إعداد: نادية عبد الحميد على – طالبة ماجستير علوم سياسية تخصص نظم سياسية

مقدم إلى:الدكتور/ وليد حسن قاسم

جامعة الأسكندرية، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – قسم العلوم السياسية

عرب برف -Arabprf

يمكن تحميل الملف كاملاً بصيغة pdf من الرابط: التحول الديمقراطي في إندونيسيا

مقدمة:

تقع إندونيسيا في جنوب شرق آسيا، ويبلغ عدد سكانها 243 مليون شخص، وهي رابع أكبر دولة سكاناً، وأكبر دولة من السكان المسلمين في العالم، وتشارك حدودها البرية مع بابوا غينيا الجديدة، وتيمور الشرقية، وماليزيا، والدول المجاورة الأخرى، وتشمل سنغافورة، والفلبين، واستراليا، وأراضي الهنود لجزر أندامان ونيكوبار.

اقتبس إسم إندونيسيا من الكلمة اللاتينية “إندوس” وتعني الهند، والكلمة الإغريقية “نيسوس” وتعني جزيرة، وتعود التسمية إلى القرن التاسع عشر (1850) عندما اقترح عالم الأوصل الإنجليزي “جورج إيرل” إطلاق مصطلح إندونيسيون ومصطلح مالايونيزيون على السكان القاطنين في الأرخبيل الهندي أو الملايو.[1]

ويعد الأرخبيل الإندونيسي منطقة تجارية مهمة منذ القرن السابع الميلادي عندما كانت مملكة تتاجر مع الصين والهند، وجلب التجار المسلمين الإسلام إلى إندونيسيا. وبعد ثلاثة قرون ونصف من الاستعمار الهولندي حصلت إندونيسيا على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية. وتاريخها منذ ذلك الحين مضطرب مع التحديات التي تفرضها الكوارث الطبيعية، والفساد، والنزعة الانفصالية، وعملية التحول الديمقراطي، وفترات من التغير الاقتصادي السريع.

وتتكون الجزر الإندونيسية من مجموعات عرقية ولغوية ودينية عديدة ومتميزة، ومع ذلك فقد عملت الهوية المشتركة على تحديد لغة وطنية. أغلب سكانها مسلمين، إلا أن الأعراق المختلفة أدت إلى التوترات الطائفية والانفصالية، والتي نتج عنها موجات عنيفة أدت لتقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي في بعض الأحيان.

تحاول الورقة البحثية، عرض النظام السياسي في إندونيسيا، خلال المراحل الزمنية المختلفة، منذ استقلاله، وما يتصف به نظام حكمه خلال هذه الفترة، وحتى مع بدء عملية الانتقال الديمقراطي، ومراحلها المختلفة، والتعرف على محدداتها الداخلية، والخارجية، وصولاً لتفسير عملية التحول الديمقراطي ونمط الديمقراطية الإندونيسية حالياً.

أولاً: نمط الحكم قبل التحول الديمقراطي:

اتسمت أولى الوحدات السياسة في إندونيسيا أي قبيل الاستعمار البرتغالي أو الهولندي بقيام الإمبراطوريات والممالك المتفرقة، ولم تتجمع هذه الممالك في إطار دولة واحدة إلا في أواخر العهد الاستعماري الهولندي، واتسمت جزر ما يعرف الآن بإندونيسيا بالهياكل السياسية المؤسسية الضعيفة والمجزأة. وقد اتبعت هذه الإمبراطوريات نموذج للحكم يسيطر فيه النظام الإمبراطوري على المناطق المرتبطة بشبكات التجارة البحرية، وظلت المناطق الداخلية غير المرتبطة بالشبكات التجارية البحرية غير خاضعة للحكم إلى حد كبير.

وكانت إندونيسيا في العهد الاستعماري الهولندي مقسمة إلى ممالك وولايات تابعة للحكم الهلوندي إما مباشرة أو بواسطة سلاطين محليين لهم شبه استقلال ذاتي. وانتهى الاستعمار الهولندي بغزو اليابان لإندونيسيا خلال الحرب العالمية الثانية، وقد ساند الغزو ثورة استقلال إندونيسيا، التي قمعت. وبعد يومين من استسلام اليابان عام 1945، قام الزعيم الوطني، وزعيم حركة الاستقلال أحمد سوكارنو بإعلان الاستقلال وعين رئيساً.

وبعد الاستقلال، كان على جميع مؤيدي حركة الاستقلال، الذين قاتلوا الهولنديين بشراسة، إدارة البلد المعلن حديثاً. ولكن تأسست الانقسامات الداخلية بين عناصر حركة الاستقلال الإندونيسية، على الاختلافات في الطموحات الأيديولوجية. زأدت هذه الانقسامات إلى بعض الصراعات السياسية، كان أهمها الانتفاضة الشيوعية عام 1948، وثورة أو حركة بري أو بيرميستا المتجذرة في الانقسام الداخلي داخل الجيش، وبعض الصراعات الانفصالية مثل حركة دار الإسلام (الدولة الإسلامية في إندونيسيا، وثورة جمهورية جنوب مالوكو، التي كانت تهدف إلى الحفاظ على أسلوب الحكومة الاتحادي التي فرضها الهولنديون. وعموماً استهلك الإندونيسيون معظم طاقتهم خلال العقدين الأولين بعد الاستقلال في تسوية خلافاتهم الأيديولوجية، من خلال سلسلة من الصراعات الداخلية المتزايدة، التي تقع معظمها فئة الحروب الأهلية.

وكان للنمط السلطوي للنظام الإندونيسي خلال رئاسية الرئيسين سوكارنو وسوهارتو، وذلك للحكم الأوتوقراطي الذي اتسم به نمط الحكم بانفراد الزعماء بالحكم، وذلك باتخاذ عدد من الإجراءات، التي تعكس سمات السلطوية السياسية، تتخلص في الآتي[2]:

  1. إنهاء سوكارنو الديمقراطية البرلمانية في عام 1957، من خلال حل المجلس الأعلى المختص بإعادة كتابة الدستور، الذي كان مخطط له أن يحقق التوازن بين التيارات السياسية الرئيسة الثلاث، والانتقال إلى الديمقراطية الموجهة الاستبدادية، حيث وضع سوكارنو بهذا التحول حجر الأساس للنظام السلطوي في إندونيسيا، والذي استمر بعده لما يقرب من 30 عاماً على يد الجنرال سوهارتو.

  1. اتهام سوكارنو بأنه أنفق الكثير من موارد البلاد على الأعمال غير المنتجة وعلى الجولات العالمية الباهظة، في حين ارتفع التضخم وزاد التوتر بين المجموعات السياسية الرئيسة. وكانت التيارات السياسية الإندونيسية والبيروقراطية والقوات العسكرية والمجتمع ككل مستقطب إلى مؤيدين ومعارضين للشيوعيين. وصل التوتر إلى ذروته في الانقلاب الفاشل المؤيد للشيوعية في 30 سبتمبر 1965، المسمى “حركة 30 سبتمبر”. وقد أعقب الانقلاب الفاشل رد فعل عنيف قتل فيه مئات الآلاف من المؤيدين الشيوعيين في المذابح التي دعمها الجيش. وكانت إراقة الدماء أشد في جزيرة جاوة ذات الأغلبية المسلمة، كما وقعت عمليات عنف وقتل واسعة النطاق ضد الهندوس في بالي وسومطرة الشمالية، وشهدت الجزر الخارجية وفيات لكن بصورة أقل من جزيرة جاوة.

  1. قاد سوهارتو البلاد بدعم من الدول الغربية خلال فترة الحرب الباردة، بطريقة عسكرية استبدادية حتى انهيار نظامه المعروف بإسم” النظام الجديد” new order في مايو 1998. ورغم أن الدولة تحت قيادة النظام الجديد كانت مستقرة نسبياً، وكان الصراع الداخلي أقل بكثير مما كان عليه تحت إدارة سوكارنو، غير أن الصراعات الداخلية خلال الفترة التي يسيطر عليها الجيش والنظام الجديد الاستبدادي تطورت في شكل عنف ترعاه الدولة لإسكات المعارضين السياسيين، وذلك من أجل تحقيق الاستقرار كأساس لبدء التنمية الاقتصادية، وكان سوهارتو مدعوم من الدول الغربية باعتبار أنه أوقف تمدد الشيوعية في بلاده، وتلقى الكثير من الدعم نظير ذلك، على الأقل حتى نهاية الحرب الباردة، كما استعمل سوهارتو الفصيل الإسلامي كاداة لمواجهة المد الشيوعي ومن أجل الحفاظ على قاعدته الشعبية للسلطة. واتخذ سوهارتو العديد من التدابير القمعية لإسكات خصومه، وواجه بعنف التظاهرات الطلابية التي اندلعت في يناير 1974 في جاكرتا احتجاجاً على السياسات الاقتصادية المتعلقة بالاستثمار الأجنبي وفساد النظام. واتخذ سوهارتو تدابير للحد من الانتقادات العلنية للنظام، بوضع وسائل الإعلام تحت رقابة مشددة، وإلغاء العديد من التراخيص، وحرم المعارضون من التعبير وكانوا عرضة للاعتقال التعسفي، وتم قمع نقابات العمل، وارتكب النظام سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان في تنفيذ هذه السياسات.
  2. برغم التعددية السكانية والثقافية التي تتميز بها إندونيسيا، اقتصرت الأحزاب السياسية في عهد الرئيس سوهارتو على حزب رئيس واحد وهو حزب “جولكار”، الحاكم وحزبين صغيرين هما التنمية المتحدة والديمقراطي. وكانت آخر انتخابات نزيهة هي انتخابات عام 1955، وما بعدها كانت تعتبر انتخابات شكلية وهامش حرية مع معارضة محصورة في حزبين ليس لهما أن يفعلا شئ.
  3. صار للجيش في عهد سوهارتو أدواراً اجتماعية وسياسية واسعة كوسيلة لتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي. واستفادت دول غربية على رأسها الولايات المتحدة من قوة الجيش في مواجهة المد الشيوعي في الستينات والسبعينات. واستخدم النظام قوات الجيش في مواجهة التحديات الانفصالية في بابوا الغربية وآتشيه وتيمور الشرقية.
  4. أدت التغييرات التي طرأت منذ “النظام الجديد” لمدة اثنين وثلاثين عاماً، إلى تقويض الحكومة الاستبدادية بقيادة سوهارتو من تطور المجتمع المدني، اعتقاداً منها بأن من شأن عملية صنع القرار المنفتحة والتشاركية أن تعرض الاستقرار الوطني للخطر. وبعبارة أخرى، حاول النظام الجديد بناء دولة قوية من خلال إضعاف المجتمع المدني. وكانت الجمعيات تخضع إلى حد كبير لسيطرة الدولة، وكان أثر هذا الإضعاف المنهجي للمجتمع المدني هو إضعاف قدرته على التأثير على الحكومة ومساءلتها.[3]

ثانياً: مظاهر الديمقراطية المباشرة:

يعتبر المعهد الدولي للديمقراطية والانتخابات (IDEA)، إندونيسيا من البلدان التي لا يظهر فيها اياً من مظاهر الديمقراطية المباشرة، وذلك لغياب الأحكام القانونية التي تنص بإجراء استفتاءات على المستوى الوطني، سواء كانت اختيارية أو إلزامية، أو إمكانية تقديم المواطنين للمبادرات على الصعيد الوطني، أو الإقليمي أو المحلي، بجانب غياب إجراء أي استفتاء وطني منذ عام 1980.[4]

ورغم غياب إجراء استفتاء شعبي على المستوى الوطني منذ الثمانينات، إلا أنه أجري على مستوى محلي، وهو ما جسده استفتاء استقلال تيمور الشرقية في 30 أغسطس عام 1999، والذي صوت أكثر من ثلاثة أرباع مواطني تيمور الشرقية لصالح الاستقلال.

وأثبتت أدلة ميدانية تجريبية على 49 قرية إندونيسية بشكل عشوائي بشأن مشروعات إنمائية، لقياس مدى فعالية آليات الديمقراطية المباشرة، أن القرويين كانوا أكثر رضا، ومعرفة وإقبال على المشاركة في حال اختيار أداة الاستفتاء، مقارنة بالجلسات التشاورية. وذلك لأن المشاركة المباشرة في صنع القرار السياسي يمكن أن تزيد إلى حد كبير من نسبة الرضا والشرعية للمشروعات المطروحة محلياً. بينما الجلسات التشاورية أو جلسات الاستماع يشارك فيها عدد أقل، بخاصة مع زيادة مخاوف السيطرة على نقاشاتها من قبل النخب المحلية. كما توفر الاستفتاءات من خلال الديمقراطية المباشرى وسيلة لمواجهة سيطرة النخب على المؤسسات التمثيلية لتحقيق مصالحهم الخاصة.[5]

ثالثاً: مظاهر الديمقراطية التوافقية:

بالنظر للمجتمع الإندونيسي، نجده مجتمع متنوع عرقياً، أكثر من 300 مجموعة عرقية، تتمتع فيه “الجاوية” بأنها أكبر مجموعة عرقية يمثلها 84 مليون شخص، أي 42 % من إجمالي سكان إندونيسيا، البالغ عددهم 250 مليون نسمة، تليها “سوندانيس”، بنسبة 15% أي 31 مليون نسمة. وخارج جاوة، نجد الخريطة العرقية أكثر تعقدياً بوجود مساحات كبيرة من البلاد متعددة العرقيات، وغياب تمركز مجموعة عرقية واحدة في 21 إلى 33 مقاطعة، بجانب وجود عدد كبير من المهاجرين. وفي محاولة لدراسة ملامح السياسة العرقية في إندونيسيا ما بعد سوهارتو، نجد الآتي[6]:

  1. بلغ تسييس الإثنية وتعبئتها ذروتهما خلال فترة الانتقال الديمقراطي، ولكنهما انخفضا فيما بعد. بالمقارنة بشكل كبير مع سنوات سوهارتو، فمثلا خلال ذروة التحول الديمقراطي في إندونسيا (1998-2001) حدث تسييس للعامل العرقي بسرعة وشراسة مذهلة في بعض الأحيان. وفي بعض أجزاء إندونيسيا، حشدت حركات العنف ضد الخصوم العرقيين، سواء كان هؤلاء الخصوم مجتمعات متنافسة (كما هو الحال في الصراعات الطائفية في غرب ووسط كاليمانتان وشمال مالوكو) أو الدولة (كما هو الحال في الحركات الانفصالية في آتشيه وبابوا). وقد اجتذبت هذه الصراعات العنيفة إلى حد بعيد أكثر الظواهر السياسية الإثنية في إندونيسيا ما بعد سوهارتو.

وكان هناك أيضاً انتشار لمنظمات سياسية ومدنية إثنية من مختلف الأنواع، من الميليشيات الإثنية والجماعات الانفصالية، ومطالبات بإعادة رسم الحدود الإدارية على أسس عرقية.

  1. لا تزال إندونيسيا تعتبر نظامًا سياسيًا تلعب فيه العرقية دورًا ضئيلًا بشكل مدهش في السياسة، وذلك بسبب غياب الأحزاب العرقية والإقليمية. وفي وقت مبكر من عملية الانتقال السياسي، اتخذ زعماء إندونيسيا قرارا ً تبعياً بمطالبة جميع الأحزاب التي ترغب في خوض الانتخابات التشريعية بإثبات أن لها وجوداً واسعاً على الصعيد الوطني. وقد حالت هذه الخطوة فعلياً دون قيام الأحزاب السياسية المحلية أو الإقليمية بإعادة الدور الذي تؤديه الهوية الإثنية في السياسة الرسمية إلى حد كبير. وحتى على المستوى المحلي، يُطلب من المتنافسين على المقاعد في المجالس التشريعية المحلية أن ينافسوا مع أحد الأحزاب الوطنية، بالتركيز على الشواغل الوطنية بدلاً من الشواغل المحلية.

وفي هذا الصدد، تقف إندونيسيا في تناقض واضح مع بلدان مثل ماليزيا وسريلانكا والهند، التي، على الرغم من أنها ليست أكثر تنوعاً عرقياً من إندونيسيا، إلا أنها لديها أنظمة حزبية تتمحور بدرجات متفاوتة حول الهويات العرقية أو الهويات الناموسية.

  1. ضعف التصويت على أساس عرقي: وذلك بأن الخلفية الإثنية ليس لها تأثير يذكر على اختيار الأحزاب ولا تأثير لها على الإطلاق في الانتخابات الرئاسية، إلا أن العوامل العرقية تُحسب في التصويت على المستوى المحلي – وخاصة رؤساء الحكومات الإقليمية – ولكن حتى هنا نادراً ما تكون العوامل العرقية ورقة رابحة. وبالتالي فإن معظم التحليلات العلمية لانتخابات رؤساء الحكومات المحلية لا تركز إلا قليلاً على العرق وتشير إلى عوامل أخرى، مثل الأداء والبرامج والحملات الإعلامية في تفسير نجاح المرشحين. إلا أن الإثنية تلعب دوراً في التنافس على السلطة التنفيذية المحلية، على النقيض في الانتخابات على المستوى الوطني، وذلك بعد أن أشارت استطلاعات للرأي أن الناخبين أقل احتمالات للتصويت لمرشحين من مجموعة إثنية أخرى، بخاصة عندما تكون مجموعتهم كبيرة، وإذا كان هناك تاريخ من الصراع العرقي في الإقليم. ويدرك سياسيون وطنيون بارزون من أحزاب مثل الحزب الديمقراطي الإندونيسي وحزب جولكار أنه من الضروري اختيار مرشحين لمنصب الحكم المحلي من أعضاء مجموعة الأغلبية العرقية في المنطقة المعنية، على الرغم من أنهم كثيرا ً ما يندمون على هذه الضرورة باعتبارها تدل على تضاؤل قوة القومية الإندونيسية.

  1. تميل السياسة الديمقراطية في إندونيسيا إلى تجزئة الهويات الإثنية بدلا من توحيدها أو تجميعها. ودخلت إندونيسيا تحولها الديمقراطي بتاريخ من قمع التنظيم السياسي العرقي والقليل من الاعتراف الرسمي بالعرق في النظام السياسي. ويبدو أن الصراعات العنيفة المتناثرة التي وقعت في وقت مبكر من التحول الديمقراطي تنذر بمجتمع على نحو متزايد على أسس عرقية. ومع ذلك، فإن التغييرات المؤسسية التي حدثت كجزء من التحول الديمقراطي تميل إلى تجزئة العرق نتيجة لثلاثة تغييرات مؤسسية: اللامركزية، والعلاقات الإدارية، والانتخابات.

وبالنظر للتنوع العرقي، نجد أن الديمقراطية التوافقية وجدت طريقها مبكراً في إندونيسيا خلال السنوات الأولى من عملية الانتقال الديمقراطي، وذلك من خلال الآتي:

  1. الاستقلال القطاعي أو الفيدرالية:

وذلك اللجوء إلى الحكم الذاتي، بهدف تمكين المحلي للشعوب للمشاركة في اتخاذ القرارات، بخاصة بعد نقل سلطات كبيرة للمحليات وفقاً للتعديلات الدستورية، التي جاءت بعد وقوع الفوضى في جاكرتا، وفصل تيمور الشرقية الطموحات الانفصالية في المقاطعات الغنية بالموارد، ما أدى للجوء الحكومة الإندونيسية لإصدار مجموعة من القوانين بشأن الحكم الذاتي الإقليمي، ومنها القانونان رقم 22 و25 لعام 1999، اللذان كانا بمثابة الأساس لبرنامج اللامركزية الذي عمل على تهدئة العديد من الصراعات الإنفصالية في البلاد. حيث لجأت حكومة لتطبيق قانون يمنح حكماً ذاتياً موسعاً لـ27 إقليماً، وطبقاُ لهذا القانون يمكن للمقاطعات والأقاليم أن تتولى إدارة الميزانيات والحكومات الخاصة بها، بينما تحتفظ الحكومة المركزية بإدارة الشؤون الخارجية والدفاع.[7]

ولكن، هل نجحت الترتيبات الإندونيسية بتحقيق الاستقلال القطاعي؟ رغم أن نقل السلطات السياسية، والضريبية، والإدارية إلى حكومات دون وطنية على مستوى المقاطعات، والبلديات، والقرى، بجانب تمتع القادة المحليون بقدر أكبر من السيطرة على شؤونهم وميزانياتهم، وأتاح ذلك فرصة للمواطنين للسيطرة بشكل أكبر على القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على حياتهم، إلا أن لها وجه آخر سلبي تمثل في زيادة فرص المحسوبية والفساد، وأحد أهم المعوقات التي تعاني منها الديمقراطية في إندونيسيا اليوم.[8]

وبعد 13 عاماً من بدء إندونيسيا في نقل السلطة من الحكومة الفيدرالية إلى مئات الوحدات الفرعية، أصبحت الصلة بين المصالح السياسية المحلية والوطنية ضعيفة للغاية. ونتيجة لهذا فإن الساسة المنتخبين محلياً قد يقدمون أشياء تفيد مصلحتهم على حساب احتياجات الأمة. وهو ما عبرت عنه الانتخابات البرلمانية في إبريل 2014، والتي أظهرت فشل الحزب الوطني الديمقراطي لتطوير قواعد دعم محلية جعلته يدفع الثمن باهظاً في فشل الحصول على النسبة التي تغنيه عن اللجوء لتشكيل الإئتلافات.  وفي حين استهلك سوهارتو طاقته في الموازنة بين المصالح العسكرية والدينية والتجارية، كان على خلفائه أن يركزوا على بناء التحالفات في جاكرتا. وقد أدى هذا الانشغال إلى تشتيت انتباه قادة إندونيسيا عن أخطر تحد يواجهونه الآن، وهو حماية المصلحة الوطنية من السياسيين المنتخبين محلياً، الذين يقدمون كل منهم ما يرضي مجموعته الصغيرة من الناخبين ولكنه يضر بالبلد ككل.[9]

وسمحت الإصلاحات المتعلقة بالانتخابات المحلية عام 2005، بأن يكون هناك انتخاب مباشر لرؤساء الدوائر الانتخابية المحلية بدلاً من انتخابها بواسطة الهيئات التشريعية المحلية، ما أعطى حافزاً على تقسيم المقاطعات، وتشجيع النخب المحلية على التزوير من خلال إعادة دقيقة للجغرافيا السياسية للحصول على الدعم الانتخابي، وهو الأمر الذي كان يصعب تحقيقه في ظل قلة المعلومات بسبب تدخل الهيئات التشريعية المحلية حتى عام 2005، ولكن بعد الانتخاب المباشر لرئيس المقاطعة، تمكنت النخب المحلية من تحديث معلوماتها واقتراح تقسيمات انتخابية مفيدة سياسياً، بعد أن علمت الجهات الفاعلة المحلية إمكانية الفوز بالانتخابات والسيطرة على المقاطعات المحلية في المستقبل. وانعكس ذلك في زيادة عدد الحكومات المحلية من 292 عام 1999 إلى 497 عام 2012.[10]

وأدى اتساع وعمق سياسة اللامركزية في إندونيسيا، إلى جانب سرعة تنفيذها، إلى الحد من نوعية آليات المساءلة السياسية في حكومات المقاطعات، ورغم التخلي عن الانتخابات غير المباشرة لرؤساء الأقاليم في عام 2004 لصالح الأصوات الشعبية المباشرة، إلا أن ذلك لم يزد المساءلة السياسية بالضرورة. وبدلاً من ذلك، اكتفى الحزب السياسي بإنشاء نظام معقد من التحالفات لدفع المرشحين المعتمدين إلى السلطة. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن غموض تشريع عام 1999 سمح لحكام المقاطعات (بوباتي) بالمطالبة خلسة بسلطة سياسية واستقلال ذاتي أكثر مما كان يُعتزم الحصول عليه في الأصل. وهذه اللوائح المتناقضة والغامضة وغير المطبقة بشكل غير متسق تسمح للبوابتي بتعزيز سلطتها التنفيذية على حساب الرقابة والتقييم المحتملين للحكومة المركزية. وبسبب المجموعة الواسعة من المناصب التنفيذية المتاحة داخل مئات الدوائر الجديدة في إندونيسيا، وجدت نفس النخب السياسية التي استفادت في ظل نظام المحسوبية الذي أنشأه سوهارتو نفسها قادرة على إعادة إدراج نفسها فعلياً في النظام السياسي الجديد. وبدأت هذه النخبة السياسية السيطرة على سياسة الدولة، من خلال الزبائنية، وشراء الأصوات، والمحسوبية الحزبية، والتي أصبحت عادات راسخة داخل النظام السياسي الإندونيسي. وأظهرت الانتخابات العامة الإندونيسية لعام 1999 انتشار الترسيخ السياسي وسياسات المال داخل الديمقراطية الجديدة.[11]

  1. النسبية:

تطبيق نظام التمثيل النسبي في الانتخابات الإندونيسية لاستيعاب التنوع العرفي، وإعطاء فرص لتمثيل نسبي للعرقيات المختلفة. وذلك بعد سقوط سوهارتو عام 1998، اعتمد قانون جديد للانتخابات في أواخر يناير 1999، يقوم على التمثيل النسبي ولكن بميزات تخص تمثيل الدوائر. أتى ذلك نتيجة للمفاوضات السياسية التي عملت في ظل حيز ضيق من الوقت. بجانب التوصل لاتفاق من قبل الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان والمنتخبة في ظل نظام سوهارتو، والذين عملوا تحت ضغوطات من قبل الأحزاب السياسية الجديدة. وفي انتخابات عام 1999، أدلى كل ناخب بصوت واحد لصالح الحزب الذي وقع عليه خياره، ووزعت المقاعد في 27 دائرة انتخابية استناداً إلى نظام التمثيل النسبي، بالإضافة لقيام كل حزب بربط كل مرشح على قائمته في الدائرة بإحدى الدوائر من الدرجة الثانية، أي السلطات المحلية المدنية والريفية. وبسبب القلق حول الحفاظ على وحدة البلاد، نص القانون على إجراءات جعلت من المستحيل تسجيل الأحزاب المحلية (الأحزاب المنحصرة في مقاطعة ما)، حيث فرض قانون الأحزاب السياسية على كافة الأحزاب المشاركة في الانتخابات أن يشمل تنظيمها الحزبي تسع محافظات على الأقل. إلا أن القانون أغفل مسألة مهمة، تتمثل في النص على كيفية ترجمة الأصوات إلى مقاعد. كما أنه لم يشتمل على ضوابط لتحديد أي المرشحين من بين المدرجين على القائمة يفوزون بالمقاعد التي تخصص لكل حزب في نهاية المطاف. ولم تحل هذه المسئل إلا في مرحلة متأخرة جداً.[12]

رابعاً: مؤشر قياس الديمقراطية في إندونيسيا:

تصنف دراسات حديثة النظام السياسي في إندونيسيا، بأنه بمقياس أي شخص، نظاماً ديمقراطياً منفتحاً؛ فهناك انتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها أحزاب متعددة، وكانت هناك لامركزية السلطة بعيدا عن جاكرتا أسفرت عن انتخابات محلية لاختيار القادة المحليين. وهناك حق الاقتراع العام ومعدلات عالية باستمرار من إقبال الناخبين على التصويت في صناديق الاقتراع، والصحافة حرة تماما ً في انتقاد السياسيين وتفعل ذلك بطرق صاخبة وصاخبة. والناس أحرار في تشكيل جماعات الدعوة، وأعداد لا تحصى من المجتمع المدني منظمة مراجعة الأمريكية قد ظهرت إلى حيز الوجود منذ سوهارتو ترك منصبه في ربيع عام 1998.[13]

ووفقاً لمقاييس الحرية التي تطلقها المنظمات الدولية، أبرزها منظمة “بيت الحرية”، نجد أنها ظلت تصنف إندونيسيا، التي تعد ثالث أكبر ديمقراطية في العالم، بالبلد”الحر” (من 2.5 درجة) منذ عام 2006، إلا أنه بدءاً من عام 2014، وحتى الآن انخفض تصنيفها إلى بلد “حرة جزئياً” (6.2 درجة)، فرغم الصورة المشجعة للتحول السياسي المصحوب بنمو اقتصادي ملحوظ يمثله، لا تزال هناك تحديات خطيرة واحتمالات التراجع.[14]

وجلبت السنوات الأخيرة مؤشرات على أن التقدم نحو الديمقراطية قد توقف في إندونيسيا، وأن البلد قد يتراجع، وقد تجلت الاتجاهات المثيرة للقلق بوجه خاص في “مستوى الالتزام السلوكي والمواقف والدستوري بالديمقراطية بين النخب الرئيسة التي تحتفظ بالقدرة على تقليص الديمقراطية أو عكس اتجاهها في إندونيسيا”. وقد تعزى هذه الاتجاهات نحو تقليص الديمقراطية إلى غياب القادة البارزين في حركة الإصلاح التي بلغت ذروتها في عام 1998. وثمة تفسير آخر لهذه الاتجاهات هو أن الهياكل الأساسية للسلطة ظلت دون تغيير. ونجت النخب الأقلية التي سيطرت على النظام الجديد سالمة، بل واستمرت في استخدام الدولة لأغراض البحث عن مصالحها. وعلى الرغم من الإصلاحات المؤسسية، يبدو أن التغييرات التي تعزز الديمقراطية كانت سطحية. وقد صمدت هياكل السلطة الأوليجارشية.[15]

ووفقاً لتقرير بيت الحرية عن العام الماضي، نجد أن إجاباته عن الأسئلة العشرة التي منحت إندونيسيا تصنيف “حرة جزئياً”، جاءت بسبب عدداً من لاتطورات السياسية خلال عام 2018، وابرزها رفض المحكمة الدستورية مراجعة قضائية لقانون الانتخابات العامة لعام 2017، ما يزيد من صعوبة تسجيل الأحزاب الصغيرة أو الجديدة للمرشحين الرئاسيين من خلال ربط أهلية المرشحين بالنجاح الانتخابي السابق لأحزابهم زاد من الحد من قدرة الأحزاب الصغيرة والجديدة على تسجيل المرشحين، ما يقلل من فرص المعارضة لوصولها للسلطة من خلال الانتخابات. ولا يزال الجيش مؤثراً، حيث يلعب القادة السابقون أدواراً بارزة في السياسة، ويشكل الترهيب من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية بما في ذلك الجماعات الإسلامية المتطرفة مشكلة. بجانب تورط مسئولين في الأحزاب الكبيرة، أبرزها حزب جولكار بالضلوع في فضائح فساد (أدين رئيس حزب الديمقراطية الشعبية السابق ورئيس حزب جولكار، سيتيا نوفانتو، بالتورط في فضيحة فساد بقيمة 170 مليون دولار حول المشتريات لنظام جديد لبطاقات الهوية، وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما). ورغم أن المرأة تتمتع بحقوق سياسية متساوية ولكنها تظل ممثلة تمثيلا ناقصا في المناصب المنتخبة. ومارست بعض الحكومات المحلية التمييز ضد الأقليات الدينية من خلال تقييد الحصول على بطاقات الهوية وشهادات الميلاد وتراخيص الزواج وغيرها من الضروريات البيروقراطية، ما حد من حقوقها السياسية والفرص الانتخابية. وتزايدت التهديدات التي تتعرض لها الحرية الأكاديمية في السنوات الأخيرة. واتُهم أكاديميون بالتشهير وأُقيلوا من مناصبهم لانتقادهم الموظفين العموميين.[16]

خامساً: مفاهيم التحول الديمقراطي التي شهدتها إندونيسيا في الفترات الزمنية المختلفة:  

بدأت عملية التحول الديمقراطي في إندونيسيا بعد سقوط الرئيس سوهارتو في مايو 1998. وسعت هذه العملية إلى إنهاء الفساد، وتعزيز الديمقراطية فضلاً عن إعادة تنظيم العلاقات المدنية – العسكرية، ويمكن التعرف على المفاهيم الثلاثة للتحول الديمقراطي من خلال الآتي:

  • الانفتاح السياسي:

لم تشهد إندونيسيا انفتاحاُ سياسياً في الفترة التي سبقت سقوط سوهارتو، بل على العكس شهدت مزيداً من التضييق السياسي على المعارضين، والفصائل السياسية المختلفة.

  • الانتقال الديمقراطي:

يمكن التعرف على مظاهر الانتقال الديمقراطي في إندونيسيا في فترة ما بعد سوهارتو، من خلال المؤشرات التالية[17]:

  1. إجراء تعديلات دستورية جذرية على دستور استقلال إندونيسيا لعام 1945، والذي شملت تعديل يؤكد أن التشريع لم يعد بيد الرئيس وحده بل هو من صلاحيات البرلمان ثم يصادق عليه الرئيس، ويتطلب توقيع رئيس البلاد على أي اتفاقات دولية موافقة البرلمان قبل توقيع الحكومة أو الرئيس عليها، وتم استحداث مؤسسات جديدة كالمحكمة الدستورية، وإقرار صيغة لا مركزية لإدارة البلاد. وفي مجال الحقوق ركز الدستور على حقوق الطفل والمواطن والمواطنة. وتم تحديد مدة الرئاسة بدورتين رئاسيتيتن فقط، تمتد كل منهما لخمس سنوات، وتم تأسيس مجلس النواب الإقليمي الذي يشكل مع مجلس نواب الشعب أو البرلمان المركزي مجلس الشعب الاستشاري أعلى سلطة تشريعية وسياسية في البلاد، ويتم انتخاب الرئيس عبر الاقتراع الشعبي المباشر وليس من خلال مجلس الشعب الاستشاري كما كان معمولاً به حتى انتخابات 1999. كما تم إعادة هيكلة السلطات بشكل أفقي، حيث منحت الأقاليم والمحافظات سلطات تنفيذية وتشريعية أوسع، ومن ثم وضع التشريعات والضوابط الكفيلة بإجراء انتخابات برلمانية حرة وسرية ونزيهة، من تشكيل المحكمة الدستورية لحماية النظام الدستوري، وتشكيل المفوضية القضائية، وتخصيص عشر مواد دستورية لحماية حقوق الإنسان.

  1. أدت جهود التحول الديمقراطي في مرحلة ما بعد سوهارتو إلى نهاية، من الناحية النظرية لدور الجيش، وذلك من خلال تقليص دوره في مجلس النواب ثم تم إلغاؤه في انتخابات عام 2004، وتم إنهاء الأعمال التجارية التي يسيطر عليها الجيش بحلول عام 2009. أيضا، تم فصل قوة الشرطة من الجيش للتمييز بين الحماية الداخلية والخارجية. وفي حين تم تنفيذ هذه الإصلاحات، يحتفظ الجيش بسلطة كبيرة في مجال التجنيد السياسي للنخبة (العديد من السياسيين قادة عسكريون متقاعدون)؛ وجلبت اللامركزية في السلطة زيادة فرص السلطة للضباط العسكريين المحليين القادرين على ممارسة النفوذ على القضايا والميزانيات المحلية.وواصلت القوات المسلحة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في مرحلة ما بعد سوهارتو، ولا تزال المحاكم العسكرية لديها ولاية قضائية حصرية على الأفراد العسكريين، وفي كثير من الحالات، تُستخدم المحاكم العسكرية كآلية لتهدئة الاحتجاج العامة دون أي ضمان لإقامة العدل. وبالتالي، فإن ثقافة الانتهاكات التي يقوم بها الجيش لا تزال قائمة ولم تُحاكم على النحو الواجب. وتعكس هذه التحديات قضايا أكبر لم تحل في العلاقة بين القادة المدنيين والجيش، بخاصة أن السيطرة المدنية على الجيش هي المفتاح لترسيخ دائم للديمقراطية.[18]
  2. شهد النظام السياسي تغيرات جذرية، حيث أصبح النظام السياسي في إندونيسيا رئاسي نيابي جمهوري ديمقراطي، إذ أن الرئيس هو رأس الدولة ورئيس الحكومة، وهو نظام يعتمد على التعددية الحزبية. وتوكل السلطة التنفيذية للحكومة، في حين تتقاسم الحكومة والبرلمان السلطة التشريعية. أما السلطة القضائية فهي مستقلة عن السلطتين الأخريين. ويمنح الدستور الحق في تولي منصب الرئيس ونائبه دورتين فحسب مدة كل منهما خمس سنوات. ويتم اختيار الرئيس ونائبه اللذان يرشحان معاً، بالاقتراع المباشر من قبل الشعب. ويشكل الرئيس حكومته بالتعيين ولا يشترط أن يكون الوزير عضواً في البرلمان. ويعتبر مجلس الشعب الاستشاري هو أعلى سلطة في الدولة، ويتكون من 700 عضو يمثلون البرلمان المركزي ومندوبين عن البرلمانات الإقليمية، ومدة ولايته خمس سنوات. وتتولى مفوضية الانتخابات إعداد الانتخابات التشريعية والرئاسية والإشراف عليهما، وهي لجنة وطنية ودائمة ومستقلة، ويشترط في أعضائها ألا يكونوا منتمين إلى أحزاب سياسية. وتمتاز إندونيسيا بأن الانتخابات فيها تجري على مدار العام، فنظراً لاتساع البلاد جغرافياً، ولأن الدستور يشترط الإشراف القضائي على الانتخابات، يصعب إجراء انتخابات البرلمانات الإقليمية والمحافظات في آن فيتم إجراء هذه الانتخابات بالتوالي في القاليم، وتوزع على خمسة أعوام. ويعتبر إقليم جاكرتا ومحافظتها الأهم انتخابياً، وتستعد الأحزاب لها بقوة، نظراً للكثافة السكانية والأهمية السياسية للعاصمة.

  1. بعد تنحي الرئيس الإندونيسي الجنرال سوهارتو، تولى نائبه محمد يوسف حبيبي إدارة البلاد لمرحلة انتقالية لمدة عام تقريباً، وهو رئيس مدني ذو خلفية علمية وحسوب على تيار المثقفين المسلمين. ووضع الرئيس حبيبي خلال فترته الرئاسية إندونيسيا على عتبة أول انتخابات عامة، تتنافس فيها الأحزاب السياسية بشكل حقيقي وفق قانون انتخابات جديدة، حيث بعد سقوط سوهارتو، تأسست العديد من الأحزاب السياسية التي عبرت عن التعددية و الاختلاف في إندونيسيا، ورخص لثمانية وأربعين حزباً مثلوا مختلف الاتجاهات السياسية في إندونيسيا، والتي تراوحت بين أقصى اليمين وأقصى اليسار تعبر عن التعددية والاختلاف ،وابرز هذه الأحزاب أو ما تسمى بالأحزاب الكبيرة التي تمثل ثقل سياسي في إندونيسيا، حزب جولكار ، تأسس في اكتوبر 1964،والذي كان أداة رئيسة لسيطرة الرئيس السبق سوهارتو على الحكم، ويعتنق الحزب أيديولوجية “البانكسيلا” وهي إيديولوجية علمانية، وحزب المناضل الديمقراطي ،تأسس في يناير 1976، ويمثل الاتجاهات اليسارية العلمانية، ويضم الحزب نسبة كبيرة من الكاثوليك والبروتستانت والأقليات من أصل صيني، وحزب التفويض القومي، تأسس عام 1998، ويعتمد الحزب على أعضاء جماعة المحمدية الإسلامية رغم أن أبوابه مفتوحة لكل الاتجاهات والعقائد رغم الأغلبية المسلمة بين أعضاؤه، وحزب نهضة الأمة ،تأسس عام 1998، ويعد الزعيم الروحي للحزب عبد الرحمن واحد، الذي كان يتىأس جماعة نهضة العلماء الإسلامية الكبرى، ولكن ظل الحزب يعتمد على “البانكسيلا” لكسب غير المسملين إلى صفه، وحزب التنمية المتحد، تأسس في يناير 1973، وهو أحد الأحزاب الثلاثة التي كان معترف بها في عهد سوهارتو وتحول للدعوة والإصلاح بعد سقوطه، وحزب العدالة والرفاهية ،تأسس عام 1999، وهو الحزب الوحيد الذي يدعو لتطبيق الشريعة ويمثل الإخوان المسلمين في إندونيسيا، وأخيراً الحزب الديمقراطي بزعامة الرئيس السابق يودهويونو، وهو حزب علماني.[19]

 

  1. تحدث لاري دايموند عن لامركزية السلطة التي بدأت عام 1999 بإجراء انتخابات تعددية مفتوحة، وفي عام 2003، أسست المحكمة الدستورية التي منحت سلطة الرقابة الإدارية على السلطة القضائية المستقلة، بالإضافة إلى لجنة محاربة الفساد. وخلال خمس سنوات فقط شهدت الدولة أول انتخابات برلمانية حرة على مدار أكثر من أربعين عاما في 1999، وأول برلمان منتخب بشكل ديمقراطي ليسجل بذلك نهاية تخصيص 38 مقعداً للجيش عام 2004، في حين أصبحت الرئاسة تنتخب بشكل مباشر. أما انتخابات عام 2004، حيث فاز فيها 17 حزباً بمقاعد في البرلمان المؤلف من 550 عضواً، من دون أن يظفر أي حزب بربع المجلس التشريعي بمفرده، فتم اعتبارها حرة ونزيهة من قبل المراقبين الدوليين. وفي أثناء الانتخابات الرئاسية، تم تحدي “سوسيلو بامبانج يودويونو” بشدة بعدما حقق فوزاً فيها، وهو الجنرال المتقاعد الذي ساعد على تيسير عملية إخراج القوات المسحلة من السياسة.[20]
  2. في محاولة لتسوية الصراعات العرقية بعيداً عن العنف دفعت عملية التحول الديمقراطي إلى تحقيق اللامركزية والاستقلالية الإقليمية الرامية إلى احتواء مشاعر السخط، التي نشأت منذ سنوات نتيجة الاستغلال الاقتصادي للجزر الخارجية من جانب الحكومة المركزية، والتي هددت بتمزيق الجمهورية الإندونيسية. وأدى ذلك إلى تغيير في النهج الذي اتخذته جاكرتا تجاه الصراعات الانفصالية في تيمور الشرقية وآتشيه وبابوا الغربية، بعيداً على النهج الأمني الذي استم به نظام “النظام الجديد”، حيث تطلع النهج الجديد إلى الحوار لإنهاء هذه الصراعات.
  3. تراجع التعبئة الجماهيرية في صراع النخبة، وهو ما توصلت له دراسات حديثة بحثت في التفاعل بين صراع النخبة والتعبئة الجماهيرية ضمن الآليات السببية المفسرة لعملية التحول أو الانهيار الديمقراطي، وذلك بالتطبيق على إندونيسيا، وجدت الدراسة أن حالة التعبئة الجماهيرية منخفضة في صراع النخبة، أي أن الاحتجاجات الجماهيرية التي تحشدها الأحزاب أو الحركات من الطبقات الاجتماعية لمواجهة الآخرين في الساحة السياسية للتأثير على شرعية الحكومة جاءت بصورة منخفضة لم تؤد في الأخير إلى تدخل الجيش، ما أدى لغياب حدوث انهيار ديمقراطي في البلاد، فلم تشكل التعبئة الجماهيرية في صراع النخبة خلال رئاسة واحد ،أول رئيس منتخب بعد الانتقال الديمقراطي في 1999، سوى ائتلاف محدود من التعبئة السياسية، ولم يؤد هذا الوضع إلى استيلاء الجيش على السلطة، وبالتالي بقيت الديمقراطية قائمة في مرحلة التحول الديمقراطي ولم يحدث لها انهيار.[21]

يطلق لاري دايموند على الديمقراطية في إندونيسيا بأنها “ناشئة” و”مزعجة” ذات سيادة قانون ضعيفة إلى أبعد الحدود، ويبقى استغلال الوظائف العامة من أجل الكسب الخاص مرضاً مزمناً، وتنفخ العلاقات الفاسدة بين الفاعلين الأقوياء، وبيروقراطي الحكومة، والسياسيين ومسؤولي الأمن، ونتيجة لذلك تمارس مصالح الأعمال الأوليجارشية تأثيراً راجحاً في الأحزاب، والهيئات التشريعية والسلطة التنفيذية. ويتسرب الفساد بعمق للعديد من الإدارات المحلية، بجانب الانتهاكات لحقوق الإنسان، كما تمتلئ السلطة القضائية نفسها بالفساد. وهذه هي العلل المهددة لإمكانية تطبيق ديمقراطية ليبرالية على المدى الطويل، ومع ذلك لنأخذ بعين الاعتبار المدى الذي وصلت إليه إندونيسيا في غضون عقد من الزمان، وحجم للمصائب التي منيت بها: حرائق ضخمة أتت على الغابات، وإعصار تسونامي الذي ضرب البلاد عام 2004، وأودى بحياة أكثر من 200 ألف إندونيسي، والهزة الأرضية التي ألمت بها عام 2006 في وسط “جاوا” لتخلف وراءها أكثر من مليون مشرد، وكانت قدرة النظام الديمقراطي على تجاوز هذه المحن كلها لافتة للنظر، إذ منحت الدولة فرصة سانحة لدعم مؤسساتها الناشئة بمساعدة من الإصلاحات التدريجية.[22]

ويعرف عماد عريان، الديمقراطية الناشئة في دول آسيا، بأنها تلك الدول التي مازالت تتمسك بأهداب الديمقراطية بعد أن بلغتها، نتيجة تحولات طارئة ارتبطت في الغالب بثورات شعبية أدت إلى الإطاحة بأنظمة ديكتاتورية، وتوصيف هذه الدول بأنها ديمقراطيات ناشئة ليس فيه مبالغة، فهي حديثة العهد بالممارسة الديمقراطية التي قد لا تتجاوز في أفضلها على الإطلاق عقدين من الزمان وبعضها، لم تنتعش إلا فس سنوات التسعينات من القرن الماضي فقط، ولم يكن التحول الديمقراطي في تلك الدول نتيجة تراكمات أو خبرات طويلة المدى في الممارسة الدميقراطية، وإنما جاء في أغلبها نتيجة أحداث طارئة وخطيرة في الداخل، أو بسبب تحولات دولية كحرص واشنطن على وجود أنظمة ديمقراطية، وتقليص دور المؤسسات العسكرية في فنائها الخلفي، وليس أدل على ذلك من أن الشرارة الأولى للديمقراطية في إندونيسيا جاءت مع ثورة الطلاب بشكل اساسي في مايو 1998، للمطالبة بالديمقراطية والإطاحة بالديكتاتور سوهارتو، الذي ظل يحكم البلاد على مدى ثلاثة عقود متتالية، وتحت تأثير أزمة اقتصادية طاحنة واتهامات بالفساد المالي للرئيس وحاشيته، تفاقمت الأزمة السياسية في البلاد، ما أجبر سوهارتو في نهاية المطاف على التنحي عن السلطة لمصلحة نائبه يوسف حبيبي الرئيس الانتقالي إلى ان انتخب عبد الرحمن واحد من قبل مجلس شورى الشعب الذي يعد أعلى هيئة تشريعية في اندونيسيا.[23]

ولم تكن الممارسة الديمقراطية الناشئة نتيجة تراكمات أو بفضل توازنات بين طوائف وفئات المجتمع بحكم الأمر الواقع، وإنما جاءت كما هو واضح نتيجة أزمة اقتصادية في البداية تحولت إلى ثورة من الغضب الشعبي لتفرض واقعاً ديمقراطياً جديداً، وحاول عبد الرحمن واحد إدارة شئون البلاد بأسلوب شيخ الطريقة الذي يحاول إرضاء كافة الأطراف وتسكين كل جماعة بما تحتاجه، ولكن في بلد بحجم تعقيدات ومشاكل اندونيسيا، لم يكن مقدراً لهذا الأسلوب أن يستمر إلى ما لانهاية، فتفاقمت المشاكل الطائفية والعرفية، حتى وصلت للتظاهرات الشعبية المطالبة باستقالته، وهو تعبير عن ممارسة تعكس الإرادة الشعبية، إلا أنها لا تعبر عن استقرار ديمقراطي، أيضاً بسبب الطابع المؤسسي الضعي للديمقراطية الناشئة، ولغياب التوازنات السياسية بين مختلف المؤسسات بشكل يعكس الممارسات السليمة، يوحفظ لكل طرف مصالحه دون الطغيان على مصالح القوى الأخرى.[24]

يلقي الميراث العسكري بظلاله القاتمة على الديمقراطيات الناشئة في العديد من دول العالم الثالث، فهو يؤدي لتعطيل الممارسات الديمقراطية لسنوات عديدة بحيث أصبحت بمثابة ممارسات تحت الاختبار عند عودتها إلى المجتمعات من جديد، وارتبط بذلك غياب النضج في الممارسة السياسية عند الأحزاب، والقوى السياسية الحاكمة والأحزاب المعارضة على حد سواء، بحيث لم تكتمل للممارسة مظاهرها الصحيحة بحكم الحداثة، ميلاد التجربة الجديدة من رحم الحكومات العسكرية.[25]

وفقاً لمنظمة مراقبة الفساد الإندونيسية، كانت أربع قطاعات الهدف الرئيس للفساد في عام 2014، وهم تطوير البنية التحتية العامة، والميزانيات الحكومية الإقليمية، ومنح المساعدة الاجتماعية الحكومية الوطنية، والتعليم، تورط فيهم مسؤولين وزاريين وإقليميين ورجال أعمال وأعضاء في البرلمان ومسؤولين في المؤسسات المملوكة للدولة، بينما الفساد على الصعيد المحلي أصبح واسع الانتشار ترتكبه الحكومة المحلية، ويظهر المشتريات العامة. وتشمل أساليب الفساد، بصفة عامة، إساءة استخدام الأموال والسلطة والاحتيال. فأولئك الذين يتمتعون بنفوذ في بيروقراطية الحكم المحلي يؤسسوا وحدات خاصة لتزوير الأدلة الإدارية أو التلاعب به.[26]

ومن ناحية أخرى، فإن المؤسسة العسكرية رغم زوالها من الحكم المباشر إلا أنها في كثير من المناسبات كانت موجودة بقوة وتلعب دورها المؤثر أيضاً سواء من خلف الستار في بعض الدول أو بمساندة مباشرة لبعض الأنظمة، ويعني ذلك أن المؤسسة العسكرية تبقى هي جهاز التنفس الصناعي للأنظمة القائمة في الديمقراطيات الناشئة بحيث تزول من السلطة بمجرد توقف هذا الجهاز عن العمل. ويتضح ذلك في مساندة المؤسسة العسكرية في إندونيسيا للرئيس عبد الرحمن واحد، وإعلانها الدائم عن استمرار ولائها لهن وتعد أهم مقومات بقائه في السلطة.[27]

أدت جهود التحول الديمقراطي في مرحلة ما بعد سوهارتو إلى نهاية، من الناحية النظرية لدور الجيش، وذلك من خلال تقليص دوره في مجلس النواب ثم تم إلغاؤه في انتخابات عام 2004، وتم إنهاء الأعمال التجارية التي يسيطر عليها الجيش بحلول عام 2009. أيضا، تم فصل قوة الشرطة من الجيش للتمييز بين الحماية الداخلية والخارجية. وفي حين تم تنفيذ هذه الإصلاحات، يحتفظ الجيش بسلطة كبيرة في مجال التجنيد السياسي للنخبة (العديد من السياسيين قادة عسكريون متقاعدون)؛ وجلبت اللامركزية في السلطة زيادة فرص السلطة للضباط العسكريين المحليين القادرين على ممارسة النفوذ على القضايا والميزانيات المحلية.وواصلت القوات المسلحة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في مرحلة ما بعد سوهارتو، ولا تزال المحاكم العسكرية لديها ولاية قضائية حصرية على الأفراد العسكريين، وفي كثير من الحالات، تُستخدم المحاكم العسكرية كآلية لتهدئة الاحتجاج العامة دون أي ضمان لإقامة العدل. وبالتالي، فإن ثقافة الانتهاكات التي يقوم بها الجيش لا تزال قائمة ولم تُحاكم على النحو الواجب. وتعكس هذه التحديات قضايا أكبر لم تحل في العلاقة بين القادة المدنيين والجيش، بخاصة أن السيطرة المدنية على الجيش هي المفتاح لترسيخ دائم للديمقراطية.[28]

  • مفهوم الترسيخ الديمقراطي:

يمكن النظر لملامح الترسيخ الديمقراطي في إندونيسا من خلال عدداً من المؤشرات، وهي:

  1. ينظر إلى نجاح الحزب الديمقراطي، وهو أول حزب في مرحلة ما بعد الاستبداد، في الفوز بالسلطة، باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في ترسيخ الديمقراطية في إندونيسيا، وذلك بهزيمة حزبين قويين تقليدياً (الحزب الديمقراطي الإندونيسي للنضال، وحزب المجموعة الوظيفية “جولكار”، عام 2009 في الانتخابات التشريعية، والتي أصبح من خلالها أول حزب جديد في مرحلة ما بعد سوهارتو أكبر حزب في البرلمان الوطني، وهي مؤسسة كانت تهيمن عليها منذ فترة طويلة الأحزاب السياسية التي نظمت خلال حكم سوهارتو الاستبدادي. وبفوز الحزب الديمقراطي بعد عقد من الاستبداد دخلت إندونيسيا مرحلة جديدة من التنافسية الحزبية.  كما ساهم الحزب الديمقراطي في إحداث تغيير بين الأجيال داخل النخب السياسية الإندونيسية.[29]
  2. يشير البعض إلى بدء الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومات المحلية، باعتبارها أحد ملامح إرساء الديمقراطية في إندونيسيا، بخاصة مع حدوث تحول لصالح المواءمة بين الهوية العرقية لرؤساء المحكم المحليين، والسكان المحليين الذين يحكمونهم، وأدى هذا الاتجاه إلى قيام نخب من الجماعات الإثنية التي كانت تعتبر نفسها في السابق مهمشة سياسياً أو اجتماعياً بحكم مقاطعاتها.[30]
  3. ونجحت إندونيسيا في اختبار الانتخابات لفترات متتالية، وهو أحد مؤشرات الترسيخ الديمقراطي. وذلك بعد بعد سقوط سوهارتو، تأسست العديد من الأحزاب السياسية التي عبرت عن التعددية والاختلاف في إندونيسيا، ورخص لثمانية وأربعين حزباً مثلوا مختلف الاتجاهات السياسية في إندونيسيا، والتي تراوحت بين أقصى اليمين وأقصى اليسار. وبعد عام من سقوط الرئيس سوهارتو، أجرت البلاد أول انتخابات حرة وديمقراطية متعددة الأحزاب، بعد مضي أكثر من اربعة عقود. وشهدت إندونيسيا أربع رؤساء مختلفين منتخبين، كما موضح بالجدول التالي[31]:
اسم الرئيس الفترة الرئاسية
سوكارنو 1945-1965
سوهارتو 1967-1998
يوسف حبيبي مايو 1998- اكتوبر 1999
عبد الرحمن واحد اكتوبر 1999-يوليه 2001
ميجاويتي سوكارنو يوليه 2011 – اكتوبر 2004
سوسيلو بانبانج يودهويونو اكتوبر 2004-اكتوبر 2014
جوكو ويدودو اكتوبر 2014 حتى الآن

  1. بالنظر للعوامل الخارجية التي قد تكون ساهمت في ترسيخ الديمقراطية في إندونيسيا، نجد الدعم الأمريكي لعملية إرساء الديمقراطية في هذه البلاد كان غارقاً في المثالية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إلا أن أحداث 11 سبتمبر 2001، حولت تركيزها بإعلان الحرب على الإسلام في إندونيسيا. ونظراً لتعقيدات الإسلام السياسي وطبيعة الصراع الداخلي في إندونيسيا، فمن الواضح أن مساعدة إندونيسيا على إقامة حكم ديمقراطي فعال يصب في مصلحة الولايات المتحدة. ومن المفارقات أن أفضل نهج تتبعه الولايات المتحدة لتخفيف خطر الإرهاب في إندونيسيا قد يكون مواصلة سياساتها التي كانت قبل 11 سبتمبر لتعزيز التغيير الديمقراطي على المستوى المؤسسي وفي المجتمع المدني العلماني.[32]

ويُنظر إلى إندونيسيا على أنها قصة نجاح في واشنطن في محور الاستقرار الإقليمي. فكان التقارب الأميركي مع إندونيسيا مدفوعاً بتقدير الإنجازات المحلية التي حققتها الأخيرة وقدرتها على أن تكون شريكاً في القضايا العالمية. وبدأت فى أعقاب تفجيرات بالى عام 2002 واكتسب قوة دفع حيث طورت اندونيسيا قدرة فعالة لمكافحة الارهاب، وتعزيز الديمقراطية وهو انجاز لم تحققه دولة اخرى. وفي ظل إدارة أوباما، لم تكن السياسة تجاه إندونيسيا مدفوعة بقيم ومصالح ديمقراطية مشتركة فحسب، بل وأيضاً بالاعتراف بأن إندونيسيا قوة ناشئة ستلعب دوراً مؤثراً بشكل متزايد في الحوكمة العالمية. وبالنسبة لجاكرتا، فإن التقارب لا يجلب فوائد ملموسة وعلاقات جيدة مع القوة المهيمنة في العالم فحسب، بل يساعد إندونيسيا أيضاً في سعيها إلى رفع مكانتها الدولية. ومن مصلحة الولايات المتحدة ألا تقع جنوب شرق آسيا تحت هيمنة قوة خارجية، وبالتالي فهي ترحب بقيادة إندونيسيا في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). وفي عصر تحتل فيه التهديدات عبر الوطنية مثل الإرهاب والأوبئة وتغير المناخ مرتبة عالية في جدول الأعمال الدولي، تعرضت إندونيسيا لهجوم من جانب الإرهابيين، وعانت من وفيات بسبب إنفلونزا الطيور أكثر من أي بلد آخر، وهي ثالث أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة في العالم. وفي معالجة مشاكل مثل الإرهاب والأمراض الوبائية وتغير المناخ، سيكون دور إندونيسيا حاسما.[33]

سادساً نمط التحول الديمقراطي في إندونيسيا:

بالنظر لتصنيفات هنتجتون بأنماط التحول الديمقراطي، نجد إندونيسا تذهب نحو الإحلال، فالعناصر الإصلاحية داخل النظام ضعيفة أو لا وجود لها أصلاً. والعناصر السائدة في الحكومة من المتشددين المعارضين بشدة لتغيير النظام. وبالتالي فإن التحول الديمقراطي ينتج عن ازدياد قوة المعارضة وتناقض قوة الحكومة إلى أن تنهار الحكومة أو يطاح بها، فتأتي فئات المعارضة إلى السلطة، وهنا يدخل الصراع مرحلة جديدة حيث تسعى الحكومة الجديدة جاهدة إلى تحديد طبيعة النظام الذي يريدون إقامته.[34]

ويمكن كذلك تصنيف نمط التحول الديمقراطي في إندونيسا، وفقاً لما ذكره عبد الفتاح ماضي ضمن الانتقال التدريجي من نظم حكم الفرد أو القلة إلى نظم الحكم الديمقراطية، وتحديداً من خلال الطريق الثالث، والذي حدث الانتقال من خلال تصاعد الإضرابات والاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير، وظهور قوى معارضة ديمقراطية للضغط على الحكام للاستجابة لمطالب المعارضة، بعد استغلال المساحة التي يوفرها ضعف النظام من جراء الأزمات السياسية والاقتصادية التي واجهها.[35]

وهو ماحدث في إندونيسيا، وليس أدل على ذلك من أن الشرارة الأولى للديمقراطية في إندونيسيا جاءت مع ثورة الطلاب بشكل اساسي في مايو 1998، للمطالبة بالديمقراطية والإطاحة بالديكتاتور سوهارتو، الذي ظل يحكم البلاد على مدى ثلاثة عقود متتالية، وتحت تأثير أزمة اقتصادية طاحنة واتهامات بالفساد المالي للرئيس وحاشيته، تفاقمت الأزمة السياسية في البلاد، ما أجبر سوهارتو في نهاية المطاف على التنحي عن السلطة لمصلحة نائبه يوسف حبيبي الرئيس الانتقالي إلى ان انتخب عبد الرحمن واحد من قبل مجلس شورى الشعب الذي يعد أعلى هيئة تشريعية في اندونيسيا.[36]

سابعاً: المحددات الداخلية لفرص التحول الديمقراطي في إندونيسيا:

يمكن تحديد عدد من العوامل أو المحددات الداخلية، وفقاً لما ذكره هنتجتون[37]، التي عززت من فرص التحول الديمقراطي في إندونيسيا من خلال العناصر التالية:

  1. تآكل شرعية النظام:

تآكلت شرعية نظام سوهارتو بفعل عدداً من المؤشرات:

  • تفاقم الأزمة الاقتصادية:

كانت الأزمة الاقتصادية الباعث الرئيس للحركات الاحتجاجية ضد سوهارتو ونظامه، ففشل النظام في الوفاء بالمتطلبات الحياتية قوض من أسس شرعيته. وقد بدأت المسألة بمواجهات بين الطلاب وقوات الأمن، لم تلبث أن اتسع نطاقها إلى الحد الذي أصبح يمثل تهديداً للوحدة الوطنية. وأدى ذلك كله في النهاية إلى سقوط النظام. وبعد 17 شهراً من عملية التحول الديمقراطي هي فترة حكم حبيبي.[38]

وكانت الأزمة الاقتصادية بمثابة عامل محفز للتغيير السياسي بالبلاد، تمشياً مع ملاحظة بعض المتابعين بأن احتمال الانتقال الديمقراطي يزيد خلال فترات الضائقة الاتقصادية، وفي حالة إندونيسيا، أشار البعض إلى هذا الاتجاه من أنه بدون انهيار الاقتصاد، لم تكن هناك فرصة للتغيير السياسي. وأنه من الصعب التنبؤ بسقوط سوهارتو كخطوة أولى للانتقال بينما كانت البلاد تشهد نمواً اقتصادياً مرتفعاً ومستقراً.[39]

لفت لاري دايموند للعامل الاقتصادي بأن الأزمة المالية في مايو 1998، التي دفعت لإعلان الحكومة الإندونيسية لوقف دعم المحروقات والكهرباء، تسببت في حالة من الفوضى وأعمال الشغب، ما اضطر قوات حفظ الأمن إلى إطلاق النار على العديد من الطلبة. ومع خروج الشعب مطالباً بحل النظام الجديد، وجد سوهارتو نفسه مضطراً إلى التخلي عن السلطة لتبدأ مرحلة جديدة من الانتقال الديمقراطي.[40]

  • كبت الحريات في محاولة للبقاء في السلطة:

قاد سوهارتو للبلاد بدعم من الدول الغربية خلال فترة الحرب الباردة، بطريقة عسكرية استبدادية حتى انهيار نظامه المعروف بإسم” النظام الجديد” new order في مايو 1998. ورغم أن الدولة تحت قيادة النظام الجديد كانت مستقرة نسبياً، وكان الصراع الداخلي أقل بكثير مما كان عليه تحت إدارة سوكارنو، غير أن الصراعات الداخلية خلال الفترة التي يسيطر عليها الجيش والنظام الجديد الاستبدادي تطورت في شكل عنف ترعاه الدولة لإسكات المعارضين السياسيين، وذلك من أجل تحقيق الاستقرار كأساس لبدء التنمية الاقتصادية، وكان سوهارتو مدعوم من الدول الغربية باعتبار أنه أوقف تمدد الشيوعية في بلاده، وتلقى الكثير من الدعم نظير ذلك، على الأقل حتى نهاية الحرب الباردة، كما استعمل سوهارتو الفصيل الإسلامي كاداة لمواجهة المد الشيوعي ومن أجل الحفاظ على قاعدته الشعبية للسلطة. واتخذ سوهارتو العديد من التدابير القمعية لإسكات خصومه، وواجه بعنف التظاهرات الطلابية التي اندلعت في يناير 1974 في جاكرتا احتجاجاً على السياسات الاقتصادية المتعلقة بالاستثمار الأجنبي وفساد النظام. واتخذ سوهارتو تدابير للحد من الانتقادات العلنية للنظام، بوضع وسائل الإعلام تحت رقابة مشددة، وإلغاء العديد من التراخيص، وحرم المعارضون من التعبير وكانوا عرضة للاعتقال التعسفي، وتم قمع نقابات العمل، وارتكب النظام سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان في تنفيذ هذه السياسات. [41]

  1. التغيرات الدينية:

وتمثلت التغيرات الدينية التي ساهمت في تسهيل عملية الانتقال الديمقراطي ما بعد سقوط سوهارتو في توافق السياسات الإسلامية مع التحول الديمقراطي في إندونيسا، بخاصة أن التجربة الآسيوية فندت المقولة الأكاديمية التقليدية حول العلاقة بين الثقافة والديمقراطية، وذلك بالقول بإن الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية؛ لذا يمكن عرض توافق الأحزاب الإسلامية ضمن العوامل المفسرة لنجاح التحول الديمقراطي في إندونيسيا، فبالنظر للأحزاب الإسلامية في إندونيسا، نجد أمران؛ أولهما أن هناك عدداً كبيراً جداً من الأحزاب الإسلامية، فقد أظهر الناخبون باستمرار أنهم يفضلون الأحزاب العلمانية، وثانياً، أظهرت هذه الأحزاب أنها على استعداد للالتزام بالمعايير الديمقراطية واستخدامها لصالحها، أي أن السياسة الإسلامية المعاصرة في إندونيسيا لا تتعارض مع التحول الديمقراطي، ولكنها تمثل مزيجا معقدا من التقاليد والاعتدال والتجديد والإصلاح الجذري. وتضاءل النشاط الإرهابي المعبر عن الجماعات الإسلامية المتطرفة، نظراً لتمكن العناصر المتطرفة من التأثير على سياسة الحكومة بطرق أخرى؛ مثل التواصل مع الأجهزة البيروقراطية، واستخدام مجموعة المصالح، أي أن المتشددين الدينيين أصبحوا قادرين على استعراض عضلاتهم دون اللجوء إلى الإرهاب. واتجه الدعم العام أو التعاطف مع العنف والهجمات الإرهابية للإنخفاض مع مرور الوقت، وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة جالوب في إندونيسيا أن ما يقرب من تسعة من كل عشرة مواطنين يؤيدون الحرية الدينية، ولكن نصفهم فقط يقولون إن مجتمعهم يوفر بيئة آمنة لطوائف الأقليات. ويبدو أن هذا يشير إلى أن مؤيدي الجماعات المتشددة أقلية صغيرة.[42]

وتحدث “فالي نصر”، عما أسماه بـ”الديمقراطية الإسلامية”، الموجودة في عدد من بلدان جنوب شرق آسيا، بينهم إندونيسيا. وينظر من خلالها الديمقراطيون المسلمون للحياة السياسية بعين براجماتية، فهم يرفضون أو على الأقل يستبعدون الادعاء الإسلامي الكلاسيكي بأن الإسلام يأمر بالسعي إلى دولة شرعية، وهدفهم الرئيس يميل إلى أن يكون أكثر دنيوية متمثل في صياغة برامج انتخابية قابلة للحياة، وتحالفات حاكمة مستقرة لخدمة المصالح الفردية والجماعية الإسلامية وكذلك العلمانية داخل ساحة ديمقراطية يحترمون حدودها أو يفوزون أو يخسرون. ولا ينظر الإسلاميون إلى الديمقراطية على أنها شيء مشروع للغاية، بل في أحسن الأحوال كأداة أو تكتيك قد يكون مفيداً في اكتساب القدرة على بناء دولة إسلامية. وبدأ صعود الديمقراطيين المسلمين في دمج القيم الدينية الإسلامية المستمدة من تعاليم الإسلام حول الأخلاق والأخلاق والأسرة والحقوق والعلاقات الاجتماعية والتجارة، في برامج سياسية تهدف إلى الفوز بانتخابات ديمقراطية منتظمة.[43]

وفازت مجموعة من الأحزاب الإسلامية في إندونيسيا عام 2004، من يمين الوسط، حزب الانتداب الوطني، وحزب الصحوة الوطنية، وحزب التنمية المتحدة، بالإضافة إلى جولكار (الحزب الحاكم القديم)، بنسبة 53 % من المقاعد، مقارنة بنسبة 8 % لحزب العدالة المزدهرة الإسلامي. وتشير هذه النتائج إلى أن المركز الحيوي للسياسة في هذه المجتمعات الإسلامية من المرجح ألا ينتمي إلى الأحزاب العلمانية واليسارية ولا إلى الإسلاميين. ومن المرجح أن يحكم الوسط الاستراتيجي القوى السياسية التي تدمج القيم الإسلامية والسياسة الإسلامية المعتدلة في برامج أوسع ليمين الوسط تتجاوز الاهتمامات الدينية حصراً. ويمكن لهذه القوى أن تروق لشريحة واسعة من الناخبين.  إن عمق الالتزام بالقيم الليبرالية والعلمانية التي يتطلبها توطيد الديمقراطية شرط للنجاح النهائي للديمقراطية الإسلامية، وليس لظهورها لأول مرة. وكما كان الحال مع الديمقراطية المسيحية في أوروبا، فإن حتمية المنافسة المتأصلة في الديمقراطية هي التي ستحول الاتجاهات غير العلمانية للديمقراطية الإسلامية إلى التزام طويل الأمد بالقيم الديمقراطيةبدلاً من الدعوة إلى تغييرات في التعليم الإسلامي أو لمعان جديد على التعليم الإسلامي كطريق إلى الديمقراطية، يبحث الديمقراطيون المسلمون في الشوارع عن الأصوات، وفي هذه العملية يغيرون علاقة الإسلام بالسياسة.[44]

ونجحت إندونيسيا في تطوير (لاهوت) سياسي، أي الأفكار السياسية المستمدة من الدين، معتدل ومتسامح ومؤيد للديمقراطية، وذلك بفعل أن البلاد تسجل درجات عالية نسبياً في جميع مؤشرات تسامح الدولة مع الدين، وأصبحت العلاقة بين الدولة الدين مستقلة، بخاصة أن التحول الديمقراطي يتطلب تجاوز العلاقة الثنائية التقليدية بين الإسلام والديمقراطية، بل يمكن أن يتعايشا في حالة إندونيسيا، بخاصة في حال تدخل الدولة لإحداث تغيير في في الفكر بمؤسسات التعليم الديني.[45]

ثامناً: المحددات الخارجية المؤثرة في فرص التحول الديمقراطي:

وتشمل الآتي:

  1. السياسات الجديدة للعناصر الخارجية:

أدرك سوهارتو معنى نهاية الحرب الباردة بالنسبة إلى نظامه، وحاول أن يتكيف مع التوجهات الأمريكية “الليبرالية الجديدة” التي تحبذ عمل الأسواق الحرة في ظل حكومات ديمقراطية. ولذلك، فقد شجع نشاط بعض الحركات الإسلامية وأزرها، بغية تخفيف هيمنة الجيش على الحياة السياسية في البلاد، ولكي يقيم سنداً شعبياً لإدارة حكمه الفاسد، حيث قدرت ثروته الشخصية بنحو 40 مليار دولار نهبت من المال العام. وكان التبدل في المخطط الجيوستراتيجي الأمريكي في جنوب شرق آسيا عاملاً أساسياً في نهاية نظام سوهارتو، وإفشال مساعيه للتكيف السياسي والإيديولوجي التي كانت تقتضيها مرحلة ما بعد الحرب الباردة. واستفادت المعارضة الإسلامية والديمقراطية من تغير المناخ السياسي الإقليمي والدولي وراحت تزيد ضغوطها على النظام طالبة الإصلاح السياسي والإداري. ومع رضوخ جاكرتا لشروط صندوق النقد الدولي في شتاء عام 1997، تصاعدت قوة التحركات الشعبية ضد إعلان سوهارتو ترشيح نفسه لولاية سابعة تمتج حتى عام 2003، ولم يتخل الجنرال الإندونيسي عن مناوراته للاحتفاظ بالسلطة إلا في شهر مايو 1998، بعدما طلب منه الأمريكيون علناً وبلسان وزيرة الخارجية أولبرايت أن يستقيل، فترك السلطة بين يدي نائبه ورجله المخلص يوسف حبيبي[46].

وتحت وطأة الذعر الذي اجتاح العالم من جراء الأزمة المالية التي عصفت باقتصادات جنوب شرق آسيا، بدأت الدول والمؤسسات الدائنة لإندونيسيا في الضغط لضمان تحصيل قروضها التي بلغت حوالي 200 مليار دولار، وهو ما كان يعني ضرورة إجراء تعديلات جذرية على هيكل الاقتصاد الإندونيسي. من ناحية ثانية تزايدت الانتقادات الدولية الموجهة لسوهارتو بعد أن أصبح النظام ذاته عقبه في وجه الاستثمار، سواء أكان نتيجة للاحتكارات الإنتاجية المملوكة للدولة، أو لضخامة العمولات المالية التي كان سوهارتو وعائلته يتقاضمونها، حيث كانت هذه العمولات تؤدي لزيادة تكاليف الاستثمار بما يقارب حوالي 30% وهو ما كان يقلص بالتالي من عوائد الاستثمارات الدولية. وكان تقاطع هذه الضغوط، مع انتفاء الأهمية الاستراتيجية لنظام جاكارتا، كنظام معاد للشيوعية في جنوب شرق آسيا، إيذاناً ببداية النهاية.[47]

أصبح لزاماً على سوهارتو الانصياع لروشتة الإصلاح، ورغم ضخامة برنامج الإنقاذ الإندونيسي الذي بلغت قيمته الإجمالية قرابة 43 مليار دولار، ثاني أكبر صفقة إنقاذ في تاريخ مؤسسات الإقراض الدولية، إلا أنه قد ارتبط بالتزام جاكارتا بعدد من الاشتراطات من أهمها، تنفيذ سياسة تقشفية صارمة، تجميد الاستثمارات الحكومية في البنية الأساسية، ثم وبالأساس تفكيك الاحتكارات الإنتاجية التابعة للدولة وإلغاء القيود المفروضة على التجارة الخارجية، وبهذه الشروط كانت صفقة الإنقاذ بمثابة إعلان بسحب المساندة الغربية وبدء العد التنازلي لسوهارتو، بخاصة مع تدهور الأوضاع الاجتماعية والمعيشية لغالبية السكان، بوصول ثلثي سكان إندونيسيا عام 1998 الذي يبغ عددهم 213 مليون آنذاك تحت خط الفقر، والذي دفع البلاد لحافة الثورة، التي دفعت الطبقة الحاكمة الإندونيسية البرجوازية (المؤسسة العسكرية) المستويات القيادية في الحزب الحاكم “جولكار” للتضحية بسوهارتو على مذبح الإصلاح خوفاً من أن تطالها مقصلة التغيير الجذري.[48]

  1. تأثير العرض العملي أو ظاهرة كرات الثلج أو تداعي الأحداث:

أثار سقوط ماركوس في فبراير 1986 الخوف والرجاء في قلوب النظم الشمولية وقادتها وبين صفوف الديمقراطيين في المعارضة في دول آسيا[49].

ولعبت الأزمة الاقتصادية المالية في دول جنوب شرق آسيا تأثير الدومينو في تدهور العملة الإندونيسية، والذي أدى لارتفاع أسعار الغذاء وأصبح العديد من الأفراد غير قادرين على الوفاء بمتطلبات الحياة. وصاحب ما تقدم زيادة هائلة في معدلات البطالة، ومشكلات أمنية، وتراجع مستوى الإنتاجية، ولم تفلح السياسات المالية في إنقاذ تدهور العملة، ما أفضى إلى ركود اقتصادي قبل سقوط نظام سوهارتو، كان بمثابة الباعث الرئيس للحركات الاحتجاجية ضد نظام سوهارتو، الذي فشل في الوفاء بالمتطلبات الحياتية التي قوضت أسس شرعيته، وبدأت بمواجهات بين الطلاب وقوات الأمن، والتي اتسع نطاقها لتصبح تهديداً للوحدة الوطنية التي انتهت بسقوط النظام. [50]

تاسعاً: تفسير التحول الديمقراطي في إندونيسيا:

يمكن تفسير التحول الديمقراطي في إندونيسيا من خلال عدد من المداخل تتمثل في الآتي:

  • المحددات المؤسسية:

يتفق علماء إرساء الديمقراطية عموماً على أن الدساتير تؤدي دورا رئيسا في تحديد نتائج التحولات الديمقراطية. ويمكن أن تشكل الدساتير التي صيغت بشكل جيد أساساً متيناً للديمقراطيات الفتية، في حين أن المواثيق المعيبة غالباً ما تؤدي إلى أنظمة سياسية غير مستقرة، وفي بعض الحالات إلى انتكاسات ديمقراطية. وهو ما يتضح في إندونيسيا، التي وصفها كتاب “دونالد هورويتز” (التغيير الدستوري والديمقراطية:2013)، بأنها نموذج لعملية جيدة لإدارة صياغة دستور ساهم في عملية انتقال ديمقراطي ناجحة، وواحدة من قصص النجاح الديمقراطي الكبرى في العقدين الماضيين. ذلك لأن عملية تعديل دستور إندونيسيا لعام 1945 التي امتدت من عام 1998 إلى عام 2002 سمحت بضبط دقيق للترتيبات المؤسسية، وبالتالي أنتجت توازناً عقلانياً للقوى بين الجهات السياسية الفاعلة السياسية الرئيسية في إندونيسيا. والأهم من ذلك أن هذه العملية خلقت قناة اتصال يمكنهم من خلالها التفاعل والحد من شكوكهم في بعضهم البعض. وكانت النتيجة تشكيل المؤسسات التي تعزز التحالفات بين المجموعات ضد خطر الانقسام. وقد جمع هذا التكوين غير النمطي المتعدد الأقطاب بين الأغلبية الرئاسية ونظام القائم العلاقات العامة للانتخابات التشريعية، ما يوفر آليات للتعاون بين الدوائر الانتخابية في المنافسات الرئاسية ولتمثيل المجموعات النسبية في الانتخابات البرلمانية.[51]

  • النهج الاستراتيجي:

وذلك برضوخ صانع القرار الإندونيسي لمتطلبات الجمهور في ظل مرحلة “إندونيسيا الجديدة”، والتي تمثلت في الآتي:

  1. الموافقة على تنفيذ آلية للمراقبة المجتمعية على الانتخابات باستخدام تكنولوجيا الإنترنت، وهو ما أظهرته تجربة انتخابات عام 1999، أن هناك تغيراً يحدث في النظام الإندونيسي ما بعد الحقبة الاستبدادية، بخاصة أنها أول انتخابات لعبت فيها تكنولوجيا الإنترنت دوراً في الحياة السياسية الإندونيسية، فرغم أن الإنترنت لم يكن له تأثير مباشر على نتائج التنافس الحزبي في الاقتراع، إلا بمساهمة متواضعة، وذلك لانتفاء الارتباط بين زوار المواقع الحزبية على شبكة الانترنت والنسبة المئوية النهائية للأصوات التي حصلوا عليها، إلا أن تنظيم الانتخابات على شبكة الانترنت كان بمثابة تصديق على الديمقراطية النائسة حديثاً أمام أعين العالم، كما كانت هناك دعوات لربط بين السياسة في الشوارع والإنترنت، بدعوة المجتمع لاستخدام الشبكة العنكبويتة للتعبير عن رأيهم بدلاً من الخروج إلى الشوارع ومواجهة الجيش. وتحولت شبكة الإنترنت في إندونيسيا خلال هذه الفترة إلى مجال استطاع من خلاله الديمقراطيون الليبراليون من الطبقة المتوسطة تعبئة جيوش من المتطوعين لمراقبة الاقتراع في جميع أنحاء البلاد، وكانت وسيلة يمكن من خلالها التدقيق في مدى تقدم ديمقراطيتهم الجديدة. ولا تزال شبكة الإنترنت أداة قوية لنشطاء الطبقة الوسطى في المناطق الحضرية في منظمات المجتمع المدني يسعون من خلالها لحشد الدعم لجوانب محددة من الإصلاح السياسي، بجانب مساعدتها على بناء تحالفات بين قوى المجتمع المدني، وتحالفات وطنية واسعة. كما أضفى وجود العملية الانتخابية على الانترنت هالة من الشفافية ووسيلة لإجراء المحاسبة، والتحقق من الأصوات التي أدلى بها الجمهور في الاقتراع، وهم مدعوون لاحتجاج على أي تناقض، وهو ما يظهر تحولاً للانترنت من التخريب في عهد سوهارتو، الذي استخدم كأداة اتصال سرية، إلى التمكين نحو الديمقراطية.[52]
  2. إعطاء مساحات لحريات الإعلام، وهو ما خلصت له دراسات عن دور وسائل الإعلام، تحديداً الصحافة في الأحداث التي تلت استقالة سوهارتو في مايو 1998، إلى أن لها دوراً حاسماً في نجاح التحول الديمقراطي ليس فقط مدى تمتع وسائل الإعلام في بلد ما بالحرية، بل ما تفعله وسائل الإعلام بهذه الحرية. وذلك استناداً للوظيفة الرئيسة التي تلعبها وسائل الإعلام في استخدام حريتها الجديدة، والتي يسميها “آدم برزوورسكي” تعزيز إضفاء الطابع المؤسسي على غياب اليقين، وهي عملية ضرورية لإرساء الديمقراطية، إن لم يكن مرادفاً لها. وهو ما ينطبق على الديمقراطيات الناشئة، بينها إندونيسيا، والتي عملت وسائل الإعلام فيها بمثابة الساحة الرئيسية لتوليد وإضفاء الطابع المؤسسي على عدم اليقين اللازم لإرساء الديمقراطية، بخاصة في المرحلة الانتقالية. وأصبحت الصحافة، بوصفها منبرا للمنافسات السياسية اليومية التي لا حصر لها التي تشكل الرأي العام، أهم مفتاح لعمل الديمقراطية، ومنع انتكاسها أو في أحسن الأحوال، ترك البلاد معلقة في دولة هجينة في مكان ما أقل من الاستبداد ولكنها أيضاً أقل بكثير من الديمقراطية المرنة والموحدة.[53]

ج. مدخل القوى الاجتماعية والعلاقات الطبقية:

بالنظر للمجتمع الإندونيسي المتعدد العرقيات، توصلت دراسة عن دور استراتيجيات الجهات المانحة من ثلاث دول (أمريكا، واليابان، وهولندا) على زيادة التفاعل أو عرقلته بين الدولة والمجتمع في إندونيسيا، ما بعد استقالة سوهارتو، إلى أن برنامج المساعدات الأمريكي زاد بشكل كبير من تعزيز الديمقراطية في البلاد، من خلال تشجيع عمليات الإصلاح فيما يتعلق بالدور العسكري لإرساء الديمقراطية في إندونيسيا، بخاصة بعد تراجع تاريخ الاحتضان الأمريكي للجيش الإندونيسي والوقوف على خط الحياد. في حين شارك اليابانوين لأول مرة لأول مرة في المجال السياسي من خلال العملية الانتخابية، وبالنسبة للهولنديين، لم تعد مساعدتها تعادي الدولة مثلما كان الحال وقت سوهارتو. وبشكل عام ساهم مجتمع المانحين في تمكين المجتمع الإندونيسي من إزالة بعض العقبات السياسية التي تعترض التفاعل بين الدولة والمجتمع[54].

الإنزلاق البطئ نحو التراجع الديمقراطي:

عندما أجرت إندونيسيا، التي يجعلها أكثر من 260 مليون نسمة ثالث أكبر ديمقراطية في العالم من حيث عدد السكان، انتخابات وطنية في 17 أبريل 2019، كان من السهل النظر إلى النتيجة على أنها تأكيد للوضع الديمقراطي الراهن في البلاد. هزم الرئيس الحالي جوكو ويدودو جنرالاً في عهد استبدادي، برابوو سوبيانتو، بنسبة 55 إلى 44 %. بيد أن الواقع أكثر إثارة للقلق. وذلك لأن الانتخابات تعد بمثابة الانزلاق البطيء نحو التراجع الديمقراطي، وشكلت انفصالاً عن سياسات التعددية الدينية وسياسات الديمقراطية. وفي عملية الفصل، أصبح جوكوي وغيره من مؤيدي التعددية أقل اهتماما بالتمسك بالمثل الديمقراطية الأخرى.[55]

فقد “جوكوي” مكانته كحارس للديمقراطية الإندونيسية، بخاصة بعد تجاهله لعمليات الإصلاح الديمقراطي، واستخدم أساليب استبدادية لدرء المعارضين الإسلاميين. بالنسبة للعديد من التعدديين، لم يجرد هذا السلوك جوكوي من إعادة انتخابه. بل على العكس من ذلك، أصبح جوكوي رمزاً لمقاومة التهديد الإسلامي. فالناخبين المؤيدين للتعددية الديمقراطية أصبحوا أقلية ممتنعة عن التصويت لتعرضهم للهجوم من التعددين المهتمين بالدفاع عن التعددية الثقافية أو غير الديمقراطية، وما من شك في أن دعم حقوق الأقليات أمر بالغ الأهمية من أجل حماية الديمقراطية ووقف صعود الشعبويين الذين يحشدون التعبئة ضدهم. بخاصة أن انتخابات 2019 عمقت الانقسامات التي يمكن أن تدفع البلاد بسرعة أكبر نحو التراجع الديمقراطي إذا لم يتم توسيع مشروع الديمقراطية في البلاد إلى ما هو أبعد من الدفاع عن التعددية الاجتماعية والثقافية.[56]

تندرج إندونيسيا اليوم في فئة “الديمقراطيات الأقل من الليبرالية” إلى جانب المكسيك وكولومبيا، ولا تزال هذه البلدان معرضة لمخاطر استبدادية ومعرضة للفشل الديمقراطي. وبشكل عام، لم تشهد إندونيسيا بعد انتهاكات منهجية لحقوق المواطنين على يد رجل قوي أو حزب سياسي واحد. وبدلاً من ذلك، كان النمط السائد هو التطبيق المخصص والتعسفي للقوانين الغامضة التي تنتهك حريات المواطنين ووصولهم إلى العدالة، وتضيق مساحة النقاش الديمقراطي والتعبئة السياسية وحرية التعبير، إلى جانب انتهاكات حقوق المواطنين من قبل جهات فاعلة قوية متغلغلة في الدولة على المستوى المحلي أو مرتبطة بها. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، أصبحت السلطة التنفيذية مركزة واستراتيجية بشكل متزايد في استخدامها للإكراه، ويمكن أن يتسارع هذا الاتجاه في فترة ولاية جوكوي الثانية، ما يؤدي للتآكل الديمقراطي ومن ثم التراجع بفعل الجاذبية الكبيرة للحملات الشعبوية المثيرة للانقسام والإسلاميين، والاستجابة الشعبية الصامتة للتدخلات الاستبدادية التي تقوم بها إدارة جوكوي، من شأن ذلك أن يدفع إلى المزيد من التفكير في القاعدة الشعبية لليبرالية الإندونيسية. وعلى مدى سنوات عديدة، استشهد المحللون باستطلاعات الرأي التي أظهرت ارتياحاً عاماً قوياً للديمقراطية والانتخابات المباشرة. ومع ذلك، يشير استعراض لبيانات حديثة إلى أن الإندونيسيين يحملون آراء معقدة ومتناقضة بشأن المعايير الليبرالية التي تقوم عليها الحكومة التمثيلية. وتتشاطر نسبة كبيرة نسبيا من السكان آراء غير ليبرالية، وتوفر هذه المواقف بيئة مواتية للتآكل التدريجي للديمقراطية في إندونيسيا[57].

[1]  سيد أبو ضيف “إندونيسيا ومجموعة العشرين” (مجلة الإستواء ، جامعة قناة السويس مركز البحوث والدراسات الإندونيسية ع 1 فبراير 2013) ص 107

[2]  مريم يحيي سعيد، “تأثير الحركات الانفصالية على الاستقرار السياسي: دراسة حالة إندونيسيا” ،دراسة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، 2019)،ص ص 134 -148

[3] Capacity-Building Series 8 Democratization in Indonesia An Assessment Forum for Democratic Reform (International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA) ,2000), p.112-113

https://www.idea.int/sites/default/files/publications/democratization-in-indonesia-an-assessment.pdf

[4] for more details:  https://www.idea.int/data-tools/country-view/142/45

[5] BENJAMIN A. OLKEN, Direct Democracy and Local Public Goods: Evidence from a Field Experiment in Indonesia (The American Political Science Review, Vol. 104, No. 2, May 2010), p.243

[6] Edward Aspinall, Democratization and Ethnic Politics in Indonesia: Nine Theses) Journal of East Asian Studies, Vol. 11, No. 2, MAY–AUGUST 2011), pp.292-294

[7] Ibid, pp.213-289

[8] AMY FREEDMAN and ROBERT TIBURZI, Progress and Caution: Indonesia’s Democracy (Asian Affairs: An American Review, Vol. 39, No. 3, July-September 2012), pp.133-136

[9] Elizabeth Pisani, Indonesia in Pieces: The Downside of Decentralization (Foreign Affairs, Vol. 93, No. 4, JULY/AUGUST 2014), pp.142-152

[10] Jan H. Pierskalla, Splitting the Difference? The Politics of District Creation in Indonesia (Comparative Politics, Vol. 48, No. 2 ,January 2016), pp. 249-268

[11] Erik Hammarlund, Divide and Conquer: Political Decentralization and Secessionist Suppression in Indonesia and the Philippines (University of Puget Sound Ideas, Politics & Government Undergraduate Theses, Fall 2015), PP17-20

[12] أندرو رينولدز، وآخرون، “أشكال النظم الانتخابية: دليل المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات”، (المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، ط 1 2005، ط 2 2010)، ص 95

[13] AMY FREEDMAN and ROBERT TIBURZI, Progress and Caution: Indonesia’s Democracy. Op.Cit.pp.133-136

[14] Kathleen Azali and Ulla Fionna, Research on Contemporary Indonesia: Complexities and Intricacies to Explore (Sojourn: Journal of Social Issues in Southeast Asia, Vol. 30, No. 1, March 2015), pp 227-243

[15] Ibid, p.243

[16] Freedom House: “Freedom in the World 2019 – Indonesia: Annual report on political rights and civil liberties in 2018.  Online link: (https://freedomhouse.org/report/freedom-world/2019/indonesia

[17] مريم يحيي سعيد، مرجع سابق، ص ص 149-157

[18] AMY FREEDMAN and ROBERT TIBURZI, Progress and Caution: Indonesia’s Democracy. Op.Cit.pp.145-14

[19] عطا السيد الشعراوي، أندونيسيا: تعزيز موقع الحزب الحاكم (مجلة الديمقراطية مج 9 ع 35 يوليو 2009، مؤسسة الأهرام) ص ص 191 -193

[20] لاري دايموند، ترجمة عبد النور الخراقي، روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى بيروت، 2014)، ص ص 338-338

[21] Kikue Hamayotsu, MASS MOBILIZATION AND THE BREAKDOWN OF DEMOCRATIC REGIMES:  EGYPT AND INDONESIA IN A COMPARATIVE PERSPECTIVE (A THESIS SUBMITTED TO THE GRADUATE SCHOOL IN PARTIAL FULFILLMENT OF THE REQUIREMENTS FOR THE DEGREE MASTER OF ARTS: Department of Political Science Northern Illinois University, MAY 2016) 

[22] لاري دايموند، مرجع سابق، ص ص 339-340

[23] عماد عريان،”الديمقراطية الناشئة .. واقع مضطرب ومستقبل غامض من إندونيسيا إلى بيرو”(مجلة الديمقراطية، مج 1 ع 1 ، 2001، مؤسسة الأهرام) ص 161

[24] المرجع السابق، ص ص 161-162

[25] المرجع نفسه، ص 163

[26] Meuthia Ganie-Rochman and Rochman Achwan، Corruption in Indonesia’s Emerging Democracy (Journal of Developing Societies Vol 32(2), pp167,171

[27] عماد عريان، مرجع سابق، ص 163

[28] AMY FREEDMAN and ROBERT TIBURZI, Progress and Caution: Indonesia’s Democracy. Op.Cit.pp.145-147

[29] Jun Honna , Inside the Democrat Party: power, politics and conflict in Indonesia’s Presidential Party (South East Asia Research, Vol. 20, No. 4, DECEMBER 2012), pp. 472,488

[30] Edward Aspinall, Democratization and Ethnic Politics in Indonesia: Nine Theses, Op.Cit.p.300

[31] مريم يحيي سعيد، مرجع سابق، ص ص 149-157

[32] Catharin E. Dalpino, Indonesia’s Democratic Difficulty: The Center Will Not Hold (The Brown Journal of World Affairs, Vol. 9, No. 1, Spring 2002), p. 93

[33] ANN MARIE MURPHY, US Rapprochement with Indonesia: From Problem State to Partner (Contemporary Southeast Asia, Vol. 32, No. 3, America Re-engages Southeast Asia, December 2010), pp.362,365

[34] صامويل هانتجتون، ترجمة د.عبد الوهاب علوب “الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين” (القاهرة: دار سعاد الصباح، 1993، ط 1)، ص 217

[35]  عبد الفتاح ماضي (المحرر)، “لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ دراسة مقارنة لدول عربية مع دول أخرى”، ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، مايو 2009 ط1)، ص 63

[36] عماد عريان،”الديمقراطية الناشئة .. واقع مضطرب ومستقبل غامض من إندونيسيا إلى بيرو”(مجلة الديمقراطية، مج 1 ع 1 ، 2001، مؤسسة الأهرام) ص 161

[37] انظر، صمويل هنتجتون، مرجع سابق، ص ص 102-177

[38] عبد القادر الهواري، “من التحول الديمقراطي الى الديمقراطية الاجتماعية :حضارة ما بعد الغرب – امريكا” (الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 2018)، ص 248

[39] مريم يحيي سعيد، مرجع سابق، ص 151

[40]  لاري دايموند، مرجع سابق، ص 147

[41] مريم يحيي سعيد، مرجع سابق

[42] AMY FREEDMAN and ROBERT TIBURZI, Progress and Caution: Indonesia’s Democracy. Op.Cit.pp.130-144

[43] Vali Nasr, THE RISE OF “MUSLIM DEMOCRACY” (Journal of Democracy Volume 16, Number 2 April 2005), pp14-17

[44] Ibid

[45] Sohaib Khaliq, POLITICAL THEOLOGY AND DEMOCRATIZATION: A COMPARATIVE STUDY OF INDONESIA AND PAKISTAN (A Dissertation Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Doctor of Philosophy in Political Science, Northern Arizona University, May 2019), pp.45,248

[46] على إسماعيل نصار، “بعد انفصال تيمور: واشنطن تزرع الفوضى الإقليمية” (مركز الدراسات الاستراتيجية، مجلة شؤون الأوسط عدد 89، نوفمبر 1999) ص 6

[47] باهر شوقي، “إندونيسيا وعواقب الدومينو: الثورة المجهضة ومعاملات الاستيعاب قراءة تاريخية” (مجلة الديمقراطية، مجلد 1 عدد 1 عام 2001، مؤسسة الأهرام) ص 214

[48] المرجع السابق، ص ص 214-215

[49]  صمويل هنتجتون، مرجع سابق، ص172

[50] المنتدى الدولي حول مسارات التحول الديمقراطي: تقرير موجز حول التجارب الدولية، والدروس المستفادة، والطريق قدماً (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يونيو 2011)، ص 18  http://www.undp.org/content/dam/rbas/doc/DemGov/1110_Cairo%20Report%20WEB_Arabic.pdf

[51] Marcus Mietzner, How IndonesIa won a ConstItutIon (Journal of Democracy, Volume 25, Number 2 April 2014),pp.171-175(Review)

[52] David T. Hill, Communication for a new democracy: Indonesia’s first online elections (The Pacific Review, Vol. 16 No. 4 2003), PP542-543

[53] Mary Elizabeth McCoy, The Media in Democratic Transitions: Institutionalizing Uncertainty in Post-Suharto Indonesia (A DISSERTATION SUBMITTED TO THE GRADUATE SCHOOL IN PARTIAL FULFILLMENT OF THE REQUIREMENTS for the degree DOCTOR OF PHILOSOPHY, Field of Communication Studies, NORTHWESTERN UNIVERSITY, Volume I, June 2005), pp.558-559

[54] Annette Marie Clear, DEMOCRACY AND DONORS IN INDONESIA (Submitted in partial fulfillment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy (PhD) in the Graduate School of Arts and Sciences, COLUMBIA UNIVERSITY 2002), pp.69-70

[55] Edward Aspinall and Marcus Mietzner, Southeast Asia’s Troubling Elections: Nondemocratic Pluralism in Indonesia, Journal of Democracy  Volume 30,  Number 4  October 2019),pp.103-106

[56] Ibid, pp.115-117

[57] EVE WARBURTON and EDWARD ASPINALL, Explaining Indonesia’s Democratic Regression: Structure, Agency and Popular Opinion (Contemporary Southeast Asia: A journal of International and Strtegic Affairs, Vol 41, n.2, August 2019), pp.279-280