بقلم الباحثة سامية بن يحي، تخصص إدارة دولية / باتنة / الجزائر

رغم هذا الاهتمام المتزايد بحقوق الإنسان كركيزة أخلاقية في العلاقات الدولية، وتبني فكر السلوك المعياري العالمي الذي تسعى أبعاد التنمية المستدامة لتجسيده إلا أن عالمنا المعولم في ظل الليبرالية الجديدة يبرز أن  كل ما يحدث على الساحة الدولية  يفصل بين الأخلاق، ونظريات العلاقات الدولية، ويقوض النظام المعياري المتجذر في الفلسفة المثالية التي جاءت بها النظرية المثالية،  ففكرة تصور كنه العالم المستقبلي، أوكيف يكون ” العالم أفضل ” بطريقة مجردة كان بعيدا كل البعد عن واقع العلاقات الدولية.

لقد ظل المنظرون  المثاليون متمسكون  بهذا الاعتقاد في الفكر الفلسفي القديم، والحديث، حيث نجد  كانط، أو لوك أو هيجل، أو بينثام قد تبنت فلسفتهم  فكرة معيارية عن الدولية، و كانوا يؤمنون بأخلاقيات العلاقات الدولية، أما بالنسبة لما يسمى بالفلاسفة “التحليليين” يرون أنه لم تعد لأخلاقيات العلاقات الدولية أولوية بسبب التشوهات المتنوعة للسياسة الدولية التي أدت إلى ظهور أشكال متعددة من القمع عبر التاريخ البشري، مثل التحيز الجنسي، والعنصرية، والاستغلال الاجتماعي والاقتصادي، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتلوث العشوائي، وخلق الأزمات الدولية – الفوضى الخلاقة، أو الديناميات اللاخطية-  وتفكيك الدول، وظهور أجيال جديدة للحروب فمن الحروب التقليدية الى حروب الجيل الخامس، و الحروب البيولوجية الجرثومية، كل هذا يظهر مدى التشويه الأنثروبولوجي في عالمنا اليوم، اذ لم تعد العلاقات الدولية قادرة على شرح، وتفسير سلسلة من الحقائق التي يمليها تطور النظام الدولي، وهذا ما يجعلنا نطرح سؤالا يستحق تحليلا خاصا في هذا المقال لما له من أهمية مفاده كيف تفسر مقاربات العلاقات الدولية  البعد المعياري والإنساني للأزمات الإنسانية؟

