الدافئة» منذ عهد بطرس الأكبر. كتب الجنرال الروسي «نوفيتسكي»، مطلع القرن العشرين، أن لروسيا اتجاهين في السياسة الخارجية: إما أن تترك موقعها الدولي، إذا ما رأت بأنها ليست بحاجة إلى أسطول بحري‏ أو أن تحافظ على موقعها الدولي كقوة كبرى فيه، وعليه لا بد من أن تمتلك أسطولاً بحرياً قوياً‏‏[7].

لفهم علاقات الاتحاد الأوروبي بجواره الشرقي، ننطلق من دراسة أوجه شبه والاختلاف بين الكتلتين، إذ يتجسد ذلك على الأقل في مستويات ثلاثة‏[8]:

المستوى الأول: يجمع بين بُعدين نظري وميداني، تولد عنه إشكاليتان: حساسية التفرقة بين الكتلتين (الشرقية والغربية)، لأن التفريق بين أوروبا وشرقها أدّى إلى ترسيخ فهم خاطئ أن دول الشرق الأوروبي لا تنتمي إلى الدول الأوروبية. كما نجد صعوبة الجمع بين الكتلتين والتعامل معهما بالمعايير نفسها، ومن هنا تتبين مسيرة سعي دول الشرق الأوروبي للانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، ما يدعم فرضية الاختلاف.

المستوى الثاني: يتعلق بالبعد التاريخي بين أوروبا وشرقها وما يشكله من تباين بفعل اختلافات تاريخية وسياسية وإثنية. إضافة إلى السياق الجغرافي لهذا الشرق كوحدة جغرافية مستقلة في مجموعها، وتمتلك حدّاً أدنى من المشتركات التي تسمح بتصنيفها ضمن خارطة موحدة تختلف من الناحية النوعية عن التصنيف الذي ينطبق على دول الاتحاد الأوروبي‏[9].

المستوى الثالث: يتضمن علاقات الشرق الأوروبي مع دول الاتحاد، العلاقات الإثنية في عدد من دول البلقان، وما يرتبط بها من خصوصيات الدول الشرقية (الإثنيات والديانات واللغات) الذي يحكم مجموع المجتمعات المنتظمة في نوع من الوحدة السياسية، (كونفدرالية، فدرالية أو دولة بسيطة غير مركبة)، مقارنة بالاتحاد الأوروبي الذي يمثل وحدة (سياسية، اقتصادية…). أما من ناحية التقدم الاقتصادي والتقني فإن بين هاتين الكتلتين اختلافات عميقة في الفعالية، مما يخلق معادلة تجمع بين ثنائية (الانسجام والاختلاف)، ويخلق مشاكل في التعامل بين الكتلتين.

من نماذج الانتشار الثوري الإقليمي ما حدث في شرق أوروبا، يتعلق الأمر بالثورة التي تكون عادة محكومة بحركة الداخل، واتصالها بالخارج أو ارتباطها وتأثيرها به يكون محدوداً إلا في حالات الانتشار لنموذج ثوري في مجتمعات إقليم معين، تجمعها أوضاع ثقافية وسياسية واحدة أو مشتركة فتكون الثورة في مجتمع «أ» نموذجاً يحتذى به ويتكرر في مجتمعات «ب» و«ج» في إقليم واحد. فالثورة التغيرية التي تقوم في مجتمع معين ضمن إقليم متجانس، تمثل نموذجاً يقتدى به في بلد جار معين، وهو ما حدث في تسعينيات القرن العشرين في أوروبا الشرقية، عندما انهارت المنظومة الشيوعية أو الاشتراكية عبر حركة من الثورات المتتابعة زمانياً في دول أوروبا الشرقية التي كانت تشكل حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي سابقاً. لم ينتصف عقد التسعينيات من القرن العشرين، إلا وكانت كل بلاد الشرق الأوروبي قد خضعت للتجربة الثورية التي أسقطت أنظمة شيوعية دكتاتورية، لتحل محلها أنظمة ليبرالية ديمقراطية‏[10].

بدأ كل شيء في أوروبا الشرقية منذ إسقاط جدار برلين في 1989، وتفكك جبهة أوروبا الشرقية التي كانت تجسد تهديداً لأوروبا الغربية منذ نهاية الحرب، وتسارعت الأحداث منذ 1991 لمصلحة غرب أوروبا، بتفكك الاتحاد السوفياتي؛ وهو ما شكّل ما يعادل نصف قرن من الحرب الباردة عصر السلام والمجد الأوروبي، الذي لم يدم طويـلاً باندلاع حرب البلقان والبوسنة، بمعزل عن دعم المجتمع الدولي والأوروبي الذي أضحى عاجزاً عن التدخل وتقديم الحلول السياسية أو الإنسانية. وبعد أن حارب البوسنيون قدرهم وحدهم لمدة عامين تدخل حلف شمال الأطلسي، الذي قرر استهداف المواقع الصربية، وتبقى مأساة «سريبري نيتشا» وراء عقدة النقص الأوروبي.

التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها دول شرق أوروبا منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، استهدفت عملية الانتقال من شمولية يتعاظم فيها دور الدولة في عملية التخطيط المركزي والعملية الإنتاجية إلى أنظمة ليبرالية تعتمد على آليات السوق الحر وانتهاج الديمقراطية الليبرالية. فبعد مرور نحو عقد من الزمان على التحول، هل تحققت أحلام السلام والرخاء والحرية في شرق أوروبا على النحو الذي كان يتصوره أنصار الهروب من الاشتراكية‏[11]؟ تأثرت عملية التحول في أوروبا الشرقية بعوامل داخلية وخارجية، منها الضغوط الشعبية وبروز الحركات الاجتماعية والقوى السياسية المناوئة لها، وعقد انتخابات أدت إلى جعل الأحزاب الشيوعية في موقف المعارضة لا القيادة،‏[12] لعل من محددات التطور الديمقراطي في شرق أوروبا ما يتعلق بطبيعة الثقافة السياسية السائدة في مجتمعاتها، ونوع القيادات الموجودة في السلطة السياسية، وشكل الأداء الاقتصادي، كذلك ما هو مرتبط بـ «البيئة الإقليمية الحاضنة لعملية التحول» والتي وفرتها دول أوروبا الغربية مما لا بد من أن يلقي بآثاره الإيجابية في صورة تشجيع وحفز النمو الاقتصادي والاجتماعي‏[13].

يرى علي الصاوي في عملية الإصلاح البرلماني في دول وسط وشرق أوروبا القفزة السياسية التي انعكست نوعياً على أوروبا الشرقية. فمن منظور المدرسة التاريخية، ساهمت التحولات البرلمانية الجديدة التي تولدت عن العملية الانتخابية في بروز تيارات حزبية جديدة وتغييرات في الأنظمة الدستورية والقوانين وظهور برلمانات أكثر سلطة‏[14]. تشير ابتسام كامل وولاء حفني سيد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي لهذه التحولات في أوروبا الشرقية، والتي تسببت فيها انخفاض الكفاءة الإنتاجية وعدم القدرة على المنافسة الدولية وانخفاض مستويات المعيشة. ترتب على ذلك بحلول التسعينيات التوجه نحو التحرر الاقتصادي، ومن أهم خطواته تحرير الأسعار، تحرير التجارة الخارجية، إصلاح القطاع المالي وذلك أمـلاً منها في تحقيق التكامل مع الاتحاد الأوروبي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، بعد تحقيق قدر من الاستقرار في معظم هذه الدول منذ 1992‏[15]. ويركز مصطفى أحمد مصطفى على تأثير الاستثمار الأجنبي المباشر في التحول الاقتصادي في أوروبا الشرقية بعد الحرب الباردة، إذ أصبح الاستثمار الأجنبي المباشر بارز الأهمية من خلال حاجة الدول إليه كمصدر خارجي لتمويل ومعالجة العجز الداخلي. لقد عرفت أوروبا الشرقية استقطاباً كبيراً للاستثمار الأجنبي، كان متزامنا مع تزايد التنافس الأوروبي الأمريكي على المنطقة في ظل سياسة توسعية لكل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي شرقاً مما يفسر هذا الاستقطاب الذي يعكس الإغراءات الغربية لهذه الدول بنسب متفاوتة‏[16] وفقاً لترتيبات وأولويات. لقد لعب الاستثمار الأجنبي المباشر دوراً حاسماً في تسريع عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عبر موجات متتالية، كما خدم الأمر هذه الدول داخلياً من خلال الإصلاحات المؤسسية والتشريعية والقانونية‏[17].

Print Friendly, PDF & Email