في سياق تطور البحوث السياسية داخل إطار دراسات التنمية السياسية والتحديث السياسي، ظهر الاهتمام من قبل علماء السياسة بالتنظير لمفهوم”التغيير السياسي”، ويشير بعضهم أن ظهور المفهوم ارتبط بأطروحات جديدة انتقدت فكرة التوجه الأحادي لنظريات التنمية السياسية والتحديث السياسي، أي التطور نحو نموذج واحد يتمثل في الديموقراطية الغربية، لذلك طرح البعض أن مفهوم التغيير السياسي أكثر حيادية من الناحية المعيارية، حيث أنه يترك المجال للبحث مفتوحًا فيما يتعلق بالاتجاه الذي تأخذه التغييرات السياسية. 

ونشير هنا بداية لمفهوم التغيير السياسي، ثم نعرض التطور النظري للمفهوم داخل النظرية السياسية وما يرتبط به من المفاهيم الأخرى، إلى جانب العناصر الأساسية اللازمة لتحليل عملية التغيير السياسي، وذلك بالإشارة إلى عوامل التغيير السياسي، والوقوف على أبعاد عملية التغيير السياسي، وكذلك مناقشة المداخل النظرية التي طورها المنظرون لدراسة التغيير السياسي، ونميز بعدها بين أنماط عمليات التغيير السياسي داخل النظم السياسية المختلفة، وما يربطها من علاقات بالعمليات السياسية الأخرى داخل النظام السياسي.

أولًا – مفهوم التغيير السياسي:

  1. التعريف الإصطلاحي:

 يُقدم التغيير السياسي باعتباره؛ “مجمل التحولات التي قد تتعرض لها أي أو كل من؛ البنى السياسية في المجتمع، أو طبيعة العمليات السياسية، والتفاعلات بين القوى السياسية وتغيير الأهداف، وبما يعنيه كل ذلك من تأثير على مراكز القوة، بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها، أو بين عدة دول”.

ويُعرف جابريال ألموند  Gabriel A. Almond “التغيير السياسي” باعتباره “حصول نظام سياسي على قدرة جديدة، والتغيرات المرتبطة بتلك القدرة في؛ الثقافة، والهيكل السياسي” المرتبطين بالنظام السياسي.

  1. التعريف اللغوي:

يُعرف لفظ “التغيير” لغويًا في المعجم الوسيط باعتباره؛ “جعل الشيء على غير ما كان عليه”، فالتغيير مصدر يُعبر عن صيغة مبالغة مشتق من الفعل “غيّر” الشيء، جعله غير ما كان عليه في السابق، وتغيّر: تحول وتبدل.

وفي اللغة الإنجليزية يقابل لفظ ”التغيير“ اللفظ Chang”“، وهو استمرار حالة الاختلاف التي تطبع سمات ظاهرة معينة، مقارنة بمدة سابقة للظاهرة نفسها وليس لغيرها، وبالتالي يحمل لفظ “التغيير- Chang”معنى يختلف عن “التعديل –Alter” وكذلك “التحسن-Modify”، وغيرها من المعاني التي تفيد معنى “التمييز”.

  1. التغيير والتغير “Changeability” & “Chang”:

من المصطلحات المقاربة جدًا لمفهوم “التغيير” من الناحية الاصطلاحية ، هو “التغير” بدلالة ” Changeability””، لكنه في الواقع يختلف من الناحية اللغوية، فلغويًا؛ مفهوم “التغير” يشير إلى مسألة غير إرادية في الحدوث، وهو ما يختلف من الناحية اللغوية عن مفهوم “التغيير” والذي يشير إلى مسالة إرادية الحدوث، بمعنى ان “التغيير” سلوك واعي عن “التغير”. واصطلاحيًا؛ في العلوم الاجتماعية، “التغير الاجتماعي” هو “كل تحول يطرأ على البناء الاجتماعي خلال فترة من الزمن فيحدث تغير في الوظائف والأدوار والقيم والأعراف وأنماط العلاقات السائدة في المجتمع”.

ثانياً – التغيير السياسي في النظرية السياسية:

  1. التغيير السياسي و التحديث السياسي:

يكشف الإطار التاريخي لتتطور النظريات المفسرة “للتغيير السياسي” ارتباط المفهوم بمفهوم ونظرية أخرى جوهرية داخل النظرية السياسية، ألا وهو مفهوم “التحديث السياسي”، ويقصد “بالتحديث” الانتقال من وضع إلى آخر وفق معيار معين، وبوصفه “السياسي” أي أنه التغير الذي يشمل كل ما له صلة بالعملية السياسية.

 وشهدت الكتابات النظرية اتجاهين كبيرين في دراسة التحديث السياسي:

الأول: الاتجاه الليبرالي: وينطلق من القيم الديمقراطية في المجتمع الليبرالي، إذ يرى إن الديمقراطية هي المسار الوحيد والنتيجة الطبيعية لعملية التحديث السياسي، كما شهدته الدول الأوربية، بما يضمن: اتساع مركزية السلطة الحكومية، والتمايز والتخصص للأبنية والوظائف السياسية، والمشاركة الشعبية المتزايدة، والتي تستند إلى مبدأ المساواة السياسية بوجه خاص.

الثاني: الاتجاه الماركسي: وينبع من الفلسفة الماركسية التي ترى أن الطريق الوحيد لعملية التحديث السياسي هو الصراع الطبقي الذي يؤدي إلى الثورة، ويؤكد الماركسيون على أنهم لا يسعون إلى التحديث السياسي والاقتصادي فحسب بل إلى تحديث طبيعة الإنسان وإيجاد دور قيادي له في عملية التغيير.

وتنوعت المداخل النظرية لدراسة التغيير السياسي في إطار عملية التحديث السياسي، كالتالي:

حاول “كارل دويتشKarl W. Deutsch ” دراسة التحديث السياسي داخل المجتمعات من حيث مصدر التغير الذي قد يكون داخلياً نتيجة الصراع، أو خارجياً نتيجة تحديات خارجية أو نتيجة لاحتكاك ثقافي بثقافات مختلفة، هذا إلى جانب دراسة نوعية التغير هل هو تغير ثوري مفاجئ أم تدريجي بطيء؟ وما هي العلاقات بين المتغيرات السياسية وبين التغيرات في القيم والاتجاهات والسلوك السياسي داخل هذه المجتمعات؟

بينما حاول أخرون توضيح الأسباب التي تؤدي إلى التحديث السياسي، منها: الأسباب التكنولوجية والعلم والتصنيع، ومراحل الاضطراب السياسي والاجتماعي، ووجود الأفراد الحركيين، وطبيعة الاتجاهات السائدة، وكذلك طبيعة المثل العليا والأهداف التي تطرحها الأيديولوجيات السائدة في مجتمع ما، والتي قد تكون ذات أساس ديني أو وضعي.

والتحديث السياسي تم تناوله كذلك من منظور: لماذا تتغير النظم السياسية؟،  بينما تناول “ديفيد آيستون  David Easton” التحديث السياسي من منظور فكرة النظام وتحليل النظم، ورأى أن النظام السياسي هو مجموعة من التفاعلات التي تتم من خلالها عملية التخصيص السلطوي للقيم، يبدو فيها النظام السياسي كدائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي تبدأ بالمدخلات وتنتهي بالمخرجات وتقوم التغذية الإسترجاعية بمهمة الربط بين المدخلات والمخرجات، ولكن النظام السياسي لا يستجيب إلى كل المطالب التي تواجهه بل يقوم بعملية اختيار لهذه المطالب وإذا ازداد حجم هذه المطالب إذ تؤدي إلى عجز النظام عن الاستجابة إليها يحدث نوعاً من عدم التوازن بين مدخلات النظام السياسي وقدراته، الأمر الذي يؤدي إلى توتر سياسي قد يصل إلى حد العنف وانقطاع قنوات الاتصال السياسي.

  1. أبعاد التغيير السياسي:

ظهرت المدارس المختلفة التي اختلفت نظرتها للتغيير السياسي انطلاقا من هدفه وأسسه أو حتى مناهجه وطرقه، وبالتالي رصدت الدراسات وفقًا لما ركزت عليه هذه الدراسات عدد من الأبعاد التي تختلف فيها أي من عمليات التغيير عن الأخرى كالتالي:

  1. الهدف من التغيير: ويأتي الاختلاف في الأهداف انطلاقا من تنوع الرؤى داخل كل من مجتمع عن المجتمعات الأخرى.
  2. أساس التغيير: ويقصد به المجال أو الأساس الذي ستنطلق منه قوى التغيير في مشروعها، فربما تنطلق عملية التغيير في مجتمع ما بناء على الأساس الاقتصادي، أو الأساس السياسي، أوالأساس الأخلاقي والتربوي والتعليمي، أوالأساس القانوني، أوالأساس الفكري داخل هذه المجتمع أو ذاك.
  3. مناهج التغيير: ربما يأتي منهج التغيير من الأسفل إلى الأعلى أو العكس، وبالتالي ربما تأخذ عملية التغيير نمط التغيير الثوري أو النمط  اللاثوري، التغيير السلمي أو العنيف، ومن ناحية أخري، ربما يدفع التغيير داخل المجتمع بقوى داخلية أو خارجية، ومن ناحية ثالثة، هناك التغيير التدريجي أو الانقلابي، فضلًا عن العديد من الطرق والمناهج التي تأتي في الغالب كنتاج طبيعي لفكر ومبادئ القوى الساعية للتغيير، وطبيعة ظروف المرحلة.

ومن هنا فإن الخلاف بين مدارس التغيير، يتطلب معالجة الموضوع في إطار القواسم المشتركة بين وجهات النظر المتباينة، وهي أن التغيير يعبر عن حراك المجتمع الرافض لواقعه أو لبعض جزئياته، ويسعى إلى الانتقال به نحو مرحلة جديدة تمثل هدف عملية التغيير. 

  1. عوامل التغيير السياسي:

ويأتي التغيير السياسي استجابة لعدة عوامل، يمكن الإشارة إلى أن أهمها يدور حول العوامل التالية: 

  1. الرأي العام، أو مطالب الأفراد من النظام السياسي، خصوصاً إن لم تتحول هذه المطالب في حينها إلى مخرجات، كأن يتم تبنيها من قبل الأحزاب وجماعات المصالح والضغط.
  2. التغير في نفوذ وقوة بعض الحركات والأحزاب وجماعات المصالح، بما يعنيه تحول الأهداف الخاصة إلى إطار الدولة ككل.
  3. تعرض المجتمع لحالة من الحراك الاجتماعي، كالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحدثتها الثورة الصناعية والثورة الفرنسية داخل مجتمعاتها، وما تبع ذلك من تغييرات على المستوى السياسي.
  4. تعرض المجتمع لتغيرات اقتصادية، فالنمو الاقتصادي الكبير مهد الطريق إلى الديموقراطية في دول الموجة الثالثة للتحول الديموقراطي، كما أن الاتجاهات الاقتصادية السلبية كارتفاع الأسعار والركود يدفع إلى مطالب الإصلاح والتغيير السياسي.
  5. ضغوط ومطالب خارجية، من قبل دول أو منظمات، وقد تأخذ هذه الضغوط أو المطالب عدة أشكال، سياسية واقتصادية وعسكرية.
  6. تحولات خارجية في المحيط الإقليمي أو في طبيعة التوازنات الدولية قد تؤثر في إعادة صياغة السياسات الداخلية والخارجية في إطار التعامل مع المدخلات الجديدة في السياسة الدولية.
  7. التحول العالمي نحو الديموقراطية كجزء من الثورة الديموقراطية العالمية، كتأثير تساقط أحجار الدمينو، أو البرامج التنموية التي تقدمها الدول بغرض دعم التحول نحو الديموقراطية.
  1. المداخل النظرية لدراسة كل من التغير والتغيير السياسي:

أشار “عبد الغفار رشاد” إلى أن الدراسة التحليلة للتغيير السياسي يمكن تناولها من خلال ثلاثة محاولات للتنظير والتي تمثل ثلاثة أطر نظرية لدراسة التغيير السياسي، كالتالي:

  1. التغيير بالمكونات.
  2. التغيير بالأزمة.
  3. التغيير المعقد.

أ. التغيير بالمكونات:

أي تحديد ماذا تكون؟ أو ماذا ربما تكون مكونات النظام السياسي؟، ثم بعد ذلك تحديد ما هي العلاقات التي تحملها التغيرات – إن وجدت أصلاً- داخل أي من هذه المكونات، وبين أي من أو كل المكونات الأخري؟ والنظام السياسي هنا يمكن أن نتناوله باعتباره تجميعا لمكونات عديدة كلها آخذة فى التغير، وبالتالي، يمكن القول بأن دراسة التغير السياسي تتضمن: التركيز على ما يبدو أنه مكونات رئيسية للنظام السياسي، وتحديد معدل ونطاق واتجاه التغير فى هذه المكونات، وتحليل العلاقات بين التغيرات فى أحد المكونات والتغيرات فى المكونات الأخرى.

فالنظام ينظر إليه على أنه يتضمن مكونات عديدة، من بينها: الثقافة، والأبنية، والجماعات، والقيادة، والسياسات. ودراسة التغير السياسي بشكل مثمر يمكن أن تبدأ بتحليل التغيرات فى هذه المكونات، والعلاقة بين التغير فى أحد هذه المكونات، والتغير فى المكونات الأخرى، وهكذا يمكن تحليل التغيير السياسي صعيدين، الأول؛ فيما بين المكونات، وصعيد آخر؛ التغيرات فيما بين عناصر كل مكون من مكونات النظام. 

وهنا  يمكن تحليل التغيير السياسي وفق ثلاث مستويات: “معدل التغيير” و”نطاق التغيير” و”اتجاه التغيير”. فالتغير فى أحد المكونات يمكن مقارنته بمعدل، ونطاق، واتجاه التغـير فى المكونات الأخرى، ومن خلال هذه المقارنات يمكن إلقاء الضوء على أنماط الاستقـرار وعـدم الاستقرار فى النظام السياسي.

ب. التغيير بالأزمة:

يفترض ألموند وروستو Rostow نموذج التغيير بالأزمة كإطار عام لتحليل الديناميات السياسية، حيث يعتقد ألموند بأن النظريات المبكرة للسياسة المقارنة، والتنمية، يمكن تقسيمها وفق بعدين أولهما: إلى أي مدى تتضمن نماذج للتوازن أو نماذج تنموية؟ ثانيهما: إلى أي مدى يمكن تقييم تنبؤاتها استناداً إلى الحتمية أو الاختيار؟

ويعتقد ألموند أن كل  من هذه المقتربات له مكانته في تحليل التغيير السياسي، والتغير من حالة إلى أخرى يمكن النظر إليه على أنه يتم من خلال خمس مراحل كما يلي:

– المرحلة الأولى: افتراض حالة سابقة من التوازن – بمعنى توازن كان يوجد سابقًا -، والتغيير هنا يفترض أنه نتيجة تأثير متغيرات خارجية وافدة من البيئة الدولية، أو من البيئة المحلية غير السياسية للنظام السياسي، على التوازن.

– المرحلة الثانية: في هذه المرحلة تؤدى التطورات إلى تغيرات في بنية المطالب السياسية وفي توزيع الموارد السياسية.

– المرحلة الثالثة: في المرحلة الثالثة، تصبح العوامل السياسية  –  بمعنى البنية الآخذة في التغير للمطالب السياسية وتوزيع الموارد السياسية – تصبح متغيرات مستقلة. وتتلاعب القيادة السياسية بهذه المتغيرات لبناء تحالفات سياسية جديدة، وطرح منتجات سياسية – سياسات.

– المرحلة الرابعة: في هذه المرحلة فإن السياسات –بمعنى المنتجات السياسية- والتحالفات السياسية الجديدة تؤدى إلى تغيرات ثقافية وبنائية، ووفقًا لألومند تتطلب العلاقات في هذه المرحلة تحليلًا من كلا البعدين الذين أشار إليها ألموند في البداية.

ت. التغيير المعقد:

فى دراستهما عن الجوانب السياسية للتحديث طور “برنر وبرور Ronald Brunner & Garry Brewer” نموذجاً للتغيير المعقد والذي يتضمن اثنان وعشرون متغيراً، وعشرين مقياساً، والعلاقة بين هذه المتغيرات والمقاييس تم التعبير عنها فى أثني عشر معادلة مشتقة من النظريات العامة للتحديث، لكن بناء نموذج كهذا  أدخل إلى علم السياسة نمطًا من التحليل المعقد للعلاقات بين المتغيرات.

ثالثًا – أنماط التغيير السياسي:

  1. التغيير السياسي التطوري/ الإصلاحي:

تتحد طبيعة “التغيير السياسي” تتحدد بناءً على صفة هذا التغيير، فإن كان التغيير إيجابياً محموداً، يهدف إلى محاربة الفساد وإزالته، وتحقيق الإصلاح، فينطبق عليه تعريف “الإصلاح السياسي” نفسه، أمَّا إن كان لا يهدف إلى هذه الأمور، فإنَّه يقصد به التغيير دون النظر إلى المقاصد الشرعية المرجوة منه.

من ناحية أخرى، فإنه يُنظر إلى “التطور السياسي” كأسلوب للتحديث أو التغيير السياسي يتضمن معنى السلمية والتدريجية والعمل من خلال المؤسسات القائمة، أي أنه تغير سلمي شرعي يتم وفق القوانين والمؤسسات القائمة في المجتمع، وهو أيضًا تغير تدريجي لا يتضمن تغيرات جذرية في وقت محدود من الزمن، بل تغييرات تحدث نتيجة تراكمات بطيئة لتغيرات جزئية تتم عبر مرحلة طويلة من الزمن، ومن هنا فإن الوقت هو عنصر هام في التمييز بين الأسلوب الثوري والأسلوب التطوري، فبينما يسعى الأول إلى اختصار عامل الوقت والإسراع بعملية التحديث فإن الثاني يترك للوقت فرصته الكاملة.

  1. التغيير السياسي الثوري:

يُعرف “التغيير الثوري” بأنه؛ ” نمط خاص للتغيير الاجتماعي، باعتباره يستلزم إدخال العنف في العلاقات الاجتماعية”. ويشمل عدد من الأبعاد الثورية للتغيير، منها: تغير البنية الاجتماعية، وتغير القيم ومعتقدات المجتمع، وتغير المؤسسات، وتغير في تكوين القيادة وأساسها الطبقي، وتغير النظام القانوني، واستخدام العنف في الأحداث التي تؤدي إلى تغير النظام.

وفي تحليل “صمويل هنتجتون Samuel Huntington ” للظروف المؤسسية والاجتماعية للثورة، كأحد صور التطوير/التغيير السياسي، يشير هنتجتون أن أسبابها تكمن في التفاعل بين المؤسسات السياسية والقوى الاجتماعية، فمن الممكن أن تندلع الثورات حين يوجد تزامن بين شروط بعينها في المؤسسات السياسية وظروف بعينها بين القوى الاجتماعية، فإن الشرطين الأساسين للثورة هما: الأول؛ عجز المؤسسات السياسية القائمة عن توفير قنوات لمشاركة قوى اجتماعية جديدة في السياسة ولنخب جديدة في نظام الحكم، والثاني؛ رغبة القوى الاجتماعية التي يجرى استبعادها من السياسة في المشاركة فيها، هذه المجموعات الاجتماعية الصاعدة أو الطامحة مع وجود مؤسسات غير مرنة هي المادة الخام (الوقود) الذي تصنع منه الثورات.

وبالتالي؛ فالتغيير الثوري وفقًا لهذه الأبعاد المذكورة لا يقتصر على التغيير السياسي، وإنما هو صيغة تبدأ سياسية وتنتهي بأن تكون اجتماعيه فتحدث تغيرات كمية ونوعية في النظام الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، لكن يظل العنصر المميز للتغير الثوري هو الاعتماد على العنف.

  1. “الانقلابات” و”الثورات” بين النمط الإصلاحي والنمط الثوري للتغيير:

يُخرج المنظرون أداة “الإنقلاب العسكري” من فئة “الإصلاح السياسي”، باعتبار أن الأول يشمل أدوات غير سلمية للتغيير، ويهدف إلى تغيير القائمين على النظام أكثر من كونه يهدف إلى إصلاح النظام، دون خلاف ربما مع فكرة أن “الانقلاب” يأتي لتغيير القائمين على النظام لأنهم أساؤوا استعمال السلطة ليأتي من يقوموا بالإصلاح، فهو أحد أشكال الإصلاح السياسي، إلاَّ أنَّه شكل راديكالي غير سلمي للإصلاح، وعلى نفس المنوال يرى البعض أنَّ “الثورة” أحد أشكال الإصلاح السياسي، إلاَّ أنَّها تعبير عن إصلاح سياسي راديكالي وسريع.

المصادر والمراجع:

عبد المؤمن سي حمد، أطروحة مقدمة لنيل درجة دكتوراة بعنوان: إشكالية التغيير السياسي في المنطقة العربية في ظل التحولات الجديدة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد بوضياف، المسيلة – الجزائر، 2019.

عبد الغفار رشاد القصبي، التطور السياسي والتحول الديموقراطي: الكتاب الثاني، جامعة القاهرة، الطبعة الثانية، 2006، الجيزة.

صمويل هنتجتون، النظام السياسي في مجتمعات متغيرة، ترجمة: حسام نايل، دار التنوير للنشر، الطبعة الأولى، 2017، القاهرة.

إدارة البحوث والدراسات، المعهد المصري للدراسات، بحث بعنوان: قراءات نظرية: التغيير السياسي- المفهوم والأبعاد، منشور بتاريخ 2016/04/10، تاريخ آخر دخول 2020/08/07.

 Gabriel A. Almond, political systems and political change, the American behavioral scientist (ABS), June 1963

المساهمون في إعداد هذا المقال: