قضايا سياسية

التعددية وأزمة بناء الدولة الموريتانية

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تصور حول التعددية وأزمة بناء الدولة في موريانيا، وذلك من خلال البحث في جذور الأزمة ومآلاتها. وتندرج هذه الدراسة في سياق حقل الدراسات المناطقية المعروفة في بعضالأدبيات، وتفترض بأن واقع التعددية أوقع الدولة الموريتانية في مشكلين، مشكل الهوية السياسية: هل دولة عربية ام إفريقية؟ ومشكل الهوية الاجتماعية: هل دولة الزنوج أم العرب؟ وبالتالي ترى بأن التعددية هي المسؤولة عن أزمة بناء الدولة، نظرا لخصوصية هذه التعددية. وهي كذلك تسهم في استمرار هيمنة الأحكام العسكرية، لكونها تضعف المجتمع وتقتل قواه الحية بسبب تحييد اهدافه عن المجال العام إلى ما هو شخصي وخاص، بل إن الواقع أثبت أنها وإن كانت تدافع عن قضايا محلية إلا انها مدعومة من قوى خارجية وهذا ما يزيد من خطورة انحرافها عن جادة الصواب. تخلص الدراسة إلى أن خطورة المجتمع القبلي كذلك لا تقل عن المجتمع الاثني، وذلك لما قد يتسبب فيه المجتمع القبلي من خطر لاشك انه سيكون محقق على مستقبل الدولة.

الكلمات المفتاحية:

التعددية، التعددية الاثنية، القبيلة، القبلية، أزمة، دولة

التعددية وأزمة بناء الدولة الموريتانية

تعود طبيعة إشكالية الدولة الموريتانية إلى طريقة ظهور الدولة نفسها، وليس لأسباب عارضة. ذلك أن نشأة الدولة لم تكن منسجمة مع متطلبات ظهور الدولة كما في التجربة الأوروبية حيث جاءت ثمرة لتطورات وتفاعلات سياسية من الداخل عكست واقع الجماعة السياسية وعبرت عنه بينما كانت معظم تجارب الدول الافريقية التي تعتبر موريتانيا واحدة منها على خلاف ذلك. ما جعل أغلب الدارسين للدولة الافريقية يذهبون إلى الاعتقاد بأنها مجرد، “واقعة رسمية قانونية” لا غير، “فالكل يتحدث عنها ولكن لا أحد يعرف ماهيتها.[1] هناك عوامل عدة بعضها ناتج عن مرحلة ما قبل الاستعمار، وبعضها ناتج عن سياسة الاستعمار، ومهما يكن فإن تلك الدولة نشأت على أرضية متينة من الصراعات، القبلية والاثنية. ونموذج الدولة الموريتانية من النماذج الجديرة بالاهتمام، ذلك أنها من بين الدول العربية العشرة التي تقع في الجغرافيا السياسية الافريقية وتضم أقلية زنجية، وهي دائما في دوامة صراع مع الأغلبية العربية وكثيرا ما يظهران كقوميتين منفصلتين أو كشعبين في شعب واحد، وربما دولتين في دولة واحدة.

الاشكالية :

مشكل التعددية في موريتانيا ليس حديث العهد بل يعود إلى نشأة الدولة، وهو مشكل بدأ حول هوية الدولة السياسية والاجتماعية، إلا أنه شيئا فشيا تحول إلى جبهات وحركات انفصالية، ثم إلى حركات تدعي وجود الأبارتايد في المجتمع، وقد ظلت هذه الحركات سواء المطالبة بالانفصال او بتحرير موريتانيا من حكم العرب، أو تلك التي  تسعى إلى القضاء على نظام الأبرتايد العربي تعيق الوحدة الوطنية، أي نوع من الوحدة الوطنية، وتدعم الانظمة العسكرية في الاستمرار في الحكم. هذه الدراسة تسعى لمقاربة هذه الاشكالية من خلال الاجابة على السؤال التالي:

إلى أي حد يمكن اعتبار التعددية في موريتانيا عاملا في ازمة بناء الدولة ؟ وضعف دور المجتمع في التغيير؟.

تفترض بأن التعددية أوقعت الدولة في مشكلين، مشكل الهوية السياسية: دولة عربية ام إفريقية، ومشكل الهوية الاجتماعية: بين الزنوج والعرب، وبالتالي هي المسؤولة عن جميع الأزمات التي تعيق بناء الدولة، وإن كانت في حد ذاتها صناعة محلية مفتعلة بدعم أجنبي.

 بناء على ما  تقدم ستوجه الاشكالية مجمل الاسئلة والملاحظات والفروض في دراستنا هذه، والتي سنتناولها (أولا)، من خلال تقديم لمحة عامة حول الواقع الموريتاني المعاصر، نبرز من خلالها أبرز محطات المجتمع القبلي، ثم ننتقل (ثانيا)، إلى تقديم قراءة حول أزمة الهوية الاجتماعية والسياسية، على أساس أن نباشر الحديث (ثالثا) عن تأزم النظم السياسية المتعاقبة في البلد وعلاقة ذلك بالتعددية وأزمة بناء الدولة.

المحور الأول : خصائص الواقع الموريتاني المعاصر

يمكن تناول الواقع الموريتاني المعاصر من خلال مجموعة من التعقيدات، لعل أبرزها مشكل القبيلة والمجتمع القبلي بالإضافة إلى الاثنية والمجتمع الاثني. هذين المشكلين الذين ظلا يسهمان في اذكاء روح العداء والصراع داخل المجتمع وضد الدولة، ولا يزالا يقوضا جهودها، ويشجعا على واقع التشظي والتجزئة والانشطار. هذا الواقع بعضه يعود إلى بنية مجتمع ما قبل الدولة، والبعض الآخر انتجته واقع دولة الاستقلال واكراهاتها.

أولا : القبيلة والمجتمع القبلي

سنركز هنا على صراع القبيلة والدولة، أو الدولة والمجتمع القبلي. لاعتقادنا بأن هذا الصراع كان له أثره المحوري في غموض مفهوم الدولة الموريتانية، وبالتالي هيمنة القبيلة لتكريس المجتمع القبلي الموروث. وقبل أن ندخل في موضوع المشكلات الناجمة عن هذا الغموض وظاهرة القبلية والمجتمع القبلي نشير إلى أن استخدام القبيلة هنا في هذه الدراسة سيتم بجميع خلفياتها البدائية والتقليدية، أما المجتمع القلبلي فهو الاستخدام السياسي لمجتمع اليوم.

والمتتبع لتمظهرات المجتمع الموريتاني اليوم يجد أن هناك انعكاسات للماضي غير البعيد فعمر الدولة الآن 55 سنة. لقد كان لنظام المشيخات القبلية المتأتية من بنية كل قبيلة على حدة، وكذلك نظام الإمارات في كل من “الترارزة”، “البراكنة”، “آدرار”، و”تكانت” دور محوري في رفض سلطان الدولة المركزي تاريخيا نظرا “لأن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة” كما يقول بن خلدون. وهكذا من أبرز المشكلات التي ورثتها الدولة هي صراعها مع القبيلة. فعلى صعيد الوحدة الوطنية بالمعنى المعروف في تقاليد الدول الأوربية، كان المعوق هو كيفية التوفيق بين جماعات قبلية بعضها في السلطة وبعضها الآخر إما داعما للسلطة أو معارضا لها. والنمط القبلي هو المهيمن، ذلك أن المجتمعات القبلية في معظمها لا تعترف بالتمايز بين المجال العام والمجال الخاص، أو بين مجال السياسية في الدولة ومجال القرابة في القبيلة، وفي موريتانيا كم هائل من القبائل، ويصعب تحديد ولاء الفرد هل هو للقبيلة أم للدولة، هل يتحدد بالقرابة أم بالسياسة؟.

من المؤكد أن الفرد في موريتانيا يتوفر على الأقل على ولائين، ولاء للقبيلة التي ينتمي إليها وولاء للدولة، هو مواطن فيهما معا. ومن باب تحصيل الحاصل أن تكون القبيلة ((تمنح الانسان الذي ينتمي إليها، هوية تميزه عن الآخرين، شأنها في ذلك شأن (القومية) في المجتمعات المعاصرة.[2] أو أن يكون لها دور في التكافل الاجتماعي أو في توزيع منظومة القيم أو المكانة الاجتماعية، أو أن تكون تقوم بجل ما تقوم به الدولة في الوقت الحالي، في التوظيف والتشغيل وحتى في بعض المسائل المتعلقة بأمن وسلامة أفرادها، ومن منا من يجهل اليوم قبيلة رئيس الدولة مثلا. بناء على هذا المدخل يمكن القول بأن القبيلة كانت حاضرة في الدولة وهي معوق أما تحقيق مجتمع المواطنة والدولة الوطن بثقافتها المنحازة: للحياد والمساواة. فعلى حد تعبير ابراهيم بغدادي: ((لأن طغيان القبيلة أو الشعور القبلي في دولة ما، معناه: أن الولاء للقبيلة سوف يكون قبل الولاء للدولة. وهذا ما لاحظه رياض عزيز هادي في معرض حديثه عن “المشكلات السياسية في العالم الثالث” عندما رأى بأن خضوع ((الفرد في مجتمع متخلف إلى القبيلة أو الجماعة، التي يعيش في حدودها يجعل منه شخصا ذا ولاء مزدوج في غالب الأحيان، فالولاء الأول يتجه نحو مجموعته الصغيرة والآخر يتجه نحو الوطن أو الأمة. [..] هذا يعيق الولاء للدولة القومية الجديدة بشكل واضح [..] وينفي وجود رأي عام موحد على الأقل تجاه المشاكل العامة.[3] فكرة الدولة نفسها بمزاحمتها القبيلة، بوصفها صورة مصغرة، من الناحية الاجتماعية والجغرافية وحتى على مستوى الزعامة تتحول إلى فكرة مشوهة في ذهن المواطن، ولا شك أن هذا الاشكال يطرح بقوة في الدولة الموريتانية بمجرد إلقاء نظرة بسيطة على الخريطة وتوزيع المدن والسكان الذي لا يخفي تأثره بالماضي القبلي، ويكفي أن بعض المدن الآن لا تزال تعرف بأسماء بعض القبائل والإمارات. (لأن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة. والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأن وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع عنها فيكثر الانتفاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وان كانت ذات عصبية لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة.[4] ولا شك أن هذا هو الخطر المحدق.

ثانيا : الاثنية والمجتمع الاثني

مفهوم الاثنية Ethnicity من الفاهيم التي ترجع إلى حقول معرفية متعددة مثل، الاثنولوجيا والاثنوغرافيا والبيولوجيا والانثروبولوجيا، والدراسة الأكاديمية المتخصصة لهذا المفهوم تتطلب الرجوع إلى افتراضات ومقاربات هذه الحقول. لكن هنا سيتم تناول الاثنية على ضوء افتراضات ومقاربات السياسة، نظرا لكونها سلاحا ذو حدين فهي قوة قادرة على الاسهام في بناء الدول كما هي قادرة على أن تكون مدمرة وسببا في انهيارها. وهنا يجب أن نعرف الاثنية الموريتانية، بناء على ثلاث أسس: العرق (عرب وزنوج)، اللغة (اربع لغات: العربية، البولارية، السوننكية، الولفية)، وأخيرا للون (أبيض وأسود). ومصطلح الاثنية ليس حديث النشأة فعلى الأقل يعزى إلى هيرودوت الاستخدام الأول للفظ اثنوس Ethnos، وقد استخدمه ليصف به الشعوب والأمم القديمة. وهي في بعض الأدبيات تشير إلى ((مجموعة من الناس يتكلمون بلغة واحدة ويعترفون بأصلهم الواحد ويملكون جملة من العادات ونمط حياة تحفظه وتكرسه التقاليد التي تميز هذه المجموعة عن المجموعات الأخرى المماثلة.[5] أما المجتمع الاثني فيحيل إلى واقع الاثنية في المجتمع ككل، فتصبح كل جماعة اثنية تسعى لأن تصنع مجتمعها الخاص والاهتمام بمصالحه ورفاهية أفراده على حساب بقية أفراد المجتمع. هذا الواقع يتبدى من خلال عدم تماسك المجتمع السياسي وانقسامه، كما هو الحال في موريتانيا حيث تتهم الأقلية الزنجية الأغلبية العربية الحاكمة بالاقصائية وسوء المعاملة، ما حول الدولة إلى فضاء للصراع بدل التوازن والاندماج، هذا الصراع أدى في النهاية إلى اتهام الدولة في مقرراتها بالانحياز وعدم الحياد.

إن أخطر مشكلة واجهت الدولة الموريتانية هي المجتمع الاثني، فقد ظلت الاثنية معوق أمام الوحدة الوطنية وعملية بناء الدولة. وهي سمة بارزة في أغلب الدول الإفريقية، فلا تكاد توجد دولة تخلو من الصراع بين مكونين أو أكثر، والحروب الأهلية والانقلابات العسكرية دليل على ذلك. وإذا كانت ظاهرة المجتمع القبلي سابقة على وجود الدولة ولكنها ظلت موجودة وتعايشت معها بشكل أو بآخر، فإن ظاهرة المجتمع الاثني لاحقة على الوجود الفعلي للدولة، ويمكن القول بأنها جاءت نتيجة لها. حيث تعود جذور المشكل إلى العام 1959 أي قبل الاستقلال بعام عندما انعقد أول مؤتمر وطني لمناقشة اقتراح أن تحمل البلاد بعد الاستقلال اسم “الجمهورية العربية الموريتانية”، ولكن بعض المتطرفين من الزنوج (مجموعة التكارير) رفضوا كلمة عربية، فأصبح الاسم “الجمهورية الاسلامية الموريتانية”. وهنا يجب أن نشير إلى عمق الحساسية التي يبديها المتطرفون من ((الزنوج)) ضد العرب، فمشكلتهم ليست مشكلة مطالب اجتماعية او سياسية وإنما هي مشكل صراع على السلطة بل صراع على الدولة تتجاوز المطالب الثقافية والاجتماعية والسياسية المعهودة للأقليات تغذيها قوى محلية وأخرى خارجية. وأحداث العام 1966 بعد اتخاذ النظام السياسي الموريتاني قرارا يقضي بتعريب التعليم، وعلى الرغم من أن السكان عربا وزنوج يعتنقون دينا واحدا هو دين الاسلام وهو دين الدولة والشعب وأن العرب هم الأغلبية العددية وكذلك “ارتباط العروبة بالاسلام وعدم وجود تناقض بين العقيدة الاسلامية، والانتماء إلى العروبة، باعتبار أن العرب هم مادة الاسلام” إلا أن ردت فعل الزنوج أدت إلى المواجهة التي لا تزال ماثلة في الذاكرة الوطنية،[6] ونحن هنا نستشهد بانقلاب تشرين الأول/ أكتوبر 1987 الفاشل، الذي كان يهدف، اضافة إلى تصفية رئيس الدولة معاوية ولد الطايع الجسدية ومعاونيه ورموز حكمه، إلى نهاية الانتماء العربي لموريتانيا وإخراجها من الجامعة العربية ومن محيطها العربي والمغاربي، وإعلان جمهورية زنجية تحمل اسم “جمهورية والو والو” ونقل العاصمة إلى جنوب البلاد، هذا الانقلاب الذي اثبتت التحقيقات تورط عدد كبير في تنفيذه “(بحدود 50 ضابطا)، بينهم عدد من الضباط في مواقع متقدمة في أجهزة الدولة، ويفترض أن يكونوا محل ثقة، فمثلا، كان من بين الانقلابيين الزنوج، كل من السي بوبكر، نائب رئيس الديوان العسكري لرئيس الجمهورية، وعلي نكايدي، قائد الحرس الجمهوري، وسيدوبا، القائد السابق للقاعدة العسكرية البحرية للعاصمة انواكشوط، ومن بين الانقلابيين ايضا آمدو بابلي، وزير داخلية سابق، وجبريل وجيوب، مدير أمن سابق وغيرهم”[7] وهذا ما يفند الأطروحة التي تقوم عليها حجج الجماعات الزنجية المتطرفة التي ترى بحرمان الزنوج وبالتضييق عليهم وعدم اشراكهم في الحكم. والواقع أن هذه القوى انحرفت عن الاندماج في المجتمع، بل أصبحت ترفض المجتمع ككل، والعمل كخيار للوصول إلى أهدافها، وتحولت إلى جماعات انفصالية وعنصرية مدعومة من قوى اقليمية ودولية، هذه الجماعات نذكر منها على سبيل المثال:

