فريدة الزغاري الجمعة 14 أغسطس 2020 – banassa.com

تعد التربية من بين أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة، درجة أضحى تقدم هذه الأخيرة مرهون بمدى اهتمامها بهذه الشق وإهمالها إياه. كما أن للتربية دور فعّال في وضوح الرؤية وفي إدراك المرء لدوره داخل هذا العالم. غير أن نمط التربية غير ثابت يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، بالتالي لا يمكننا أن نتحدث على نمط واحد وموحّد؛ فقد نجد من يركز على التربية العقلية، في مقابل نجد من يعطي الأولوية للتربية البدنية، ونجد في الضفة الأخرى من لا يستثني في تربيته كلا الجانبين، وهكذا.
سنقوم بعرض إشكالية التربية في كتاب الجمهورية؛ نظرًا لما يملكه الموضوع من أهمية، وكيف أعطى أفلاطون الأولوية لهذا الشق في تأسيس مدينته الفاضلة، وذلك من خلال عرضه لنمط تربية الحرّاس من طفولتهم إلى أن يشيخوا ويصبح واحد منهم مؤهل لتولي الحكم.
فما هي أسس التربية عند أفلاطون؟ كيف تمكّننا التربية لدى أفلاطون من كشف معدن كل مواطن؟ كيف تعرّفنا التربية على مهارات كل مواطن على حدى بالتالي تعيينه في مكانه المناسب؟ كيف تتمظهر لنا علاقة التربية بالفلسفة لدى أفلاطون؟

1- تربية حراس المدينة.
شدد أفلاطون على ضرورة تحديد طبيعة الغناء والنغم المسموح به، وغير المسموح في المدينة الفاضلة؛ بحيث جعل في الصنف الأول الانغام التي تحاكي رجلاً شجاعًا خاض معمعة أو انغمر في عمل عنيف، ثم غلب على امره، وسار وهو مثخن بالجراح مهدد بالموت أو لحق به أي مكروه، وكان في كل هذه المحن يتلقى ضربات القدر بقلب ثابت وعزم لا يلين، وأنغام أخرى تحاكي رجلاً منهمكًا في عمل سلمي حر خلا من العنف، يستعين على قضاء حاجته بالصلاة والابتهال إلى الله، أو يقنع الناس بالمعرفة والنصيحة، أو العكس من ذلك، ينتصح بآراء الناس أو توسلاتهم أو تعاليمهم ويبلغ أغراضه بالحكمة فلا يركبه الغرور لنجاحه، وإنما يتصرّف في كل الأمور بحكمة واعتدال. ويكيّف نفسه تبعًا للظروف، هاتان الطريقتان في التعلم، وهما اللتان تمثل احداهما الضرورة والأخرى الحرية، وتعبران خير تعبير عن الشجاعة في تحمل الشقاء، أولاها افلاطون أهمية كبيرة في تكوين الحراس؛ فحتى الأنغام على هذا الأساس ينبغي أن تكون ملائمة لحياة الاعتدال والشجاعة. أما بخصوص الآلات فشدد أفلاطون على استبعاد كلّ الآلات الموسيقية ما عدا القيثارة والعود للجنود والحكام، أما المزمار فهو للرعاة.
دعا أفلاطون في المقابل إلى فرض الرقابة على الشعراء، الذين يعتمدون على الأساطير في تصوير عالم حالك يعجّ بالصراع والأكاذيب؛ إذ يرفض وبشدة في هذا الصدد القصص التي مفادها أن الآلهة تشنّ حربًا فيما بينها، وبأنها تنصب الفخاخ لبعضها البعض فهذه القصص لا يجب أن تقال لحراس المستقبل كي لا ينظروا إلى مقاتلة بعضهم البعض على أنه أمر مباح جاري به العمل. بل يجب استحضار القصص البطولية التي تجعلهم ينشؤون على الشجاعة التي تجنّبهم رهبة الموت. وفرض أيضًا الرقابة على الفنانين، بمنعهم من محاكاة الرذيلة والتهور والوضاعة والخشونة سواء في تصوير الكائنات الحية، وفي العمارة، أوفي كل ضروب الصور، ويرجع ذلك للدور الفعًال الذي يلعبه الشق الفني في زرع السموم التي تملأ نفوس الحراس تدريجيُا بقدر كبير من الفساد.
بعد التربية بالموسيقى قال أفلاطون بضرورة تربية النشء تربية رياضية، نظرًا إلى أنه لابد من ممارسة الرياضة البدنية بعناية منذ الطفولة وفيما يلي ذلك من مراحل العمر، لأن الجسم مهما قوى بنيانه، لا يستطيع أن يجعل النفس خيّرة، بينما النفس الخيّرة فتستطيع، بقواها الكامنة، أن تضفي على الجسم كل ما فيها من كمال، يُحظر على الحراس شرب الخمر حتى الثمالة؛ فالحارس هو أبعد الناس أن يشرب حتى ينتشي ولا يعود يعلم أين هو، لأنه من المضحك أن يكون الحارس في حاجة إلى من يحرسه. أما بالنسبة للغذاء يجب أن يتماشى ونظامهم الرياضي، يُجنبهم الخمول، ويُبعد عنهم الامراض؛ وذلك بألا يتناولوا السمك، ولا لحمًا مسلوقًا، وإنما لحمًا مشويًا، أما بخصوص التوابل فهتف سقراط قائلاً: يجب عليهم الامتناع عن هذه التوافه، وحتى الأطعمة المنوّعة المعقّدة التي عرف بها أهل صقلية، يجب على الحراس تجنّبها. سينتج لنا حسب أفلاطون باتباع الحرّاس لهذا النمط الرياضي حرّاس أصحّاء لا تتأثر صحتهم بالتقلّبات مهما تغيّر مشربهم ومأكلهم، سواءً تعرّضوا للشمس المحرقة أو للبرد القارس. بالتالي سيستغني ذوي الدرجة الرفيعة في الدولة إلى الأطباء والقضاة المهرة.
حذّر أفلاطون في المقابل من الاهتمام بجانب دون آخر؛ فمن يكرّسون أنفسهم للرياضة البدنية دون العناية بالموسيقى يصبحون -قساة وغلظاء- فالصفة التي تنشأ عن العنصر الغضبي في طبيعة الإنسان، هو بنفس قدر العنصر الذي ينتج عنه في حالة التربية الصالحة الشجاعة، أما الذين يهتمون بالموسيقى فقط فسيكونون ضعاف الشخصية في نظره. بالتالي: فهذان العنصران لا بد أن ينسجما في التربية حتى تصير النفس معقولة وشجاعة، أما تنافرهما فسيولّد لا محاله حسب أفلاطون الجبن والقسوة.

2- الحاكم الفيلسوف
يستهل أفلاطون حديثة عن اختيار الحاكم للمدينة، بأنه يجب على خير الحراس الشيوخ أن يحكموا المدينة، وعلى الشباب أن يطيعوا. لأنهم هم أصلح الناس للمحافظة على الدولة وأشدهم إخلاصًا، لما يتوفرون عليه من حماسة للقيام طوال حياتهم بما يرونه نافعًا لها، ويأبون أن يفعلوا بأي ثمن ما يتعارض والصالح العام. وكي ندرك أجدر الحراس، يشير إلى أنه لا بد من تتبعهم في مختلف أعمارهم، ونختبرهم بأن نجعلهم يقومون بالأعمال التي تعرضهم لنسيان مبدأ إثار ما هو أنفع للدولة، مما يؤدي بهم للخطأ، كي ننتقي منهم المتمسّك بالمبدأ ومن يصعب إغراؤه.
يرى سقراط أنه لا ضيْر كي يقتنع جميع المواطنين بأحقية فئة في الحكم دون أخرى، القول بما يسميه بالكذبة الصالحة؛ لقدرتها على حفظ السلام والاستقرار بين جميع المواطنين، ولمنع من ليس هم أهل للحكم والحراسة في السعي إلى نيل هذا المنصب؛ بحيث سيحاول الحاكم، إقناع الجنود اولاً ثم بقية المواطنين، إن كل تعليم وتهذيب تلقوه، ويستشعرون آثاره ويحسون بها في أنفسهم، ليس إلا حلمًا. وانهم في الواقع لم يربوا ويعلموا إلا في باطن الأرض، هم وكلّ أسلحتهم وعتادهم، وأن أمهم هي الأرض بعدما صاغتهم وكوّنتهم، قد بعثت بهم إلى النور، وأن عليهم الآن أن ينظروا إلى الأرض التي يسكنونها وكأنها أمهم ومربيتهم، وان يذودوا عنها إن هاجمها أحد، ويعدّوا بقية المواطنين إخوة خرجوا من بطن الأرض نفسها. ثم يستكمل القصة بمحاولة تبيان على الرغم من الاختلافات فيظلّون جميعهم إخوة، غير أن الله فطرهم بمزج أولئك الذين يستطيعون الحكم منهم بالذهب، ثم مزج تركيب الحراس بالفضة، وتركيب الفلاّحين والصناع بالحديد والنحاس. أما إذا حدثت طفرة داخل هذه الطبقات، وظهر أبناء منحلّين من أبناء الحراس وجب ضمهم إلى الفئة التي ينتمون إليها، ورفع الأطفال الموهوبين للطبقات الأخرى إلى مرتبة الحراس، وذلك كي يعوّد الحكام بقية المواطنين على أداء ما يصلحون له من المهام، بحيث يكون لكل منهم عمل واحد يتقنونه ويركزون عليه، بدل من أن ينقسم إلى عدّة أشخاص، وتظل الدولة من هذا المنطلق متحدة ومتماسكة.
إن التربية الصالحة لو أنارت نفوس مواطني المدينة ستمكنهم من أن يحلّوا بسهولة كل المشاكل التي يمكن أن تظهر في الدولة، ومن بينها مشكل النساء والأطفال؛ الذين قال أفلاطون بشيوعهم بين الحراس؛ إذ ستمكن التربية الحسنة الحراس من تهذيب أخلاقهم وينظروا إلى فوائد كل المواطنين لا أن يحاولوا أن يكسبوا الخير لذواتهم فقط.
يمتاز الفلاسفة عن باقي مثقفي المدينة بكونهم لا تستهويهم الأصوات العذبة والألوان البديعة والأشكال الجميلة وكل ما يتمثّل في الجمال في صوره الظاهرة، بل يهتم الفيلسوف بالتغلغل في عمق الشيء، وتأمل الجميل في ذاته؛ فمن يؤمن بوجود الجمال، دون إدراك الجميل في ذاته، هو مجرّد إنسان حالم، يبني معارفه على الظن، مما يُفقده ميزة تمييز بين الصالح والطالح للمدينة، في حين يسلّم الفيلسوف بوجود الجمال في ذاته، ويسعى جاهدًا ليتذوّق الجمال في ماهيته، وكذلك الأشياء التي تشارك فيه دون أن يخلط بين هذه الأشياء. ووفقًا من هذه المنطلقات يستحق تفكير الفيلسوف أن يسمى بالمعرفة، في حين لا يتجاوز فكر الغير مرحلة الظن، التي تتمركز بين المعرفة والجهل.
وبما أن الفلاسفة يتأملون الخير في ماهيته، لن يسمحوا للشر بأن يتسلل إلى المدينة، بل اكتشافه لتلك الماهية ستمكنه من إدراك الكون والفساد، ولن يتنازل أبدًا عن فضائل العدل والخير والشجاعة التي تقوم عليها الدولة، فهو سيسعى طول حياته إلى الحقيقة ويرتاح في العيش في كنف الفضائل، وما دون ذلك يسرق منه راحته، الأمر الذي يجعلنا نرى الفيلسوف يسعى دومًا إلى إدراك تلك اللذة العقلية، متجاوزًا اللذات الحسية -من شهوات واطماع- التي يمكن أن تعرقل مساره في بلوغ الحقيقة وفي الحفاظ على الدولة.
لا يستطيع من كان بطبيعته جبانًا أن يصير فيلسوفًا، ولا أن يُسهم في الفلسفة؛ إذ أن الفلسفة يُبدع فيها حسب أفلاطون من كان معتدلاً مترفّعًا عن الجشع وعن الوضاعة والغرور والجبن، لذلك فهو لن يكون ظالمًا ويحاول بكلل أن يسود العدل والسلام في مدينته، عكس النفس التي تفتقر إلى التهذيب وإلى الرقّة تتجه بطبيعتها إلى العنف ولا تعرف من الاعتدال إلا الاسم، بالتالي إذا تولّى الصنف الأخير من المواطنين الحكم سيقودون لا محاله إلى شيوع الفساد داخل الدولة بالتالي هلاكها.

نخلص من خلال هذا العرض الكرونولوجي لنظرية أفلاطون في التربية، أنه لم يكن له ذلك النزوع الأعمى كما يشاع عنه نحو تحقيق حلم مثالي مستحيل التحقق؛ بحيث تتبدى لنا رغبة أفلاطون الجامعة في الارتقاء بأثينا بعدما أنهكتها الحروب (انتصار اسبارطا الساحق عليها)؛ ففي كتابه الجمهورية يتمظهر لنا بجلاء اهتمامه الشديد بموضوع التربية، ناظرًا إلى هذا العنصر أنه العامل الأساس في النهوض بأثينا من جديد وتأسيس دولة متماسكة. والمثير للاهتمام أن أفلاطون ركّز على وضع منهج تربوي صارم. شدد فيه على ضرورة حماية الأطفال من عادات الكبار السيئة، حتى لا تفسد أخلاق السيئة للكبار تربية الأطفال؛ فبدون تربية صالحة تهذيبية منذ الصغر لن يتحقق المواطن الصالح. يظهر من هذا المنطلق بأن صلاح السياسة رهين بصلاح تربية السياسي حسب أفلاطون؛ فكلا المجالين يمثلان منهجًا عمليًا لتطبيق المفاهيم النظرية في الشؤون الإنسانية داخل النظام الاجتماعي؛ فهل صلاح السياسي كافٍ لصلاح الدولة؟

اضغط على الصورة