ندين الشّايب (*)

 

ملخّص:

تتناول هذه المقالة موضوعًا حديثًا وحسّاسًا جدًّا نعيشه في واقعنا الحالي وهو التّعليم من بُعد الذي أصبح همّ المجتمعات الحالي. إنّ الظروف الصّحيّة التي تمرّ بها البلدان العربيّة والغربيّة لا مفرّ منها، ولكن لإكمال الحياة بعامّة، والمسيرة التّعليميّة بخاصّة، لا بدّ من وجود تقنيّة جديدة وهي تقنيّة التّعليم من بُعد لإبقاء أصحاب العلم ضمن دائرة الإكتساب والتّلقين. هذه التقنيّة ضروريّة لمساعدة التّلامذة على التّعليم بطريقة جيّدة وفعّالة. التعليمُ من بُعد هو عمليةٌ تربويةٌ تواصلية، تجري بين مُرسلٍ (مُعلِّمٍ) من جهة، وبين متلقٍّ (طالبٍ) لا يستطيع الانخراط في المعاهد التعليمية التقليدية النظامية، وذلك باستخدام وسيلةٍ تواصليةٍ معيّنة. في هذه المقالة، نلقي الضّوء على مراحل تطوّر التّعليم من بُعد ونتناول خصائصه وإيجابيّاته وسلبيّاته وتأثيره في اللغة العربيّة التي تواجه عدّة صعوبات في مجتمعاتنا الحاليّة وبخاصّة أمام تفشّي اللغات الأجنبيّة عبر الإنترنت، إضافةً إلى التّقدّم بحلول متعدّدة لإنعاش تعليم اللغة العربيّة من بُعد. إنّ اللغة العربيّة تواجه مشاكل خلال تدريسها داخل صفوف المؤسّسات التّربويّة عندما يكون التّلميذ وجهًا لوجه مع معلّمه، ورغم هذا الحضور المباشر يظلّ التّلميذ يشعر بصعوبة اللغة العربيّة، كيف بالأحرى اليوم مع تعليم اللغة العربيّة من بُعد؟ من هذا الواقع المحتّم يجب تناول هذا الموضوع بجديّة لأنه يمسّ الأوطان العربيّة التي تحاول الدّفاع عن لغتها الأمّ.

المصطلحات: التّعليم من بُعد – اللغة العربيّة – الأهالي – التّلامذة – الإدارات التّربويّة.

مقدّمة

إنّ التعليم من بُعد وسيلة تعليميّة – تربويّة تفيد المقيمين في أمكنة بعيدة من مواقع الدّراسة كالمدارس والمعاهد حيث يتلقون الدّروس عبر شاشة دون شرط الحضور شخصيًّا. إنّ هذه العمليّة الحديثة تختلف عن عمليّة التّدريس التّقليديّة التي تنتشر في المدارس والجامعات، وتشترط تجهيز وسائل تواصل وبرامج تدريسية مختلفة عن البرامج التّقليديّة بحيث أنّها تراعي جميع المجتمعات. لذلك استخدم المسؤولون عمليّة التعليم من بُعد بأفضل التقنيات والوسائل التواصلية المتاحة في عصرنا الحالي، لأنّ التّعليم من بُعد هو حاجة ملحّة في أوقات حرجة. كما يمكننا التّطرّق إلى مرحل تطوّر التعليم من بُعد حيث ينقسم إلى مرحلتين رئيسيّتين: التعليم بالمراسلة، والتعليم بالوسائل السمعية والبصرية. كيف يمكن للإدارات التّربويّة أن تبث الحماس في نفوس الطلاب لتعلّم اللغات بعامةٍ واللغة العربيّة بخاصةٍ؟ وما الخطوات التي يجب اتباعها لإيصال اللغة العربيّة إلى بيوتهم وعبر شاشاتهم الصّغيرة؟ هل يكفي التّعليم من بُعد في اكتساب كفايات وتحقيق أهداف لاستكمال مناهج وبرامج محدّدة؟ ما الإجراءات التي يجب اتباعها في المحافظة على اللغة العربيّة خلال التّعليم من بُعد؟ كلّ هذه الأسئلة تتناولها المقالة بدقّة لإيصال فكرة كافية للقارئ. من هنا ننطلق للتّحدّث عن مراحل تطوّر التّعليم من بُعد وصولًا إلى مدى تأثيره على اللغة العربيّة.

مراحل تطوّر التّعليم من بُعد

بدأ التعليم من بُعد بالمراسلة، أي إرسال الدروس والتمارين والواجبات المدرسية بالبريد، من خلال الطلب الدّائم على التعليم المستمر والتّدريب السّريع، وخلال زمن الثورة الصّناعية وتشجيع الاختراعات والابتكارات منذ القرن السابع عشر في أوروبا، إضافة إلى التطور الذي شاهده نظام البريد الذي كان يقتصر فقط على خدمة الملوك والوزراء والقادة ورجال الدولة، لأنه كان يُعنى بنقل المواد العينية من وثائق الدولة ورسائلها وأوامرها من مكان إلى آخر. وقد انتعش نظام البريد في البلدان الصناعية في أوروبا، وذلك بتأسيس شركاتٍ لنقل مراسلات الأهالي لقاء ثمن يُدفَع مسبقًا. ففي سنة 1817 بدأ العمل في الحوالات البريدية، ثم استخدمت الطوابع البريدية في بريطانيا لأول مرة سنة 1840. واستمر تطوّر البريد حتى أصبحت له أنواع عديدة، كالبريد العادي والبريد الجوي والبريد المسجّل أو المضمون، وأخيرًا البريد الإلكتروني. تعود أول محاولة للتعليم بالمراسلة سنة 1727 إلى الأستاذ فيليبس (Philipps) الذي نشر إعلانًا في مجلة بوسطن سنة 1728 يعلن فيه عن استعداده لإرسال دروسٍ عن الاختزال مكتوبةٍ للراغبين لقاء أجر، بالبريد كل أسبوع. وسنة 1828، أسست جامعة لندن برنامجًا أسمته “البرنامج الخارجي” تمنح بموجبه شهادات للطلاب الراغبين بالتعلّم بالمراسلة. وقد وصف الروائي البريطاني تشارلز ديكنز (C. Dickens) هذا البرنامج بأنه جامعة الشعب. وفي سنة 1840، أخذ إسحاق بتمان (I. Pitman) الذي كان يعيش في مدينة باث في إنكلترا، بإرسال دروس عن الاختزال على بطاقات بريدية إلى طلاب يستطيعون أن يبعثوا إليه بإجاباتهم المكوَّنة من كتابة مقطوعات من الإنجيل بطريقة الاختزال، ويقوم هو بتصحيحها. وقد أصبح ذلك ممكنا بعد صدور “التعريفة البريدية الموحدة” في بريطانيا سنة 1840. في سنة1856 ، بدأ معهد توسان ولانغنشايت (Tausan Langenscheidt) في ألمانيا بتعليم اللغات بالمراسلة. في سنة 1874، بدأت جامعة ألينوي الأمريكية برنامجًا لمنح شهادة الإجازة بالمراسلة دون اشتراط حضور الطالب. في سنة 1877، أخذت مجموعة مدارس بيجيه (Pieget) في فرنسا بتقديم دروسٍ بالمراسلة، لمساعدة الأشخاص الراغبين في اجتياز المباريات الإدارية. وفي سنة 1892، بادر وليم هاربر (W. Harper) أول رئيس لجامعة شيكاغو إلى تشجيع مفهوم التعليم بالمراسلة لنشر التّعليم. وتُسمّى الفترة الممتدَّة من سنة 1890 إلى سنة 1920 في الولايات المتحدة الأمريكية، بـ”الفترة التقدُّمية”، فتحت جامعة كولومبيا في نيويورك برامج التعليم بالمراسلة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وحذت حذوها جامعات أخرى حتى بلغ عدد الطلاب المسجلين في هذه الدروس سنة 1906 نحو 900.000 طالب. وبذلك أصبح التّعليم مُتاحًا لسكان القرى والأرياف، ففي تلك الفترة كان ثلث السكان فقط يعيش في مدنٍ كبيرةٍ تضمُّ الواحدة منها أكثر من مئة ألف نسمة. تأسس سنة 1904 معهد المستقبل في بلجيكا للتعليم بالمراسلة. فتحت جامعة كوينزلاند الأسترالية سنة 1911 قسمًا للدراسة بالمراسلة. تأسست هيئة تقييم معاهد التعليم من بُعد سنة 1926 في الولايات المتحدة الأمريكية. وسنة 1938، عُقد أوَّل مؤتمرٍ عالمي للتعليم من بُعد، هدفه توفير التعليم الفردي بالمراسلة للراغبين فيه بتكلفة مخفضة، وتيسير استخدام الاختبارات الأولية لتحديد المستوى وتبسيط عمليات التّسجيل والدّراسة، وأُسست منظمة غير حكومية باسم “المجلس الدولي للتعليم بالمراسلة”. وبعد أن تبنّت اليونسكو هذا المجلس سنة 1982، غيّر اسمه إلى “المجلس الدولي للتعليم المفتوح من بُعد”.

أمّا بالنّسبة إلى التّعليم من بُعد بالوسائل السّمعيّة البصريّة، ظهرت هذه التقنيّات منذ أوائل القرن العشرين، كالهاتف، والراديو، والأسطوانات، والسينما، والتلفزيون، والفيديو، من أجل الاستجابة إلى احتياجات المتعلمين، وتحقيق سرعة وصولهم إلى المعلومات، وتنويع المصادر وتعددها، وتحقيق التجديد لدى المتعلمين، والتصالح مع الدروس. وعلى الرغم من أن التواصل باللاسلكي قد بدأ نحو سنة 1864، فإن الهاتف لم يشِع استعماله حتى العشرينيات من القرن العشرين. ففي أوائل القرن العشرين، نحو سنة 1904، سُجلت براءات اختراع لنقل الصوت البشري. أنشأ المخترع الإيطالي ماركوني سنة 1912 مصنعًا للراديوات، أجهزة ارسال الصوت واستقباله، في إنكلترا. سنة 1913، أكّد المخترع الأمريكي توماس أديسون لأحد الصحافيين أن جميع التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية سيكون بالأفلام السينمائية في المستقبل. سنة 1920، ظهر أول راديو لإذاعة الأخبار في ديترويت في ولاية مشيغان الأمريكية. وفي تلك السنة استخدمته كلية الاتحاد في سنكتادي في نيويورك لأغراض تعليمية. وظهرت في العشرينيات من القرن العشرين الإذاعة المدرسية، واستُخدمت وسيلة في التعليم من بُعد. بيدَ أن الهاتف لم يقم بدور فعّال في التعليم من بُعد إلا في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، عندما ظهرت تقنية عقد المؤتمرات من بُعد واستُخدمت لأغراض تربوية. حيث يسّرت هذه التقنية اجتماع الأساتذة بطلابهم البعيدين ومناقشة المشكلات العلمية معهم بالوقت الحقيقي. ظهر التلفزيون التّربوي سنة 1940، وراحت عدة دول تخصص قنوات تلفزيونية للأغراض التعليمية. بحيث يعرض التلفزيون سلسلة من الدروس المدرسية في موضوعات مختلفة حسب جدول زمني مُعلَن، ويستطيع الراغبون تتبُّع هذه الدروس والتعلُّم منها لأي غرض كان، كتقوية مهاراتهم المدرسية أو المهنية. وفي هذه المرحلة استَخدم التعليم من بُعد وسائلَ تواصلية متعددة ومتنوعة: البريد لإرسال المواد المطبوعة وغيرها، الهاتف، الراديو، التلفزيون، الفيديو. في سنة 1948 اتفق جون ويلكنسون مع محطة إذاعة NBC الأمريكية لتقديم دروس بالرّاديو لأول مرة. في هذه السنة بدأت جامعة هيوستن الأمريكية سنة 1953 تبث دروسًا على شاشة التلفزيون. في فرنسا، وفّر المركز الوطني للتنمية الرّيفيّة سنة 1965 الدراسة بالمراسلة، وبعد سنة افتتح الدراسة على شاشة التلفزيون. سنة 1969، طورت اليونسكو التلفزيون المدرسي للتعليم في البلدان النامية. وقد بلغ التعليم من بُعد آنذاك أوجَهُ بتأسيس “الجامعة المفتوحة” في بريطانيا حيث أصبحت أول نموذج جامعي للتعليم من بُعد. وتُعد هذه الجامعة أكبر الجامعات البريطانية لطلاب المرحلة الجامعية الأولى، ويستطيع المنتسبون إليها بالدراسة خارج الحرم الجامعي، فقد كانت تبث دروسها بالراديو والتلفزيون وتبعث بها إلى طلابها بالمطبوعات والفيديو، كما يستطيع طلاب الدراسات العليا إجراء بحوثهم العلمية داخل الحرم الجامعي. وهكذا أحدثت هذه “الجامعة المفتوحة” ثورة في مفهوم “التعليم من بُعد”. سنة 1970، أنشأت الجامعة الوطنية للتعليم من بُعد في إسبانيا، وإنشاء الجامعة المفتوحة في ألمانيا. وفي السّنة نفسها أيضًا، تمّ تأسيس جمعية المدارس الأوروبية للتعليم بالمراسلة. في سنة 1987، تمّ إنشاء الجمعية الآسوية للجامعات المفتوحة، وهي عضو في المجلس العالمي للتعليم المفتوح من بُعد. سنة 2002، تمّ تأسيس الجامعة العربية المفتوحة، ولها ثمانية فروع في الكويت، والسعودية، ومصر، والأردن، ولبنان، والبحرين، والسودان، وعُمان؛ وتملك محطات تلفزيونية وإذاعية. وفي سنة 2004، تأسّس المجلس الأفريقي للتّعليم من بُعد.

خصائص التعليم من بعد

أهم خصائص التعليم من بُعد: غياب المعلّم، قد يحضر بصوته أو صورته أو كليهما، استقلالية المتعلِّم بحيث يدرس في الوقت والمكان الملائمين له. ويستفيد من التعليم من بُعد أصناف متعددة من الناس: 1- أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة الذين لا يمكنهم الالتحاق بالمعاهد والجامعات، والذين يطمحون إلى تطوير مهاراتهم؛ فالتعليم من بُعد، عادةً، أرخص من التعليم وجهًا لوجه. 2- الموظفون والعاملون الذين يودون الجمع بين العمل ومواصلة الدراسة. 3- المهجّرون أثناء الحروب والاضطرابات الاجتماعية الذين يضطرون إلى النزوح عن أماكن المدارس والمعاهد التي يتعلمون فيها. 4- النساء اللواتي لم يكن يُسمح لهن في التسجيل بالجامعات البريطانية والأمريكية حتى أواخر القرن التاسع عشر. 5- السجناء والمعتقلون الذين لا يُسمح لهم بحضور الدروس في المدارس والمعاهد. 6- المرضى وذوو الاحتياجات الخاصة الذين لا يمكنهم حضور الدروس النظامية.

إيجابيات وسلبيات

من أهمّ إيجابيّات التعليم من بُعد، أن الطالب يستطيع أن يجمع بين الدراسة والعمل، أي أن يواصل دراسته وفي الوقت نفسه يعمل لكسب عيشه ويحصل على شهادة. يتيح هذا النوع من التعليم للطالب أن يلتحق بالمعهد أو الجامعة دون أن يغادر بلده أو يفارق أهله، وفي ذلك اقتصاد في نفقات الدراسة. يراعي التعليم من بُعد الفروق الفردية بين المتعلّمين من حيث كيفية التعلُّم، وسرعته، والوقت والمكان المناسبين لكل متعلِّم. كما يمكن تسجيل الدّروس بحيث يستطيع الطّالب أن يعود إليه.

في المقابل للتّعليم من بُعد سلبيات، يجد الطالب نفسه وحيدًا في مواجهة الصعوبات العلمية: لا مدرس يشرح له ما يُشكل عليه، ولا زملاء يتعاونون معه على حل المعضلات. كثيرًا ما يتخلّى الطالب عن مواصلة التعليم من بُعد، فقد أثبتت دراسة قامت بها كلية المجتمع لولاية واشنطن أن الطلاب الذين يتلقّون دراساتهم من بُعد يميلون إلى التخلّي عن متابعة الدروس أكثر من زملائهم الذين يتابعون دراساتهم بصورة نظامية، بسبب صعوبات في اللغة أو في تدبير الوقت، أو بسبب صعوبات متعلِّقة بمهارات الدرس والتلقي. قد يتعرّض الطالب لمشتتات الانتباه المنزلية أو إلى فشل وسائل الاتصال. أيضًا لا يستطيع الطالب استعادة أجور التسجيل في التعليم من بُعد، إذا غيّر رأيه.

توصيات

يمكن للتعليم من بُعد أن يكون بكفاءة التعليم النظامي، ولكن بشروط هي: أن يحدد المتعلّم أهدافه بوضوح، فالهدف أساس اختيار البرنامج المناسب. أن يمتلك المتعلِّم رغبة وإرادة تمكّنانه من الالتزام والانضباط الذاتي، والاندفاع الدائم لبذل الجهد ومواصلة التعلّم وعدم التوقُّف أبدًا. أن يضع المتعلّم لنفسه خطَّة ذكية ترتكز على اختيار أفضل المصادر الجيدة والأدوات اللازمة والتطبيقات الملائمة، لكي لا تتشتت جهوده. أن يحدد أيضًا واضع البرنامج هدفه بوضوح، بحيث يناسب البرنامج طبيعة المتعلمين الذين يستهدفهم، من حيث الجنس، والعمر، والقابلية، والخلفية المعرفية، والخبرة. أن يراعي البرنامج الأسس التربوية والنفسية، ويتوافر على عنصر التشويق وجذب الانتباه، وييسر التفاعل بين المادة والمتعلم. أن يكون البرنامج سهل الاستعمال، ويخلو من الصعوبات التقنية التي تؤدي إلى تهبيط عزيمة المتعلم وتؤدي إلى إحباطه.

أمّا بالنّسبة إلى تعليم اللغة العربية من بُعد ثمة عاملان رئيسيّان يفرضان ضرورة تعليمها، وهما: المحافظة على اللغة العربيّة بين اللغات الأجنبيّة: إنّ اللغة العربيّة تواجه صعوبات جمّة أهمّها تقدّم اللغات الأجنبيّة كالفرنسيّة والإنكليزيّة بقوّة في عصرنا الحالي على اللغة العربيّة وإلى عدم تطوّر تقنيات لتدريسها في المراحل بعامةٍ ومرحلتي الروضة والابتدائيّة بخاصّة، وعدم اختيار أساتذة أكفاء يتمتّعون بقدرات تجذب الأولاد في اكتساب قواعد اللغة العربيّة. كما هو متداول، لا نسمع سوى عبارتين من قبل التّلاميذ وأهلهم: “اللغة العربيّة صعبة” و “ليس من الضّروي تعليم اللغة العربيّة” أو باللهجة العاميّة “لشو اللغة العربيّة، بشو بدّي عُوزا”. يترك الأهل تدريس اللغة العربيّة إلى أوقات الفراغ حيث يكون أولادهم قد أنجزوا وبإتقان المواد الأخرى. خلال الفترة المدرسيّة، يجلس التّلميذ وجهًا لوجه مع معلّمه وأصدقائه وداخل محيط يملؤه الاهتمام والمواكبة الدّائمة عند مواجهة أية صعوبة، ونعود في النّهاية لنسمع العبارة الشّهيرة: “اللغة العربيّة لغة صعبة”. إذًا كيف بالأحرى تعليمها من بُعد؟ من خلال قراءاتي ومواكبتي لبعض التّلاميذ يمكنني أن أجزم أنّ اللغة العربيّة تتراجع بوضوح، لأنّ تلميذ صفّ الشّهادة المتوسّطة وما فوق لا يتحلّى بمسوؤليّة كافية للمشاركة في حصص التّعليم من بُعد، وبخاصّة حصص اللغة العربيّة، لقناعته بأنّ الأساتذة لا يشرحون جيّدًا أو لأنّه لن يحتاج إلى اللغة العربيّة في الصّفوف التّالية وفي دراسته الجامعيّة. أمّا بالنّسبة إلى التلميذ ما دون الصّفّ التّاسع، فيحتاج إلى مواكبة أهله له خلال الحصص. صحيح أنّ الأهالي لا يتمتّعون بمهارات المعلّم خلال الشرح ويشدّدون في قولهم أنّ الأستاذ هو المسؤول الوحيد في هذه العمليّة التّعليميّة من دون أن يدركوا حجم الكارثة التي سيقع فيها أولادهم، ولكن لتفادي هذه الكارثة، يجب على الأهالي تكريس وقت إضافيّ لأولادهم والجلوس بقربهم ومساعدتهم، لأنّه بالإرادة الصّلبة يمكن مقاومة أيّة صعوبة. أيضًا المسؤوليّة تقع على عاتق أساتذة اللغة العربيّة والمسؤولين حيث يجب أن ينشّطوا طرائق التّعليم ويبتعدوا عن الرّتابة ويخلقوا أنشطة حديثة تحيي اللغة العربيّة ويتحمّس التّلميذ في متابعة الحصّة. كما عليهم مواكبة تلاميذهم بعد إنجاز الواجب وتصحيحه وإرساله من جديد إليهم وشرح الأخطاء المرتكبة الفرديّة والجماعيّة. لا يجب أن يكتفي الأستاذ باختيار دروسًا مصوّرة عن الإنترنت وإرسالها بل خلاف ذلك عليه أن يخلق دروسًا مزيّنة بالصّور والألوان بخاصةٍ للصّفوف الرّوضة والابتدائيّة ومدعّمة بالتّمارين التّدريبيّة المنظّمة مع شرحٍ بصوته بحيث يحثّ التّلميذ على انتظار الحصّة والمشاركة بحماسة والإجابة عن أي سؤال يطرح من قبل المعلّم. على الأساتذة والمدرسين والخبراء، ومنهم أساتذة اللغة العربية، أن يبادروا إلى إنشاء مواقع لهم لتعليم معارفهم وخبراتهم على الإلقاء للراغبين في توسيع معارفهم واكتساب خبرات جديدة. وبذلك يُساهم هؤلاء الأساتذة في نشر المعرفة، بما يُساعد على إيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية في بلداننا. لا بدّ أيضًا من أن تعمم الجامعات العربية مادة اللغة العربية، ومادة الحاسوب والمعلوماتيّة، في مناهجها لجميع التخصُّصات الأدبية والعلمية والفنية. وعلى الجامعات العربية أن تشجّع طلبة الدراسات العليا على أن تكون رسائلهم وأطروحاتهم على صورة برامج دراسية لتعليم العربية. كما يجب أن تعنى وزارات التربية والتعليم العالي بإعداد متخصِّصين في تصميم مناهج تعليمية متنوعة لتعليم العربية. أيضًا يجب أن تُعنى مراكز البحوث التربوية في البلدان العربية بوضع برامج دراسية متطوّرة لتعليم اللغة العربية.

وهناك هجرة العرب إلى دول العالم أجمع: في مقالة ظهرت قبل سنتين في جريدة ريبوست لايك بعنوان “الغزو الإسلامي لأوروبا عبر المتوسط”، تشير الإحصاءات إلى زيادة المهاجرين سنة 2014 بحيث بلغت 280.000 مهاجر، وبعد سنة واحدة فقط ازدادت هذه الهجرة بنسبة 25 بالمئة. وفي البرازيل، مثلًا، صرح وزير خارجيتها المنسِّق الإقليمي لدول أميركا الجنوبية، السيد ماورو فييرا أن بلاده تحتضن 16 مليون برازيلي من أصول عربية، وأن دول أميركا الجنوبية، التي تضم نسبة كبيرة من المواطنين من أصل عربي، تعتزم اعتماد تعليم اللغة العربية ليصبح من أهدافها، متمنيًا أن تقوم البلدان العربية بالمثل، حيث إن وجود لغة مشتركة سيزيد من نجاح التعاون على المستوى الاقتصادي والسياسي والفكري. وأن يوفّروا مناهج وبرامج دراسية متنوعة لتعليم اللغة العربية، وأن تسعى هذه البرامج الدراسية لتطوير مهارات المتعلّم اللغوية: الاستماع، والكلام، والقراءة، والكتابة. علمًا بأن هذه المهارات قد تتنوع حسب الأغراض، مثلًا: مهارة الاستماع مع التركيز على نشرات الأخبار، مهارة الكلام مع التركيز على العروض والحوار، مهارة القراءة مع التركيز على قراءة نصوص من الصحف، وأن تبنى هذه البرامج على المبادئ التعليمية: التواصل، الشمولية، الترابط، المرجعية، الفعالية، التدرّج، التقييم، الانفتاح، المرونة، سهولة الاستخدام (الحجوري: أ، ب، ج). أن تلتزم الإذاعات والفضائيات العربية باستعمال اللغة العربية الفصيحة في جميع برامجها، ما يساعد المهاجرين العرب أينما كانوا من متابعة تلك البرامج والاستفادة منها كوسائل دعم وتعزيز لما تعلّموه من اللغة العربية. أما تعميم اللهجة العاميّة في وسائل الإعلام فيؤدي إلى تجهيل المستمع والإساءة إلى لغته.

خاتمة

إنّ اللغة العربيّة من أبرز اللغات على الإطلاق وأكثرها جزالةً في الألفاظ وقُدرةً على استيعاب المعاني الجليّة. هي لغةٌ فضفاضة واسعةُ المدى والبيان، وقد كان العرب سابقًا يتفاخرون بقدرتهم على نظم الشّعر وضرب الأمثال والنّثر والبلاغة، وما زالَ اللسانُ العربيّ فصيحًا. تتميّز اللغة العربيّة بأصالة وجذور لا غنى عنهما وهي لغة القرآن الكريم. وكما هو متداول بين أغلبيّة النّاس، أنّ اللغة العربيّة هي لغة جامدة وتحتاج إلى إنعاش. لذا يجب على الإدارات التّربويّة والأهالي الاهتمام باللغة العربيّة والمحافظة عليها لتبقى صامدة كونها لغة أوطان عربيّة وكونها متبناة من قبل العديد من البلدان الغربيّة. ونظرًا إلى خوف انتشار الأمية في بلداننا العربية وتراجع اللغة العربيّة بين اللغات الأجنبيّة والمواد العلميّة، وكثرة الكبار الذين تعوزهم المهارات المهنية والتقنية، فإننا نشدّد على وزارات التربية والتعليم اللجوء إلى التعليم من بُعد في محاربة الأمية في ظلّ الظّروف التي يمرّ بها العالم، وتحقيق التعليم المستمر. يعَدّ التّعليم من بُعد فرصة لخلق مواد تعليمية متطورة تعطي الفائدة للطلاب في جرعة مفيدة وممتعة وسريعة وسهلة الاستيعاب. إن التعليم من بُعد يتماشى مع عصر السرعة، ويساعد على مواجهة تحديات المدارس في زيادة نسبة غياب الطلاب والتسرب الدراسي. كما ينمي التعليم من بُعد مهارات الطلاب في التعليم المستقل والتعليم الذاتي، ويكسبهم مهارات شخصية، خصوصًا في تولي مسؤولية تعليمهم، وينمي مهارات التواصل، ويسهل عملية التواصل مع جميع المعنيين بتعليم الطلاب، ويؤمن متابعة فائقة لمستوى تقدم الطلبة. إنّ التعليم من بُعد في عصر الانفجار المعلوماتي والتكنولوجي فرصة رائعة لخلق منظومة تعليمية متطورة تتماشى مع التقدم المتسارع في العالم، فضلًا عن أنه يستشرف المستقبل في حقبة العصر الرقمي من أجل التصدي للأزمات بالذكاء الرقمي والتدابير التكنولوجية الفائقة السرعة. ونظرًا إلى أن اللغة العربية تحظى بانتشار واسع في العالم، وبفضل الانتشار السّريع للغات الأجنبيّة عامّة والإنكليزيّة بخاصةٍ، وبسبب الهجرة المتزايدة من البلدان العربية إلى الغرب لأسباب متعددة، فإن تعليم اللغة العربية من بُعد أصبح ضرورة وواجبًا على المؤسسات المعنية من أجل المحافظة عليها أمام اللغات الأخرى. يا أيّها المعنيّون إدارات وأساتذة وأهالي وتلامذة، استيقظوا!! إنّ التّعليم من بُعد وسيلة في الوقت الحاضر من أجل إبعاد أولادكم عمّا نسمّيه زمن الأمّيّة، ولا تركّزوا فقط على اللغات الأجنبيّة والمواد العلميّة، إنّ اللغة العربيّة لغة وطن، فازرعوا في نفوس أولادكم روح الانتماء المتجسّد في هذه اللغة.

المصادر:

(*) ندين الشّايب: طالبة دكتوراه في جامعة الروح القدس – الكسليك – لبنان، كلية العلوم التربوية.

البريد الالكتروني: nadine.chayeb@hotmail.com

المراجع

المصادر العربية:

الحجوري، صالح عياد. 2015. “معايير استخدام التقنية في تعليم العربية للناطقين بغيرها” في “أبحاث المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية ومواكبة العصر: التحديات وسبل المواجهة”، المدينة المنورة، الجامعة الإسلامية، ص 321 ـ 366.

العازمي، بدر حمد. 2016. ” التعليم من بُعد في تدريس اللغة العربية للجاليات الإسلامية في المهجر: عرض وتحليل للتجربة البرازيلية”، دراسة قُدّمت للمؤتمر الدولي عن التعليم من بُعد الذي عُقد في جامعة مولود معمري – تيزي وزو – الجزائر.

قابوش، فهيمة. 2016. “التعليم من بُعد بين النظرية والتطبق”، دراسة قُدمت إلى المؤتمر الدولي عن التعليم من بُعد الذي عُقد في جامعة مولود معمري – تيزي وزو – الجزائر.

 

المصادر الأجنبية:

  • Centre de formation à distance, http://www.formationadistance.be/

– Online and distance learning at Oxford University http://www.ox.ac.uk/admissions/continuing-education/online-and-distance-courses

– The Distance Education Accrediting Commission (DEAC) http://www.deac.org/

  • Michael Moore and William Anderson (eds.) Handbook of Distance education (London: Lawrence Publishers, 2003)
  • Ekmekçi, E. Distance-education in Foreign Language Teaching: Evaluations from the Perspectives of Freshman Students, in https://personel.omu.edu.tr/en/emrah.ekmekci/scientific-studies
  • Time, in: Newsfeed.time.com/2011/02/27/2.2-billion-worlds-muslim population-doubles/

-Vorobel, Oksana; Kim, Deoksoon, Language Teaching at a Distance: An Overview of Research. In: http://eric.ed.gov/?id=EJ968802

  • L’Institut d’Enseignement à Distance(IED) de l’université Paris 8 http://www.univ-paris8.fr/Enseignement-a-distance