1ـ الجبهة الافريقية لتحرير موريتانيا، (F.L.A.M)، وهي منظمة غير مرخصة معادية للحكم العربي في موريتانيا، أغلب اعضائها من الزنوج المتطرفين لا سيما التكارير، ذوي الثقافة الفرانكفونية. ظهرت هذه المنظمة في غمرة الدعوات العنصرية ضد الاغلبية العرب  بدعم خارجي واضح حيث تتخذ من العاصمة السنغالية مركزا لنشاطها، ومن العاصمة الفرنسية مقرا رسميا لها. وتطالب هذه الجبهة بانفصال مناطق الزنوج عن موريتانيا وإقامة دولة الزنوج على ضفتي نهر السنغال.

2ـ الجبهة الاتحادية لجنوب موريتانيا، تأسست هذه الجبهة على يد ضابط صف من قبائل الولوف عام 1979 بدعم من السنغال، وتنادي باستقلال جنوبي موريتانيا عن بقية البلاد.

3ـ حركة الحر، وهي منظمة تحرير وانعتاق الحراطين[8] التي تأسست يوم 5 آذار/ مارس 1978، والتي نص ميثاقها في دباجته على مبرر قيامها المتمثل في محاربة جميع أشكال الاضطهاد الذي يعتبر الحراطين ضحية له. ورغم أن هذه الحركة كانت محقة في خطابها إلا أن هذا الخطاب تم شحنه فيما بعد بالسياسة من إدخال مصطلح الفئة المظلومة، لأغراض التلويح الفيئوي ودوره في تشجيع العنصرية.[9]

تصف هذه الحركات العرق العربي بممارسة نظام لابرتايد العربي، والأكدى والأمر دورها في نشر العنصرية والكراهية داخل المجتمع، فبعد أن كان الصراع بين العرب والزنوج أصبح بين الأبيض بشكل عام والأسود بشكل عام.

المحور الثاني : أزمة الهوية السياسية والاجتماعية

واجهت الدولة الموريتانية واقعين اجتماعيين : صعبين للغاية، واقع عن ما قبل الدولة، وهو المجتمع العصبوي أو المجتمع القبلي، القائم على روابط القرابة والعصبية. وواقع ما بعد الدولة، وهو المجتمع الاثني أو التعددي، القائم على التمايز العرقي، واعتبار اللون هوية في المجتمع. أسباب وتداعيات هذين الواقعين سوف نناقشهما من خلال البحث في إشكالية الهوية الاجتماعية، (أولا)، و(ثانيا) البحث في اشكالية الهوية السياسية.

أولا: أزمة الهوية الاجتماعية في موريتانيا

الهوية في أحد معانيها تشير الى: “ما هو مشترك بين أبناء المجتمع الواحد. أو ما يعرف في أدبيات عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم بالضمير الجمعي أو الوعي الجماعي.[10] أما مصطلح: ” أزمة الهوية”، فقد ارتبط هذا المفهوم بالمجتمعات الموصوفة بأنها حديثه.[11]  هذه المجتمعات التي تستمد هويتها الجديدة من فضاء دولة ما بعد الاستعمار، لقد نشأت هذه المجتمعات على أرضية من الصراعات بين الثقافات الوطنية والثقافات الأجنبية، بين الذات الوطنية والسيطرة الأجنبية، بين سؤال الهوية وسؤال الوحدة الوطنية .

يقول أمارتيان: ” الحرية في اختيار هويتنا في عيون الآخرين يمكن في بعض الأحيان أن تكون محدودة جدا، وهذه النقطة ليست محل خلاف.[12] وبالتالي فالحديث عن أزمة الهوية الإجتماعية لابد أن يشمل الإطار العام والأبعاد والعوامل المؤثرة فيها.

لقد كان لمجيء الاستعمار دور هام في زرع أولى بذور أزمة الهوية الإجتماعية في موريتانيا وذلك عندما قام الاستعمار بربط المجتمع بمستعمرات غرب إفريقيا في وقت مبكر، وعندما بدت ارهاصات دولة الاستقلال، كان حتما أن تكون أزمة الهوية قد لاحت في الأفق. لقد كان من جراء ذلك بروز تياران يقسمان الدولة الوليدة، احدهما إلى الشمال حيث المطالب المغربية بضم موريتانيا والثاني إلى الجنوب حيث الارتماء في أحضان الاتحادات الإفريقية الناشئة تحت المظلة الفرنسية.[13]

بيد أن أبعاد ازدواجية الأزمة هذه،  تكمن في السياسة الاستعمارية الفرنسية الهادفة إلى طمس الهوية الموريتانية : التاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية، ويشجع على ذلك موقع موريتانيا كحلقة وصل بين إفريقيا الشمالية البيضاء وإفريقيا الجنوبية السوداء.

فعلى المستوى التاريخي وإن كان بعدا ما ضويا إلا أنه لا يمكن تجاهل التأثير المتبادل بين الاثنين. فالحاضر يحمل بصمات الماضي وخصائصه، ولا يعقل القول بهوية وليدة الحاضر مبتورة عن الماضي. وهذا ما سعت له السياسة الاستعمارية جاهدة عندما تجاهلت التاريخ الموريتاني الممتد إلى عصور ما قبل التاريخ.[14] كما تشير إلى ذلك حفريات علماء الأركلوجيا، التي دلت على وجود حضارات توالت على البلاد خاصة الحضارة “العترية” في العصر الحجري القديم. أو مع مجيء الإسلام بقدوم الفاتح عقبة بن نافع الفهري سنة 666م  حيث وجد السكانَ الأصليين هم قبائل صنهاجة، وذلك بطبيعة الحال قبل قدوم قبائل بني حسان ثم الدولة المرابطية وظهور الإمارات الحسانية التي قضى عليها الاستعمار الفرنسي. إلا أن إرادة الاستعمار كانت دائما تسعى لالغاء  مجمل هذه التفاعلات ودورها في صياغة وتشكل الهوية الاجتماعية.[15]

وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال التوزيع الجغرافي والتشكل الاجتماعي للسكان في دولة ما بعد الاستعمار الذي ترك وضع اثني معقد، وهو عدم التجانس الثقافي وإثارة مشكلة الهوية إزاء الآخرين وضعف الولاء للوطن، والهوية الجماعية،  وما نتج عن ذلك من تفشي ظاهرة العنصرية، وظاهرة الانتماءات الفرعية الضيقة، التي تعيق التقدم والبناء، ولا غرابة في مثل هذا النوع ودوره في استنهاض غرائز التكتل البشري، وتعميم نزعة كره الآخر.[16]

لقد تم وضع الخريطة السياسية الموريتانية من طرف المستعمر الفرنسي سنة 1899 في إطار اتفاقية بين فرنسا واسبانيا، بشكل عشوائي، لم يؤخذ فيه بأي اعتبار، عدا الحفاظ على المصالح الفرنسية والإبقاء على تلك المصالح، في الحاضر والمستقبل. وهكذا كان لابد أن تكون البداية من ترسيم الحدود وتقسيم المجموعات العرقية لإضعافها وتشتيتها، وبالتالي تصبح كحجر عثرة أمام تشكل أي هوية جماعية. لقد جاء التقسيم الإداري للكيان الجديد، يربط العرب بأشقائهم في كل من المغرب و الجزائر حيث قبائل: “التكنة”، و”الرقيبات”، و”تجكانت”، وفي مالي قبيلة:  “كنته”، أما قبائل: “التكرور”، و”الوولف”  الزنجية، فجاءت محاذية للسنغال،  وكذلك: “السراكولا”.[17]  ورغم أن الدين الإسلامي دين الجميع وعامل وحدة لدى الجميع.[18] كما يقول الخليل النحوي واصفا أثره في هذه المجتمعات فكان: “دستور حياة جديدة لا يتفاضل بها العربي والعجمي بعرق أو لغة أو لون وإنما بما يقر في  القلوب ويسري على الجوارح من تقوى الله”.[19]

 لم تكن هذه الارادة جديدة فعلى الأقل المصادر المتوفرة لدينا تشير إلى مقاومة العامل الثقافي خلال الحقبة الاستعمارية، حيث سعت السلطات الفرنسية إلى  فرض حصار ثقافي على المجتمع،  وذلك بمحاربة التعليم الأصيل (المحضرة)، وتعزيز التعليم النظامي المتمثل في المدرسة الفرنسية، إلا أن امتناع المجتمع عن الدخول في المدارس والمؤسسات التعليمية الجديدة في يطلق عليه محليا “المقاومة الثقافية”، دفع المستعمر إلى اختراع آليات جديدة من شانها أن تباعد بين العرب (البيض) والزنوج (السود)،  ويظهر ذلك جليا في الأدبيات الفرنسية حول تمييزها بين: “الإسلام الأبيض” و “الإسلام الأسود”. وابتداء من 1905 استطاعت السياسة الاستعمارية أن تنجح في المشكل الثقافي بإقامة مجموعة من المدارس في المنطقة الجنوبية كان أغلب تلامذتها من الزنوج. أما في الشمال فقد انتظر الفرنسيون أكثر من عشرين سنة استنفذوا خلالها كل الوسائل  المادية والمعنوية، ليتمكنوا في النهاية من افتتاح مدرسة في كل من مدينة تمبدغة 1933 وأطار 1936 وكيفه 1940، وكانت هذه المدارس تدرس باللغة العربية، أما الفرنسية فساعات تدريسها قليلة ودراستها إجبارية على جميع الطلاب. لكن بعد سبع سنوات مباشرة أصبحت للغة الفرنسية هي لغة التعليم عندما أعلن المستعمر في العام 1947 توحيد نظام التعليم في مستعمرات غرب إفريقيا بما فيها موريتانيا. بيد أن صمود نظام المحضرة أمام المدرسة، جعل التأثير الثقافي الفرنسي محدودا وإن كان نجح في طرح مشكلة اللغة إلى اليوم بين العرب المتمسكين بالعربية، وبعض الزنوج المتفرنسين الدافعين عن اللغة التي تثقفوا بها، ولقنهم إياه المستعمر حتى وإن كانت بالنسبة لهم كغيرهم من العرب، لغة أجنبية دخيلة. بهذا الصدد يقول ” لكرتوا” إن السلطة الاستعمارية زجت بموريتانيا في إفريقيا الغربية الفرنسية واتخذت مدينة سان لويس السنغالية مقرا لحكومتها، وبذلك فرضت على هذا الشعب الإنبتات عن جذوره.[20] الحضارية والثقافية والتاريخية، وبذلك تمت فبركة الهوية الموريتانية إلى اليوم التي سبق للإسلام، أن كان أساسها ومرتكزها الأول، وحيث تختفي كل الاعتبارات، العرقية والغوية.

ثانيا : أزمة الهوية السياسية في موريتانيا

إذا كانت الهوية[21] في احد معانيها هي:” وجود وماهية” كما يذهب الجابري. أو هي كما يذهب يان اسمن: “الاتصال والتواصل مع التاريخ والوعي به”، فإن العكس وفقا لذلك يؤدي لا إلى نقيض الهوية، وهو “العدم” وإنما ما يمكن أن يطلق عليه بشكل أو بآخر”أزمة الهوية” التي تفيد أحد معاني متعددة،[22] “تصدع التوازن بين مكونات مختلفة”، “فترة حاسمة أو شائكة في الوجود”، “مرحلة صعبة تمر بها مجموعة اجتماعية”. وقد ارتبط هذا المصطلح بالمجتمعات الموصوفة بأنها حديثة، أو ما بعد الكولونيالية، وظهور الدولة الوطنية، وعلى حد تعبير احد الباحثين فإنه: “لم يعد ممكنا أن نعتبر وحدة الإنتماء من باب الحاصل والمجمع عليه، ذلك أن تحديد الهوية السياسية يعد إحدى أحّد المشاكل المطروحة، فتأسيس الولاء للكيان الجديد (الدولة) يصاحبه حتما صراع وتوتر بين الأطراف المختلفة.[23]

لقد أكدت البحوث الاجتماعية والسياسية التي أنجزت خلال العقود الثلاثة الأخيرة التالية للاستقلال، حول موضوعة الدولة ما بعد الكولونيالية، على مركزية مسألة الهوية السياسة في هذه الدولة بشدة، وقد تمحورت حول ثلاثة مستويات من الولاء تتنافس وتتصارع فيما بينها.

مستوى أول ويتمثل في الولاء للدولة التي تشكل حسب القانون الدولي والتطور الكوني المحور الرئيس للولاء، ووفقا لهذا التوجه القانوني والكوني يخول للدولة : “أن تدعي لنفسها شرعية احتكار وسائل الإدارة والعنف والتسيير داخل التراب الوطني، وتعزز مشروعها في التقومُن على ذاتها واستلزام ولاء الناس لها وحدها وقبل كل شيء.

بيد ان مخاطر البلقنة أو الذوبان في وحدات أوسع، وما ينشأ عن ذلك من تعارض بين الولاء للدولة مع مستويات أخرى من الولاء، كانت محور اهتمام الدارسين للدولة في العالم الثالث وفي هذه النقطة بالذات يمكن الحديث عن المستويين : الثاني والثالث، حيث يشكل الولاء للأمة أو للمجموعات القبلية أو الاثنية عائقا كبيرا أمام التأسيس لقاعدة ولاء مجمع عليها. ومن أمثلة هذه الولاءات، الولاء مثلا، للأمة العربية أو الإفريقية أو الاسلامية، أو تلك الولاءات الموصوفة بالمحلية،[24] كما لاحظنا في التجربة الموريتانية.

على نحو ما يذهب أحد الدارسين، فقد أسفرت عملية الاستقلال في إفريقيا عن قيام (53) وحدة سياسية معترف بها إفريقيا، يمكن تصنيفها على النحو التالي:

دول تملك هوية تاريخية، وهي عشرة دول: مصر، ليبيا، المغرب، تونس، رواندا، بوروندي، إثيوبيا، ليسوتو، سوازيلاند، مدغشقر.

دول تملك هوية ثقافية وهي: الجزائر بتسوانا، الصومال.

ودول تتسم بالتعددية الإثنية والثقافية: وتضم بقية الدول الإفريقية. وهذه الدول تعاني من أزمة الاندماج خصوصا مع هيمنة جماعة على بقية الجماعات الأخرى.[25] أو مع وجود دعوات حول الهيمنة او الاقصاء السياسي والاجتماعي والثقافي.

أما على صعيد الوطن العربي فقد أسفرت عملية الاستقلال عن قيام (21) وحدة سياسية معترف بها عربيا كان آخر هذه الوحدات دولة الإمارات العربية 1971. وعلى الرغم من التنوع الذي يميز مختلف الدول[26] عربية وافريقية وافريقية عربية فإن الدين الاسلامي يشكل عنصرا مشتركا بين معظم هذه الدول ويمكن أن يخلق حسا بالهوية الجماعية، واللغة العربية لا تتعارض مع الدين بوصفها لغة القرآن يشترك فيها كل المسلمون.

إلا أن تعدد الهويات الاثنية وجدليات السياسة والاجتماع، في ظل ما بات يعرف في الدوائر العلمية بمسألة: “الدولة الهجينة أو المهجنة”، كالدولة الموريتانية تقف عائقا، في ظل واقع تتصارعه هويتان :هوية عربية حيث غالبية السكان المحليين، وهوية افريقية تدعو لها الأقلية الزنجية. وهذا الأمر يلحظ بحدة في بعض الدول العربية الأخرى، حيث لم تعد اللغة العربية كمقوم من مقومات الهوية هي السائدة في المجتمع، والمثال على ذلك دول مثل، الصومال، وجيبوتي، وجنوب السودان الخ وقد أشرنا سابقا أن مسألة اللغة طرحت وهي مطروحة دائما وبشدة في الادارة ومناهج التعليم.

عموما أزمة الهوية السياسية تعد من اخطر معوقات بناء الدولة الموريتانية وذلك على جميع الأصعدة : السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وقبل التفكير في إيجاد حلول لها، يبقى مجرد التفكير في بناء الدولة حبر على ورق.

المحور الثالث : تأزم النظم السياسية المتعاقبة

مسألة تأزم النظم السياسية الموريتانية تعود في شق منها إلى طريقة ظهور الدولة نفسها، من خلال الواقع الاجتماعي المأزوم الذي خلفته كما لا حظنا سابقا، وفي شق منها آخر إلى أزمة الصراع على السلطة، هذا الصراع الذي بدأ مع احداث انقلاب 1978، ولا تزال تداعياته في استمرار إلى اليوم. ويمكن تفصيل هذا المحور من الدراسة من خلال، (أولا) أبعاد الصراع على السلطة، و(ثانيا)، أزمة الشرعية.

      أولا : أبعاد الصراع على السلطة

الكثير من الدارسين يختزل الصراع على السلطة في مؤسسة الجيش، ويرجع ذلك بالتحديد إلى أحداث 1978، لكن من وجهة نظرنا يبدو دور الجيش تاريخي وواقعي، فهو أول من قام بالانقلابات العسكرية وهو من يحكم الآن، لكن السؤال المطروح لماذا تأبيد الحكم العسكري؟ وهل هو قدر محتوم؟ ومن المسؤول، العسكريون أم المجتمع؟. وقبل الاجابة على هذه التساؤلات لا بد من تقديم فكرة عن مسار وأبعاد الأزمة.

لا شك أن أزمة النظم السياسية الموريتانية ظهرت في وقت مبكر جدا من ميلاد الدولة الجديدة، و تبدت هذه في جملة من الصعوبات أهمها:

التحدي الكامن في الانتقال من البنى الاجتماعية التقليدية واحتوائها داخل دولة واحدة.

 تحدي الموارد الاقتصادية إبان الحصول على الاستقلال نظرا لأن البلد لم تستغل موارده بعد، إضافة إلى ضعف البنية التحتية والتي بالكاد تكون معدومة.

     ج- الحاجة إلى تأكيد وجود الدولة، وتجاوز عقبة عدم الاعتراف من طرف القوى السياسية المغربية والدول العربية.[27]

هذه الصعوبات شكلت هاجس لدى النظم السياسية المختلفة ويمكن ملاحظة ذلك من خلال محطات من تجارب هذه النظم نعرض لها ، كالتالي:

نظام الحكم المدني (1959-1978)

إبان الإعلان عن الحكم الذاتي في 28 نوفمبر 1958، تم تشكيل لجنة دستورية عهد إليها بصياغة دستور للبلاد، وتم التصويت على الدستور الجديد في 22 مارس 1958 من طرف المجلس التأسيسي وأصدره أول رئيس لمجلس الحكومة وهو المختار ولد داداه الذي تم تعيينه بادئ الأمر سنة 1958 من طرف الجمعية الإقليمية الموريتانية إبان دورتها في سان لويس. لكن الذي يهمنا هو كيف تعامل ولد داداه مع الواقع الذي وجده أمامه، للخروج  بحلول لمشكل بناء الدولة الجديدة ؟.

لعل أول مهمة كانت تنتظر المجلس الجديد، هي إبراز الشخصية الموريتانية فضلا عن تحقيق الوجود المادي للدولة على ارض الواقع، الذي انطلق فيه من فراغ. فإلى جانب كون البلاد ظلت لفترة طويلة تدار من خارجها في السنغال، كانت سياسية المستعمر في الداخل، برغماتية ولم تخلف إلا الكوارث: انعدام بنية تحتية سواء تعلق الأمر بمرافق التعليم أو الصحة، فضلا عن المنشآت والمؤسسات الحكومية.[28]

في ظل هذه الأجواء انصبت هموم وانشغالات ولد داداه، على مسالة الوحدة الوطنية، ومحاولة العمل على صهر العوامل الاجتماعية والجيوبولتيكية. فقد سعى في الداخل إلى تقليص التعددية الحزبية التي عرفتها البلاد في بادئ الأمر وتكريس الحزب الواحد، إلا انه كان يلقى معارضة صارمة من بعض العناصر الحزبية واتهامه بالفشل في تمثيل الشعور الوطني المتمثل في تأكيد الهوية العربية للبلاد والقطيعة التامة مع المستعمر الفرنسي  حتى ولو كلف الأمر التبعية للمغرب والارتماء في أحضانه.

إلا أن ولد داده يبرر نهجه الفرنسي[29]  كما برر، رغبته في التصويت بنعم للحكم الذاتي في استفتاء 1958 بالاحتماء بفرنسا، خشية سياسة الاستقطاب والأطراف المتربصة بالكيان الجديد من الشمال والجنوب. وغداة اقتراب موعد الاستقلال التام الذي أنهى مرحلة الحكم الذاتي (28 نوفمبر 1960) حدد ولد داداه مهامه في نقطتين:

– وضع دستور جديد 1959 يؤدي إلى تحويل النظام السياسي، من نظام برلماني إلى نظام رئاسي.

– الدعوة إلى الحزب الواحد.

 نجح في مؤتمر الوحدة السياسية 1961 في الاعلان عن حزب الشعب الموريتاني، وهو الحزب الوحيد والأوحد الذي أنيطت به مهمة: “خلق موريتانية جديدة”، مكنه ذلك من تحقيق سياسيته الرامية إلى تركيز السلطة والقضاء على الخصوم السياسيين، والتفرد بصنع القرار السياسي في الداخل والخارج. كان أصعب قرار اتخذه هو مراجعة نظام التعليم، وهو الإجراء الذي أثار حفيظة الزنوج، وبالتالي دفعهم إلى القيام بإضرابات ومظاهرات داخل المدارس النظامية تسببت في مقتل ستة أشخاص على الأقل وجرح 70 آخرين، وفوق ذلك تم تحريك الاثنية والعنصرية، واتهام النظام بالانحياز للعرب.[30] ولمعالجة هذا المشكل تم إقرار نظام ازدواجية التعليم ومراجعة الاتفاقيات التي كانت تربط البلاد بفرنسا وإصدار عملة وطنية 1973، مع الخروج من الاتحاد النقدي لغرب إفريقيا الغربية وأخيرا انضمام موريتانيا لجامعة الدول العربية 1973،  وتحسين العلاقات مع المغرب.

وفي الأخير، إذا كان نظام المختار ولد داداه قد صمد أمام الكثير من العقبات والهزات الداخلية والخارجية، خلال الخمسة عشرة الأولى من حكمه، فإن قضية الصحراء ستطيح به وتقوض ما بناه، وتدخل البلاد في دوامة انقلابات أطالت أمد الفترة الاستثنائية.

نظام الحكم العسكري ( 1987-1991)

لقد كان للأوضاع الناجمة عن الدخول في حرب الصحراء، الأثر العميق في تحرك العسكريين للاستيلاء على السلطة 10 يونيو 1978 متخذين من تلك الأوضاع مسوغا لتبرير فعلتهم.[31] وهنا نشير إلى أن معظم قادة “اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني”، التي نفذت الانقلاب، كانوا من العسكريين العرب، اضافة إلى بعض العناصر الزنجية. ومرة ثانية كان من خيارات اللجنة العسكرية سياسة التعريب، وجاءت ردة فعل الطلبة الزنوج في إضراب ضخم تنديدا بذلك الخيار، وإعلان: “أن الزنجي لا يزال مواطنا من الدرجة الثانية”. تمثلت الاستجابة لاحتواء هذه النقمة في إنشاء معهد اللغات الوطنية عام 1980، إلا أن وتيرة الانقلابات سترتفع بسبب تنافس العسكريين فيما بينهم: فمصطفى ولد السالك الذي كان أول رئيس بعد الانقلاب، لم يلبث لأكثر من سنة واحدة، كان خلفه بالمرصاد، محمد محمود ولد أحمد لولي الذي استطلاع ولد هيدالة الرجل القوي أن يجبره على المغادرة، في يناير 1980 ليتولى بنفسه الأمور بقوة وصرامة، حتى تمت تنحيته في انقلاب ابيض 12 ديسمبر 1984 من طرف معاوية ولد الطايع. ويمكن القول بأن هذه الحقبة من الأحكام العسكرية الصارمة أبانت عن حقيقتين، الحقيقة الأولى وهي استمرار المؤسسة العسكرية في الصراع على السلطة. والثانية وهي استمرار الصراع الاثني وتعميق  مشكل الهوية.

ج- نظام هجين، شبه عسكري شبه ديمقراطي (1991- .. )

في عهد ولد الطايع تم تنظيمه انتخابات بلدية لأول مرة في العام 1986، وتوجت هذه العملية، باستفتاء على دستور بعد 5 سنوات تقريبا في (20 يوليو 1991) يقر التعددية السياسية، ويمنح حرية الصحافة، ويضع مؤسسات دستورية للجمهورية، دفعت بالبعض إلى تسمية هذه الحقبة بحقبة الجمهورية الثانية.[32]

وعلى الرغم من أهمية مشروع ولد الطايع الجديد، إلا أنه واجه متاعب جمة، سببها الصراع السياسي مع دولة سنغال من ناحية، ومن ناحية أخرى، الضغط الخارجي الغربي، وخصوصا على مواقفه من بعض القضايا العربية، كحرب الخليج الثانية، وتوجهه نحو تعريب التعليم والقضاء على اللغة الفرنسية، وموقفه بانضمام موريتانيا للمغرب العربي والانسلاخ عن منظومة دول إفريقيا الغربية. بدأت ملامح هذا النظام الذي وصفناه بالهجين على اعتبار أنه شبه عسكري وشبه ديمقراطي في التشكل مع اعلان ولد الطايع عن رغبته في تحويل نظام الحكم من النمط العسكري (اللجنة العسكرية للخلاص الوطني)، إلى نظام جمهوري مدني، وصفت العملية التي أفرزت هذا النظام في وقتها بأنها: “أولى انتخابات رئاسية تعددية في الوطن العربي”. واستكمل هذا الإجراء بانتخابات تشريعية في مارس 1992 وبلدية في ديسمبر 1993، في فضاء من التعددية السياسية (17حزبا سياسيا) والصحافية (أكثر من 70 صحيفة مرخصة). ولعل أهم مشكلة طرحت على نظام ولد الطايع هي مشكلة حقوق الإنسان في الفترة الأخيرة من حكمه، بالنظر لارتباط هذا الموضوع بالمجموعة الزنجية التي سعت إلى تغيير نظام الحكم وتحويل هوية الدولة في انقلاب 1987 الفاشل المشار إليه آنفا، ومن الواضح أن هذا المشكل تم تسييسه من طرف قوى في الداخل (السود) والخارج (الغرب).[33] مسألة حقوق الإنسان هذه، إلى اليوم لا تزال توظف توظيف خطير لأغراض البعد الاثني، وكذلك لأغراض السياسية، فكثيرا ما يستغلها الانقلابيون في صراعهم العسكري عسكري. تم الانقلاب على ولد الطايع 3 أغسطس 2005 على يد (المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية) برئاسة العقيد اعلي ولد محمد فال، الذي حكم لمرحلة انتقالية وتعهد بتسليم الحكم للمدنيين وبالانتقال إلى الحكم الديمقراطي[34]، وفعلا تنازل لحكم مدني كان الأول من نوعه في العالم العربي، قبل أن ينقلب عليه الجنرال محمد ولد عبد العزيز 2008 في ((انقلاب ردة فعل))  ليعد بذلك نظام العسكر الهجين، شبه العسكري، شبه الديمقراطي الذي هو في الواقع نظام عسكري بشبهة مدنية.

الملاحظ أن البعد الاثني كان دائما حاضرا كأداة للضغط على مختلف الانظمة المتعاقبة، وهو جزء من تأزمها السياسي، أو لنقل انتاج لها الأزمات، ولكنه كان دائما مساعدا على استمرار هذه الانظمة باعتباره أداة لإضعاف الحراك المدني وتماسك المجتمع، وتحويل أهدافه إلى فئوية، وكما هو معلوم أي حراك فئوي سيكون هش وضعيف وغالبا تكون نتائجه محصورة في جلب المنافع لشخصيات بعينها. يلاحظ ذلك في حراك الحراطين والزنوج وحراك المعلمين الذي بدأ يرى النور. هذه السياسة تدعم الانظمة الفاقدة للشرعية، حتى لو كان ذلك على حساب الوحدة الوطنية، لأن المجتمع القوي ليس في مصلحتها. لقد اكتشفت الانظمة العسكرية في موريتانيا هذه الحقيقة، فكان ذلك مثلا في استغلال ملف حركة الحر سنة 1981 من قبل الرئيس ولد هيدالة، ثم تبعه في ذلك محاولات الرئيس ولد الطايع الذي عين سنة 1997 أول وزير من زعماء هذه الحركة السيد مسعود ولد بلخير، ووجه خطاب في نفس السنة إلى الرأي العام الداخلي والخارجي مؤكدا فيه ضرورة القضاء على مخلفات الرق وإقفال هذا الملف نهائيا[35]، الأمر نفسه قام به ولد عبد العزيز الذي أدى صلاة الغائب على أرواح ضحايا الزنوج في احداث 1989 بعد أن أحال ولد الطايع هذا الملف إلى الارشيف.

ثانيا : أزمة الشرعية السياسية[36]

الشرعية السياسية في ابسط معانيها هي: ((تبرير السلطة الحاكمة من منطق الإرادة الجماعية، ومن ثم يحظى النظام الحاكم بالتأييد والرضا من جانب الجماهير. أو هي، قدرة النظام القائم فيما يطرحه من حلول وسياسات على أن تكون بصفة عامة مناسبة للمجتمع.[37] عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر يقول: “بدون الشرعية، فإن أي حكم، أو نظام، يصعب أن يملك القدرة الضرورية على “إدارة الصراع” بالدرجة اللازمة لأي حكم مستقر لفترة طويلة”.[38] كذلك، يرى عالم السياسة جان ماري دانكان بأن نماذج الشرعية الثلاثة التي عرفها ماكس فيبر تقابل مختلف الأجوبة التي يمكن إعطاؤها للسؤال: ما الذي يؤسس لسلطة السلطة؟. برأي ماكس فيبر فإن ثلاثة أجوبة يمكن تصورها، فالسلطة يمكن أن تقول بأن الأمر جرى دائما على هذا النحو، أوان إرادتها هي التي تملي الطاعة، أوان المادة كذا من القانون كذا، تسند لها صراحة هذه الصلاحية.

 مبدأ الطاعة في المقترب الفيبري: “إني أطيع، إن كنت أطيع، لأنني انحني أمام التقاليد، أو أمام الموهبة الروحية للرئيس، أو أمام هيبة القانون”.[39] وبناء على هذا المبدأ، طرح ماكس فيبر ثلاثة نماذج للشرعية السياسية، هي: الشرعية المستمدة من مصادر تقليدية، والشرعية المستمدة من شخصية كاريزمية، والشرعية المستمدة من أساس قانوني رسمي،[40] أطلق عليها تباعا: الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، (البطل الأسطوري)[41] والشرعية العقلانية أو القانونية. هذا النوع الأخير أكثر شيوعا في الدول المتقدمة، مع ملاحظة إمكانية ظهور الشرعية الكاريزمية[42] في هذه الدول، حينما تتعرض للازمات: كالحروب الأهلية أو أزمات اقتصادية أو أخطار طبيعية.[43] عموما هناك شرعية رابعة وهي التي تهمنا هنا وهي شرعية التغلب أو شرعية الانقلابات العسكرية. وهي شرعية لا تستند إلى أي نوع من أنواع الشرعية تكون مبررا لوجودها باستثناء القوة والتغلب وهذه سمة بارزة في دول العالم الثالث، حيث تتسم بغياب قواعد واضحة ومحددة، تحكم عملية تبادل السلطة، وتحديد القيادة السياسية الجديدة وإطار الحركة السياسية، نظرا لظاهرة الاستيلاء على السلطة من لدن العسكريين، التي واكبت نشأة معظم الدول ولا تزال هي القاعدة العامة. النظم السياسية الموريتانية منذ العام 1978 باستثناء نظام ولد الشيخ عبد الله (2007 فترة الحكم المدني القصيرة) جاءت نتيجة لانقلابات عسكرية، وإن كانت ـ فيما بعد كما لا حظنا ـ ابتداء من الفترة الأخيرة من حكم ولد الطايع تلجأ إلى أسلوب تنظيم الانتخابات، لكنها ظلت دائما في نظر الناس فاقدة للشرعية وتتهم بتزوير الانتخابات، وأن سلاح الانقلابات مثل سلاح الانتخابات كلاهما أثبت جدواءيته في اقصاء المعارضة من الحكم والمدنيين بشكل عام وتحويل الدولة إلى غنيمة يتقاسمها العسكر. هذه الأوضاع أدت إلى ضعف السلطة السياسية وشيوع ضعف البرلمانات المتعاقبة وانحراف الجيش عن مهامه النبيلة إلى مجرد أداة بيد النظام يحركها وفقا للمهمة الجديدة وهي: “حماية النظام قبل حماية الوطن”، فكانت النتيجة دولة عاجزة عن القيام بأبسط واجباتها، بل تحولت إلى دولة فقدت شرعيتها الاجتماعية، لأنها لا تعترف بسيادة الشعب، وفقدت كذلك شرعية الانجاز لأن الانظمة الفاقدة للشرعية فاقدة لإرادة الانجاز.

إن أزمة الشرعية السياسية أزمة تاريخية، واجتماعية، قبل أن تكون أزمة الصراع العسكري عسكري على السلطة، فالدولة الموريتانية بعد الاستقلال قامت بدولنة كل شيء، الدين واللغة والتاريخ، ودشنت بذلك سياسة مغامرة قسرية، واعتقدت أن بإمكانها تشكيل امة مركزية غير غائبة بمفردات التاريخ الحقيقي لمكوناتها البشرية، وأهملت بذلك التعددية الثقافية واللغوية والعرقية وهو الأمر الذي لا ينسجم مع منطق التاريخ.

الخاتمة:

التعددية وأزمة بناء الدولة الموريتانية. هذه حقيقة وواقع في آن، فالدولة الموريتانية رغم كل المساعي من أجل دولنة المجتمع ودمجه فشلت فشلا ذريعا، وهذا الفشل كان واضحا من خلال العرض الذي قمنا به، فمرحلة الحكم المدني الأولى باعتبارها مرحل تأسيس قصيرة (18 سنة) لم تكن قادرة على تأسيس الدولة والمجتمع في آن واحد، وعندما انتهى الأمر إلى العسكريين أضحى ذلك مستبعدا، فهؤلاء يعانون أزمة شرعية وشغلهم الشاغل هو بناء شرعية الحكم وليس الدولة.

وكما تتبعنا فإن خطر صراع القبيلة والدولة، لا يقل خطورة عن صراع الاثنية، في أزمة البناء وربما البقاء، وكذلك هيمنة العسكريين واستغلالهم لانشطار المجتمع وعجزه عن التغيير بسبب العوامل الاثنية والقبلية. ولا شك أن خصوصية الاثنية الموريتانية التي انتقلت من اثنية تقوم على العرق، واللون، إلى إثنية شرائحية، تجعلها من أخطر الاثنيات، ليس لطابعها الراديكالي المتجدد وإنما لعلاقاتها بأجندات مشبوه في الخارج.

عموما أزمة التعددية في موريتانيا تعد من اخطر معوقات البناء وذلك على جميع الأصعدة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وقبل التفكير في إيجاد حلول وطنية لها، يبقى مجرد التفكير في بناء الدولة حبر على ورق.

قائمة المراجع :

العربية :

ابراهيم أحمد نصر الدين: إشكالية بناء الدولة في إفريقيا،. في: التواصل والتداخل، أوراق المؤتمر العلمي (الخرطوم، ملتقى الجامعات الإفريقية جامعة إفريقيا العالمية، في إفريقيا 2006)

احمد بهاء الدين: شرعية السلطة في العالم العربي، ( القاهرة، دار الشروق، ط2، 1985)

ابن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر : مقدمة ابن خلدون.

جان ماري دانكان: علم السياسة، ترجمة،د محمد عرب صاصيلا، (بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ط1،1992)

حمدي عبد الرحمن: العسكريون والحكم في إفريقيا دراسة في طبيعة العلاقات المدنية العسكرية ،(القاهرة، مركز دراسات المستقبل الإفريقي (سلسلة دراسات افريقية)ط1 1996)

الخليل النحوي: إفريقيا المسلمة الهوية الضائعة، (دار العرب الاسلامي، 1993)

محمد الأمين ولد سيدي باب : مظاهر المشاركة السياسية في موريتانيا، (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005)

محمد سعيد بن أحمدو: موريتانيا بين الانتماء العربي و التوجه الإفريقي )مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2003)

عبد السلام ابراهيم بغدادي : الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في افريقيا، (بيروت، المركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1993).

غسان سلامة : المجتمع والدولة في المشرق العربي،  (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 1999).

المجلات:

أمارتيا صن: الهوية والعنف، (عالم المعرفة،العدد352،2008)

أحمد ولد الحسين: مظاهر الوعي القومي عند مثقفي بلاد شنقيط في القرنين (18-19)، المستقبل العربي، العدد،72،1985)

كلود دوبار: أزمة الهويات، (إضافات المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد،7، 2009)

محمود ولد محمد: الانتخابات التشريعية والبلدية الأخيرة في موريتانيا قراءة تحليلية في أهم الدلالات السياسية والاجتماعية لنتائجها، (المستقبل العربي، العدد335،2007 )

نقولا زيادة: العالم العربي موريتانيا، (شؤون عربية، العدد 22 سنة 1982)

سالم لبيض: الهوية:الإسلام/ العروبة، التونسية، (المستقبل العربي،العدد،361، 2009).

الفرنسية :

Zekeria ould ahmed salem : la démocratisation au contret (1991-2002), in : les trajectiorres d’un etat-fortiére, espaces, évolution politique et transformations sociales en mauritanie (dakar :codesria, 2004).

-د.ابراهيم أحمد نصر الدين: إشكالية بناء الدولة في إفريقيا،. في: التواصل والتداخل، أوراق المؤتمر العلمي (الخرطوم، ملتقى الجامعات الإفريقية جامعة إفريقيا العالمية، في إفريقيا 2006)، ص257[1]

 د. عبد السلام ابراهيم بغدادي : الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في افريقيا، (بيروت، المركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1993)، ص207.[2]

 نفس المرجع، ص 208.[3]

 ابن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر : مقدمة ابن خلدون، ص 164.[4]

 د. حمدي عبد الرحمن : التعددية وأزمة بناء الدولة في افريقيا الاسلامية، (مركز دراسات المستقبل الافريقي، القاهرة، ط1، 1996)، ص25.[5]

 د. عبد السلام ابراهيم البغدادي: ص 191 ـ92[6]

  نفس المرجع: ص 194 ـ 95[7]

 شريحة من المجتمع خضعت في مرحلة من التاريخ لنظام الاسترقاق، وهم عرب بشرتهم تميل إلى السواد، مع ملاحظة أن بعضهم ليس كذلك بشرتهم بيضاء، كما أن بعضهم بدوره مارس الاسترقاق على ابناء شريحته.[8]

 د. محمد الأمين ولد سيدي باب : مظاهر المشاركة السياسية في موريتانيا، (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005)، ص141.[9]

 سالم لبيض : الهوية:الإسلام/ العروبة، التونسية، (المستقبل العربي، العدد،361، 2009)، ص68[10]

 كلود دوبار : أزمة الهويات، (إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد،7، 2009)، ص44[11]

 أمارتيا صن : الهوية والعنف، (عالم المعرفة،العدد 352، السنة 2008)، ص،33[12]

[13] د.محمد سعيد بن أحمدو : موريتانيا بين الانتماء العربي و التوجه الإفريقي، دراسة في اشكالية الهوية السياسية 1960ـ 1993 (مركز ودراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2003)، ص65-66

[14] د. نقولا زيادة: العالم العربي موريتانيا، (شؤون عربية، العدد 22 سنة 1982)، ص170 وما بعدها

 د.محمد سعيد بن أحمدو: ص76 وما بعدها.[15]

[16] Zekeria ould ahmed salem : la démocratisation au contret (1991-2002), in : les trajectiorres d’un etat-fortiére, espaces, évolution politique et transformations sociales en mauritanie (dakar :codesria, 2004)305-331

  محمد سعيد بن أحمدو: 110-112[17]

[18] أحمد ولد الحسين: مظاهر الوعي القومي عند مثقفي بلاد شنقيط في القرنين (18-19)، المستقبل العربي، العدد72 السنة 1985 ص123

 الخليل النحوي: إفريقيا المسلمة الهوية الضائعة، (دار العرب الاسلامي، 1993)، ص20[19]

-محمد سعيد بن أحمدو:  ص99-100[20]

[21] وفقا لكلود دوبار لا تصبح الهوية مثار قلق وموضوع تحليل إلا حين لا تعود بديهية، حين لا يعود المعنى السائد محددا سلفا ولا يعود الفاعلون قادرون على التوافق حول دلالة الوضع والأدوار التي يفترض فيهم توليها، أنظر: كلود دوبار: في الهامش، ص44.

[22] تميز القواميس خمسة معاني للكلمة الفرنسية “أزمة “(…): 1- تغيير مفاجئ في سياق مرض، أو(تظاهر مفاجئ لحالة مميتة)،(على سبيل المثال: أزمة قلبية)، 2حدوث سريع وعنيف لحالة عصبية أو انفعالية (على سبيل المثال: نوبة عصبية)، 3- اندلاع مفاجئ للعنفوان أو الحماسة (على سبيل المثال: العمل بنوبات)، 4- فترة حاسمة أو شائكة في الوجود( على سبيل المثال: أزمة المراهقة)، 5- مرحلة صعبة تمر بها مجموعة اجتماعية أو انقطاع في التوازن بين القوى الاقتصادية العظمى( على سبيل المثال: أزمة اقتصادية) : كلود دوبار : ص 42

[23]  محمد عبد الباقي الهرماسي: المدخل الثقافي الاجتماعي إلى دراسة الدولة، في: د. غسان سلامة {وآخرون}، الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي، ص79

  نفس الصفحة  [24]

[25]  د.ابراهيم أحمد نصر الدين: ص261-262

[26]  إيليا حريق : نشوء نظام الدولة في الوطن العربي، في: د. غسان سلامة {وآخرون}، الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي : ص27

-محمد سعيد بن أحمدو: ص182[27]

-نفس المرجع، ص125[28]

-نفس المرجع: ص120-127[29]

-نفس المرجع: ص129-136[30]

[31]  محمد المختار ولد السعد ومحمد عبد الحي:  تجربة التحول الديمقراطي في موريتانيا، ص26 وما بعدها.

-د.محمد سعيد بن أحمدو: ص144[32]

– د.محمد سعيد بن محمد:  ص145-148[33]

[34]- محمود ولد محمد : الانتخابات التشريعية والبلدية الأخيرة في موريتانيا قراءة تحليلية في أهم الدلالات السياسية والاجتماعية لنتائجها، (المستقبل العربي، العدد 335،2007 )، ص89

 محمد الأمين ولد سيدي باب : ص146.[35]

 يجب تمييز المعنى المقصود هنا لكلمة: شرعية عن المعنى الذي يعطيه إياه فقهاء القانون الدستوري عندما يقارنون بين الشرعية والمشروعية.[36]

 د.حمدي عبد الرحمن: العسكريون والحكم في إفريقيا دراسة في طبيعة العلاقات المدنية العسكرية، (القاهرة، مركز دراسات المستقبل[37]

الإفريقي (سلسلة دراسات افريقية) ط1 1996)، ص126.

 احمد بهاء الدين: شرعية السلطة في العالم العربي، ( القاهرة، دار الشروق، ط2، )1985،ص12.[38]

[39] جان ماري دانكان: علم السياسة، ترجمة،د محمد عرب صاصيلا، (بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع  ط1، 1992)، ص117.

 د.حمدي عبد الرحمن: ص126.[40]

 [41] لاشك أن “شخصانية السلطة”: تمثل ظاهرة عامة في الدول النامية، وتتضمن تلك الظاهرة التأكيد على دور القائد والزعيم الذي يسهم بمعتقداته وأفكاره في تحديد ملامح التطور السياسي لمجتمعه، ولنتذكر في هذا السياق: جمال عبد الناصر في مصر، والحبيب بورقيبة في تونس، وكوامى نكروما في غانا، وجوليوس نير يري في تنزانيا، واحمد سيكوتوري في غينيا..إلخ. وثمة مجموعة من العوامل أدت إلى بروز دور الزعيم في هذه الدول منها مثلا: – الدور النضالي لهؤلاء الزعماء في مجتمعاتهم ولا سيما فيما يتعلق بقضايا التحرر السياسي والاقتصادي.

– ضعف الوعي السياسي بسبب العوائق التقليدية والعرقية والاقتصادية وغيرها- وغياب أو ضعف المؤسسات السياسية الفعالة التي تقوض من الدور المهيمن للزعيم وتفتح المجال واسعا أمام الجماهير من اجل مشاركة سياسية حقيقية. أنظر حمدي عبد الرحمن : ص113.

[42]  بناء على كون الشرعية –باعتبارها عملية تجسيد لرضا المحكومين على الحاكمين- ولا تعني المشروعية -التي هي سيادة حكم القانون، أي أن تكون التصرفات في نطاق ما تجيزه القواعد القانونية القائمة- وإنما قد تقود إليها، أي المشروعية، ومثال ذلك على نحو ما يذهب الدكتور حمدي عبد الرحمن: أن استيلاء العسكريين مثلا على السلطة السياسية يكتسب شرعيته من خلال التأييد والرضا الشعبي، دون حاجة إلى مبرر قانوني، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات ومثل هذا الرضا الجماهيري يعطي عملية التغيير الاجتماعي الحق في إصدار قواعد قانونية جديدة مما يترتب على ذلك مشروعية التغيير باعتبار أن عملية التغيير يترتب عليها القضاء على النظام السياسي القائم وإحلال نظام آخر محله، وهكذا فإن التأييد السياسي يقود إلى المشروعية. أنظر: حمدي عبد الرحمن: في الهامش، ص128

[43]  د. حمدي عبد الرحمن: تثبيت بأهم المصطلحات والمفاهيم، في: ريتشارد هيجوت: نظرية التنمية السياسية، ترجمة: أ.د حمدي عبد الرحمن، د.محمد عبد الحميد، (الأردن، المركز العالمي للدراسات السياسية ط1، 2001)،  ص254ـ 55.

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock