بقلم عزالدين مبارك

تعرف الدولة الحديثة بالكائن السياسي المنفرد بذاته والساهر على الشأن العام من خلال خدمته للمواطن تحت راية العدل والانصاف وعدم التمييز من خلال مؤسسات ذات مصداقية وفاعلية واستمرارية. فالدولة توجد فوق الأحزاب والمنظمات والأفراد والجماعات وهي الممثلة للشعب والنائبة عنه بحكم الواقع والقانون والصيرورة وتعمل تحت إرادته الواعية.

فهي الخيمة التي تتسع للجميع وإن اختلفوا وتصارعوا، وهي المكان الذي يتبارى فيه اللاعبون السياسيون، وهي أيضا الملجأ الذي يحتمي به الضعفاء والفقراء والمهمشون وعديمي الحيلة والسند. فبعد التحول التاريخي من وهج القبيلة وعصبية الجماعة والتشرذم إلى التمركز حول كيان جامع بحثا عن القوة والثروة لمجابهة تحديات الأزمنة الحديثة و الخضوع القهري لإرادة خارجية استعمارية باحثة عن السيطرة والتمدد في ظل النظام العالمي الجديد.

فهذا الكائن الجديد والذي انبعث من تحت ركام القبلية منذ وقت قصير لم تؤسس جميع أركانه بصفة ثابتة ومستقرة بحكم النزعة الجاذبة إلى الوراء والحنين إلى الماضي. فكل رئيس يأتي إلى السلطة يوهمنا أنه رئيس دولة ويحكم من خلال المؤسسة والقوانين ينحاز نحو حزبه وشلته ومريديه وأنصاره وكأنه رئيس قبيلة لا غير.

فالحزب الذي تدار من خلاله تعسفا ومراوغة الدولة ومؤسساتها بعقلية ماضوية متخلفة وبوعي تآمري مخادع يمثل بالفعل القبيلة والرئيس أو السلطان أو القائد أو الزعيم فهي كلها رموز تمثل فئة معينة من الشعب لكنها تدعي تحايلا بأنها تمثل الجميع. ولقد عاينا كيف يخاطب المسؤولون في الدولة الشعب من خلال ما يضمرون من أجندات حزبية ضيقة وكأنهم لم يغادروا قط جبة القبيلة التي ينتمون إليها فيدافعون عن اطروحاتها وهم على كرسي الشعب والدولة.

فانفصام الشخصية عند الحاكم العربي الذي لم يتخلص بعد من لعنة القبيلة مازال لم يعترف بهذا الكيان الجديد وبالتالي لم يستطع إلزام نفسه بضرورة التخلي عن خصوصياته عندما يكون في حضرة الشأن العام.

وقد عدنا بعد ”الثورة” بعد أن تركنا وراءنا دولة التعالي المزيف وعبادة الحاكم المريض بأحلام العظمة ودولة اللصوصية ونهب المال العام والفساد إلى دولة التشظي والتفتت والقبيلة الحزبية من جديد.

فبعد أن كنا شبه دولة لها علم واحد ورئيس واحد ومركز قرار واحد وننعم على الأقل بالحدود الدنيا من الأمن والعيش أصبحنا دولة مفككة تتلاعب بها الأهواء كالسفينة الفاقدة لربانها في عرض بحر متلاطم الأمواج يتهددها الجوع والعطش والإفلاس والإرهاب الأسود.

فالتنازع القبلي بين الشيوخ أطل علينا من خلال الأحزاب المتناثرة والمتنافرة والباحثة عن مغانم الدنيا والبروز الإعلامي والتمدد على الكراسي فلا نسمع غير الجعجعة والصهيل ولا نرى طحينا أو دخانا أبيض في آخر الطريق.

فالحفلة التنكرية التي شهدتها قبة المجلس الوطني التأسيسي  سابقا ومجلس نواب الشعب حاليا والتي تحولت إلى مهزلة حقيقية ومسرحية هزلية أصابت المواطنين بحالة من اليأس والسخط والمرض حتى أفقدته لذة الحياة ومتعة النوم.

ونشاهد اليوم تفكيكا ممنهجا للدولة وتعويضها بالخراب المعمم والسلطة المائعة المتعددة المراكز والأطراف المفتتة الأوصال وظهور تنظيمات لا تخضع للقانون والمؤسسة تعمل بكل حرية دون رقابة ومحاسبة.

كما أصبح التوظيف يخضع للولاءات الحزبية وسياسة المكافئة والزبونية عوض الكفاءة مما حد من فاعلية المؤسسات وتدني انتاجيتها وتدهور قدرتها التنافسية.

وعلى هذه الحال فالبلاد مقبلة على صعوبات جمة لم نحسن التعامل معها في وقتها وأضعنا وقتا ثمينا في الجدل العقيم وحروب التموقع والتمكين واللهث وراء الكراسي والانقضاض على مفاصل الدولة لتبريكها وإعاقتها من التطور السليم وتخريبها وتفكيكها من الداخل بمكر وتحايل.

وقد زاد التطور المفاجئ في وتيرة الإرهاب المنظم كنتيجة لتفكيك أوصال المؤسسة الأمنية والمخابراتية وإطالة المرحلة الانتقالية لغايات حزبية ضيقة والاستخفاف بالمخاطر والتحديات التي تحدق بالوطن الجريح والاهتمام المتزايد بالأمور الشخصية الزائفة والحزبية الضيقة.

ولمعالجة الأمر لا بد من الرجوع إلى تقوية مؤسسات الدولة ككيان مستقل عن الأحزاب والجماعات والأفراد ونزع جبة القبيلة عن كل مسؤول يتبوأ كرسي الشعب ليخدم المواطن بنزاهة وكفاءة واستقلالية وتحديد معالم للطريق تحت نظر الشعب مع تلبية مطالبه وتحقيق الأهداف الحقيقية ل”لثورة” وتقوية جهاز المراقبة والمحاسبة.

 

 

Print Friendly, PDF & Email