ظهر مصطلح “الأمن الوطني”[1]، مع بداية ظهور الدولة القومية في أوروبا في العصر الحديث، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، اللذين يعتبران بداية لعصري أعمال العقل، والنهضة الحضارية الحديثة في أوروبا. ويعتبر هذا المصطلح، من المصطلحات السياسية الحديثة نسبياً، التي لم يكتمل نمو مفاهيمها، وتأكيد عناصرها، وإثبات قوانينها، فما زالت تتغير ويضاف لها تعريفات وعناصر، ويتسع مفهومها أو يضيق، بظهور حالات جديدة. إضافة إلى أن الأكاديميين، ما زالوا مختلفين فيما بينهم، على كثير من أسس ومبادئ هذا المصطلح، بل وحتى تعريف مفهومه.

وكان أول ظهور للمصطلح في تلك الآونة، يفهم منه الحرص على أمن الجماعة والمقاطعة (الوحدة السياسية الأساسية في أوروبا في هذا العصر).

ويرى المحللون السياسيون وخبراء الإستراتيجية، أن الظروف التي مرت بها أوروبا في الفترة السابقة على الثورة الفرنسية وفي أعقابها، بما اشتملت عليه من تمزق للمناطق الأوروبية، والحروب الكثيرة، التي خاضتها القارة في نهاية عصورها الوسطى وبداية عصرها الحديث، هي أساس فرض المفهوم الأمني، وارتباطه بالظروف الجغرافية.

أدت الظواهر الجغرافية للقارة الأوروبية ـ وتنحصر في ضيق المساحة، وكثرة وتنوع التضاريس الفاصلة ـ إلى عدم وجود مفهوم للقومية والوطن لدى الأوروبيون. وساد مفهوم الولاء للمقاطعة ـ حيث كانت النظم الإقطاعية تسود معظم المناطق الأوروبية وتكتسب شعوراً قوياً بالانتماء لها، فاق مفهوم الدولة القومية والمواطنة في تلك الآونة ـ كما تفاعل هذا المفهوم، أيضاً، مع سيادة نفوذ الكنيسة، والنظام المتعلق بالمهن الحرة. وكلاهما ساعد على خلق مفهوم اجتماعي، يسعى لحرية التنقل في أرجاء القارة. أدى التداخل مؤخراً في عناصر الأماكن؛ من موقع وحدود، وطبيعة أرض، ومجتمع ذي انتماء متقارب ولغة خاصة، إلى ظهور الإحساس الوطني للدولة، الذي تغلب عليه الشعور القاري (الأوروبية).

وكانت المشكلة الأمنية الأوروبية معقدة. فقومياتها متعددة، والحدود السياسية لمقاطعاتها، في تحولها إلى دول ودويلات، لا تتفق مع حدودها الجغرافية (الطبيعية)، التي لا تتفق، كذلك، مع حدودها الديموغرافية (مناطق انتشار السكان من أصل عرقي واحد). وعلى الرغم من ذلك، فهي ذات وحدة دينية واحدة، يسيطر عليها النفوذ الكنسي القوي؛ ونظام عمل واحد للمهن الحرة، يهيئ حرية الانتقال بين المقاطعات والدول للعمل بسهولة.

تصارعت الكنيسة مع أمراء الإقطاعيات على النفوذ. وأبرز الصراع الديني/ الطبقي مفهـوم الوطنية القومية. وأعاق الانتشار الديمواغرافي (غير المتوافق سياسياً أو جغرافياً) التطور السياسي. وأحدث الاختلاف بين الحدود الطبيعية، والحدود القومية، توتراً وقلقاً لدى الزعماء والقادة. وهو اختلاف يقلل من القدرة على حماية الدولة الناشئة. فكثرت الحروب التوسعية، حتى تشمل الحدود السياسية كلاً من الحد الطبيعي الجغرافي، والحد الديموغرافي، وهو أمر يصعب تحقيقه في كثير من الأحيان، ليتسع نطاق الحروب وتكثر، وتطول فتراتها وتتعدد أطرافها. فازدادت، تبعاً لذلك، الحاجة إلى الأمن في القارة الأوروبية، خاصة مع السمات الهمجية التي صاحبت تلك الحروب. فقد خرج المتحاربون عمداً على تقاليد المجتمعات المتحضرة، وارتدوا للعصور الهمجية[2].

أدى التناقض بين المكونات الجغرافية للمكان، إلى زيادة الحاجة لضمان ما يشبع حاجات المجتمعات الوطنية الناشئة. فقد كانت الموارد الطبيعية، والمناخ وطبيعة الأرض، التي تكون العناصر الجغرافية للمكان، أضعف من أن تفي بمتطلبات الكثافة السكانية العالية به. فأضيف ضيق المكان إلى نقص الإمكانات. وهو ما يعني أن الطبيعة الجغرافية للدولة، أصبحت دافعاً لأن يكون للدولة آمال وطنية تسعى لتحقيقها، التماساً لزيادة قدراتها. ويخلق ذلك شعوراً بانعدام الأمن لدى الحكومات، لعدم قدرة الحدود الجغرافية الطبيعية الوفاء بمتطلبات السكان، أو ضمان حد مناسب من القدرات تمكن الدولة من الدفاع عن حدودها السياسية (الحدود الوطنية).

أوجد الشعور بالقلق، إحساساً بضرورة حماية الدولة لمجتمعها الوطني، عن طريق التوسع الحدودي، لضم المناطق التي تمكّنها من إيجاد التوازن، بين جغرافية المكان ومطالب سكانه الحيوية. وأصبح مفهوم الأمن الوطني يعني ضرورة التوسع في الإقليم، في مناطق غير مأهولة، لحيوية السيطرة عليها لصالح الكيان الوطني، وحفظاً له من المخاطر[3]. وقد أدى هذا المفهوم، لإثارة العديد من مشكلات الأمن الوطني، في المناطق الحدودية في أوروبا، التي تقطنها شعوب أصلها من دول مجاورة، مثل منطقة التيرول الإيطالية، التي يقطنها سكان من أصول ألمانية، وإقليم الباسك الأسباني ذو الأصول الفرنسية، ومنطقة دانزيج الألمانية البولندية (وهي من أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية) ومنطقتي ألزاس واللورين المتأرجحة بين فرنسا وألمانيا.

استُخدم مصطلح الأمن الوطني بشكل رسمي، في نهاية الحرب العالمية الثانية (عام 1947)، عندما أنشأ الأمريكيون هيئة رسمية، سميت “مجلس الأمن الوطني الأمريكي” والذي أنيط به، بحث كل الأمور والأحداث، التي تمس كيان الأمة الأمريكية، وتهدد أمنها. وقد وضع ذلك الاهتمام بالمسائل الأمنية، الخطوة الأولى لاهتمام السياسيين من صانعي القرار السياسي بالأمن الوطني، باعتباره ظاهرة سياسية تحليلية، يتحقق من خلالها، ما يسعون إليه، أي يفسرون من خلالها، تلك الأعمال التي يرون ضرورة القيام بها، وإن كانت غير عادلة.

ارتبط الاهتمام بصياغة المفاهيم الأمنية، بالحروب، نتيجة لتصاعد حدة الصراعات، والمواجهة المباشرة، بين القوى المتنافسة في منطقة واحدة ـ وقد زادت معدلات الصراعات في أعقاب الحرب العالمية الثانية ـ وهو ما يعطي انطباعاً بتأثير النظم العالمية والإقليمية، في معطيات الأمن الوطني ومحدداته. وقد اهتمت الحقبة الأولى ـ التي استمرت من نهاية العقد الخامس (1947)، إلى نهاية العقد السادس من القرن العشرين ـ بالدراسات البحثية، في محاولة الكشف عن إمكانية تحقيق التوازن لمتطلبات الأمن الوطني، والتي تحددها المجالس المتخصصة (مثل مجلس الأمن الوطني الأمريكي)[4].

بدأت الحقبة الثانية، لدراسة وتعميق مفاهيم الأمن القومي، في نهاية الخمسينيات (العقد السادس)، واستمرت لمنتصف الستينيات من القرن العشرين (العقد السابع)، متزامنة مع ازدياد حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، ومطالب الاستقلال من التبعية للدول الكبرى. وعاصر ذلك، ازدياد تورط الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب، بين شطريّ فيتنام، وما انعكس على مقوماتها الأمنية، نتيجة لفشلها العسكري والسياسي، في جنوب شرق آسيا.

كان لتداعيات حرب أكتوبر 1973، خاصة الاقتصادية، فضل تطوير مفاهيم الأمن الوطني، في العالم العربي. فقد استخدم العرب صادراتهم النفطية كوسيلة ضغط على المجتمع الغربي المؤيد لإسرائيل دائماً، مما غير من نظرة الغرب لأمنه الوطني، ليشمل تأمين الموارد الحيوية لشعوبه. وهى الحقبة الثالثة، التي عاشها التطور التاريخي للأمن الوطني حتى منتصف الثمانينيات.

وبتصاعد تنافس قطبيّ النظام العالمي، في مجالات البرامج النووية، وبرامج الفضاء، وحرب الكواكب، بدأت الحقبة الرابعة من مفاهيم الأمن الوطني، التي شملت، أيضاً، ارتفاع معدلات التوتر في دول العالم الثالث، ونظريات الحرب بالوكالة[5].

اعتباراً من نهاية الثمانينيات، وعلى إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفككه، ثم انهيار الكتلـة السياسية المؤيدة له (الكتلة الشرقية)، وحلف وارسو، الذي كان يضم دول أوروبا الشرقية، بدأت حقبه جديدة (الحقبة الخامسة) التي سادها نظام عالمي جديد، وشعور بالفوضى العالمية، والقطبية المنفردة للولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت الأطراف المختلفة، في دراسة وتطبيق مبادئ جديدة للأمن الوطني، من خلال مصالحها الذاتية. فاتجهت القوى الكبرى إلى التنظيمات الدولية، لإضفاء قوه وفاعلية لدورها في النظام الجديد، بينما تحاول القوى الإقليمية اختبار مدى صلابة النظام الجديـد، وما هي محاور الاقتراب المسموح بها في إطاره، لتحقيق مفاهيمها الخاصة بالأمن الوطني. وبدا أن المنظمات الإقليمية[6] أقل تفهماً وقدرة على التحرك، في الإطار الجديد، فتجمد نشاطها؛ بينما سارعت التنظيمات والتجمعات دون الإقليمية[7] لاستكشاف المتغيرات الجديدة[8].

  1. الإطار الجيوبوليتيكي للأمن الوطني

أدى ظهور نظريات الجيوبوليتيك Geo-Politic وتطورها[9]، إلى اهتمام السياسيين بمدلولاتها، وربطها بالأمن الوطني. وكان اهتمام السياسيين بطبيعة تلك النظريات، لأنها ترى ضرورة سيطرة قوة عالمية، على مناطق ذات مواصفات جغرافية محددة، لتكون هي القوى الأعظم في العالم. ويحدد هذا المنظور سلوك النظام العالمي، مُفَصْلاً على الأمن الوطني لتلك المناطق، التي ترى فيها القوة العالمية أهميتها، للصعود إلى مصاف القوى العظمى. وقد أدى ذلك إلى العديد من الصراعات، في المناطق التي سميت بأقاليم الارتطام الجيوبوليتيكي، والتي تتغير حدودها، بتغير وسياسيات الدول الكبرى ومفاهيمها، لأمنها الوطني الخاص[10]، وهبوط قوى قديمة وصعود أخرى جديدة، مثلما ما حدث عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وكانت أشهر نظريات الجيوبوليتيك، هي الخمس نظريات الآتية:

أ. نظرية تفوق القوى البرية

صاحب هذه النظرية، هو العالم هالفورد ماكيندر Halford Makinder الجغرافي البريطاني الشهير[11]. وقد حدد فيها، أنّ السيادة في المستقبل للقوى البرية. فالعالم عبارة عن القارات الثلاث القديمة (آسيا ـ أوروبا ـ أفريقيا) الملتحمة معاً، ويجمعهم البحر المتوسط، وهي “جزيرة العالم”، ومحور ارتكازها “قلب الأرض”، الممتد من حوض نهر الفولجا إلى سيبيريا شرقاً، وإلى قلب إيران جنوباً، يحيط بها هلال داخلي، ذو طبيعة ديناميكية، يشمل وسط أوروبا (ألمانيا والنمسا)، وشبه الجزيرة التركية، وجنوب إيران، إلى الهند والصين، وهو منطقة بينيه (برية جزئيا وبحرية جزئيا)، والتحامها مع قلب الأرض يعنى السيادة على العالم، وهلال خارجي لقوى مناوئه (القوى البحرية)، تشمل بريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، وجنوب أفريقيا وأستراليا واليابان. ويعتبر ماكيندر، السيطرة على شرق أوروبا، يعني السيطرة على قلب العالم الذي بالسيطرة عليه تتم السيطرة على جزيرة العالم، ومن يتحكم فيها يسود العالم[12]. وقد عدل ماكيندر من فرضيات نظريته، بعد الحرب العالمية الثانية، لتتوافق مع المطالب الأمنية، التي فرضتها نتائج الحرب، حيث رأى أن الاتحاد السوفيتي يزداد قوة عسكرياً، وكذلك تتقدم الولايات المتحدة، وأن على دول أوروبا الغربية الارتباط مع الولايات المتحدة، لزيادة القدرات الاقتصادية و العسكرية، فيما سماه الحوض الأوسط (المنطقة الجيوستراتيجية الخطيرة)، كما نادى بضرورة تعاون قلب الأرض (أوراسيا أو الاتحاد السوفيتي)، مع الحوض الأوسط للقضاء على المنطقة الألمانية، ذات القوه العسكرية والعازلة بينهما[13]. (اُنظر خريطة نظرية ماكيندر)

ب. نظرية القوى البحرية

صاحب هذه النظرية، الضابط البحري الأمريكي، ألفرد ماهان Alfred Mahan [14]، وهو يحدد في نظريته القوة والسيادة للدول البحرية. وميز بين المواقع الجغرافية المتعددة الجبهات بحرياً، وأعماق المناطق الساحلية، وامتداد الإقليم البحري للدولة، وحجم سكانها، وقدراتها البحرية (امتلاكها للسفن وبناؤها)، واتجاهاتها السياسية لتقوية الأسطول، كأسس لبناء القوه البحرية، المسيطرة على شرايين النقل، لتسود العالم، وتحاصر القوى البرية[15]، موضحاً قيام إمبراطوريات عظمى، لدول صغيرة المساحة، لكونها بحرية، مثل بريطانيا وأسبانيا، وأن روسيا قوه برية، لا يمكن اقتحامها، ولكن يسهل احتواؤها. (اُنظر خريطة نظرية ماهان)

ج. نظرية النطاق الهامشي

أطلق سبيكمان Spykman[16] ـ الأستاذ الأمريكي المهتم بدراسة تأثير القوه على العلاقات الدولية ـ هذه النظرية، متأثراً بنظرية ماكيندر (قلب الأرض)، مع اختلاف في النتائج التطبيقية لها. يرى سبيكمان، أن ماكيندر أعطى تقديراً زائداً لقوه وإمكانات قلب الأرض، بينما القوه الحقيقية الهائلة تكمن في نطاق الدول المحيطة به (الهلال الداخلي)، وسماها بالنطاق الهامشي. واستدل من الصراعات التاريخية والسياسية على ذلك، حيث إن بريطانيا (قوى البحر)، كانت تتحالف مع دولة هامشيه دائماً ضد روسيا (قوى البر)، التي كانت تتحالف مع دولة هامشيه كذلك، أو أن كلا القوتين، البرية والبحرية، كانتا تتحالفان معاً ضد قوة هامشيه (الدولة العثمانية مثلاً). وأصبحت نتائج النظرية المعدلة “من يسيطر على النطاق الهامشي، المحيط بقلب الأرض، يحكم أوراسيا، ومن ثم يتحكم في مصير العالم”  (اُنظر خريطة نظرية سبيكمان)

د. نظرية القوى الجوية

اعتبر ألكسندر دى سفرسكي Alexender De Sversky ـ وهو طيار روسي سبق أن اشترك في الحرب العالمية الأولى، ثم عمل مصمماً للطائرات ـ أن الوضع الجيوبوليتيكي للعالم قد تغير، في ضوء التطور الكبير في القوات الجوية. ورسم خريطة للعالم، على أساس مسقط قطبي شمالي، محدداً المسافات والانحرافات الصحيحة لأوضاع العالم من ذلك المسقط. وأوضح وقوع النصف الغربي للعالم ـ متضمناً الولايات المتحدة الأمريكية، أحد قطبيّ العالم ـ جنوب القطب الشمالي، بينما يقع النصف الشرقي لأوراسيا وأفريقيا ـ متضمناً الاتحاد السوفيتي، القطب الأعظم الثاني ـ شمال القطب الشمالي. وبينما تصبح أمريكا اللاتينية مستودعاً، لاحتياجات الولايات المتحدة الغذائية والصناعية والتجارية ولها السيادة الجوية عليها، فإن أفريقيا جنوب الصحراء، هي منطقة سيادة الاتحاد السوفيتي جوياً. وتصبح منطقة التداخل للسيادة الجوية للقطبين ـ التي مركزها القطب الشمالي هي منطقة الصدام التي بالسيطرة عليها تتم السيطرة على العالم، وهي تشمل الأنجلو أمريكا (أمريكا الشمالية) وأوراسيا (الاتحاد السوفييتي) وأوروبا البحرية وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. (اُنظر خريطة نظرية القوى الجوية)

هـ. نظرية الفضاء الخارجي

لم تتضح بعد أبعاد استخدامات الفضاء الخارجي في النواحي الأمنية، لذا فإن نظريتها لم تستقر بعد. وقد أشار بعض المفكرين، إلى استغلال الفضاء الخارجي للحصول على السيطرة العالمية المنشودة، على نمط نظرية ماكيندر للسيطرة على قلب الأرض. وظهرت مقولة. “من يسود ويسيطر على الفضاء الخارجي، فإنه يتحكم في العالم أو يتحكم في الأرض”. وتحتاج السيطرة على الفضاء الخارجي والسيادة فيه إلى تقنية خاصة فائقة الكفاءة والقدرات، لا يستطيع أن يحصل عليها (أو يصل إليها) إلا عدد محدود للغاية من الدول، لارتفاع تكلفتها البحثية والصناعية من جانب[17]، وارتكازها على قاعدة ضخمة من العلماء والكوادر الفنية من جانب آخر. وتهدف السيطرة الفضائية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف:

  1. تأثير الإطار الجيوبولتيكي على الأمن الوطني

يتأثر الأمن الوطني بالإطار الجيوبوليتيكي تأثراً مباشراً، من خلال تأثير نظريات الجيوبوليتيك المتغيرة. ويكون هذا التأثير في عوامل عديدة تمثل مكونات هامة للأمن الوطني، مثل الموقع الجغرافي، والحدود السياسية، وشكل ومساحة الدولة، والموارد الطبيعية، حيث تمثل تلك المكونات أسباب الصراع بين القوى البرية والبحرية (القوى العظمى والكبرى في النظام العالمي). وتمثل، كذلك، مناطق الصراع المحتوي عليها (مناطق الارتطام)، خاصة الموقع والموارد الطبيعية، اللذان يشكلان السبب الرئيسي (الحقيقي) لمعظم الحروب. ويفسر ذلك الصراعات المستمرة على مدى قرون عديدة، في مناطق محدودة دائماً (وسط أوروبا ـ شرق البحر الأبيض المتوسط ـ شمال الخليج العربي)، وكلها مناطق لحضارات قديمة سابقة، (الرومان، والإغريق، الفراعنة، والفينيقيين، والحيثيين، والأشوريين، والبابليين، والفرس). وهي كذلك مناطق قوى إقليمية كبرى (وبعضها كان قوة عظمى فترة من الوقت)، مثل الإمبراطورية الرومانية (إيطاليا)، والإمبراطورية البروسية (ألمانيا)، والإمبراطورية العثمانية (تركيا)، والإمبراطورية الفارسية (إيران)، والدولة الإسلامية (المملكة العربية السعودية)، والدولة الأموية (سورية) والدولة العباسية (العراق) والدولة الأيوبية والمملوكية (مصر) والدولة الفاطمية (المغرب ومصر). ويدور الصراع وتنشب الحروب في معظمها، بين القوى العالمية الطامعة في المميزات الجيوبولتيكية للموقع، وبين القوى الإقليمية المالكة له، أو بين القوى الإقليمية، بعضها بعضاً، بتوجيه من القوى العالمية أحياناً. بينما تخضع أقاليم منطقة الارتطام دائماً، لسيطرة تلك القوى (العالمية أو الإقليمية) في أحد صور السيطرة، التي كان أقدمها الاحتلال العسكري للإقليم، أو الخضوع للنفوذ السياسي، أو التبعية الاقتصادية (الصورة الحديثة للسيطرة).

وتؤدي الصراعات، وما ينتج عنها من صور السيطرة، إلى تهديد الأمن الوطني، واستباحته في بعض الأبعاد المكونة له (أو كلها). ويكون الإطار الجيوبولتيكي للصراع، هو المحدد دائماً للاحتياجات الضرورية للآخرين، التي من أجلها، وقع الصراع.

[1] يسمىّ أيضاً في بعض الدول العربية بالأمن القومي، وترجمته بالإنجليزية National Security.

[2] يقصد بذلك نشوب الحرب فجأة، وأخذ العدو على غرة، على خلاف ما تقضي به تقاليد الفروسية، وهي حضارة القرون السابقة على عصر الحضارة الأوروبية الحديثة، وما يحدث في تلك الحروب من قتل للأسرى، والتمثيل بالمدنيين في المناطق المستولى عليها، والاستيلاء على الممتلكات، وتدمير القرى وحرقها.

[3] إساءة تفسير هذا المفهوم، أدى إلى تطبيق بالغ القسوة من جانب هتلر وحزبه النازي، بالتوسع على حساب جيرانه، في محاولة لتطبيق مفهومه الخاص بنمو الدولة في مجالها الحيوي، ولو خارج حدودها.

[4] ظهرت في هذه الحقبة أولى المقالات المكتوبة في شكل كتب، تخصصت في الأمن الوطني.

[5] نتيجة لخشية قطبيّ العالم من المواجهة النووية بينهما ـ الفزع النووي ـ التي يعرف كلاهما نتائجها مسبقاً، دفع كل منهما بحلفائه، ومؤيديه، من الدول الإقليمية، لتنفيذ سياساته في مناطق التوتر، نيابة عنه، وكثيراً ما كانت مناطق التوتر تتصاعد إلى حد الاشتباكات المسلحة. وعرفت هذه السياسة، باسم الحرب بالوكالة.

[6] مثل جامعة الدول العربية، وحركة عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

[7] مثل مجلس التعاون الخليجي، واتحاد دول المغرب العربي.

[8] أدت تلك المحاولات الاختبارية، إلى نشوب عدة حروب أهلية في كثير من دول العالم الثالث، وكذا حرب إقليمية في منطقة الخليج العربى (حرب الخليج الثانية)، حاول المشتركون فيها تطبيق مفاهيم خاصة للأمن الوطني، لتحقيق أهدافهم الذاتية.

[9] لعبت الظروف الدولية، والإٍستراتيجية العسكرية، ثم الحروب في أوروبا في بداية القرن العشرين والحرب العالمية الأولى، دوراً مهماً في ميلاد ونشأة علم الجيوبولتيك (علم سياسة الكره الأرضية) ثم تطوره في فترة ما بين الحربين الأولى والثانية. وارتبط هذا العلم بالحروب ونما في ظلها، وتولى توجيهه العسكريون. ويعد هذا العلم مزيج من الجغرافيا والسياسة، ويعتمد بصفة خاصة على الجغرافيا السياسية، ويوضح تطبيقات عملية لتحقيق الأهداف والغايات القومية للدولة، وهو ما يربطها بالأمن الوطني من هذا الجانب، لاهتمامها بالمستقبل.

[10] يتلاحظ أن منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية خاصة، كانت في قلب منطقة الارتطام الجيوبوليتيكى في كل العقود، وفي فكر معظم النظريات الجيوبوليتيكية.

[11] عالم جغرافي، بريطاني، له عدة مؤلفات ونظريات في علم الجيوبولتيك.

[12] أغفل ماكيندر منطقة الشرق الأوسط عند تحديده لنطاق الهلال الداخلي الديناميكي (منطقة الارتطام بين القوى البرية والقوى البحرية) وقد عدل العالم فان جريف هذا الوضع بتحديد جديد لمنطقة الارتطام من بحر البلطيق شمالاً إلى الشرق الأوسط فالشرق الأقصى باتصال دائم.

[13] أوراسيا، لفظ جغرافي (مصطلح) يطلق على المنطقة الروسية الأوروبية والآسيوية.

[14] ضابط بحري أمريكي، وعالم جغرافي، له نظريات في علم الجيوبوليتيك.

[15] حدد ماهان المنطقة الواقعة بين خطى عرض 30-40 درجة شمالاً، على أنها منطقة الارتطام بين القوى البرية الروسية والقوى البحرية البريطانية، وهى المنطقة التي يدخل في نطاقها الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالكامل. وأن تكنولوجياً النقل البحرى والجوى يمكنها من تغيير تلك الشريحة، والتحكم في البحار عن طريق القواعد على أطراف أوراسيا.

[16] عالم وأستاذ جغرافي، أمريكي.

[17] أدى سباق الفضاء بين القطبين العظميين إلى تدهور الاقتصاد السوفيتي وانهياره، مما أدى إلى انهيار الدولة ذاتها وتفككها عام 1990.

المصدر: http://www.moqatel.com/