إن القاعدة القانونية تتضمن تنظيما معينا لشأن من شؤون الحياة، وهي تتضمن كذلك عنصر الإجبار الذي يجعل لها قوة ملزمة، ولذا فإن لكل قاعدة من القواعد القانونية مصدر مادي تستمد منه مادتها، ومصدر رسمي تستمد منه قوتها في الإلزام.

والمصادر المادية متعددة فقد يقصد بها العوامل المختلفة التي اقتضت وضع القاعدة القانونية، سواء كانت هذه العوامل طبيعية، أو سياسية أو اجتماعية، أو دينية أو ما مرت به الجماعة من ظروف مختلفة وقد يقصد بالمصادر المادية كذلك الأصل التاريخي الذي استمد منه القانون.

أما المصادر الرسمية فهي المصادر التي يستمد منها القانون قوته الملزمة، وتصبح به واجبه التطبيق. لذا فهي الطريق التي تنفذ منه القاعدة إلى دائرة القانون المطبق، وتكتسب منه صفة الإلزام.

 والمصادر الرسمية للقانون متعددة ومتنوعة وتختلف بإختلاف المجتمعات والعصور، ولكن هناك من بين تلك المصادر ما هو عام ومشترك بين جميع الشرائع ووجد في معظم العصور وهو –العرف والتشريع- أما بالنسبة للمصادر الأخرى غير المصدرين السابقين كالدين والفقه والقضاء، فإنها كمصادر رسمية تختلف بإختلاف البلاد والعصور.

ومن الدول ما يجعل التشريع –كمصدر من مصادر القانون- في المرتبة الأولى كحال الغالبية الكبرى من الدول في الوقت الحاضر. ومنها ما يجعل السوابق القضائية في المقام الأول عوضا عن التشريع كحال الدول الأنجلوسكسونية.

التشريع كمصدر رسمي أصلي:

يحتل التشريع مركز الصدارة في أغلب دول العالم، كأول مصدر من المصادر الرسمية للقاعدة القانونية بإعتباره أكثر أهمية من باقي مصادر القانون، وسيكون التشريع هو موضوع هذا المقال ويقتضي ذلك التطرق أولا لعرض : تعريف التشريع وبيان خصائصه وميزاته وعيوبه، وثانيا توضيح عناصر التشريع ويكون الختام بأنواع التشريع ثالثا.

تعريف التشريع:

التشريع كمصدر من مصادر القانون هو وضع قاعدة قانونية في نصوص تنظيم العلاقات بين الأشخاص في المجتمع بواسطة السلطة المختصة.

وهذا يعني أن التشريع يضع قاعدة قانونية مجردة تحكم سلوك الأفراد، ولهذا  فإنه يلزم أن تتوافر له كل صفات القاعدة القانونية.

وقد يراد بلفظ التشريع معنى اخر، اذ قد يراد به القاعدة القانونية أو مجموعة القواعد القانونية في تنظم أمر محدد من الأمور، فيقال مثلا تشريع الضرائب، أو التشريع العمالي.

وتفيد كلمه التشريع معنيين اولهما: قيام سلطة عامة مختصة في الدولة بوضع القواعد القانونية في صورة مكتوبة واعطائها قوه الإلزام. والتشريع بهذا المعنى هو ما يعتبر مصدرا رسميا للقانون.

وثانيهما النص الذي يصدر من السلطة العامة المختصة بسنه في الدولة افي شكل قاعدة قانونية صيغ نصها صياغة فنية والتشريع بهذا المعنى يفيد ما يفيده القانون بمعناه الخاص.

ويتضح من ذلك ان التشريع بمعناه الاول يعني عمليه سن النص التي يخرج بها مضمونه الى حيز الوجود والالزام، وبمعناه الثاني يعني النص في حد ذاته الذي يعتبر صورة من صور القانون.

أما بالنسبة لخصائص التشريع:

فيتميز التشريع بالخصائص الاتية:

١- قيام سلطة عامة مختصة بوضعه.

٢- اشتماله على قاعدة تتوافر فيها جميع خصائص القاعدة القانونية من عمومية وتجريد وإلزام وتنظيم سلوك الأشخاص في المجتمع.

٣- صب مضمون القاعدة التي يحتنضها التشريع في صيغة مكتوبة.

أما بالنسبة لمكانة التشريع بين مصادر القانون الأخرى:

فإن التشريع هو المواكب للأنشطة الكثيرة المتشعبة للدول الحديثة، حيث تعقدت الروابط الإجتماعية بين الأفراد بصورة أصبحت تتطلب الكثير من القواعد التي تحكمها، وبما أنه كان العرف هو السائد قبل التشريع فإن العرف يعد حاليا مصدر بطئ لا يكفي لمواكبة التطور السريع في الحياة الإجتماعية، وعليه فكان من اللازم الإلتجاء إلى مصدر سريع يمكن من تنظيم الروابط تنظيما دقيقا، وهذا المصدر هو التشريع.

وكذلك فإن ما أدى إلى احتلال التشريع المكانة الأولى بين المصادر الأخرى في الوقت الحاضر هو أن السلطة قد أصبحت مركزة في يد الدولة، وقد ساعد في تطور ذلك فترة نمو الإتجاهات الإشتراكية التي تؤدي إلى تدخل الدولة في شئون الأفراد لتنظيمها والإشراف عليها، وبكون سبيل تدخل الدولة عن طريق التشريع.

وبما أن  التشريع هو المصدر الأصلي بالنسبة للمصادر الأخرى فمعنى ذلك أنه يتعين على القاضي أن يلجأ أولا لحل ما يعرض أمامه من نزاعات طبقا للتشريع. فإذا ما وجد حكما لهذا النزاع امتنع عليه أن يلجأ للمصادر الأخرى.

فالقاضي لا يلجأ للمصادر الأخرى إلا إذا لم يجد نصا في المصدر الأصلي وهو التشريع.

مزايا التشريع: 

إلى جانب ما سبق ذكره من مكانة التشريع بين المصادر الأخرى ولكن واقع الحال أن مكانة التشريع مُستمدة مما له من مزايا عديدة مثل:

١- وضوحه: أن التشريع يرد مسطورا أي يدون كتابة، فيصاغ مضمون القاعدة القانونية صياغة محكمة يقوم بها أناس متخصصون، ويكتب بلغة بعيدة عن التعقيد وسليمة من الإبهام وهذه العوامل تضفي عليه الدقة والتحديد في المضمون والوضوح في المعنى.

٢- سريانه على إقليم الدوله برمته: ومن مزايا التشريع كذلك تحقيق وحدة القانون في الدولة، لأنه يطبق كقاعدة عامة بالنسبة للجميع حتى على القضاه أنفسهم. وهذا بخلاف العرف.

٣- سرعة سنه وتعديله: والتشريع كذلك مصدر سريع للقانون يستغرق عمله وقتا قصيرا، وبالتالي بمكنه أن يستجيب بسرعة لضرورات المجتمع من حيث انشاء قواعد جديدة أو تعديل قوائم قائمة. وهو في هذا يتميز عن العرف أيضا.

٤- اثره الهام في تطور المجتمع: ذلك لأن وضعهمن قبل سلـطة مختصة وسرعة سنة وإسهام الإرداة العاقلة الواعية في تكوينه عوامل تجعله منه أداة هامة لإصلاح المجتمع والأخذ بيده في طريق التطور السريع.

عيوب التشريع: 

هناك عدة عيوب للتشريع نجملها بالآتي:

١- بما أن التشريع يصدر عن سلطة عليا مختصة فقد يتحول في بعض الأحيان إلى وسيلة تحكمية في يدها تجعله يخدم مصالحها الخاصة (الشخصية ) على حساب المصالح العامة، وهذا غير ملائم لظروف المجتمع، كما أنه قد يصدر كذلك أحيانًا تحت ضغوط سياسية.

٢- اتصاف التشريع بالجمود، ذلك أنه يعتمد على عملية التقنين، وكذلك سهولة تعدّيله التي تخل باستقرار المعاملات، وكذلك هناك صعوبة تواجه الأفراد في الاطلاع على كل القوانين مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالقانون.

٣- عيب على التشريع أيضا أنه قد يتخلف عن مسايره التطور في المجتمع، بخلاف العرف الذي لا تنشئه سلطة مختصة وإنما ينشأ في حاجات المجتمع طبقًا لحاجتها، ويتفق مع رغبتها وضروراتها.

عناصر التشريع:

وتنقسم عناصر التشريع إلى ثلاثة عناصر وهم كالتالي:

أولا: العنصر الموضوعي: يجب أن يكون موضوع التشريع قاعدة قانونية، أي أنه يسعى لتنظيم سلوك الأفراد، فالقواعد القانونية هي قواعد تقويمية، تكليفية وهي عامة ومجردة وملزمة.

وهذه الخصائص تُميز القاعدة القانونية بإعتبارها العنصر الموضوعي في التشريع.

ثانيا: العنصر الشكلي: يصدر التشريع في صورة مكتوبة، مما يسمح لنا بتمييزه عن العرف باعتباره أهم مصدر رسمي للقاعدة القانونية، ويجب تفادي الخلط بين تدوين أو كتابة الأعراف في بعض الحالات أو في بعض البلدان، واحترام شكل الكتابة بالنسبة للتشريع، والمقصود بشكل الكتابة هو المعنى الواسع الذي يتضمن الإجراءات والشكليات الواجب أن تتبعها السلطة المختصة لإصدار التشريع.

ثالثا: العنصر العضوي: يصدر التشريع عن السلطة المختصة بوضعه، أي تلك التي يخول لها الدستور صلاحيه وضع التشريع، وهذه السلطة من حيث مبدأ الفصل بين السلطات هي السلطة التشريعية، وبما أن السلطة التشريعية هي التي تتولى وضع التشريع والقوانين، فهي تجسد إرادة الشعب باعتباره مصدر السلطة.

أنواع التشريع وطرق وضعه: 

توجد ثلاثة أنواع من التشريع تتدرج أهميتها حسب الترتيب التالي:

١- التشريع الأساسي وهو الدستور.

٢- التشريع العادي الذي تضعه السلطة التشريعية.

٣- التشريع الفرعي أو اللوائح وتقوم بوضعه السلطة التنفيذية.

وهذه الأنواع الثلاثة تتدرج في القوة حيث ينبغي ألا يخالف التشريع العادي الدستور ويجب أن تكون اللائحة موافقة لأحكام التشريع العادي ومن باب أولى الدستور.

أولا: الدستور أو التشريع الأساسي:

الدستور Constitution هو التشريع الأساسي الذي يتولي تنظيم السلطات في الدولة واختصاصات كل منها، وعلاقتها بالأفراد، وتحديد شكل الحكم في الدولة.

وهناك أربعة طرق لسن الدساتير بصفة عامة:

١- أن يصدر الدستور في صورة منحة من الحاكم (الملك أو صاحب السلطان في الدولة).

٢- أن يصدر الدستور في صورة عقد بين الحاكم وممصلي الشعب.

٣- أن يصدر الدستور عن طريق هيئة تأسيسية منتخبة من الشعب خصيصًا لهذا الغرض.

٤- أو أن يصدر الدستور عن طريق أن يسنه الشعب مباشرة عن طريق الإستفتاء حيث تضع السلطة التنفيذية مشروع الدستور، ثم تعرضه على الشعب للموافقة عليه.

ويحتل الدستور قيمة البناء القانوني في الدولة، فهو يعلو على جميع قوانينها، وتخضع له كل سلطاتها، ولا يجوز لأي قاعدة مخالفة أحكامه.

ثانيا: التشريع العادي:

التشريع العادي هو التشريع الذي تسنه السلطة التشريعية في حدود اختصاصها المبين في الدستور وطبقًا للإجرات المنصوص عليها فيه.

والأصل أن سن التشريع يكون من اختصاصات السلطة التشريعية، إلا أن الدستور أعطى لرئيس الجمهورية الحق في سنه في حالات معينة.

ويتم سن التشريع العادي على أربعة مراحل عن طريق السلطة التشريعية:

١- اقتراح التشريع: ويتم عن طريق إعداد مشروعات قواعد قانونية وتقدميها للسلطة التشريعية لمناقشتها وإقرارها. ويستطيع رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء أو أحد أعضاء المجلس أ، يقترح التشريع.

٢- مناقشة وإقرار مشروع القانون: حيث تتم مناقشة مشروع القانون من اللجنة البرلمانية، ويتم طرح المشروع على المجلس لمناقشته والتصويت عليه مادة مادة، ثم يؤخذ الرأي على المشروع ككل.

٣- عدم اعتراض رئيس الجمهورية: حيث يحال مشروع القانون إلى رئيس الجمهورية، حيث أن الدستور أعطاه الحق في الإعتراض على ما يسنه المجلس من قوانين.

٤- إصدار التشريع: الإصدار هو عمل يقصد به تسجيل الوجود القانوني للتشريع، فهو بمثابة شهادة ميلاد التشريع وتكون مُسندًا لتنفيذه.

أما بالنسبة للحالات الإستثنائيةالتي نصها الدستور وبموجبها يمكن للسلطة التنفيذية متمثلة في رئيس الجمهورية أن يصدر التشريعات وهم حالتين:

أولًا: تشريع الضرورة: وفي هذه الحالة يمكن لرئيس الجمهورية أن يصدر التشريعات ولكن بالشروط الأتية:

– أن يكون ذلك في غياب السلطة التشريعية المتثلة في البرلمان، أي أن يكون البرلمان غير منعقد.

– وقوع أحداث ضرورية تُوجب سن قوانين بشكل عاجل لمواجتها.

– يجب أن تكون التشريعات التي يسنها رئيس الجمهورية غير مخالفة للدستور.

ثانيا: تشريع التفويض: حيث يجوز في هذه الحالة أن يصدر التشريع العادي من رئيس الجمهورية في بعض الموضوعات التي تفوضه فيها السلطة التشريعية ولكن بالشروط الأتية:

– يجب أن تكون هناك أحوال استثنائية تبرر التفويض التشريعي وتستوجب السرية أن السرعة مثل: اصدار القانون الخاص بميزانية الحرب، والتشريع الخاص بفرض بعض الرسوم والضرائب أو تعديلها.

– يجب أن يقتصر التفويض على موضوعات معينة فلا يجوز أن يضدر التفويض بصفة عامة، ولا يستطيع رئيس الجمهورية أن يخرج على تلك الموضوعات.

– يجب أن يكون التفويض مؤقت ومحدد بمدة معينة.

– يجب ألا يكون تشريع التفويض مخالفًا للدستور.

ثالثا: التشريع الفرعي (اللوائح): وتقوم السلطة التنفيذية بإصدار التشريع الفرعي بمقتضى الإختصاص المخول لها في الدستور. وهو اختصاص أصلي تمارسه السلطة التنفيذية بصفة دائمة وفي الظروف العادية، على عكس تشريعات الضرورة، وتلك اللوائح لا تستند على قانون تعمل على تنفيذه أي انها مستقلة وتصدرها السلطة التنفيذية استقلالًا عن أي قانون معين بالذات.

 وتنقسم أنواع اللوائح إلى ثلاثة أنواع:

١- اللوائح التنفيذية: وتصدر لتنظيم وتفصيل التشريع العادي ووضعه في موضع التنفيذ، حيث تصدر السلطة التشريعية الأسس والقواعد العامة، وتكون التفاصيل وضمان تنفيذ هذا التشريع على عاتق السلطة التنفيذية ن طريق اللوائح.

٢- اللوائح التنظيمية: وتضدر لتنظيم وترتيب سير المرافق والمصالح العامة، وتضع السلطة التنفيذية هذه اللوائح لأنها هي التي تتولى إدراة المرافق والمصالح العامة، ويكون الغرض من هذه اللوائح هو ترتيب وتنسيق سير العمل في المصالح والإدارات الجكومية المختلفة.

٣- لوائح الضبط أو البوليس: وترمي إلى المحافطة على الأمن والهدوء والصحة العامة، وتصدرها السلطة التنفيذية للمحافظة على الأمن والسكينة والنظام وحماية الصحة العامة ومن أمثلتها: لوائح المرور، ولوائح مراقبة الأغذية، …إلخ.

نهاية فإن للتشريع مزايا عديدة كعموميته على الدولة ككل وسرعة تغيره ومواكبته للعصر والتطور، وعلى الرغم من المثالب المأخوذة على التشريع إلا أنه يعد المصدر الرسمي الأهم للقاعدة القانونية في العصر الحالي، وفي نسبة كبيرة جدا من الدول بعيد عن الدول الأنجلوسكسونية.

المصادر والمراجع:

د. محمد حسين منصور، المدخل إلى القانون القاعدة القانونية، منشورات الحلمي الحقوقية الطبعة الأولى 2010.

د. توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية، موجز النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق، مؤسسة الثقافة الجامعية.

المعهد الوطني للإدارة العامة، برنامج القانون، المدخل إلى علم القانون.

د. عبدالباقي البكري وزهير البشير، المدخل لدراسة القانون، المكتبة القانونية، بغداد.

المساهمون في إعداد هذا المقال: