هي كلمة روسية تعني إعادة الهيكلة، وهو برنامج تأسس على يد الزعيم السوفياتي ميخائيل جورباتشوف -Mikhail Gorbachev ، بهدف إعادة هيكلة النظام الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي للاتحاد السوفياتي وذلك في منتصف الثمانينيات. وقد تم اقتراح البرنامج لأول مرة من قبل ليونيد بريجنيف -Leonid Brezhnev  في عام 1979. وخلال هذا البرنامج قام غورباتشوف بتطبيق الضوابط اللامركزية على الاقتصاد، وإنهاء التخطيط المركزي للأسواق وزيادة الأتمتة وكفاءة العمل فيها، كما حث الشركات على التمويل الذاتي، وذلك في إطار السعي إلى رفع المستوى الاقتصادي للاتحاد السوفياتي وصولاً إلى البلدان الرأسمالية كالولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وألمانيا. ولم يكن برنامج جورباتشوف موضع ترحيب لدى الجميع، فقد قوبل بالمقاومة من قبل البيروقراطية الاقتصادية التي خشيت على نفوذها وامتيازاتها، كما تضمن برنامج جورباتشوف خفض المشاركة المباشرة لقيادة الحزب الشيوعي في حكم البلاد وتعزيز سلطة الحكومات المحلية. وتبعاً لذلك تم في عام 1988 إنشاء الكونغرس السوفييتي الذي كان برلماناً جديداً لنواب الشعب. كما تم تأسيس مجالس مماثلة في كل جمهورية سوفييتية، والتي تم عبرها –لأول مرة في تاريخ الاتحاد- انتخابات تتيح للناخبين اختيار المرشحين الشيوعيين وغير الشيوعيين، وعلى الرغم من ذلك فقد استمرت سيطرة الحزب الشيوعي على النظام.

تخلل حقبة البيريسترويكا العديد من التغييرات الجذرية سواء داخل الاتحاد أو خارجه، ومن التغيرات المحلية (الداخلية):

– استحداث سياسة جديدة من الشفافية وحرية الحوار والتعبير عن الرأي والتي عرفت بـ (glasnost).

– تم نشر عدد كبير من الكتب التي كانت محظورةً للنشر في السابق، والتي انتقدت التاريخ الرسمي للحكم الشيوعي بل تحدّت شرعيته.

– تم إطلاق سراح العديد من المعارضين المسجونين بالإضافة إلى فتح تحقيقات خاصة بقضايا سابقة في تشويه العدالة.

– تم تعزيز التسامح الديني وإيقاف اضطهاد الكنائس، وتم تشجيع حرية الأديان.

– تم استبدال الأيديولوجية اللينينة-الماركسية بأيديولوجية تعددية مبنية على الفكر الحر.

– تم توفير حرية الاتصال والسفر إلى الدول الغربية، وتبعاً لذلك تم وقف التشويش على البث الأجنبي.

– تم التخلي بهدوء عما سمي بـ (المركزية الديموقراطية) داخل الحزب الشيوعي، وهو تعبير مخفف للنظام الهرمي الصارم داخل الحزب، حيث ظهر بعد ذلك العديد من النقاشات الحادة داخل الحزب في المنابر العلنية.

– تم تشريع إنشاء أحزابٍ سياسيةٍ معارضة بموجب تعديلات دستورية في عام 1990م، كما تم تأكيد شرعية التعددية السياسية التي كانت موجودةً بطبيعة الحال، وتم تشريع الحق في الإضراب.

– بالنسبة لبعض السلع الاقتصادية النادرة أصبحت خطوط الإنتاج أطول، مما أدى إلى اضطرابات مدنية واقتصادية في بعض المناطق والتي طالت أرواح الأبرياء لا سيّما في الجماعات القومية المشحونة كما في ولايات القوقاز والبلطيق.

– كانت التغييرات الاقتصادية سريعة ومفاجئة ولم تكن متوافقة مع الوضع الراهن لدول الاتحاد، حيث ارتفعت ديون ومعدل إنفاق الحكومات، ما أدى إلى حدوث تضخم خطير في دول الاتحاد.

أما التغيرات في المشهد السياسي الدولي فقد كان من أبرزها ما يأتي:

– مغادرة السوفييت من أفغانستان، فقد دعا جورباتشوف منذ توليه السلطة إلى ضرورة انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان التي قام الاتحاد السوفييتي بغزوها في عام 1979، وهذا ما تم لاحقاً حيث غادر آخر جندي سوفييتي أرض أفغانستان في شباط/ فبراير من عام 1989م.

– قام رئيس الاتحاد السوفييتي الأخير بتعزيز علاقاته الشخصية مع القادة والرؤساء الغرب، ما أدّى إلى إثمار نتائج جوهرية لا سيّما بعد اجتماعات القمة السنوية مع الرؤساء الأميركيين في عام 1987، ومن أهم النتائج الإيجابية تخفيض حجم الترسانات النووية للقوات العسكرية العظمى وإزالة صواريخها قصيرة ومتوسطة المدى من أوروبا.

– تخلي الزعيم السوفييتي غورباتشوف عن “عقيدة بريجنيف  – Brezhnev Doctrine” المتمثلة في السيادة المحدودة على بلدان أوروبا الشرقية، كما ظهر جلياً في خطاباته الرئيسية في حزيران / يونيو لعام 1988 في موسكو، وفي الأمم المتحدة في نيويورك في كانون الأول / ديسمبر 1988. وأعلن صراحةً أن لكل بلد الحق في اتخاذ القرار في نوع النظام السياسي والاقتصادي الذي يريده الشعب.

– قامت دول أوروربا الشرقية بإزالة قادتهم الشيوعيين وتجريدهم من السلطة، حيث حدث ذلك بسلمية من دون إطلاق النار من قبل السوفييت، وبذلك أصبحت دول وسط وشرق أوروبا مستقلة وغير شيوعية، حيث يُعدّ هذا التحول أكبر تغيير نتج عن سياسة البيريسترويكا.

– تم التوقف عن استخدام مصطلح جمهورية ألمانيا الديموقراطية الذي كان يُقصد به (ألمانيا الشرقية الشيوعية) عندما تم توحيد ألمانيا (الغربية والشرقية) ككيان سياسي واحد في عام 1990م.

– كانت سياسة البيريسترويكا دافعاً رئيسياً لانهيار حلف وارسو-عام 1991م- الذي ضم الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا.

– كما أدّى برنامج جورباتشوف إلى انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي بشكل مفاجئ.

تسارعت الأحداث على نحو كبير على إثر هذه السياسات حتى تم في 19 من شهر آب/أغسطس لعام 1991 محاولة انقلابية فاشلة في الاتحاد السوفيتيية، والتي قام بها أعضاء من الإدارة المركزية لجورباتشوف نفسه، وذلك بهدف منع توقيع معاهدة جديدة للاتحاد في اليوم الذي يلي تاريخ الانقلاب وكذلك لاستعادة قوة الحزب وسلطته، الأمر الذي دعا بوريس يلتسين- Boris Yeltsin -وهو أول رئيس منتخب لروسيا- إلى استنهاض الشعب لرفض الانقلاب الحكومي والتجمع عند البيت الأبيض- مقر حكومة الجمهورية الروسية-. على الرغم من احتواء الانقلاب وسيطرة جورباتشوف على الوضع إلا أنه استقال بعد ذلك في 25 كانون الأول/ديسمبر 1991. قام بعدها الرئيس بوريس باستحداث سياساتٍ على نطاقٍ أوسع بعد انشقاق الاتحاد السوفييتي وتشكيل رابطة الدول المستقلة أو اتحاد الدول المستقلة.

على الرغم من انتهاء مشروع البيريسترويكا وعدم نجاح جورباتشوف في إعادة تأسيس الاتحاد كفدرالية طوعية حيث لم يُكتب للاتحاد السوفييتي الاستمرار، وتقسّم إلى 15 ولاية إلا أن العلاقات بين القادة الروس والقادة الغرب أصبحت دافئة وجيدة بحلول عام 1991م، وهذا ما دفع العديد من السياسيين إلى الأسف على عدم اغتنام هذا الجو الإيجابي لبناء جسور أمتن بين الطرفين.

المصادر والمراجع:

Encyclopedia Britannica, “Perestroika- Soviet government policy”,

Library of Congress, Revelations from the Russian Archives, “PERESTROIKA”.

Oxford English, “Definition of perestroika in English”.

BBC news, Prof Archie Brown, University of Oxford, “Perestroika: Reform that changed the world”.

history.com, “Perestroika”.

المصدر: الموسوعة السياسية