أصبحت الإنترنت بيئة خصبة للنصب والاحتيال والتسول الإلكتروني، بطلب المال واستجداء عاطفة مستخدمي مواقع التواصل بطريقة إلكترونية، بدلا من الطرق التقليدية، من قِبل أشخاص مجهولي الهوية والمكان والمكانة، وتتصف هذه الطريقة بقلة الجهد المبذول، وسرعة الطلب. وبفعل قرارات الحظر بسبب فيروس كورونا وتداعيات الوباء على كل القطاعات الاقتصادية بالخصوص، باتت شبكة الإنترنت وجهة مفضلة للاستجداء، وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي، مع انقطاع التواصل المباشر، إلى منصة كبيرة ونشِطة لجمع التبرعات والصدقات بواسطة “التسول الإلكتروني”.

وقع كثير من المواطنين في فخ الاستغلال والخداع، عبر مئات الرسائل والمنشورات التي يجري تناقلها يومياً في وسائل التواصل الاجتماعي، يطلب أصحابها مساعدة مالية تحت ذرائع مختلفة مستغلين عواطف الناس، مثل طلب مساعدة مالية لمريض سرطان، أو مساعدة عائلة دون مأوى، أو تأمين ثمن أدوية، وغيرها من الأساليب. وانتشرت ظاهرة التسول الإلكتروني مع تطور استخدام الوسائل التقنية، وزيادة أعداد مستخدمي مواقع التواصل، وصار المتسولون يبتكرون طرقا جديدة، بحسابات وهمية وأرقام هواتف مزيفة للوصول إلى أكبر عدد من الأشخاص.

وكان مركز القرار للدراسات الإعلامية في المملكة السعودية قد أصدر دراسة حديثة تتناول التسول الإلكتروني على منصة تويتر، وأثره على الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي في حياة المجتمعات والأفراد، بهدف الكشف عن الخصائص العامة للظاهرة والتعرّف على أساليب وأدوات المتسولين على المنصة.

وكانت فترة الدراسة ما بين 16-20 مارس من العام الحالي 2021، بعدد تغريدات وصل إلى 5392 تغريدة، خضعت 100 منها للتحليل. وبحسب الدراسة، تُشَكِّل ظاهرة التسول الإلكتروني واحدة من أبرز الظواهر خطرًا على المجتمع، ولها آثار على الأمن النفسي والاجتماعي، كما تُستخدم كطريقة لاستغلال عاطفة الآخرين والإيقاع بهم في الفخّ.

ومن أبرز أساليب الخداع التي تنتهجها الحسابات المحتالة: تبنّي خطاب عاطفي يركز على الاهتمامات الإنسانية لدى المواطنين، والاعتماد على أساليب النشر الإعلامي المكثف والإلحاح في طلب المساعدة، ومحاولة استمالة المواطنين عبر الاستعطاف المصحوب بآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية.

وأكّدت دراسات حديثة عدة حقائق أهمها أنه لا يُمكن الجزم بأن جميع الحسابات تتبع سلوكا احتياليا، لكن هناك مؤشرات تدل على أن غالبيتها تنتهج طريقة احتيالية.

وتطورت طرق التسول في جائحة كورونا، ومع “التسول الإلكتروني” يتفق أغلب المتتبعين أنه قل عدد المتسولين في الشوارع، وابتعدوا عن أعين السلطات التي تلاحقهم، واختبؤوا خلف شاشات هواتفهم ليمارسوا مهنتهم بكل ذكاء وحرفية، متسلحين تارة بتقارير طبية مزورة، وأخرى بفواتير ومطالبات مالية متراكمة.

ومن خلال الحديث مع بعض الحقوقيين والجمعيات الخيرية، دعوا أفراد المجتمع إلى ضرورة التعاون مع الجهات المختصة، وضرورة الإبلاغ عن المتسولين وأماكن تواجدهم وعدم إعطائهم المال؛ لأن ذلك يشجعهم على الاستمرار في ممارسة التسول، منوهين إلى خطر التسول الإلكتروني عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، من خلال استقبال رسائل استعطاف تتضمن روايات مفبركة، حيث ينبغي للجميع التسلح بالوعي والقيام بتجاهلها وعدم الانسياق وراءها أو تصديقها.

وأمام هذا الوضع المتفاقم، يدعو خبراء وحقوقيون السلطات المسؤولة، إلى اتخاذ إجراءات قانونية لمحاربة ظاهرة التسوّل عبر وسائط التواصل الاجتماعي، كونها باتت بصورة البلد وتحرم الكثير من ذوي الحاجة من المساعدات، فإن كانت الفئات الهشة اجتماعياً واقتصادياً تستوجب الاحتواء والتكفل لأنّ الظروف دفعتها للحاجة، فإن تكاثر المحتالين لا مبرر له، يقول أهل الاختصاص.

التحول الرقمي يُسهِّل التسول

وفقاً لصحيفة “بوسطن غلوب” الأميركية، دشن شخص يدعى كارين بوسناك التسول الإلكتروني عام 2002 بعبارة “كل ما أحتاجه هو دولار واحد فقط”، ومنذ ذلك الوقت أصبحت “ظاهرة عالمية”، إذ يلجأ كثيرون ممن يمتهنون هذا النوع من التسول إلى المؤثرين والمشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر مناشداتهم وعرض حاجتهم، بل إنهم يزودونهم برقم الدفع الإلكتروني الخاص بهم، وخلال ساعات فقط تنهال عليهم تبرعات “أهل الخير”، ما يحدث سوء تقدير بين “التسول الإلكتروني” و”المبادرات الإلكترونية”، ويدفع بعض المتبرعين إلى الإحجام عن تقديم الدعم والعون للفقراء الحقيقيين.

ومن روايات مواقع التواصل الاجتماعي، ضبط شخص بحساب وهمي عبر “إنستغرام” منتحلاً إحدى الشخصيات الشهيرة، يطلب مبلغاً لمساعدة أسر فقيرة، كما تم ضبط متسول مُسنٍّ يدّعي الحاجة وأن أولاده تركوه، ليتضح أنه يمتلك بيوتاً وسيارات، ويتخفى بروايات ملفقة لاستعطاف الناس عبر مواقع التواصل. كما ضُبط شخص بعد شكاوى عبر “واتساب”، يقوم باستغلال الخيّرين وإرسال رسائل بأنه مريض ويحتاج إلى عملية جراحية غالية الثمن.

رجل عربي ضُبط في فيسبوك يطلب مبلغاً، مدعياً أنه لا يتمكن من السفر بسبب وقف التنقل جراء الأزمة الصحية، ويطلب المساعدة من أجل السفر ورؤية أولاده. وتم القبض على آسيوي استغل وصفات طبية تزعم بأنه مصاب بالسرطان، ويطلب التبرع من أجل العلاج، وتحويل المبلغ إلى إحدى شركات الصرافة. وبعد القبض عليه يتبين أن هذه الأوراق مزورة.

يقول المحامي عبد الحفيط: “مع التطور التكنولوجي، لجأ أكثر المحتالين إلى التسول الإلكتروني عبر وسائل التواصل المختلفة للاستعطاف وسلب الأموال بطرق احتيالية.. وللحدّ من هذه المشكلة المطلوب عدم التساهل معهم، وإبلاغ الجهات المختصة عن أماكنهم، وتشديد العقوبات عليهم، للحد من الظاهرة السلبية.. ويزداد الأمر تعقيدا إذا تحولت هذه الظاهرة من عمل فردي إلى جماعي عابر للحدود، بِاستقطاب ممتَهِني التسول لخلق عصابات لجمع الأموال، قد تُستخدم لتمويل جماعات تشكل خطرا على المجتمع، سرعان ما يختفون عند طلب المزيد من المعلومات الحقيقية عنهم، والمطلوب تنظيم وتأطير هذه الظاهرة قانونيا، مع وجوب تجريم التسول الإلكتروني، وتشديد الرقابة والعقوبة على مواقع التواصل من قِبل الجهات المختصة.

  

“الواجب تقنين جمع الأموال عبر وسائط التواصل الاجتماعي”

يعتبر الشيخ لعرابي حمزة، إمام مسجد ابن تيمية ببوسعادة، أن ظاهرة التسول قديمة قِدم الزمن، وتطورت طرقها ووسائلها مع الوقت، حتى أصبحنا نشهد ما اصطُلح على تسميته “التسول الإلكتروني” على وسائط التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال نشر تلك النداءات عبر فيسبوك لجمع المال بغرض إعانة مريض أو صاحب حاجة أيا كانت طبيعتها.. وهي ظاهرة سلبية في مجملها، فهي تسول وطمع وابتزاز أكثر منها حقيقة.

وقدر الشيخ وجود نسبة لا تزيد عن 20% من المنشورات المتعلقة بطلب الإعانات، وهو ما فتح أبواب التسول على مصراعيه أمام كل من هب ودب لجمع الأموال بأسهل الطرق. وقال “أنا أومن بحقيقة أننا إذا أنفقنا على الفقراء جعلنا منهم متسولين”، أي إذا أغدقنا على الفقير من الأموال والمساعدات، وجعلنا ذلك سنة له في حياته، اعتبر ذلك حقا مكتسبا، فإذا أوقفته طالب به “وتسوله” دون أن يبحث عن مصدر رزق آخر أو منصب عمل يحفظ ماء وجهه.

ويضيف الشيخ أن التسول أجازه الشرع من أجل لقمة عيش أو ستر عورة، وخلاف ذلك فهو من العبث الذي يتحول إلى احتيال وابتزاز.

وفيما يخص جمع الأموال عبر وسائط التواصل الاجتماعي لأجل علاج مريض بالخارج أو داخل الوطن، ثم قُدر للمريض أن تُوُفي قبل العلاج أو أثناءه، فالشرع يقضي بإعادة الأموال أو ما تبقى منها لصاحبها إذا كان متبرعا أو محسنا معروفا، أما إذا تعدد المتبرعون فيجب رصد الأموال في صندوق جمعية خيرية مشهود لها بالصلاح والأمانة، وليس كما يحدث عندنا، أما أن يحتفظ أهل المريض بالأموال لشراء بعض الكماليات كالسيارات مثلا فهذا غير جائز، لأنها استُغلت في غير ما رصدت له.

وطالب الشيخ لعرابي حمزة بسد باب التسول عبر وسائط التواصل الاجتماعي، إلا لشخص معلوم الحال والمكان بعد التحقق والتحري والتبين، ووجب ترشيد جمع الأموال من طرف جمعيات مشهود لها بالصدق والأمانة، “وأقترح تدخل وزارة الشؤون الدينية من أجل تأطير وتقنين عملية جمع الأموال، والمصالح الخارجية للوزارة تملك القدرة على ذلك، من خلال مجلس سبل الخيرات الذي يضمن متابعة جمع الأموال وإعادة ما تبقى منها، من خلال وثائق محاسبية ومحاضر مصادق عليها، حتى لا تكون فوضى في جمع الأموال والتلاعب بالصدقات والإعانات الموجهة للمرضى وذوي الحاجة.

وختم الشيخ حديثه بالقول إن المجتمع الجزائري عاطفي بطبعه ويحب مساعدة الآخرين، لكن هذه العاطفة تم استغلالها بطريقه للنصب والاحتيال والتسول، فأصبح بعض الأشخاص يقومون بنشر طلبات مساعدة على صفحات فيسبوك أو أي وسيلة تواصل إلكتروني لطلب مساعدة مادية بطريقة احترافية، ولقطع الطريق أمام هؤلاء لا بد من نشر الوعي بين المواطنين حتى لا يقعوا ضحية لمثل هؤلاء المحتالين الذين يستخدمون طريقة التسول الفيسبوكية حتى يستجدوا الأموال بطرق غير قانونية.

“أغلب طلبات المساعدة في الفضاء الأزرق تحايل.. ونحن لا نثق فيها”

من جهته أكد ممثل جمعية “كافل” الخيرية ببوسعادة كمال عاشور أنه يرفض التعامل مع الأسماء المستعارة أو عبر أية وسيلة اتصال أخرى غير الاتصال الشخصي: “هناك جمعيات ركبت الموجة، ومن المستحيل أن نتعامل مع الأسماء المستعارة أو عن بعد..”، كما أن المساعدات التي تقدمها الجمعية ليست للإشهار.

وأضاف الناشط الجمعوي أن “جائحة كورونا تحولت إلى حجة لكل من هب ودب لجمع الأموال والمساعدات بكل الوسائل المتاحة، ومنها الفيسبوك.. إن جمعيتنا تملك سجلات وحسابات وتتكفل بأرامل ويتامى معروفين لديها”.وعن كيفية التسجيل، يضيف “تتقدم الأرملة إلى مكتب الجمعية ونطلب منها تكوين ملف، وبعد تكوين الملف تخرج لجنة المعاينة للتأكد من المعلومات التي أعطتها الأرملة وحالة المسكن وظروف معيشتها، وهل هي فعلا تستحق الإعانة أم لا. كما تتكفل الجمعية، بالإضافة إلى ذلك، بدروس الدعم، التحاليل الطبية، العمليات، النظارات الطبية، الأشعة، إعانات مالية شهرية، كل هذا بعيدا عن الواقع الافتراضي، بل يكون بالمعاينة والحضور الشخصي”.

وعن بعض الجمعيات التي وُجدت حديثا ولا يعرفها الناس إلا عبر فايسبوك، أضاف “هناك جمعيات شيعة.. جمعيات بالاسم فقط، ومن الجمعيات من يحب أصحابها الظهور في المناسبات فقط أمام المسؤولين المحليين”، واعتبر محدثنا أن أغلب طلبات المساعدة عبر وسائط التواصل الاجتماعي مبنية على التحايل، وخاصة الأسماء المستعارة، وعلى جميع من يقدمون المساعدات التحري والتأكد من هوية طالب المساعدة ووضعيته الاجتماعية وهويته قبل أي عمل، مؤكدا: “أنا لا أثق في أكثر النداءات التي تنشر عبر الفايسبوك، فهي نوع من التسول الافتراضي، وعلى السلطات مراقبته ووضع أطر قانونية للتعامل مع هذه الظاهرة الجديدة”.

“التسوُّل الرقمي أثر سلبا على عملية التكافل والتضامن المجتمعي”

تُعتبر ظاهرة التسول عن طريق الإنترنت، المعروفة عالميا تحت مسمى Internet Begging، إحدى مخلفات التطور الهائل في استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال في الحياة اليومية للمجتمعات، والذي مس مختلف ممارسات الأفراد بشتى شرائحهم: نساء، رجال وحتى أطفال.

وتعود نشأة الظاهرة في البداية إلى تقديم مزودي خدمات الإنترنت للأشخاص المتواجدين في صعوبات مالية صفحات إنترنت تمكنهم من نشر إعلاناتهم المتعلقة بحاجتهم للدعم المادي الناتج عن وضعيتهم الاقتصادية المتردية، والتي يكون مصدرها في الغالب تراكم مصاريف العلاج، أو تسديد الفواتير الاستهلاكية نتيجة التوقف عن العمل مثلا.. بعد ذلك تطور الأمر مع دخول المنظمات الخيرية وغير الربحية على الخط، من خلال إنشاء مواقع متخصصة في جمع التبرعات من أجل القيام بمهمات إنسانية معينة. وطبعا تقوم هذه المؤسسات بتوضيح أهدافها واستراتيجياتها ومسيريها وحساباتها، وكل ما من شأنه أن يساهم في إعطاء الشفافية لعملها وكسب ثقة الجمهور المستهدف.

وعلى هامش هذا الوضع، ظهرت ممارسات فردية وغير مؤسسية قامت بترحيل عمليات النصب التي تتم في الواقع الملموس إلى احتيال افتراضي تجري وقائعه في الفضاء الرقمي، وذلك بالاعتماد على النموذجَين السابقين، أي كأشخاص طبيعيين يطلبون المساعدة أو منظمات خيرية تجمع الأموال لقضية نبيلة.

وفي هذا الإطار، يمكن للأمر أن يأخذ أبعادا خطيرة، مثل أن يتلقى الفرد بريدا إلكترونيا من شخص يعرفه يخبره بأنه عالق في الخارج ويريد دعما ماليا، وهنا يمكن الانخداع بسهولة بالنظر إلى كون المتصل من معارف الشخص الضحية، وهذه الممارسة يشتهر بها النصابون في دول الساحل الإفريقي.

الآن مع انتشار فيروس كورونا ووقوع الكثير من الأشخاص في صعوبات مالية نتيجة أسباب متعددة، يلجأ البعض منهم إلى التسول عبر الإنترنت، وإن كان جزء منهم صادقا، فإن نسبة كبيرة منه تندرج ضمن النصب الإلكتروني، ولهذا يمكن التأكيد بأن هذه الممارسة الاجتماعية لها نفس أبعاد الاحتيال الواقعي وتداعياته، مع فارق في الوسائل المستخدمة، وهي التكنولوجيا الرقمية التي استفاد منها هؤلاء الفاعلون في التمويه والتنكر بهدف إخفاء هوياتهم. وبالتالي فإن الأمر يمكن أن يتم اعتباره ماسا بالنظام العام من جهة، وإشكالا مجتمعيا من جهة أخرى، ويتطلب الأمر تضافر الجهود لإيجاد الآليات التي تسمح بابتكار حلول ملائمة له، تحد من انتشاره وتحمي المجتمع من سلبياته.

السلطات العمومية يمكنها أن تعمل عن طريق التطبيقات المتخصصة والمنظومة الاتصالية المتعلقة بالإنترنت وتوطين المواقع وعناوين إرسال التدفق، وغيرها.. قصد التأكد من عمليات طلب المساعدة.

من جهتها، المجتمع المدني والمنظمات الخيرية مطالبة بتأطير عمليات طلب المساعدة المالية التي يمكن أن تمر عن طريقهم، كي يقطعوا الطريق على المحتالين ويعطوا الثقة الضرورية للأشخاص الراغبين في تقديم يد العون للغير.

في نهاية الأمر، تبقى ظاهرة التسول الرقمي مسألة اجتماعية بحتة بغطاء إلكتروني ساهم في تفاقمها وانتشارها وإلحاق الضرر بالكثير من الأفراد في المجتمع، نتيجة غزوها من طرف المحتالين الذين أثروا في عملية التكافل والتضامن المجتمعية، وجعلوا من عملية المساعدة ومد يد العون عملية محفوفة بالمخاطر، وهذا ما دفع الكثير من المجتمعات إلى التحرك من أجل القضاء على ظاهرة النصب الإلكتروني، كما هو الشأن مع كانتون جنيف في سويسرا الذي سن قانونا عام 2008 يمنع العملية برمتها.

  

“التسول الإلكتروني من أبرز الأمراض الاجتماعية”

التسول عموما، سواء التقليدي أو الإلكتروني، يعتبر واحدا من أبرز الأمراض الاجتماعية التي وضعها علماء الاجتماع في مصاف الظاهرة الاجتماعية، والتسول الإلكتروني ما هو إلا النسخة الإلكترونية للتسول التقليدي المعروف في الشوارع وأمام المساجد والأسواق والتجمعات الكبيرة في مناسبات معينة، وذلك باستغلال الإنترنت وخاصة الوسائط الاتصالية كالفايسبوك الأكثر تداولا في المجتمع.

ويرجع انتشار التسول الإلكتروني إلى عاملين مهمين: أولهما أن التسول في حد ذاته ظاهرة اجتماعية يجرّمها القانون والدين والضمير الإنساني، وبالتالي تصنف من الظواهر العاطفية من حيث الاستغلال. والعامل الثاني لانتشار الظاهرة هو التطور التكنولوجي، إذ أصبحت الإنترنت والهواتف الذكية لدى الجميع، بما تتيحه لمحترفي التسوّل من ميزة طمس الهوية، ما يمكنهم من الاحتيال على ضحاياهم بسهولة، كما يجنب النوع الآخر من المتسولين الخزي والعار، لدرجة صار البعض يتبنى إطلاق نداءات مستعجلة للمتسولين ويروّج لها عن حسن نية دون معرفة بطالب المساعدة أو تأكد من حالته.. والأمثلة على ذلك عديدة: كالحصالات في المحلات ونداءات العمليات الجراحية في الخارج، مستغلين طبيعة المجتمع الجزائري المعروف بالتضامن والتعاطف وقوة روابط اللحمة الوطنية المتينة التي لا تنفك مواقف التآزر الاجتماعي والإنساني تعزّزها وتزيدها قوة وصلابة، لكن ما يضر هذه الصفات الحميدة ويؤثر سلبا في المواقف الإنسانية هو المبالغة في التعامل العاطفي مع بعض الحالات، وهي في الحقيقة نصب واحتيال وفخ باستغلال العواطف.

يمكن القول إن ظاهرة التسوّل التي أخذت تتطور بشكل مقلق وأصبحت مهنة من لا مهنة له تدر أموالا طائلة على بعض الأشخاص الذين يحترفونها كتجارة سهلة ومربحة، وتزدهر ظاهرة التسول سواء الإلكتروني أو التقليدي وقت الأزمات خصوصا الاقتصادية، الفقر، البطالة.. وهي ظاهرة قديمة تُطور آلياتها بتطور المجتمع، وتنتشر بداعي الحاجة، وحتى بعدم الحاجة، أي كمهنة مربحة يمارسها المحتالون باستغلال عواطف الأفراد؛ وللحد من التسول الإلكتروني وجب التوعية من جهة، وتفعيل القوانين الردعية الخاصة بالجريمة الإلكترونية من جهة أخرى.