التحول الديمقراطي في ليبيا: تحديات ومآلات وفرص

الجزء الأول

زاهي المغيربي نجيب الحصادي

تقديم

نقف في هذه الورقة على الأطر النظرية المقترحة في أدبيات العلوم السياسية لتحليل عملية التحول الديمقراطي، كي نستعين بها في تشخيص التحديات التي تواجه هذه العملية في ليبيا، ثم نعرض مآلات قد يفضي إليها الفشل في إتمامها، وفرصا متاحة للحول دون فشلها، ونختتم بمحاولة تفسير تأخر الليبيين عن جيرانهم في طي صفحتهم الانتقالية.
ونركن في هذه الورقة إلى منهجيات متنوعة، تاريخية وتحليلية ومقارنة، وإلى مرجعيات متعددة، تشمل مقاربات نظرية وتحليلات سياسية واستطلاعات للآراء أجريت في العامين الفائتين، فيما نعول، حين تعوزنا المنهجيات والمرجعيات، على تقديرات وانطباعات تتكئ على خبرة سياسية ومعايشة لصيقة للأحداث الجارية في البلاد.

1. الأطر النظرية لتحليل عملية التحول الديمقراطي

1.1 مقاربات تفسيرية
في سياق محاولة تفسير عملية التحول الديمقراطي وتصنيف أنماطها والعوامل والمتغيرات المؤثرة فيها، نجد في أدبيات العلوم السياسية المعاصرة ثلاث مقاربات نظرية رئيسة:

• المقاربة البنيوية التي اقترحها بارينغتون مور (B. Moore) والتي تعنى بأثر تغير بنى القوة والسلطة على عملية التحول الديمقراطي.

• المقاربة التحديثية التي تعزى لـصاموئل ليبست (S. Lipset) والتي تهتم بتحديد الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية لعملية الدمقرطة، وتؤكد بوجه خاص أهمية العلاقة بين الديمقراطية الليبرالية والتنمية الاقتصادية.

• المقاربة الانتقالية التي تبناها دانكورت روستو (D. Rustow) والتي تلتمس في العمليات السياسية ومبادرات وخيارات النخبة تفسيرا لعملية الانتقال من حكم تسلطي إلى حكم ديمقراطي ليبرالي.
وحسب المقاربة البنيوية، لا يتحدد المسار التاريخي نحو الديمقراطية الليبرالية أو نحو أي شكل سياسي آخر استجابة لمبادرات وخيارات النخب، بل وفق البنى المتغيرة للطبقة والدولة والقوى الدولية المتأثرة بنمط التنمية الرأسمالية.

أما المقاربة التحديثية فتربط بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية مستدلة بحقيقة أن البلدان الأكثر ديمقراطية تتمتع بمستويات تنمية اجتماعية واقتصادية تفوق نظيراتها في البلدان الدكتاتورية. غير أن أشياع المقاربة الانتقالية يعترضون على المقاربة التحديثية تأسيسا على أن الربط بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية يتعلق بعوامل تؤدي إلى ترسيخ الديمقراطية، في حين يتمحور اهتمام أنصار هذه المقاربة حول كيفية تحقيق الديمقراطية في المقام الأول.

ويقترح روستو مساراً عاما تقفوه الشعوب خلال عملية الدمقرطة، يتألف من أربعة مراحل:

• مرحلة تحقيق الوحدة الوطنية، بمعنى بدء تشكل هوية سياسية مشتركة لدى الغالبية العظمى من المواطنين، لا بمعنى التوافق العام عليها.

• مرحلة تمهيدية تتميز بصراعات سياسية طويلة الأجل، فالديمقراطية تولد من رحم الصراع ولا تنتج عن تطورات سلمية، وقد يكون الصراع حاداً بدرجة تؤدي إلى تمزيق الوحدة الوطنية أو سد الطريق أمام التحول الديمقراطي.

• مرحلة القرار، وهي لحظة تاريخية تقرر فيها أطراف الصراع السياسي التوصل إلى تسويات وتبني قواعد ديمقراطية تمنح الجميع حق المشاركة في المجتمع السياسي.

• مرحلة ترسيخ الديمقراطية، فقد يكون قرار تبني القواعد الديمقراطية ناتجاً عن إحساس أطراف الصراع بضرورة التوصل إلى تسويات وحلول وسط، لا عن قناعة ورغبة في تبني القواعد الديمقراطية؛ غير أن الأطراف المختلفة تتكيف تدريجيا مع هذه القواعد إلى أن تصبح أشد قناعة وإيماناً بها.

وفي سياق تحليل عملية التحول الانتقالي في ليبيا، يستند تفضيلنا للمقاربة الانتقالية على نظيرتيها التحديثية والبنيوية على اعتبارين: عوز الدراسات الكاشفة عن أثر تغير بنى القوة والسلطة على عملية التحول الديمقراطي في ليبيا، وحقيقة أن التحدي الآني الذي يواجه الليبيين لا يتعين في ترسيخ الديمقراطية بل في التأسيس لها.

وبخصوص تعين مراحل مسار عملية الدمقرطة التي يقترحها روسو في الحالة الليبية نلحظ التالي:
• تحققت الوحدة الوطنية أثناء الجهاد ضد الإيطاليين ثم اتخذت شكلا رسميا منذ إعلان الاستقلال. غير أن ما يدور الآن من صراعات يشكل تهديدا حقيقيا لها.

• لم يكتمل نمو جنين الديمقراطية الليبي بعد، وقد يتعرض للإجهاض بسبب حدة ما يلمّ ببيئته الحاضنة من أزمات، وقد يولد خديجا وتعصف به أزمات تحول دون عيشه أمدا طويلا. غير أنه لا سبيل للجزم بأي من هذين المآلين، فإرادات الشعوب قادرة ابتداء على الاستجابة لكل التحديات.

• لم تنجح النخب السياسية الليبية بعد في الجلوس على طاولة الحوار، ناهيك عن عقد تسويات وتبني قواعد ديمقراطية تمنح الجميع حق المشاركة في المجتمع السياسي.

• أما تكيف الأطراف المختلفة مع القواعد الديمقراطية إلى أن تصبح أشد قناعة وإيماناً بها فطور لا يلوح في أفق المشهد الليبي القريب.

1.2 أنماط عملية التحول الديمقراطي

يميز هنتنجتون بين أربعة أشكال قد يتخذها الانتقال الديمقراطي في النظم التسلطية:
• التحول الذاتي، حيث تنجز عملية الانتقال الديمقراطي عبر مبادرات يقوم بها النظام التسلطي دون تدخل أي جهات أخرى.

• التحول الاتفاقي، حيث تتم عملية الانتقال الديمقراطي عن طريق اتفاقات مشتركة بين النخب الحاكمة والنخب المعارضة.

• التحول الإحلالي، حيث تنتج عملية الدمقرطة عبر الضغوط والمعارضة الشعبية.

• التدخل الأجنبي، حيث تحدث عملية الدمقرطة نتيجة لتدخلات أجنبية.

وتشهد الوقائع التاريخية منذ انقلاب سبتمبر عام 1969 على أن الليبيين اختبروا جميع هذه الأنماط. ففي عام 1988، وبسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، والهزيمة في حرب تشاد عام 1987، اتخذ النظام التسلطي السابق إجراءات تخفف من حدة تسلطه، فأفرج عن عدد هائل من سجناء الرأي، وألغى قوائم الممنوعين من السفر، واتخذ بعض الإجراءات في اتجاه اللبرنة الاقتصادية. غير أنه ما لبث حتى عاد وزج في السجن بنشطاء وحقوقيين، وأعد قوائم جديدة للممنوعين من السفر تضمنت أسماء قديمة، كما أن إصلاحاته الاقتصادية لم تطل اقتصاد الريع ونظام المحسوبية اللذين ظلا باستمرار يغذيان تجاربه السياسية.

وقد تمظهر التحول الاتفاقي عبر ما عرف بـ “مشروع ليبيا الغد” الذي روج له سيف الإسلام القذافي وبدأت تباشيره عام 2006 بالإفراج عن أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة والإخوان المسلمين، وبالوعد بعدد من المشاريع التنموية وبمحاولة تفعيل مؤسسات المجتمع المدني وتوسيع هوامش الحريات المدنية وتأسيس جمعيات حقوقية مستقلة. غير أن هذا المشروع فشل في تحقيق غاياته، بسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية الراغبة في تنفيذه، التي كانت مقيدة بالتفويض الممنوح لصاحبه، ولتبنيه سياسة احتواء الاحتقان بدلا من العمل على علاج أسبابه.

أما نمطا التحول الإحلالي والتدخل الأجنبي فينطبقان على ما آلت إليه الأمور أثناء الثورة، فقد قامت هذه الثورة بسبب ضغوطات مارستها المعارضة الشعبية ما كان لها أن تطيح بالنظام لولا العون العسكري الذي قدمه التحالف الدولي بقيادة حلف شمال الأطلسي، والعون السياسي الذي قدمته جامعة الدول العربية ومجلس الأمن.

ووفق التحليل الذي يقترحه هنتجتون، غالبا ما ترجع أسباب النمط الإحلالي إلى حدوث أزمة وطنية خطيرة يعجز النظام التسلطي عن حلها، ويمثل هذا النمط نوعاً من عمليات الانتقال التي لا تهيمن عليها النخب، حيث يأتي التغيير، على الأقل في بداياته، من الضغوطات المنبثقة من القاعدة الشعبية، ثم تُرغم النخب على الخضوع للإرادة الشعبية. وهذا ما حدث في ليبيا، بكل ما صاحب غياب القيادات النخبوية من فقد للرؤية الحاكمة وغائمية في الأهداف، فضلا عن الأزمات والانقسامات والاحترابات التي نتجت عن توسل الإرادة الشعبية العنف في محاولتها فرض مطالبها.

وحسب براتون وفان دي وول، من غير المحتمل أن يؤدي هذا النمط من الانتقال إلى عملية دمقرطة مستقرة، لأن عدم وجود اتفاقات ومواثيق خلال مرحلة الانتقال يمثل عقبة كبيرة أمام تأمين أجواء الاعتدال والتصالح الضرورية لعملية ترسيخ الديمقراطية.

من منحى آخر، فإن الفاعلين الخارجيين لا يستطيعون فرض خياراتهم السياسية على بلدان لا ترغب في ذلك. قد يؤدي التدخل الأجنبي إلى تغيير التوازن لصالح عملية الدمقرطة، لكن الديمقراطية لا تترسخ وتزدهر إلا حال استيفاء اشتراطات داخلية بعينها. وكما يوضح هاينز، على الرغم من وجود العديد من الأمثلة المعاصرة على قيام أطراف خارجية بتشجيع وتعزيز التحول الديمقراطي، فإن هناك أدلة ضعيفة على احتياز هذه المبادرات تأثيراً قوياً على النواتج السياسية النهائية.

ويبدو أن هذه التقديرات على اختلاف مشاربها تسري على الحالة الليبية، رغم المسحة التشاؤمية التي تسمها بخصوص مآلات عملية التحول الديمقراطي. فكما سوف يتضح من الجزء الثاني من هذه الورقة، فرص عودة الاستبداد وافرة بسبب سطوة المليشيات المسلحة؛ والفشل في عقد توافقات بين النخب السياسية والقيادات المتنفذة عائق رئيس أمام المصالحة الوطنية، أحد استحقاقات عملية التحول الديمقراطي؛ والأطراف الخارجية تبدو عاجزة عن تغيير التوازن لصالح عملية الدمقرطة، وحتى إذا نجحت في هذا المسعى، فإن ترسخ الديمقراطية، باعتراف هذه الأطراف نفسها، يتوقف على استيفاء استحقاقات داخلية لم يتسن بعد استيفاء كثير منها.

1.3 الإطار المناسب للحالة الليبية
ثمة إذن إطار نظري بعينه، يتعين في المقاربة الانتقالية، ننحو إلى اعتباره الأقدر على تفسير عملية التحول الديمقراطي المحلية والتنبؤ بقادم مسارها. غير أنه ليس هناك نمط بعينه، نعتبره الشكل المناسب لوصف الظروف الذي أسهمت في تشكل هذه العملية، فقد تمظهرت فيها مختلف أنماط الانتقال الديمقراطي.

على ذلك، تظل المقاربات النظرية، بسبب كونها نظرية، عاجزة عن تفسير خصوصيات أي تجربة وطنية، فالمقصود منها وضع إطار عام يندرج تحته العدد الأكبر من التجارب البشرية، ولذا فإنها عرضة لهدر الكثير من التفاصيل المهمة لفهم أي تجربة بعينها، ومجمل ما نستطيع أن نخلص إليه من مثل هذه المقاربات النظرية هو وجود صعوبات كأداء تواجه عملية التحول الديمقراطي في ليبيا. ولأن تخطي أي صعوبة يستوجب تحديد طبيعتها، والبحث عن الأسباب التي أورثها، ولأن طي الصفحة الانتقالية تمظهر رسمي لتخطي بعض صعوبات التحول الديمقراطي، سوف نعنى في الجزء التالي بالعوامل التي أسهمت في تأخر الليبيين في طي صفحتهم، وحالت دون قطعهم شوطا كافيا في طريق التحول الديمقراطي.

التحول الديمقراطي في ليبيا: تحديات ومآلات وفرص
الجزء الثاني

زاهي المغيربي نجيب الحصادي

2 تحديات التحول الديمقراطي في ليبيا

بينما تتضارب المؤشرات في تحديد ما سوف تؤول إليه المراحل الانتقالية، لا شك في أن ليبيا تحتاج إلى قطع شوط طويل حتى تتمكن من معالجة العواقب والآثار المترتبة على مساوئ حكم القذافي. ذلك أن تركته لم تقتصر على انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، أو إهدار الأصول الطبيعية والمالية الوطنية، بل طالت المنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع الليبي. وعلى حد تعبير عياض بن عاشور، فإن إرساء نظام قيمي جديد نادرا ما يجري إلى تمامه، فهو يبقى دائما قابلا للتراجع والسير إلى خلف، والتبديل لا يكتسب نهائيا، إذ إنه لا يجري على خط سوي، بل يمشي على طريق مليء بالتناقضات والتمزقات والآلام. ويبدو أن لتغيير المنظومة القيمية الليبية أثمانا باهظة قد لا تقل عن الدم والخراب وأن الليبيين قد بدأوا بالفعل في دفعها.

وتواجه عملية الدمقرطة في ليبيا عوائق وصعوبات نجملها، دون الجزم بحصرها، في ستة تحديات رئيسة هي: الثقافة السياسية الشائهة، وضعف مؤسسات الدولة، والأوضاع الاقتصادية المتردية، والعوامل الاجتماعية المفرقة، وهشاشة المجتمع المدني، والفشل في التوافق حول قواعد العملية السياسية والسياسات العامة، والتدخل الأجنبي.

وفيما يسهم كل تحد بطريقته ونصيبه في إعاقة عملية التحول المرجوة، قد تتضافر التحديات مجتمعة في ترجيح احتمالات نسفها بالكامل. ولعلنا بالنظر إلى العوائق بوصفها تحديات نضمر رؤية تفاؤلية مؤداها أنه ليس هناك ما يحول دون قدرة الليبيين على تخطي هذه العوائق عبر مجابهة التحديات التي تفرضها. الحال أن المواقف التي اتخذتها بعض الشرائح في اتجاه تعزيز الدولة المدنية، ونجاح التجربة الانتخابية أربع مرات متتالية، إنما تشهد على أن قطاعا لا بأس به من الليبيين يراهن على الحلول السلمية، رغم انتشار السلاح، ويفضل الخيارات الديمقراطية، رغم حداثة العهد بها.

غير أن أثر المنظومة القيمية الراهنة، بكل ما تؤسس له من سلوكات سلبية، وحقيقة أن تركة الخراب التي أورثها النظام السابق، بكل تداعياتها المؤسية، أثقل من أن تزاح خلال عقود، إنما تفرضان علينا الإمساك عن الإسراف في التفاؤل، والوقوف عند حد وصف العوائق بالتحديات.

2.1 الثقافة السياسية الشائهة
يفترض أن تتضاعف احتمالات الدمقرطة في البلدان التي تكون فيها الثقافة السياسية معززة للتوجهات الديمقراطية. غير أن التنشئة السياسية الشائهة التي روج لها النظام السابق تشكل عائقا رئيسا لعملية التحول الديمقراطي في ليبيا، فقد أنتجت، ضمن ما أنتجت، وعيا سياسيا متخلفا وميولا إقصائية تخوينية.

2.11 تخلف الوعي السياسي
أسوأ عطب يمكن أن يصيب التنشئة السياسية هو الفشل في جعل المعرفة المعين الرئيس لوعي الأفراد والجماعات. ذلك أن الوعي المؤسس علميا أقدر على توسيع المدارك من الوعي القائم على الخرافة والدجل، كما أن الوعي المستريب والمنفتح على الثقافات الأخرى أقدر على توسيع الآفاق من الوعي الواثق والمنكفئ على ذاته. ووفق ذلك، ليس بالمقدور إنجاز أي تحول ديمقراطي حقيقي إلا بجعل المعرفة العلمية والأداء الثقافي المتفتح ضمن عوامل تشكيل الذهنية الحاكمة للسلوك الاجتماعي. ولأن المؤسسات التعليمية، أحد أهم قنوات التمكين العلمي والمعرفي، تعاني في بلادنا من اختلالات بنيوية، فإن لنا أن ننحو إلى إقرار تخلف الوعي السياسي عند الليبيين.
وقد اتخذ النظام السابق اتخذ موقفا انغلاقيا تجاه كل وافد ثقافي، ووصمه بالغزو والاغتراب والاستلاب الثقافي، فرسخ بذلك توجسا من الانفتاح على الثقافات الأخرى، ما أسفر عن ضيق واضح في الأفق الفكري عموما والأفق السياسي تحديدا. وفي الأثناء سيطرت أيديولوجيا طوباوية تعد بفراديس أرضية وحلولا نهائية لكل ما عانت منه البشرية من مشاكل عبر تاريخها المديد، وارتبطت هذه الأيديولوجيا بشخص اعتلى سدة الحكم، وتولى زمام نظام أمني اتخذ موقفا إقصائيا من كل النخب السياسية والثقافية، باستثناء تلك التي دارت في فلكه، فكانت النتيجة وعيا سياسيا شائها ومعيبا بامتياز.

وبعد قيام ثورة فبراير، حال ضيق الفترة المنقضية واستحقاقات التحول وحداثة التجربة الديمقراطية دون اتخاذ خطوات مهمة صوب الإصلاح من شأن هذا الوعي. ففجأة فُتِّحت كل الأبواب، وشُرعت كل النوافذ، فتدافعت الرؤى السياسية والأيديولوجيات الفكرية في بيئة لم تكن حاضنة لثقافة الحوار ولا لقيم التسامح وقبول الرأي الآخر، وما لبث العنف، الذي امتلك أدواته المسلحة، حتى أصبح وسيلة في فرض التوجهات، وما فتئت تهم التكفير والتخوين، المؤدلجة دينيا أو سياسيا، تُرمى في وجه كل موقف مخالف. وبطبيعة الحال، ليس للوعي السياسي أن يتشكل على نحو يحابي القيم الديمقراطية في ظروف كهذه وبيئة كتلك.

وحسبنا للاستشهاد على عطب المنظومة القيمية التي يتأسس عليها الوعي السياسي المحلي أن نذكر موقف الليبيين من قيمة الطاعة وبعض التوجهات السياسية كما رصده “المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم”، وأن نقارنه بموقف شعوب الربيع العربي وبعض الشعوب راسخة الديمقراطية. والطاعة قيمة سكونية في أنشطة عديدة، كالبحث العلمي والابتكار التقني والإبداع الفني والمشاركة السياسية، فهي تكرس تقليد السلف وتحض على الانصياع للسلطة والتسلط، في سياق يعد فيه التقليد والانصياع تحلل من المسؤولية وعائق للمبادرة.

وتشير بيانات المسح القيمي إلى أن الطاعة تحظى بأهمية كبيرة في منظومة الليبيين القيمية، حيث يرغب ستة من كل عشرة منهم في غرسها في نفوس أبنائهم، بينما لا يرغب في ذلك سوى 6.4% في أذربيجان؛ وإلى أن نسبة من يرون أن طاعة الحاكم خاصية مهمة للديمقراطية في ليبيا 24%، وفي تونس 23.2%، وفي مصر25.7%، وفي اليمن 45.8%، وهذه نسب بعيدة عن نظائرها في بعض الدول راسخة الديمقراطية، فهي 8.2% في الولايات المتحدة، 2.8% في ألمانيا، 3.2% في السويد، و1.1% في هولندا. ولا يخفى أن اعتبار طاعة الحاكم خاصية مهمة للديمقراطية ناجم عن تنشئة سياسية شائهة، أنتجت ثقافة توقر الانصياع لمن تولى الحكم، بصرف النظر عن حسن إدارته.

أما فيما يتعلق بالمشاركة الفعلية في العملية السياسية، فإن 92.9% من السويديين و90.8% من الأمريكيين قاموا أو قد يقوموا بالتوقيع على عريضة التماس، بينما لا يسري ذلك إلا على 21.5% من الليبيين و25% من التونسيين و20.2% من اليمنيين و4.3% من المصريين. وبخصوص المشاركة في مظاهرات سلمية كانت النسب 73.2% في السويد و68.5% في الولايات المتحدة وانخفضت إلى 49.9% في ليبيا و32.5% في اليمن و31.2% في تونس و10.6% في مصر، رغم التحولات السياسية الجائحة التي تمر بها بلدان الربيع العربي هذه. أما فيما يتعلق بالمشاركة في إضرابات فكانت النسب 22.1% في اليمن و21.8% في تونس و20.9% في ليبيا و3.3% في مصر، بينما ارتفعت إلى 49.1% في الولايات المتحدة و72.5% في السويد.

وما يفسر هذا التفاوت هو أنه في البلدان راسخة الديمقراطية تسود ثقافة المشاركة التي تغرس في المواطن الإحساس بقدرته على التأثير في العملية السياسية، بينما لا يزال المواطن في بلدان الربيع العربي تحت هيمنة نمط ثقافة رعية تغذي الشعور بعدم قدرته على التأثير على هذه العملية وعدم جدوى مشاركته فيها.

2.12 غلبة الميول الإقصائية
لا سبيل للمبالغة في أثر وخطر الميول الإقصائية على مسار ومآل عملية التحول الديمقراطي. وقد تمظهر هذا الصنف من الميول عند الليبيين في سلوكات مناوئة صراحة لعملية الدمقرطة، ويشهد على ذلك أن أكثر من نصف الليبيين، وفق استطلاع أجري في يونيو 2014، يعبرون عن موافقتهم على عزل كل من تولى منصبا سياديا في النظام السابق .
ويشهد عليه أيضا نوع الفئات التي لا يفضل الليبيون جيرتها، وهو مسلك ذو علاقة مباشرة بالنزوع صوب الإقصاء، بحسبان أن من لا يفضل جيرة فئة أميل إلى عدم التسامح معها، وأنزع من ثم إلى إقصائها. ومناط أهمية الاعتقاد في جدارة الآخرين بالثقة أن التوجس في الآخر لا يسهم في تعزيز المشاركة المدنية ولا حتى الشراكة التجارية، ولا يجدي نفعا في التواصل الدولي ولا حتى المحلي، وهو لا يعين على الحوار، الاستحقاق الرئيس في أي مصالحة وطنية، وهذا يعني أنه قد يسهم بأكثر من طريقة في إعاقة عملية التحول الديمقراطي.

وتستبان غلبة الميول الإقصائية في هرمية المنظومة القيمية الليبية، مقارنة بهرميات نظائرها عند شعوب أخرى، من حقيقة أن الاعتقاد في جدارة الآخرين بالثقة لا يَقر إلا في نفوس أقلية ضئيلة من الليبيين (10%)؛ أما في هولندا فيعتقد 66.1% من السكان أن معظم الناس جديرون بالثقة؛ ونسبة من لا يرغب في أن يكون جاره من عرق آخر تبلغ في إسبانيا، 4.8%؛ أما في ليبيا فتصل إلى 55.1%، وهي نسبة لا تتفوق عليها سوى أذربيجان (58.1%)؛ ونسبة من لا يرغب في نيوزيلاندا في أن يدين جاره بدين آخر تبلغ 1.4%؛ أما في ليبيا فتصل إلى 54.1%، وهي نسبة لا تتفوق عليها سوى أرمينيا (56.6%)؛ ونسبة من لا يرغب في أن يكون جاره عاملا أجنبيا تبلغ في الأرجواي 1.7%؛ أما في ليبيا فتصل إلى 59%، وهي نسبة لا تتفوق عليها سوى ماليزيا (59.7%)؛ وأخيرا فإن نسبة من لا يرغب في السويد في أن يتحدث جاره لغة أخرى تبلغ 3.5%؛ أما في ليبيا فتصل إلى 39.3%؛ وهي نسبة يتفوق فيها الليبيون بلا منازع على كل شعوب الأرض.

2.2 ضعف مؤسسات الدولة
نقف في هذا الجزء على طبيعة أداء بعض مؤسسات الدولة الليبية لنتعرف على قدرتها على تحمل أعباء هذه العملية، ولتحديد ما إذا كانت قطعت أي شوط في مسار تفكيك الدولة المسيطرة التي هيمنت إبان النظام السابق.

2.21 سوء أداء المؤسسات التشريعية والتنفيذية الانتقالية
يرتهن نجاح عملية الدمقرطة لوجود قيادات سياسية كفؤة تتبنى الديمقراطية خيارا استراتيجيا والتزاما وتعهدا وطنيا. غير أن المتأمل في الدور الذي قامت به القيادات السياسية الليبية بعد ثورة فبراير سرعان ما يكتشف أنها لم تقم بما يكفي في هذا الصدد. وفيما يتعلق بالمجلس الانتقالي تحديدا، عبرت “هيومان رايتس وتش” عن قلقها من ضعف درجة الشفافية، فلم يكن عموم الناس يدرون بما يدور في ردهات هذا المجلس، بل كانوا يتوجسون من سيطرة وتنفذ أصحاب توجه بعينه. وعلى المستوى التشريعي، كان هناك غياب واضح لأي تحديد للمسؤوليات، أفضى إلى تداخل في الاختصاصات وجدل مستمر مع المكتب التنفيذي.

ورغم الميزانيات الضخمة المخصصة، فشلت المجالس التشريعية والحكومات المتعاقبة في وضع حلول ناجعة لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، ومعالجة مشاكل المركزية، ومواجهة انتشار السلاح والتشكيلات المسلحة، وبناء الجيش الوطني، وقد كان لذلك تأثير سلبي على ثقة المواطنين في مؤسسات المرحلة الانتقالية وقياداتها السياسية.

وتؤثر درجة الثقة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية على مدى قبولها والإحساس بشرعيتها، وتشكل من ثم مؤشرا حاسما على جودة أدائها. وقد تبين من “المسح القيمي الشامل” انخفاض درجة ثقة الليبيين، مقارنة مع نظائرها عند شعوب أخرى، في المؤسسة العسكرية (القوات المسلحة) والمؤسسة الأمنية (الشرطة) والمحاكم (السلطة القضائية) والبرلمان (السلطة التشريعية) والحكومة المركزية في العاصمة (السلطة التنفيذية).

ففي ذلك المسح، أبدى 59.9% من التونسيين و49.4% من الليبيين و38.1% من اليمنيين درجة عالية أو كبيرة من الثقة في القوات المسلحة، بينما عبر 81.6% من الأمريكيين و52% من السويديين عن ذلك. ويمكن إرجاع شعور أغلبية التونسيين بالثقة في مؤسستهم العسكرية إلى الدور الإيجابي الذي قامت به قواتهم المسلحة خلال الثورة وإلى عدم تدخلها في الحياة السياسية. وقد يعزى انخفاض درجة الثقة في اليمن إلى دور المؤسسة العسكرية في تأييد النظام السابق، وتدخلها المباشر في العملية السياسية.

أما انقسام الليبيين في هذا الصدد فقد يكون استجابة لطبيعة التجربة الليبية. فمن جهة، تعكس عدم الثقة في المؤسسة العسكرية النظرة السلبية لانقلاب 1969 وطبيعة الحكم العسكري الذي هيمن على البلاد وأدى إلى تخلفها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلى جانب أن الكتائب الأمنية المحسوبة على القوات المسلحة الليبية وقفت مع النظام السابق حتى النهاية.

ومن جهة أخرى، يمكن إرجاع موقف الواثقين في المؤسسة العسكرية إلى انشقاق عدد كبير من ضباط وجنود القوات المسلحة مبكرا، ورغبة المواطن الليبي في وجود مؤسسة عسكرية قوية في خضم فوضى السلاح السائدة. وبطبيعة الحال، لا يتعين موضع ثقة الليبيين، وحال الانفلات الأمني كما ذكرنا، في قدرة المؤسسة العسكرية الفعلية على فرض سيطرتها واستعادة هيبة الدولة.

وفيما يتعلق بالمؤسسة الأمنية (الشرطة)، عبر 59.1% من التونسيين و55.2% من الليبيين و50.3% من المصريين عن ثقة عالية أو كبيرة في المؤسسة الأمنية، ولعل هذا الموقف لا يعكس الثقة في الأداء السابق أو الحالي للمؤسسة الأمنية بقدر ما يعكس الحاجة إلى وجود مؤسسة أمنية توفر الأمن والاستقرار.

أما درجة الثقة في المحاكم فتبلغ 54.4% في مصر و53.1% في ليبيا و47.4% في تونس و20.3% في اليمن، وهي تعكس الرغبة في تفعيل المؤسسة القضائية لإحقاق الحقوق وإقامة العدل، فيما يعكس ارتفاعها في السويد (75.5%) مدى مأسسة القضاء فيها، ويعكس انخفاضها في الولايات المتحدة الأمريكية (53.8%) النظرة السلبية عند الأقليات لدور المحاكم وتحيزها ضدهم.

وتبين نتائج المسح فيما يتعلق بدرجة الثقة في المجالس التشريعية تشابها كبيرا بين مواطني بلدان الربيع العربي، فجميعهم عبروا عن درجة منخفضة من الثقة فيها، حيث لم تتجاوز 5.9% في تونس و9.9% في اليمن و13.6% في ليبيا و25.3% في مصر، ويعكس ذلك تجربة هؤلاء المواطنين مع هذه المجالس، سواء من حيث خضوعها الكامل للنظم السابقة أم من حيث سوء أدائها وعجزها عن تسيير شؤون الدولة. في المقابل فإنها تصل في السويد إلى 59.3%، فيما تنخفض في الولايات المتحدة الأمريكية (20.2%) ربما بسبب حالة العداء والشك التقليدي تجاه السلطات الفيدرالية المركزية بصفة عامة.

ولا يختلف الأمر فيما يتعلق بدرجة الثقة في الحكومة المركزية في العاصمة، حيث عبر 17.8% من التونسيين و22.5% من الليبيين و27.5% من اليمنيين و54.4% من المصريين عن ثقة عالية أو كبيرة فيها. ويمكن تفسير عدم ثقة مواطني تونس وليبيا واليمن في حكوماتهم بسياسات التهميش والغبن التي مورست ضد سكان الأقاليم البعيدة عن العاصمة. أما درجة الثقة في الحكومة المركزية في العاصمة عند السويديين (59.9%) وعند الأمريكيين (32.6%) فترجع إلى العوامل نفسها التي حددت درجة ثقتهم في السلطة المركزية.

ومجمل القول إن أداء المؤسسات التشريعية والتنفيذية الانتقالية في ليبيا لا يرقى إلى استحقاقات المرحلة، فدرجات الثقة في هذه المؤسسات منخفضة إلى حد يعكس عدم رضا المواطنين عن هذا الأداء. وكما يتضح في الفقرات التالية، فإن سوء أداء هذه المؤسسات من بين أسباب التشكيك في شرعيتها.

2.22 التشكيك في شرعية مؤسسات المرحلة الانتقالية
ليس في وسع أي مجتمع ديمقراطي أن يستمر طويلاً ما لم يكن يتمتع بشكل من أشكال الشرعية. والشرعية مفهوم يصعب تحديده وقياسه، خصوصا في المجتمعات التسلطية، غير أنه يمكن فهمه بصورة أفضل إذا ما جُزئ إلى ثلاثة مكونات:

الشرعية الجغرافية: وتعني أن الذين يعيشون ضمن نطاق الدولة يقبلون حدودها الإقليمية أو لا يعارضونها إلا عبر الوسائل الدستورية. إذا لم يحس الأفراد والجماعات بشرعية الإطار الجغرافي للدولة فسوف تتعرض العمليات السياسية الديمقراطية للتهديد، وفي الحالات المتطرفة قد يأخذ التهديد شكل حركات انفصالية. وعندما لا تتوفر للجماعات وسائل ديمقراطية لتحقيق الانفصال، فمن غير المحتمل أن يلتزموا بالعمليات الديمقراطية، ويصبح العنف أمراً محتما تقريباً.

وفي ليبيا، ظهرت دعاوى إرهابية متطرفة ترفض فكرة الدولة، بل ترفض عملية التحول الديمقراطي بمجملها. وبسبب عمليات التهميش التي مارسها النظام السابق، واستمرارها بعد ثورة فبراير، ظهرت دعاوى انفصالية، وإن اتخذت من الدعوة إلى نظام فيدرالي ذريعة لتمرير مقاصدها. وفي الحالين، ثمة تشكيك صريح أو مضمر في شرعية الإطار الجغرافي للدولة والهوية الوطنية المشتركة.

الشرعية الدستورية: وتشير إلى القبول العام للقواعد التي تحدد تنظيم وتوزيع القوة السياسية والتنافس عليها. ويمثل تأسيس القواعد الدستورية أحد أصعب جوانب عملية الدمقرطة لأن عملية التحول الديمقراطي تفتح المجال لمدى واسع من المصالح المتنوعة والمتعارضة، وكل مجموعة تسعى لمعرفة كيفية تأثير الترتيبات الدستورية الجديدة على مصالحها وضمان حماية هذه المصالح. ونظراً لسعي الجماعات المختلفة إلى التأثير على شكل الدستور ومحتوياته، فإن المفاوضات والمساومات عادة ما تكون صعبة وشاقة.

وفي ليبيا، ثمة استقطابات واضحة حول شكل الحكم ونظامه، وحسب آخر استطلاع أجراه مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي، بلغت نسبة من يفضلون النظام الرئاسي (44.1%) يليه النظام المختلط (34.5%)، بينما تذيل النظام البرلماني (18.9%) قائمة التفضيلات. من ناحية أخرى، يرى 59.2% أن نظام اللامركزية الإدارية هو الأفضل لليبيا، ويفضل 28.8% النظام المركزي، بينما عبر 10.8% عن تفضيلهم للفيدرالية. وبسبب الانفلات الأمني في البلاد، وسيطرة ميليشيات وجماعات خارجة عن القانون، لا يستبعد أن يشكك كل خاسر لقضيته، وفق ما يسفر عنه الاستفتاء المرتقب، في شرعية الهيئة التي أنيطت بها مهمة صياغة مشروعه، أو في نزاهة الاستفتاء، وقد يتخذ أي ذريعة أخرى من أجل الحول دون تأثير الترتيبات الدستورية على مصالحه.

الشرعية السياسية: وتشير إلى المدى الذي يعتبر المواطنون وفقه أن لدى السلطات القائمة الحق في تولي السلطة. ويمكن إقرار أن الحكومة تتمتع بشرعية سياسية عندما تعكس نتائج الانتخابات التنافسية تفضيلات الناخبين وفقاً للقواعد والترتيبات الدستورية والمؤسسية.

غير أننا لا نعدم وجود من يشكك في أحقية نظام الحكم القائم في المرحلة الانتقالية في تولي السلطة لمجرد أن حزبه أو عشيرته أو ميلشيته لم يرض على توليه إياها. في زمن الاضطرابات الأمنية لا تكفي تفضيلات الناخبين لتحديد القائمين على إدارة الدولة، وحين تخسر بعض التيارات السياسية عبر صناديق الاقتراع، قد تلجأ إلى صناديق الذخيرة لتذود بها عن مصالحها. وقد بلغ هذا النوع من التشكيك في الشرعية ذروته حين رفض المؤتمر الوطني العام تسليم السلطة لمجلس النواب المنتخب، بما أفضى إليه ذلك من قيام سلطتين على الأرض، واندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة.

وعلى هذا النحو، يستبين أن مسألة الشرعية، بمختلف تجلياتها، قد تهدد بإجهاض عملية التحول الديمقراطي، بل بدخول البلاد في نفق قد يودي بها إلى الانضمام إلى قائمة الدول الفاشلة.

2.23 وهن المؤسسة العسكرية وعجز الدولة عن السيطرة على الأمن
ارتكز مفهوم الأمن الوطني لليبيا خلال فترة النظام السابق على أمن النظام، إذ تأسس على المحافظة على النظام السياسي وسبل تعزيزه وتقويته. وهناك العديد من المظاهر التي أكدت سيادة هذا المفهوم، نذكر منها تحييد المؤسسة العسكرية وحلها، وتشكيل قوات بديلة تحمي النظام، واعتماد التجنيد للمؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية الأخرى على المصادر التقليدية، كالقرابة والولاء الأيديولوجي. وبوجه عام، يمكن القول إن الثورة أطاحت بنظام أمني فشل في استيعاب مفهوم الأمن الإنساني، فهو:

• أمن نظام وليس أمن وطن ولا أمن مواطن.

• يستخدم الوسائل القهرية أكثر من استخدامه الوسائل السلمية.

• لم ينجح في حل التناقضات المجتمعية، ولم يسع لخدمة المواطن وتحقيق الأمان له.

• يرتكز على إسكات الأصوات المناهضة للظلم، ومصادرة الحريات وحقوق التعبير، وتعدد الأجهزة واستمرار تفريخها.

• يضاعف التوتر والانقسام ويصعد الاحتقان والخوف، ويسهم في خلق شحنات غضب اجتماعي وسياسي لا يستطيع أحد التنبؤ بحجم وطرق انفجاره.

والأمور بعد الثورة لم تتحسن بأي شكل، بل ساءت من أوجه عديدة، والليبيون يعبرون عن قلقهم بسبب الأوضاع الأمنية بأكثر من أسلوب. أكثر من ثلثي الليبيين يطالبون بمنع الانضمام إلى القوات المسلحة في شكل مجموعات منظمة، وبمنع التشكيلات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة، وبمنع تدخل القوات المسلحة في الحياة السياسية.

أربعة من كل عشرة ليبيين يرون أن البلاد تحتاج إلى زعيم قوي، وتسعة من كل عشرة يعتبرون تفعيل الجيش والشرطة سبيل تحقيق الأمن.

باختصار، الأوضاع الأمنية في البلاد ليست مستقرة بما يكفي لسير عملية الدمقرطة. الحال أنها ليست مستقرة لسير الحياة نفسها، فحين يتزعزع الأمن تتزعزع ثقة المواطن في كل شيء. رأس المال لا يرعبه شيء قدر ما يرعبه غياب الأمن، وفي غياب الأمن لا سبيل لقيام دولة المؤسسات، ولا لإعمال أحكام الدستور الذي يؤسس لقيامها. أما القيم فحظها في غياب الأمن ليس وافرا، فحين يكون هاجس المرء الحفاظ على حياته، لن يكون هناك متسع في ضميره للتراحم أو التسامح أو التكافل أو الإيثار أو الإنصاف.

2.3 الأوضاع الاقتصادية المتردية
تشكل التنمية الاقتصادية حسب المقاربة الانتقالية دافعا حاسما لتحركات النخب المتنافسة صوب صياغة تسويات ديمقراطية، فيما تجمع المقاربات الثلاث على احتمال أن تقوض الأزمات الاقتصادية العملية الديمقراطية برمتها. وفي الحالة الليبية يبدو أن التنمية الاقتصادية ليست عاملا قادرا بمفرده على تفسير تحركات النخب السياسية صوب صياغة تسويات ديمقراطية. غير أن الصراعات المسلحة، سواء كانت من أجل المصالح الاقتصادية أو من أجل فرض توجهات أيديولوجية بعينها، قد تضع البلاد على شفا أزمات اقتصادية تقوض عملية التحول الديمقراطي المرجوة.

2.31 الاقتصاد الريعي والوفرة المالية
أدى تزايد دخل الدولة الليبية الناتج عن ارتفاع أسعار النفط خلال السبعينيات إلى سيطرة الدولة على الثروة الاقتصادية. وكان تدخل الدولة في الاقتصاد المحلي شاملا وعميقا، حيث هيمنت على القطاعين الصناعي والزراعي وتجارة الجملة والتجزئة، وامتلكت المصارف وشركات التأمين والخدمات الرئيسة الأخرى، فأصبح حوالى 75% من القوى العاملة يعملون في مؤسسات الدولة. وقد أدى احتكار الدولة لعملية جمع الريع وتقييدها للأنشطة التي تسمح ببروز الشركات والمنشآت التنافسية المملوكة للقطاع الخاص إلى سعي المواطنين إلى القيام بأنشطة ريعية غير منتجة. وعندما بدأت الدولة في تبنى إصلاحات اقتصادية في أواخر الثمانينيات، بدا واضحا تأثير هذه الأوضاع على إستراتيجية اللبرنة الاقتصادية.

وبسبب توفر الدخل النفطي، تمتعت الدولة الليبية بدرجة عالية من الاستقلالية أدت إلى التأثير على عملية بناء وتوسع الدولة في ليبيا. فبعكس الأنماط التقليدية لإنفاق دول الرعاية الاجتماعية ذات الاقتصاديات المنتجة والمستندة على توسيع القاعدة الضريبية التي تعتمد على توسيع وتنويع قاعدة الدخل، أفضى الإنفاق في ليبيا إلى خلق بنى بيروقراطية كبيرة تتميز بالأداء التوزيعي، فيما ظلت قدراتها التنظيمية والاستخراجية عند الحد الأدنى. وبسبب هيمنة الدخل النفطي على الاقتصاد المحلي، لم تكن هذه القدرات ذات أهمية بالنسبة للدولة الليبية. والحال أن معظم طموحات وسياسات الدولة الليبية كانت قابلة للتحقق دون الحاجة إلى تطوير أو تمكين أو تعزيز المؤسسات البيروقراطية الأفقية المميزة للدولة الحديثة.

ولأن الاقتصاد الليبي ريعي بامتياز من واقع اعتماده شبه المطلق على إيرادات النفط في تمويل أوجه الإنفاق وفي توفير فرص العمل، فإن ملامح الريع تبدو واضحة جليّة على آراء وميول الليبيين تجاه الأسئلة التي تضمّنها المسح الشامل لآرائهم في القيم. ويستدل من هذا المسح أيضا على تفشي ثقافة تواكلية ترسّخت عبر ردح طويل من الزمن، تتمثل في اعتبار الوظيفة العامة حضن الأمان، وتتنافر مع قيم الإبداع والابتكار والمخاطرة التي تسم العاملين في مجال المبادرة الفردية، حيث لا تحظى قيم مثل الاستقلالية والادخار والمثابرة إلا باهتمام أقلية من الليبيين (38.4% و 29.8% و 25.2% على التوالي).

2.32 الفساد المالي والإداري وسوء إدارة الموارد الاقتصادية
شرعت ليبيا منذ أوائل التسعينيات في إعادة هيكلة نظامها الاقتصادي، وفي التحول التدريجي من نظام تسيطر فيه الدولة سيطرة شبه كاملة على النشاط الاقتصادي إلى نظام يسمح تدريجياً للقطاع الخاص بالقيام بدور مهم في النظام الاقتصادي. وقد بدأت تلك التغييرات بصورة بطيئة ومترددة، ثم اكتسبت زخماً قوياً في بداية الألفية الثالثة، خاصة بعد حل أزمة لوكربي ورفع الحصار الاقتصادي عن ليبيا وتحسن علاقاتها مع البلدان الغربية.

وكان من الضروري، نتيجة لتغير توجهات السياسات الاقتصادية أن تبرز مشاكل تتعلق بقدرة الدولة على إدارة عملية التحول وتوجيهها على المستوى الكلي، والسيطرة على الفساد المالي والإداري المصاحب لعمليات التحول. وهذا يعني أن نجاح عمليات الإصلاح الاقتصادي في ليبيا استدعت تطوير القدرات المؤسسية للدولة وتعزيز دورها في ضبط هذه العمليات وتنظيمها، إلى جانب تأسيس مستوى عال من الشفافية والمساءلة للسيطرة على الفساد المالي والإداري.

غير أن الدولة عجزت عن هذه السيطرة لأسباب أهمها:
• تداخل الاختصاصات والمسؤوليات وتضاربها بين المستويات السياسية والإدارية المختلفة وضمن كل مستوى منها.

• غياب التوازن بين المسؤوليات المسندة إلى المستويات السياسة والإدارية وبين السلطة الممنوحة لها لضمان أدائها لمسؤولياتها وفرض قراراتها، حيث هناك مسؤوليات لا تصاحبها سلطات متكافئة معها، وسلطات لا تصاحبها مسؤوليات محددة.

• عدم شفافية عمليات المحاسبة وعدم فعاليتها بسبب تعدد سلطة الأمر والتنفيذ.

• عدم الاستقرار المؤسسي والمكاني للبنى والأجهزة السياسية والإدارية وما صاحب ذلك من إهدار للمال العام.

• تدني كفاءة الجهاز الإداري للدولة بسبب ضعف مستويات بعض القيادات الإدارية وعدم كفاءتها نظراً لضعف آليات الاختيار وضوابطه ومعاييره.

وبطبيعة الحال، لم يطرأ أي تغير إيجابي على الآليات الاقتصادية بعد ثورة فبراير، بل إنها أصبحت بسبب الأوضاع الأمنية غير المواتية وعجز الدولة عن فرض أي نوع من الرقابة، أكثر عشوائية وتخبطا، فيما أصيبت في بعض المناطق بالعطالة التامة.

2.4 العوامل الاجتماعية المفرقة
تقوم الاختلافات الإثنية والثقافية والدينية بدورها في عرقلة عملية التحول الديمقراطي. وقد كانت هذه الاختلافات من أهم أسباب انهيار الديمقراطية في أوربا في فترة ما بين الحربين العالميتين، كما كانت في أفريقيا وآسيا ويوغسلافيا السابقة من أهم العوامل المعرقلة للتحول والترسيخ الديمقراطي. وبالطبع ليس من المستحيل التغلب على هذه الاختلافات، غير أنه يتطلب تصميم الترتيبات الدستورية بحرص والتوصل إلى توافقات بين النخب السياسية.

وعندما تكون الانقسامات الطبقية أو الإثنية أو القبلية أو الدينية أو الثقافية حادة وعميقة وعنيفة، لا يكون هناك معنى للهوية السياسية المشتركة، وتصبح عملية الدمقرطة أمراً عصيا.

وسؤال الهوية، في الحالة الليبية، لم يحسم بعد، أقله على مستوى النخب السياسية والفاعلين على الأرض، ويتضح ذلك على سبيل المثال من بعض النزاعات العرقية والمناطقية التي نشبت مؤخرا، ومن الخلافات التي أثارها نشر أعمال لجان الهيئة التأسيسية فيما يتعلق بعروبة الدولة ودور الشريعة في التشريع.

2.41 تمزق النسيج الاجتماعي
لا سبيل لترسيخ العمليات السياسية الديمقراطية إلا إذا اقتصرت أهمية وتأثير الولاءات الإثنية والدينية والثقافية على المجال الخاص، وسادت قيم الالتزام بمواطنة عامة ومشتركة. وفي ليبيا، أثارت الانقسامات على المستوى النخبوي التي شاعت بعد ثورة فبراير فتنا واحترابات ما فتئت تسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي. ويكفي للاستدلال على هذا بمقاطعة الأمازيغ لانتخابات الهيئة التأسيسية، وفشل الأطراف المتنازعة في الجلوس إلى طاولة الحوار، وإحياء النزاع التقليدي بين الحضر سكان المدن والبدو سكان الأرياف، وبروز الدعاوى الانفصالية، وشيوع ظاهرة التخوين المناطقي، والمواجهات العسكرية بين المدن، وتفشي ما يعرف بظاهرة القتل على الهوية.

2.42 التطرف الديني
في ظل الانفلات الأمني، تفقد الحياة معناها. ولأن من لا يجد معنى لحياته قد يلتمس معنى لموته، المعنوي أو الجسدي، قد تجد أحاسيس الإحباط ومشاعر القنوط التي تثيرها القلاقل الأمنية سبلا في إشباعها عبر ممارسات هروبية ليس أقلها الانكفاء على الذات، وتعاطي المخدرات، والهجرة إلى خارج البلاد. وتبني أيديولوجيات العنف.

وقد شغلت موضوعة التطرف الديني حيزاً كبيراً في المشهد السياسي الليبي منذ بداية الثورة، حيث عبرت الدول الغربية عن قلقها من سيطرة ما أسمته التطرف الإسلامي على مسار الأحداث في ليبيا. وكان هذا القلق من ضمن العوامل الرئيسة التي جعلت الدول الغربية تتلكأ في الاعتراف بالمجلس الانتقالي ممثلاً شرعياً للشعب الليبي، فيما استغل نظام القذافي هذه القضية لتأجيج المخاوف الغربية عبر مزاعمه عن تغلغل القاعدة بين قوات الثوار.

وكانت الجماعات الجهادية في الجبل الأخضر قد أقضت مضجع النظام في منتصف التسعينيات، فتعامل معها بعنف، فيما وجدت في تلك المنطقة حاضنة وتعاطفا شعبيا. وفي مذبحة أبوسليم أعدم النظام كثيرا منهم، ما أوغر صدور رفاقهم وجعلهم يتحينون فرصة الانتقام. لكن هذه الجماعات سرعان ما فقدت التعاطف الشعبي معها، خصوصا بعد أن بدأت تفصح عن رفضها لفكرة الدولة. ولأن الشعب الليبي متجانس دينيا أكثر من أي دولة عربية أخرى، ومعظم الليبيين يتبعون المذهب المالكي الذي يتسم بالاعتدال والتسامح، يتوقع أن تفشل المنظمات الدينية المتطرفة في استقطاب أعداد تكفي لفرض سيطرتها على البلاد، أو حتى سيطرتها على مناطق واسعة منها لفترة طويلة.

غير أن مآل الوعي السياسي الشائه أن يفصح عن نفسه، فثمة تضارب بين توجهات الليبيين تجاه العملية الديمقراطية من جانب، وتصوراتهم حول دور الدين من جانب آخر. ففي حين يؤيد الليبيون مبادئ التعددية السياسية والثقافية والحريات والحقوق الفردية والمساواة أمام القانون، ويختلف 77.7% منهم مع مقولة أن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام، يؤيد 43.3% من الليبيين حظر حرية ممارسة الشعائر الدينية غير الإسلامية، ويشير 31.3% إلى ضرورة الحظر الكامل على حرية الاعتقاد الديني، فيما يرى 32.7% أنه لا تمييز ولا فرقا بين الدين والسياسة، كما أن 84.2% من الليبيين يوافقون على اعتبار الفوائد المصرفية معاملات ربوية يجب منعها.

ويظهر تضارب الآراء بصورة جلية عند تحليل توجهات الليبيين حول المرأة ودورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي حين يتفق 76.1% من الليبيين مع المساواة في فرص العمل بين النساء والرجال، ويوافق سبعة من كل عشرة (68.4%) على أن تصبح المرأة وزيرا، و68.9% على تولي المرأة منصبا قضائيا، فإن 63.6% من الليبيين يرفضون أن تصبح المرأة رئيسا للدولة، ويرى سبعة من كل عشرة منهم (73.3%) أن الرجال أفضل من النساء في القيادة السياسية. كذلك، فإن ثمانية من كل عشرة ليبيين (81.4%) يختلفون مع حق المرأة في السفر بمفردها خارج البلاد، وينكر نصف الليبيين (49.8%) شرط موافقة الزوجة الأولى للسماح للزوج بالزواج عليها. وكل هذا إنما يعني أن الوعي الديني يعاني من التشوش والارتباك، ولعل كثرة المصادر التي تزعم أحقيتها في التشريع الديني من أهم أسباب هذا النوع من الاختلالات، ولا يبدو أن شيئا أقل من تجديد الخطاب الديني قادر على معالجة هذا الأمر.

ونلحظ في هذا السياق أن كثيراً من أسباب التطرف لا ترجع إلى هيمنة رؤية إيديولوجية معينة، بل مدارها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية والسياسات الإقصائية والقمعية التي اتبعها نظام القذافي.

إن معظم الشباب الذين كانوا نشطين ضمن الجماعات الإسلامية الليبية المقاتلة لم تتح لهم إمكانية المشاركة الحقيقية والفعالة في الحياة السياسية، ولم تتح لهم فرص العمل والتوظيف والمشاركة في النشاط الاقتصادي، وقد أدى ذلك إلى هيمنة الشعور بالإقصاء والتهميش. ولذا فإن وجود نظام ديمقراطي تعددي يمنح فرص المشاركة المتساوية للجميع، ويوفر فرص العمل، ويضع السياسات الاجتماعية التي تشمل الكل دون إقصاء، سوف يزيل الكثير من العوامل التي تدفع للتطرف والتشدد والعنف.

2.5 هشاشة المجتمع المدني
تتفق معظم الأدبيات المهتمة بالديمقراطية على أن وجود مجتمع مدني قوي من العوامل الداعمة للنظام الديمقراطي. ويمثل انضمام المواطنين لشبكات ومنظمات المجتمع المدني والمشاركة في نشاطاتها أحد أهم المؤشرات الدالة على قوة المجتمع المدني وحيويته. غير أن المجتمع المدني في ليبيا يعاني من الكثير من الاختلالات، وسوف نعنى باثنين منها، هيمنة الدولة والتبعية التمويلية.

2.51 هيمنة الدولة
وقد ظهرت مجموعة من النماذج النظرية والأطر التحليلية التى حاولت تفسير أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة، ومن أهمها النموذج التعاضدي أو الكوربورتاري. ووفقا للتعريف الذي يقترحه فيليب شميتر، فإن الكوربورتارية “نظام لتنظيم المصالح يتم فيه تنظيم مكوناته ضمن عدد محدود من الفئات الإلزامية وغير التنافسية والهيراركية والمتمايزة وظيفيا، تعترف بها الدولة، وتعطيها تصريحا بالعمل، أو تخلقها أصلا، وتمنحها احتكارا فى تمثيل فئاتها مقابل التزامها بضوابط معينة فى عملية اختيار قياداتها، وفي توضيح مصالحها والتعبير عنها، وفي تأييدها”.

ويميز شميتر بين نوعين من العلاقات الكوربورتارية تكون فيها منظمات المجتمع المدني متشابهة من حيث البنية ولكنها مختلفة من حيث علاقاتها مع الدولة: “الكوربورتاية المجتمعية” في نظم الديمقراطيات التعددية، حيث تستقل الجماعات نسبيا عن سيطرة الدولة ويكون لها نفوذ قوى على عملية صنع السياسات العامة؛ و”كوربورتارية الدولة”، حيث تخضع الجماعات لسيطرة الدولة ويتغلغلها الجهاز البيروقراطي الرسمي والتنظيم الحزبي الحكومي المسيطر. وتقترب أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة في ليبيا النظام السابق من نموذج “كوربورتارية الدولة”، يشهد على ذلك أن:

• الأحزاب السياسية محظورة منذ السنوات الأولى للنظام السابق، وقد اعتبر القانون تكوين الأحزاب السياسية جريمة ضد الثورة والشعب عقوبتها الإعدام.

• النقابات والاتحادات والروابط المهنية في ليبيا غير تنافسية وإلزامية وهيراركية.
• النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التطوعية الأهلية تُنشأ وتنظم ويعاد تنظيمها وحلها بقرارات ولوائح وقوانين رسمية.

• كل نقابة أو اتحاد مهني يحتكر عملية تمثيل المصالح المختلفة ضمن فئته.

• لا تمثل منظمات المجتمع المدني مجالاً مستقلاً ومنفصلاً عن الدولة، بل هي متضمنة في البنية التنظيمية الرسمية، وتعتبر جزءاً من آليات النظام السياسي في ليبيا.

والمجتمع المدني الليبي، الذي غاب لعقود ثم ظهر فجأة عقب ثورة فبراير، سرعان ما غاب ثانية، بل إن عددا لا يستهان به من قياداته الفاعلة إما تعرض للاغتيال أو الخطف أو اضطر إلى الهجرة. ورغم ارتفاع نسبة الشباب بين السكان، وبروز مشاركتهم في الحياة السياسية عبر المجتمع المدني الناشئ، فإن تدني مستوى المعرفة والمهارات وانعدام الخبرة تجعل منظمات الشباب أقل قدرة وفاعلية وأقل تعبيرا عن تيارات سياسية، كما أنها لا تعكس انشغالات الشباب أنفسهم.

52. 2 التبعية التمويلية
من جانب آخر، فإن استقلالية منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك الاستقلالية التمويلية، عنصر مؤثر في فاعلية هذه المنظمات وقدرتها على القيام بدور إيجابي في العملية السياسية. ولكي تكتسب منظمات المجتمع المدني في ليبيا شرعيتها ومصداقيتها وفاعليتها، يجب أن تستقل تنظيمياً وتمويلياً عن الدولة. غير أن المعضلة تتمثل في أن العقود الطويلة من خضوع هذه المنظمات لهيمنة الدولة واعتمادها شبه الكامل على تمويل الخزينة العامة، صعّب من تأمين تمويل نشاطاتها من مصادر ذاتية ومستقلة.

وإذا توفرت القناعة بأن وجود مجتمع مدني مستقل وقوي ضروري لتعزيز الديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية، وأن قوة المجتمع المدني من قوة الدولة، وإذا ساد الإدراك بأن الدولة الليبية، بوصفها المالك الوحيد للموارد الاقتصادية الرئيسة، تتحمل مسؤولية توفير البنية الأساسية من تعليم وصحة وأمن ورفاه اقتصادي، فإنه يصبح لزاماً عليها، شرعياً وأخلاقياً، أن تصدر تشريعات تسهل من حصول منظمات المجتمع المدني على موارد مالية، حتى تتمكن من المشاركة في تنمية المجتمع الليبي وضمان ديمقراطية وشفافية العملية السياسية.

وسوف يكون في انتظار المجتمع المدني مهام تشمل دوره في تعزيز مفاهيم المواطنة والحقوق والواجبات، وترسيخ مشاعر الهوية والانتماء، وتنمية وعي يسمح بخلق ثقافة تتأسس على قيم الاختلاف والشفافية ومشاركة المواطن في ضمان أمنه وأمن مجتمعه وتبني قيم حقوق الإنسان والحريات العامة.

غير أن الطريق لا يزال طويلا أمام بناء مجتمع مدني قوي وداعم للديمقراطية، ليس في ليبيا فحسب بل في كل بلدان الربيع العربي. فكما تشير بيانات “المسح العالمي للقيم” فإن أغلبية ساحقة من المواطنين في هذه البلدان، تتراوح ما بين 80-99 %، ليسوا أعضاء في أي من المنظمات المدنية، بغض النظر عن طبيعة نشاطها سواء كانت دينية أم رياضية أم ثقافية أم ترفيهية أم بيئية أم نقابية أم سياسية.

2.6 الفشل في التوافق حول قواعد اللعبة السياسية والسياسات العامة
لأن القيم مجردة، ويصعب التوافق عليها، استحدثت وسائل لتفريغ بعض من شحنتها القيمية بحيث تكون أكثر عينية وأيسر على التوافق. ومن أبرز هذه الوسائل ما يعرف بالمؤشرات القابلة للقياس، بكل الصبغة العلمية التي تكتنف هذه المؤشرات، والدور الذي يمكن أن يقوم به الخبراء في قياسها. وعلى هذا النحو، عوضا عن الجدل حول الحرية والعدالة والإخاء والمساواة والرفاه، للنخب السياسية أن نتحاور حول درجة المشاركة والمساءلة والشفافية والتنافسية، وكفاءة الأجهزة الحكومية وجودة الخدمات العامة، ودرجة السيطرة على الفساد، والرقابة على المطبوعات، وحرية التنقل، وقدر استخدام العنف، وما إلى ذلك.

وفي الحالة الليبية، أسهمت عدة عوامل في الحول دون توافق النخب على قواعد اللعبة السياسية والسياسات العامة، بصرف النظر عن صياغتها في شكل قيم أو مؤشرات. غير أننا سوف نركز تحديدا على عاملين، حداثة التجربة الحزبية، وانقسام النخب السياسية.

2.61 حداثة التجربة الحزبية
لم تختلف رؤية النظام الملكي لطبيعة دور التنظيمات والقوى الحزبية في الحياة السياسية بشكل جوهري عن رؤية نظام القذافي، وإن اختلفتا من حيث آليات التعامل مع هذه الحركات والتنظيمات وسبل مواجهتها. ففي الوقت الذي استخدم النظام الملكي اليد الناعمة تجاه هذه التنظيمات، فإن نظام القذافي كان أكثر عنفاً وأشد قمعا.

وقد بدأت عملية القمع هذه بصدور قانون تجريم الحزبية عام 1972، الذي جعل تشكيل أو الانضمام إلي أحزاب وتنظيمات سياسية جريمة عقوبتها الإعدام. وفي عام 1973، وبعد إعلان الثورة الشعبية، ألقي القبض على المئات من المثقفين من مختلف التيارات والاتجاهات الإسلامية والقومية واليسارية. ولم يعد هناك مكان في المشهد السياسي إلا للتنظيمات التي خلقها النظام، مثل الاتحاد الاشتراكي العربي وحركة اللجان الثورية.

واستمرت عمليات القمع التي طالت المثقفين والناشطين سياسياً داخل ليبيا وخارجها حتى السنوات الأولى من الألفية الثالثة.

ومنذ بداية الثورة، وحتى قبل صدور قانون الأحزاب، تشكلت العديد من الأحزاب، حيث افتقر كثير منها إلى الإعلان عن برامج سياسية محددة، وتحديد لهويتها السياسية وموقفها من القضايا والتحديات الراهنة. والأحزاب الوليدة نتاج طبيعي للسياقات والبيئة التي تولد فيها، وليس في الوسع في ظل الخصائص الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، حيث الطبقات الاجتماعية والاقتصادية لا تزال في مراحلها الجنينية، ولم تتطور بدرجة تجعلها فاعلا سياسيا، أن تظهر سوى أحزاب تدافع عن مصالح وانتماءات عشائرية وقبلية وإقليمية عوضا عن التعبير عن مصالح اقتصادية وطبقية. أيضا فإن الأحزاب التي نشأت حديثا عكست دينامية تصارعية عقدت المشهد وجعلت الوصول إلى توافقات وتسويات صعبا.

وتعتري الأحزاب نواقص تعكس وهن الفاعلين الاجتماعيين بوجه عام، فهي تعاني ضعفا تنظيميا في إدارتها، وتفتقر إلى مشروع سياسي واضح المعالم، وإلى قاعدة اجتماعية حقيقية، وهي لذلك عاجزة عن تأدية دور الفاعل السياسي والاجتماعي القادر على إنجاح عملية التحول الديمقراطية، وإعلاء الصالح العام بالقطع مع القبيلة والغنيمة والعقيدة.

وبسبب سوء أداء الأحزاب، الذي يرجع أساسا إلى حداثة تجربتها، تنامى توجه مؤداه أن مناط الخلل في الأداء السياسي هو فكرة التعددية الحزبية نفسها، فظهرت دعاوى مناوئة لهذه الفكرة، ترجم بعض منها عيانا في قانون انتخابات الهيئة التأسيسية وقانون انتخابات مجلس النواب. وحسب المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم، 6% فحسب منهم يثقون في الأحزاب، وقد نتج عن تدني هذه الثقة في الأحزاب السياسية عدم رضاهم عن أدائها ورفضهم لأي دور لها في مستقبل البلاد، فوفق استطلاع مركز البحوث في يونيو 2014، خمسة من كل عشرة ليبيين (55.1%) يرون أن النظام الذي يسمح فيه لمختلف الأحزاب بالتنافس ليس مناسبا لليبيا؛ سبعة من كل عشرة (71.3%) غير راضين عن أداء الأحزاب السياسية؛ وثمانية من كل عشرة (77.5%) يرون أنه يجب ألا تقوم الأحزاب بأي دور في مستقبل ليبيا. وغني عن البيان أن مثل هذه النظرة السلبية لمفهوم التعددية الحزبية ولأداء الأحزاب إنما تسهم بدورها في عرقلة التحول الديمقراطي، وتحول دون التوافق النخبوي على السياسيات العامة، بقدر ما تعوق تسربه إلى القاع المجتمعي.

2.62 انقسام النخب السياسية
تحتاج عملية بناء الدولة قيادة سياسية مؤمنة بالمهمة وقادرة على مواجهة التحدي في مهمة تاريخية لا مجال فيها للنزعات الفئوية. ولكي تضمن النظم الديمقراطية بقاءها واستمراريتها يتعين أن يكون هناك اتفاق عام على قواعد العمليات السياسية والالتزام بها، خاصة بين النخب السياسية. ومن غير المحتمل أن تقبل أية مجموعة قواعد العملية الانتخابية إذا كانت هزيمتها تضر بمصالحها ضرراً كبيراً. وهذا يعني أنه إذا كان على الخاسرين القبول بنتائج العملية الانتخابية الديمقراطية، فإنه يتعين على الفائزين أن يقبلوا أن هناك قيوداً مهمة على ما يستطيعون فعله بقوتهم الجديدة. ووفقاً لهذا العامل، يعتمد ترسيخ الديمقراطية على ممارسة الأطراف الفائزة الاعتدال ومراعاة بعض القيود عند وضع السياسات العامة المختلفة. وفي واقع الأمر، يلزم أن يتم الاتفاق على القيود المفروضة على تغيير السياسة العامة قبل اكتمال عملية التحول الديمقراطي، أي أثناء المفاوضات والمساومات، وبالتالي فإنها جزء من العملية ذاتها.

وحسبنا للتمثيل على مظاهر انقسام النخبة السياسية في ليبيا أن نذكر التشريعات الإقصائية، كقانون العزل السياسي، وعمليات التخوين المتبادل، والفشل في الاتفاق على السياسات العامة، والمواقف المتضاربة من دمج التشكيلات المسلحة وبناء الجيش والشرطة.

2.7 التدخل الأجنبي
ثمة تحليلات تؤكد أن الثروات التي تنعم بها ليبيا، وموقعها الجغرافي القريب من أوربا، وراء مساندة الدول الغربية للثورة الليبية، وأن هذه الدول لن تسمح بسيطرة أي تنظيمات إرهابية ولا بعرقلة التحول الديمقراطي. قد يتغاضى المجتمع الدولي عن قيام دولة فاشلة في بلد كالصومال، لكنه لن يسمح بقيامها في دولة تمتلك ألفي كيلومتر على البحر المتوسط، وثروات نفطية ومعدنية هائلة، وتقع بجوار دول ذات كثافة سكانية عالية وتعاني من أزمات اقتصادية وسكانية خانقة تشكل خطرا على الأمن الدولي.

وكان مجلس الأمن قد أصدر في 17 مارس عام 2011 القرار رقم 1973 الذي يقضي بتخويل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فرادى وجماعات، باتخاذ الإجراءات الضرورية كافة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، ما عدا الإنزال البري، لحماية المدنيين في ليبيا من عمليات القمع التي تقوم بها الكتائب المسلحة ضد أبناء الشعب الليبي العزل.

وقد تعددت التحليلات لفهم التلكؤ الذي طرأ على أنشطة النيتو أثناء الحرب ضد نظام القذافي، حيث ربطته بعض التحليلات بتحقيق هدفين: تدجين الثوار المتشددين، عبر إبقائهم في وضع المحتاج للمساعدة الدائمة، والحول دون تكرار سيناريو العراق وأفغانستان، حيث انهارت الدولة ودخلت في نفق مظلم.

ومهما يكن من أمر هذه التحليلات، فإن دور المجتمع الدولي تغير كثيرا بعد انتصار الثورة. وقد تجسد هذا التغير في التالي:

• لم تبذل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي وبقية القوى الدولية التي شاركت في العمليات العسكرية جهودا حقيقية للمساعدة في إعادة بناء القوات المسلحة وجمع السلاح ووضع خطط لدمج المسلحين في الحياة المدنية والعسكرية.

• قامت بعض الأطراف الإقليمية والدولية بالتدخل في المشهد الليبي بمساعدة بعض القوى المحلية دون غيرها، الأمر الذي زاد من تفاقم الأزمة الداخلية وتحولت ليبيا إلى ساحة صراع بين هذه القوى المتنافسة.

• لم تقم القوى الإقليمية والدولية بمساعدة ليبيا في مواجهة ظاهرة التطرف وتداعياته.

وحسب صحيفة الإيكونمست، دخلت أطراف خارجية في الصراعات الليبية، فتركيا وقطر والسودان تفضل الزمر الإسلامية، بينما تدعم مصر والإمارات العربية المتحدة وبعض الأطراف الأخرى التحالف المسيطر في المنطقة الشرقية الذي يحظى باعتراف دولي أوسع. وهذا الخطر في ليبيا بدأ يتسرب إلى منطقة الساحل الشاسعة، أراضي أفريقيا القاحلة جنوب صحراء الصحارى، من مالي في الغرب، وعبر النيجر وشمال نيجيريا، وشرقا حتى السودان، ووصلت صحراء سيناء المصرية المتاخمة لإسرائيل. أما القبائل العربية والجماعات الإثنية الأخرى في فتقوم بتهريب الأسلحة والمتاجرة بالبشر وتوفير الملاذ الآمن والمساعدة لمجموعات من العاطلين والجهاديين.

وحسب الصحيفة، يتمثل الطريق الوجيه الوحيد في محاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية، يدعمها دستور جديد يمنح استقلالية للأقاليم والمدن الرئيسة. ويمكن وضع بعض دخول النفط في حساب خاص تحت إشراف الأمم المتحدة بحيث يعاد توزيعه للخدمات العامة هلى جانبي خطوط المعارك. وإذا أمكن التوصل لاتفاق تفاوضي، سوف يتعين استجلاب قوات حفظ سلام من الأمم المتحدة.

التحول الديمقراطي في ليبيا: تحديات ومآلات وفرص
الجزء الثالث

زاهي المغيربي نجيب الحصادي

3. مآلات الفشل في عملية التحول الديمقراطي
ثمة سيناريوهات متعددة لأحوال البلاد في حال فشل عملية الدمقرطة، لعل أهمها فقد الثقة في الخيار الديمقراطي، وتقسيم البلاد أو انفصال بعض أقاليمها، والغزو الأجنبي أو الوصاية الأممية، والدولة الفاشلة. وكلها مآلات سيئة، ولعل أسوأها سيناريو الدولة الفاشلة، الذي يمكن تحديد ديناميته وتداعياته على النحو التالي:

أولا: الديناميات
• تَكرُّس المنظومة القيمية التي تشكلت في العقود الأربعة الأخيرة
• هيمنة الثقافة الريعية واستباحة المال العام على حساب ثقافة العمل وبذل الجهد
• تَرسُّخ ثقافة الإقصاء والعزل السياسي
• الفشل في تبني رؤية شاملة وواضحة لمستقبل البلاد
• الفشل في تشكيل قوات مسلحة ومؤسسات أمنية تفرض هيبة الدولة
• الفشل في صياغة دستور توافقي
• الفشل في تفعيل القضاء وفي إعمال آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
• الفشل في تأسيس إدارة عصرية فعالة تعتمد الكفاءة معيارا للمفاضلة
• الفشل في تنويع مصادر الدخل القومي
• الفشل في تعزيز قدرات مؤسسات المجتمع المدني

ثانيا: التداعيات
• فقد الشرعية التي يتمتع بها البرلمان والحكومة
• إعادة إنتاج الاستبداد في صور جديدة
• سطوة الميليشيات المسلحة وتعاظم نفوذ الحركات التي تتوسل العنف
• التناحر السياسي وإعلاء مصلحة الكيانات السياسية على مصلحة الوطن
• الفراغ السياسي والتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر
• تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية
• تعزز دور القبيلة بوصفها ملاذا أمنيا وحيدا
• تهميش الجماعات الإثنية
• الفشل في تطوير أنظمة التعليم والصحة والإدارة وتفشي مظاهر الفساد والتردي
• استمرار الاقتصاد الريعي وانخفاض مستويات الإنتاجية
• استمرار المركزية وتهميش الأطراف وتعاظم الدعاوى الانفصالية
• تدني قيمة العملة الليبية وتعزز اقتصاد الظل والسوق الموازية
• زيادة معدلات البطالة والبطالة المقنّعة وارتفاع معدلات الجريمة
• العزوف عن المشاركة السياسية وفقد الثقة في إجراء تحولات جذرية في المجتمع
• إخفاق أساليب التنشئة الاجتماعية والتربوية والسياسية
وفي النهاية، فإن المجتمع الذي تحركه هذه الديناميات، بما تفضي إليه من تداعيات، مجتمع محبط، يائس، مفكك، مغترب، مضطرب، تحكمه دولة ضعيفة، تابعة، ومخترقة، ومهددة.

ولعل ليبيا قد قطعت شوطا في الطريق إلى الدولة الفاشلة، فحسب صحيفة الإيكونمست، ليبيا، هذه الأيام، ليست بدولة إلا بالكاد، فالزمر التي تآزرت لإسقاط معمر القذافي تخلت عن محاولة تسويات خلافاتها عبر التفاوض، والمنطقة الشرقية تقع تحت سيطرة تحالف مدني، ومقره طبرق. أما في المنطقة الغربية، فالسيطرة فيها لخليط من الجماعات في طرابلس ومصراتة، وتدعمها ميلشيات إسلامية متشددة. ويوجد في ليبيا الآن حكومتان متصارعتان، وبرلمانان، ومجموعتان تتنازعان السيطرة على المصرف المركزي ومؤسسة النفط، ولا يوجد جيش وطني أو شرطة وطنية فاعلة، كما أن هناك مجموعات من الميلشيات التي تمارس الإرهاب ضد مواطني ليبيا وتنهب ما تبقى من ثروة البلاد.

4 فرص متاحة لإتمام عملية التحول الديمقراطي
ثمة سوانح عديدة يمكن اغتنامها على نحو يعزز عملية التحول الديمقراطي، نذكر منها الحوار الوطني، والدستور التوافقي، والمساندة الدولية، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والمجتمع المدني الفاعل. وتداركا منا لضيق المقام، سوف نعنى تحديدا بالسانحتين الأوليين، دون أن نقصد من ذلك التقليل من أهمية سائر السوانح التي سبق أن تناولناها في سياق حديثنا عن التحديات.

4.1 حوار وطني
ثقافة الحوار هي البيئة الحاضنة لكل تجربة ديمقراطية، وحين تغيب ثقافة الحوار تقل بغيابها فرص التحول الديمقراطي، فالحوار سبيل التوافق النخبوي والمجتمعي، والتوافق مبدأ مركزي في أي منظومة ديمقراطية. وثقافة الحوار تعني الاستعداد المبدئي لدى قطاعات واسعة من الشعب لتبادل الآراء والأفكار والرؤى، وللوصول إلى نوع من التوافق حولها، وللإحجام عن توسل العنف أو أي وسيلة من وسائل الإكراه المادي أو النفسي في فرض هذه الآراء والأفكار والرؤى. وشيوع ثقافة الحوار في أي مجتمع يدل على أن القطاع الأغلب من أبنائه على قدر كاف من النضج المعرفي والوعي الأخلاقي بحيث يفهم الواحد منهم أن الرأي الذي يدافع عنه ليس سوى فرضيته المفضلة.

وحسب آخر استطلاع أجراه مركز البحوث بجامعة بنغازي، في يونيو 2014، يحظى الحوار الوطني بدعم الليبيين. الملفات الأجدر عندهم بالنقاش هما الأمن والمصالحة الوطنية، وهناك أغلبية ساحقة ترى أن الحوار الوطني هو الأداة المناسبة للتوافق حول الهوية الوطنية وقواعد العمل السياسي والقيم السياسية المشتركة، فيما تقر أغلبية تتجاوز 95% وجوب اشتمال ثوابت الميثاق الوطني على وحدة التراب الليبي وسيادة القانون وحرمة الدم الليبي والعدالة الاجتماعية وتطبيق مبدأ التسامح والتوافق والمواطنة المتساوية والتداول السلمي للسلطة وعدم الإقصاء والهوية الإسلامية الوسطية ونبذ العنف.

ولا سبيل لرتق الفتوق التي يعاني منها النسيج الاجتماعي سوى الحوار. والحوار، وليس التدافع المسلح، وحده القادر، إن كان ثمة قادر، على وقف الحرب الأهلية ومسلسل الاغتيالات والاختطاف والانتهاكات الحقوقية وحالات الانقسام والتشرذم التي أصابت المشهد السياسي الليبي. والحوار، باختصار، فرصة الليبيين الأخيرة، والضامن الوحيد لاستمرارهم في عملية التحول الديمقراطي.

4.2 دستور توافقي
التوافق عملية تقريب وتجسير لوجهات النظر والمطالب والمشاريع بغية الوصول إلى وضع ترتضيه جميع الأطراف، وهو نسج محكم لتوليفة من الآراء تأخذ في اعتبارها حقوق وواجبات ومشاغل وهموم ومصالح الجميع. والتوافق أحد المبادئ التي يتوجب أن تحكم عملية صناعة الدستور. ثمة مبادئ أخرى يلزم أن تحكم هذه العملية، مثل التمثيل والمشاركة المجتمعية والشفافية، غير أن التوافق أهمها. ذلك أن الدستور الذي لا يستوفي استحقاقات التوافق سوف يكون معيبا أيا كان قدر الشفافية والمشاركة الذي روعي في صناعته، وسوف يفشل في التعبير عن طموحات وتطلعات المجتمع حتى إذا كانت الجهة التي قامت بصياغته منتخبة ويفترض من ثم أن تمثل مختلف شرائح المجتمع.

ولنجاح أي عملية توافقية استحقاقات كثيرة أهمها: وجود التزام حقيقي بالتوافق وبذل ما يكفي من الجهود في سبيل الظفر به، وتشارك الجميع في أهداف بعينها وفي الالتزام بالسعي نحو تحقيقها، وإبداء كل طرف استعداد مسبق لتغيير موقفه ولإعادة تقويم احتياجاته ولنقاش حلول بديلة قد لا تحقق كل رغابه، والثقة في نزوع كل الشركاء نحو الخلاص إلى قرارات توافقية، والتعبير بأمانة عن الرغاب والحاجات، ومشاركة الجميع بشكل فاعل في صنع القرار.

ونتاج كل ذلك، في حالة الدستور التوافقي، ما يمكن وصفه بالإرادة الجمعية التي تتكيف مع حاجات كل فئات وشرائح المجتمع، بما يصاحبها من إحساس بملكية الدستور وشعور بمسؤولية الدفاع عنه. وهذه الإرادة جمعية بالمعنى الحقيقي لا المجازي، كونها تتجسد في النهاية في قرارات شاركت في صياغتها كل الأطراف.

إن صياغة وثيقة دستورية واحد من أهم أطوار عملية التحول الانتقالي، ولا شك أن الليبيين قد اتخذوا خطوات مهمة صوب تحقيق هذه المهمة. غير أن الدستور، ما لم يكن توافقيا، قد لا يجد من يحميه، فيكون مجرد أوراق تنص على تداول سلطات لا سلطان لها، وتشرعن لقوانين لا تطبق، وتقر حقوقا لا تصان.

خاتمة: لماذا تأخرت ليبيا عن جارتيها تونس ومصر في طي صفحتها الانتقالية؟
رغم تشابه بديات ثورات الربيع العربي في ليبيا وجارتيها مصر وتونس في كونها انتفاضات شعبية بامتياز ولم تكن لها قيادات واضحة، فإن مآلات الأحداث في البلدان الثلاثة عكست تفاوت التجربة السياسية والأوضاع الاقتصادية والعسكرية بينها، وقد تعين هذا التفاوت بوجه خاص في التالي:

• اختلاف درجة مأسسة القوات المسلحة في مصر وتونس من جانب، وليبيا من جانب آخر، فقد اتسمت المؤسسة العسكرية في تونس ومصر، خلافا لليبيا، بدرجة عالية من المهنية والانضباطية، والتزمت بالحياد تجاه الصراع الدائر.
وقد حرم هذا الموقف النظامين المصري والتونسي من قوة باطشة كان من الممكن استخدامها في قمع الانتفاضة الشعبية، وأسهم في سرعة سقوطهما وتجنيب البلدين الكثير من المآسي.

• في الوقت الذي سقط فيه النظامان المصري والتونسي خلال أسابيع قليلة، فإن النظام الليبي استخدم، بشراسته المعهودة، كل أدوات القمع والعنف المتوفرة لديه للقضاء على الانتفاضة الشعبية، ما أدى إلي عسكرة هذه الانتفاضة وتحولها إلى حرب مسلحة طويلة. ولقد أثر ذلك على سلاسة المرحلة الانتقالية وعلى مدتها، بعكس الحالتين المصرية والتونسية.

• أدت عسكرة الثورة الليبية إلى تدخل القوى الدولية والإقليمية لما يمثله الصراع المسلح في ليبيا من تأثير سلبي وخطير على مصالح هذه القوى بصفة خاصة، وعلى السلام العالمي بوجه عام. وفي الوقت الذي كان التدخل الأجنبي في مصر وتونس غير مباشر واستخدم القوة الناعمة، فإن التدخل الأجنبي في ليبيا كان مباشرا واستخدم القوة الصلبة، وكان تأثيره حاسما في مسار الأحداث وفي نتائجها.

• انعكس اختلاف التجربة السياسية والحزبية في البلدان الثلاثة على دور النخب والأحزاب السياسية في الانتفاضات الشعبية. فرغم الطبيعة العفوية والجماهيرية لهذه الانتفاضات، فإن الأحزاب والنخب السياسية في كل من تونس ومصر سرعان ما تصدرت المشهد السياسي وهيمنت علي العملية الانتقالية. غير أن التفاعل بينها اتخذ مسارين مختلفين: مسار تصارعي في مصر بين النخب والأحزاب تدخلت فيه المؤسسة العسكرية وحسمته لصالح تيار بعينه؛ ومسار توافقي في تونس أخرج البلاد بكل سلاسة من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة البناء الديمقراطي. أما في ليبيا، وبسبب حداثة التجربة الحزبية وهشاشة المجتمع المدني وضعف عملية المأسسة ووهن المؤسسة العسكرية، لم يمتلك أي من الأطراف القوة التي تمكنه من حسم الصراع لصالحه كما حدث في مصر، ولم تحتز النخب السياسية على الحكمة والبصيرة السياسية التي تمكنها من التوافق حول قواعد العملية السياسية ومحتوى السياسات العامة كما حدث في تونس.

• أسهم الاقتصاد الريعي والوفرة المالية بنصيبهما في عرقلة عملية التحول الديمقراطي في المرحلة الانتقالية في ليبيا. تحديدا، حالت حقيقة أن معظم الليبيين موظفين في القطاع العام دون أن تكون الضغوط الاقتصادية حافزا على عودة الحياة إلى طبيعتها، كما حدث في مصر وتونس. أكثر من ذلك أن الدولة التي تعاني من المليشيات المسلحة لم تتوقف عن دفع مرتبات أفرادها، حتى أصبح الانضمام إليها وسيلة لتحسين الدخل.

لا غرو إذن، وحال التفاوت كما ذكرنا، أن تتأخر ليبيا عن جارتيها. غير أن الأمل يظل معقودا في أن تلحق بالركب. ثمة خصوصية يتسم بها الشعب الليبي قد تعينه على إنجاز هذه المهمة، فلديه قدرة لافتة على التكيف مع ما يلم به من عثرات. لقد صبر أربعة عقود على أوضاع لم تكن بأي حال مواتية، فتعايش معها ومارس مختلف السبل في تطمين النظام بأن بقاءه سوف يستمر طويلا. وما أن ظن الجميع أن صمته سوف يدوم أبد الآبدين، انتفض فجأة واستطاع في بضعة أشهر الإطاحة بأشرس نظام قمعي عرفته المنطقة.

وما لبث أن تكيف مع التحولات الجذرية التي طالت بنيته السياسية، فخاض غمار تجربة ديمقراطية غريبة عنه، وخطا فيها خطوات لا تتوقع من شعب كان يحظر عليه مجرد الحديث عن الأحزاب والدستور. فهل يستبعد عليه أن يتكيف مع الانفلات الأمني والتطرف الديني، وأن يصبر عليهما بعض الوقت، وأن يقول في النهاية كلمة فصلا تعيد الأمور إلى نصابها، فينعم بأسباب الاستقرار والعدل والرخاء التي تاق إليها منذ أن تشكلت، عبر نضاله ضد الغزاة، الملامح الأولى لهويته؟ لقد رأى الشعب الليبي قباب النور، بعد أن عاش دهرا في أقبية الظلام، ومبلغ الظن أنه لن يصبر طويلا على العيش ثانية في عتمات القمع والعسف والإرهاب.

المغيربي، زاهي والحصادي، نجيب (2014)، “التحول الديمقراطي في ليبيا: تحديات ومآلات وفرص”، بحث مقدم لأعمال ندوة حول الانتقال الديمقراطي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس، مارس 2014.