مع التطورات المتسارعة للأزمة الأوكرانية –لا سيما بعد إعلان الرئيس الروسي في 21 من فبراير، اعترافه باستقلال دونيتسك ولوجانسك شرق أوكرانيا؛ ما أثار موجة تنديد دولي وغربي واسعة– تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة والعواصم الغربية، التي بدأت تباعاً في فرض عقوبات واسعة على موسكو، لعل أبرزها تعليق المستشار الألماني أولاف شولتز المصادقة على خط أنابيب الغاز” نورد ستريم 2“، وموافقة أعضاء الاتحاد الأوروبي بالإجماع، مساء الثلاثاء (22 فبراير الجاري)، على حزمة عقوبات ضد روسيا؛ وذلك بالتوازي مع إعلان الرئيس الأمريكي عن فرض الدفعة الأولى من العقوبات، التي تستهدف، من بين أمور أخرى، البنوك والديون السيادية الروسية.

خطوة محسوبة

بالرغم من العقوبات الأمريكية والأوروبية التي يُتوقع أن تزداد في الأيام القادمة، فإن الرئيس بوتين لا يبدو أنه يكترث كثيراً بتأثير تلك العقوبات؛ حيث أعلن يوم الثلاثاء (22 فبراير الجاري) أن اتفاقيات مينسك –التي تُنظم أوضاع المناطق الانفصالية شرق أوكرانيا– باتت ساقطة، مع حديث متزايد عن دخول القوات الروسية إلى دونيتسك ولوجانسك شرق أوكرانيا لـ”فرض السلام” حسب موسكو؛ وذلك بعد موافقة مجلس الاتحاد الروسي في اليوم نفسه على طلب بوتين نشر قوات في شرق أوكرانيا.

وتشي تلك المعطيات بأن الخطوة الروسية التصعيدية كانت محسوبة بدقة، كما أن الجانب الروسي يبدو مُستعدّاً جيداً لمواجهة العقوبات الغربية. ويظهر ذلك جلياً في تصريحات الرئيس الروسي في محادثاته مع نظيره البيلاروسي يوم (18 فبراير الجاري) التي أشار فيها إلى أن على البلدين الاستعداد للمزيد من العقوبات، وأن الغرب سيجد دائماً “ذريعة” للعقوبات لإبطاء التنمية في كلا البلدين، لافتاً إلى أن العقوبات الغربية ساهمت في تقوية الاقتصاد الروسي.

وفي هذا الإطار، تلفت الكثير من التقديرات إلى أن تصاعُد الأزمة الأوكرانية الحالية ربما يحمل الكثير من الارتدادات على الداخل الأمريكي، بدايةً بالنواحي الاقتصادية مع الارتفاع المتوقع في أسعار النفط والطاقة، والزيادة المحتملة لمعدلات التضخم والأسعار؛ ما قد يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد الأمريكي مروراً بالتأثيرات السياسية السلبية على الحزب الديمقراطي والرئيس بايدن، وصولاً إلى تقليص فرص الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي القادمة والانتخابات الرئاسية في عام 2024.

تداعيات اقتصادية

على الرغم من أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تدور على بعد آلاف الأميال من أقرب مدينة أمريكية كبرى، فإن ملايين العائلات الأمريكية ربما تشعر بالعواقب الاقتصادية لأي تصعيد عسكري روسي محتمل ضد أوكرانيا؛ فكما أوضحت جائحة كوفيد–19 أن الاقتصاد العالمي والأسواق المالية مترابطة، فإن تداعيات الأحداث الجيوسياسية الكبرى تولد تحديات وتأثيرات مختلفة.

1– ترجيحات بارتفاع كبير لأسعار الطاقة: تشير توقعات عديد من المحللين الاقتصاديين الأمريكيين إلى أن أسعار النفط الخام –التي تجاوزت 90 دولاراً للبرميل حالياً– قد ترتفع إلى 100 دولار للبرميل مع تصاعد التوترات حول الأزمة الأوكرانية، وبدء الدول الغربية فرض عقوبات قاسية على موسكو؛ ما قد يُعرقل إمدادات الطاقة الروسية؛ حيث أنتجت موسكو 9.7 مليون برميل يومياً خلال العام الماضي.

وقد حذر بنك جيه بي مورجان من أنه إذا تعطلت أي تدفقات نفطية روسية بسبب الأزمة الأوكرانية، فإن أسعار النفط فقد تقفز “بسهولة” إلى 120 دولاراً للبرميل. وقال إنه في حالة انخفاض صادرات النفط الروسية إلى النصف –وهو أمر غير مرجح– سيرتفع السعر إلى 150 دولاراً للبرميل، وأي ارتفاع في أسعار النفط سيؤثر سلباً على كل الاقتصاد العالمي وكذلك الأمريكي. جدير بالذكر أن الرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف قد أعلن في 22 فبراير الجاري، أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قد تصعد بأكثر من الضعف؛ وذلك بعد أن أوقفت برلين التصديق على خط أنابيب “نورد ستريم 2”.

2– وصول التضخم إلى مستويات غير مسبوقة: تُعد نسبة التضخم التي تصل إلى 7.5% في الوقت الحالي، أكبر مشكلة تواجه الاقتصاد الأمريكي. ويمكن للأزمة الأوكرانية حال تصاعُدها أن تزيد الأمر سوءاً؛ حيث تشير التقديرات إلى أنه في حال ارتفاع أسعار النفط إلى 110 دولارات للبرميل بسبب الأزمة، فإن معدل التضخم سيرتفع متجاوزاً 10%، ولم ترتفع نسب التضخم داخل الولايات المتحدة إلى تلك النسبة منذ أربعين عاماً.

3– ارتفاع تكاليف المعيشة في الداخل الأمريكي: من المرجح أن يؤدي استمرار التصاعُد في الأزمة إلى ارتفاع تكلفة المعيشة المرتفعة بالفعل داخل الولايات المتحدة؛ حيث لا يتوقع أن تؤثر الأزمة على ارتفاع أسعار الطاقة فقط، بل ستؤدي بدورها إلى ارتفاع تكاليف تدفئة المنازل والكهرباء. وكذلك سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكلفة الطيران وارتفاع تكاليف النقل والمدخلات للشركات، ومن المرجح أن تمرر الشركات بعض تلك التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين في شكل طفرات في الأسعار؛ الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة بالولايات المتحدة.

4– توقعات بارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف الإقراض: تشير التوقعات الأمريكية إلى أنه في حالة ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 10%، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيكون تحت ضغط كبير للسيطرة على الأسعار، وتسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة لتهدئة التضخم. وستؤدي الزيادات في أسعار الفائدة إلى زيادة تكاليف الاقتراض للمستهلكين في كل شيء؛ بدءاً من الرهون العقارية وقروض السيارات إلى بطاقات الائتمان.

5– اضطراب مُحتمل في الأسواق المالية: في ظل قلق المستثمرين من حالة عدم اليقين، فإنه يُتوقع أن يؤدي تصاعُد الأزمة إلى عمليات بيع سريعة للأسهم، ولا سيما مع توقعات بحدوث ارتفاع في أسعار النفط ومعدلات التضخم نتيجة العقوبات الأمريكية والغربية التي بدأت الدول الغربية تفرضها على موسكو. وتتحدث عديد من التقارير الأمريكية عن أن الانكماش لفترة طويلة سيقضي على الثروة التي جمعتها العائلات الأمريكية في سوق الأوراق المالية وفي حسابات التقاعد. ويمكن أن يؤدي عدم استقرار السوق أيضاً إلى إضعاف الثقة بين المستهلكين والشركات على السواء.

6– تعرُّض المؤسسات الأمريكية لهجمات سيبرانية: حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن، من احتمالات شن روسيا هجمات إلكترونية على الولايات المتحدة عقب الدعم العسكري الذي تقدمه واشنطن لكييف، وقيادتها المجتمع الدولي لفرض عقوبات قاسية على النظام الروسي. وهناك مخاوف أمريكية من هجمات إلكترونية روسية جديدة، ولا سيما بعد التداعيات المؤثرة التي تحملتها واشنطن نتيجة الهجوم الإلكتروني على خط أنابيب كولونيال خلال العام الماضي؛ حيث أدى إلى إغلاق أحد أهم خطوط الأنابيب في الولايات المتحدة وتعطيل تدفق ملايين البراميل من المنتجات النفطية إلى السوق الأمريكية، وترك عديد من محطات الوقود في الجنوب الشرقي للبلاد فارغة، كما أن هناك مخاوف أمريكية من تعرض النظام المالي الأمريكي لهجمات إلكترونية روسية ستكون لها تأثيرات متعاظمة على الاقتصاد الأمريكي، وعلى الأوضاع الاقتصادية للأمريكيين.

7– تنبؤات بتباطؤ التعافي الاقتصادي الأمريكي: بالنظر إلى العوامل السابقة، فإن تصاعُد الأزمة الأوكرانية ربما يكون له تأثيرات سلبية بالغة على الاقتصاد الأمريكي وزيادة حالة عدم اليقين لدى الشركات والمستثمرين، لا سيما أن الاقتصاد لا يزال في مرحلة التعافي من تبعات جائحة كوفيد–19. وفي هذا الإطار، تشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن وصول أسعار النفط إلى 110 دولارات من شأنه أن يضعف الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بمقدار نقطة مئوية واحدة.

تراجُع الديمقراطيين

ربما يحمل تصاعُد الأزمة الأوكرانية تأثيرات سلبية على الإدارة الأمريكية والحزب الديمقراطي؛ وذلك على النحو التالي:

1– تراجع شعبية بايدن والحزب الديمقراطي: تراجعت شعبية الرئيس الأمريكي جو بايدن والحزب الديمقراطي بدرجة لافتة في الشهور الماضية، لا سيما بعد الانسحاب من أفغانستان. ويتوقع في حال استمرار تصاعُد الأزمة الأوكرانية على هذا النحو أن تتراجع شعبية الرئيس بشكل أكبر، لا سيما أن أبعاد الأزمة تشي بعودة روسيا للعب دور أكبر على الساحة الدولية في ظل عجز أمريكا وحلفائها عن تحجيم الطموحات الروسية؛ الأمر الذي قد يساهم في تراجع الثقة الأوروبية بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية والناتو على التصدي للتهديدات الأمنية وحماية أوروبا من أي اعتداء. وكلها تداعيات تساهم في إظهار الرئيس الأمريكي بموقف “الضعيف”. وقد يؤدي تفاعُل الأزمات الاقتصادية المتوقعة إلى المزيد من التراجُع في شعبية الرئيس والحزب الديمقراطي.

2– تعزيز شعبية الحزب الجمهوري و”ترامب”: تقوم رسالة الحزب الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس لعام 2022، وكذلك للانتخابات الرئاسية لعام 2024 على أن الرئيس بايدن ضعيف وغير كفء في التعامل مع التحديدات الأمريكية الداخلية والخارجية، وأن العالم فقد احترامه للولايات المتحدة برحيل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. ومن ثم فإن الأزمة الحالية ربما تساهم في زيادة شعبية الحزب الجمهوري والرئيس السابق دونالد ترامب. جدير بالذكر أن الرئيس ترامب قد انتقد بشكل لاذع يوم الثلاثاء (22 فبراير الجاري)، طريقة إدارة الرئيس بايدن للأزمة الأوكرانية، لافتاً إلى أن بوتين ما كان ليتصرف على هذا النحو “بتاتاً” في ظل إدارته. كما سبق لترامب أن انتقد بشدة خطة انسحاب إدارة بايدن “الفوضوية” من أفغانستان، معتبراً أنها شجعت الرئيس بوتين على تحدي الولايات المتحدة.

3– تقليص فرص الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي: يتوقع الكثير من المراقبين أن يواجه الحزب الديموقراطي صعوبات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس نهاية هذا العام، مع التراجع الكبير في شعبية الرئيس والحزب؛ الأمر الذي تجلى في خسارة بعض انتخابات حكام الولايات في الشهور الماضية، والانقسام المتزايد بين أجنحة الحزب الديمقراطي. ومن ثم في حال تزايُد حدة الأزمة الأوكرانية، وما تحمله من تأثيرات جيواستراتيجية واقتصادية كبيرة على الولايات المتحدة، فقد يواجه الديمقراطيون صعوبة بالغة في الحفاظ على أغلبيتهم البسيطة في الكونجرس؛ الأمر الذي يحول الرئيس الأمريكي خلال آخر عامين له إلى “بطة عرجاء”، وهو ما سيكون له ارتدادات سلبية على الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة في عام 2024.

قيود الداخل

وختاماً، مع احتدام الأزمة الأوكرانية، وعد الرئيس الأمريكي جو بايدن بمزيد من الدعم لأوكرانيا، وقام في 22 فبراير الجاري بإعلان فرض الدفعة الأولى من العقوبات على روسيا بعد إعلانها الاعتراف باستقلال دونيتسك ولوجانسك شرق أوكرانيا، لكن توجهات الرأي العام الأمريكي قد تؤثر على سلوك الإدارة الأمريكية للتعامل مع الأزمة؛ حيث تُظهر استطلاعات الرأي انقسام الأمريكيين بشأن الكيفية التي يجب أن تستجيب بها الولايات المتحدة لهذا التصعيد. فقد أظهرت نتائج استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك خلال الفترة 10–14 فبراير الجاري أن 57% من الأمريكيين يقولون إنه يجب على الولايات المتحدة ألا ترسل قوات إلى أوكرانيا إذا غزت روسيا، بينما أيد 54% قرار بايدن نشر قوات لدعم حلفاء الناتو، وهو ما يؤكد أن الرأي العام الأمريكي منقسم حيال التعامل مع الأزمة الحالية؛ الأمر الذي يفرض المزيد من الضغوط على الإدارة الأمريكية ويزيد كُلفة قراراتها.