موقع الأخلاق في مقاربات العلاقات الدولية

مما لاشك فيه من المسلمات في العلاقات الدولية أن الصراع  ظاهرة طبيعية تتسم بالتعقيد لذا يصبح تحليل موضوع أخلقة العلاقات الدولية الموضوع أكثر تعقيدًا في تصور أبرز مقاربات العلاقات الدولية، لأن الربط بين التوجهات الأخلاقية المختلفة للواقعية والليبرالية، و البنائية يضيف درجة من الصعوبة،  فجوهر الإنعكاس الأخلاقي للواقعية يرتكز على علم الوجود  معتبرا أن الإنسان  محارب بطبيعته – العلاقات الدولية علاقات صر اع-  وأنه في حالة الطبيعة  التي يعرفها هوبز على أنها “الحالة التي تتميز بغياب القانون، وأن مفاهيم الصواب والخطأ ، والعدالة والظلم ليس لها مكان”، ونتيجة لذلك  يفترض الواقعيون تعظيم الدولة، والفائدة الأنانية – المصلحة، القوة، الغاية تبرر الوسيلة – ومع ذلك فهم  لا يعارضون فكرة وجود بُعد أخلاقي في  العلاقات الدولية بشكل نسبي، والإعتراف بحقوق الإنسان وتبني مفهوم الأمن الإنساني، حيث ركز هانز مورغانثو على أهمية الحكمة –  إحدى الفضائل الأساسية لأرسطو- بالمقابل لا تعترف المقاربة الواقعية بعالمية القيم، وتستخدم حقوق الإنسان كمعيار لتنفيذ أجندة الدولة وتحقيق مصالحها، وهو مايفسر فرضية المؤامرة الأمريكية التي تبنتها الصين مؤخرا بأن فيروس كورونا كان حربا بيولوجية استخدمتها أمريكا  ضد الصين لضرب اقتصادها، وهو نسبيا التحليل الذي تبنته بعض الدول، والمحللين رغم الإتهام المعاكس من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أن فيروس كورونا مفتعل من قبل الصين لنفس السبب، وهو تعزيز اقتصادها، وقد تكون دولة أخرى خارج اطار الصراع الأمريكي الصيني، كما يمكن اعتماد نفس التفسير الواقعي للموقف الأمريكي في رفضه رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران دون الأخذ بعين الإعتبار البعد الإنساني الأخلاقي، بالاضافة  إلى  تعامل دول الإتحاد الأوروبي مع أزمة فيروس كورونا يبرز استعاضة النزعة القومية عن الفوق قومية التي يمثلها الإتحاد الأوروبي، فكل دولة تبنت سياسة منفردة  لتطويق انتشار فيروس كورونا دون اتخاذ تدابير  واجراءات  تنطوي ضمن نزعة أمنية مشتركة تحت مضلة الإتحاد الأوروبي قد يبرر الكثيرين مثل هذه السلوكيات، ولكن هذا يقوض بريق التجربة التكاملية الأوروبية طالما أنها عجزت عن خلق إدارة أوروبية موحدة لمجابهة مثل هذه الأزمات.

وبالتالي رغم أن الأخلاق، والقيم  يتم تسويقها كل حين في الخطب، والإعلام، وتقارير المنظمات، وغيرها، فلا يبدو أن الأخلاق هي جوهر العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين، وهو مايعزز مقولة ستانلي هوفمان عن “عدم التوافق بين الأخلاق والسياسة الدولية، أو “هيكل البيئة الدولية التي تحد من إمكانيات العمل الأخلاقي” لذلك  تفترض  أخلاقيات العلاقات الدولية أن تقدم  تبريرا للخلل العالمي الحاصل اليوم بين ماهو نظري وواقعي، وبين عالمية حقوق الإنسان، وانتهاكها بطرق أكثر شراسة، وقذارة  تحت وطأة حروب بيولوجية، لتحقيق مصالح الدول الكبرى، وفرض هيمنتها الاقتصادية على حساب الشعوب الضعيفة، والوجود الإنساني، ما يفسر على كل حال التنافس الأمريكي الصيني لقيادة العالم، وتغيير النظام الدولي.

أما المقاربة  الليبرالية تتجه الى تبني رؤية “عالمية الأخلاق  للعلاقات الدولية” مستمدة فرضياتها من  مبادئ كبير الفلاسفة إيمانويل كانط   Immanuel Kant- الذي كان له الأثر الأكبر في مجال أخلاقيات العلاقات الدولية- مايسمى بالأخلاق الكانطية من وجهة نظر كوزموبوليتانية، cosmopolitan ومشروع السلام الدائم  كرؤية عالمية للعالم،أي العالم موطن لكل الإنسانية، وقد طور كانط فلسفة تهدف إلى إنشاء اتحاد للدول الحرة مع دستور جمهوري، وتطبيق قانون عالمي يجب أن “يقتصر تحت شروط الضيافة العالمية، وهو ما يفسر أهمية الأخلاق والسلوكيات المعيارية في العلاقات الدولية من خلال التعاون الدولي في شتى المجالات خاصة في الأزمات الإنسانية انطلاقا من فكرة المواطنة العالمية، وتقاسم المصير المشترك للبشر، وأن غياب السلطة المركزية لا يعني الصراع، وهو الموقف الواجب اتخاذه لمواجهة فيروس كورونا، حيث بادرت الصين بعرض تجربتها، وتقديم المساعدة للغرب والعالم، ما يؤكد أن حاجة البلدان إلى التعاون، والبحث عن حلول للمشاكل المشتركة أصبحت أكثر وضوحا من أي وقت مضى، وفي هذا الصدد  يرى بعض المحللين الصينيين أن النظرية القائلة بأن الفيروس قد تم تطويره كسلاح بيولوجي فكرة غير قابلة للتصديق، ولا فكرة أنه هرب من المختبر عن طريق الصدفة، ولا حتى الفرضية القائلة بأن الفيروس قفز إلى البشر من الحيوانات في السوق الرطبة، لذا فإن  نظريات المؤامرة قد سممت أجواء التعاون بين الولايات المتحدة، والصين في التصدي لتفشي المرض، والتي ربما كانت ستوفر فرصة لإعادة تحسين العلاقة المتوترة، و تبديد المفاهيم الخاطئة، وتقليل الأضرار التي لحقت بالعلاقات في المستقبل، و يجب على البلدين التفكير في توسيع التبادلات العسكرية بينهما، للقيام بأعمال الدفاع البيولوجي التي ترعاها الحكومة الصينية، كما ينبغي على الولايات المتحدة استكشاف قنوات لمساعدة الصين على تحسين السلامة الحيوية في المختبرات، وتغليب الحوار، ونحن بدورنا بغض النظر عن التسليم بفرضية المؤامرة، أم لا نطرح سؤالا آخر :  هل مثل هذا التعاون المنشود سيتحقق مستقبلا بين القوتين في ضل هذه الحرب الباردة، والتنافس على قيادة العالم بين البلدين عبر خلق نظام دولي ثنائي قائم على التعاون المزدوج، وليس الصراع؟

قد  تقدم لنا المقاربة البنائية منظورًا جديدا لأخلقة العلاقات الدولية من شأنه تعزيز  مثل هذا التعاون الدولي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية من خلال التأكيد على دور المعايير التي تشكل السلوكيات، ولذلك يهدف البنائيون إلى تطوير نهج توضيحي أكثر من وضع نهج معياري، فالبنائيون يرون أن بنية النظام الدولي بنية اجتماعية تتضمن مجموعة من القيم، والقواعد، والقوانين هذه البنية تؤثر في الهوية، والمصلحة للفاعلين، فهم يرفضون أي إعادة لتوحيد الدولة (الوكيل) أو النظام العالمي (البنية) و يدعون أنهم يدرسون عمليات التفاعل بين الوكلاء، والهياكل لشرح تكوينها ،ووجودها.

في لعبة التفاعل هذه ، يكون للقيم أهمية خاصة لأنها تساهم في تكوين الهويات، وبالتالي في تكوين وضع الممثلين الفاعلين في المشهد الدولي، علاوة على ذلك يمكن لهذه القيم عندما يتم تقاسمها كليًا أو جزئيًا ، أن تؤدي إلى تحالفات حول القضايا التي ينظر إليها بطريقة مشتركة، فالقاعدة بالنسبة للبنائيين كما عبر عنه نيكولاس أنوف Nicholas Onuf في كتابه “عالم من صنعنا”   World of our Making تقوم على تساؤل  ماذا يجب أن نفعل؟ “What we should do فكلمة “ماذا ”  What “هي المعيار، أو النموذج الذي يجب أن يتبعه الأفراد في ظروف متشابهة، وكلمة “يجب”  should توضح ضرورة الالتزام بالقاعدة، وإلا يتحمل الناس النتائج، وكمثال نموذج أزمة فيروس كورونا مما يفضي الى فرض قاعدة جديدة ملزمة للوضع الذي لم يتم الالتزام به في البداية، وهو ما جسدته الصين كإدارة موفقة في التعامل مع انتشار الفيروس من خلال التطور المعرفي، والتقني، وفرض الالتزام بالقواعد، و حماية الشعب الصيني أولا ثم العالم، و بذلك عرض التجربة الصينية لتقريب الهوية الصينية، وتعزيز البعد الإنساني الآسيوي، وهكذا تقدم الصين للعالم نظرة ايجابية للقيم الصينية كرواية مغايرة للقيم الغربية الليبرالية، و كل المقومات التي تؤهلها لبناء علاقات دولية تعاونية أكثر، والسعي لتحقيق حلمها ” القوة العظمى العالمية للمستقبل” وبذلك  فإن أخلاقيات العلاقات الدولية حسب البنائيين  تقوم على  العوامل  المعرفية، والذاتية، والعلاقة بين الفاعل، والبنية.

ومن الجدير بالملاحظة فإن فكرة وجود أخلاق عالمية تضل نسبية حتى في التعامل مع الأزمات العالمية سواء الصحية منها أو الاقتصادية، أو البيئية،  فما هو مقبول أخلاقيا لبعض الدول قد لا يكون مقبولا لدى الدول الأخرى في  العلاقات الدولية، لذلك يبقى تفسير  البعد الأخلاقي  محصورا بين  مقاربتين رئيسيتين ” الواقعية، والمثالية”، فمن  الممكن النظر الى أزمة فيروس كورونا بمثالية من خلال تغليب مركزية الانسان في العلاقات الدولية، والتعاون الإنساني والمواطنة العالمية، بالمقابل النظر لها بواقعية عند تغليب الأنانية باعتبار أن العلاقات الدولية قائمة على معادلة انسانية تتمثل في الصراع بين الخير والشر لأن الشر نفسه موجود حتى في تصورنا لنموذج القيم، و المثل الأخلاقية التي يجب أن تكون في العلاقات الدولية، ومصالح الدول،ومن هنا  يبقى البعد المعياري والإنساني بعيدا عن جوهره الفلسفي، لأنه كثيرا ما يستخدم  لإضفاء الشرعية على سلوكيات الدول، والتي غالبا مايشوبها التلاعب والتنافس والصراع، والتشويه لأغراض سياسية، يتم من خلالها استغلال الأخلاق بشكل مبالغ فيه، أو الاستخدام المفرط لوسائل تضمن مصالح الدول وضرب عرض الحائط كل القيم  الإنسانية حتلى لو كانت حربا بيولوجية خفية تفتك  بوجود الإنسان وحقه في الحياة، وبالتالي تفريغ البعد المعياري من جوهره، وهذا يعكس صعوبة تطبيق الأخلاق في العلاقات الدولية.

نافلة القول  يجب على العالم  انطلاقا من منظومة العلاقات الدولية  أن يستفيد من تجربة ادارة  أزمة كروونا سواء كانت حربا بيولوجية، أو وباء حل بالعالم لا يد للبشر فيه، وأن يستخلص الدروس من الصين كنموذج للعمل الإجتماعي، والمدني، والحكومي الموحد، والتقني لتفادي نتائج مستقبلية وخيمة على البشرية، كما يجب النظر إلى ادارة أزمة كورونا في سياق التجربة الصينية والآسيوية بشكل عام على أنها عملية دينامية، متطورة لوضع المعايير في المناقشات الدائرة حول أخلقة إدارة الأزمات الإنسانية مستقبلا ما يفترض عموما أن هناك دروسا آسيوية مفيدة للعالم تكبح القومية المفرطة وتعزز البعد الإنساني، لعل بموجبها تدرك الدول الحاجة إلى مزيد من التعاون الدولي لمواجهة مختلف التحديات العالمية على غرار  تغير المناخ، و تنظيم الأسلحة النووية، و الأوبئة العالمية، فلا يكفي إصدار قصص النجاح السعيدة  دون اثارة أسئلة جادة حول الاستعداد العالمي لمواجهة الأوبئة في نطاق الاستجابة العالمية المنسقة كمفتاح لفهم  كنه هذا التفشي،ضمن استراتيجية عالمية تعاضدية شاملة كفيلة بتحقيق الإنعتاق البشري  من التهديدات العابرة للقارات، وتعلم الكثير عن أهمية استخدام التكنولوجيا في مثل هذه الأزمات البيولوجية.

بقلم الباحثة سامية بن يحي، تخصص إدارة دولية / باتنة / الجزائر