أعتقد جازما أن المسافة الفاصلة بين إيقاع التغير الذي تصنعه التكنولوجيا وإيقاع التكيف للأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مع هذا التغير التكنولوجي هو السبب الرئيسي والحاسم (وليس الوحيد بالطبع) في الاضطراب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العالم،وأن نسبة عدم الاستقرار في أي نسق اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي مرهون بطول المسافة بين إيقاع التغير وإيقاع التكيف…
وما يزيد الامر تعقيدا أن إيقاع التغير التكنولوجي يتسارع(accelerate) اي ان المسافة الفاصلة بين تغير تكنولوجي وآخر تتناقص عبر الحقب التاريخية،وهو ما يسمى المنحنى السوقي(logistic curve) ،وهو ما يعني ان القدرة على التكيف تزداد صعوبة، وهو ما يضع الأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية امام مآزق متلاحقة وبتسارع واضح..ويكفي الإشارة الى ان حجم المعرفة الانسانية يتضاعف كل عام ونصف، وهو ما يغير من الوعي بشكل متواصل ومتسارع.
فالتكنولوجيا لها ثلاثة ابعاد: منهج تفكير + معطى مادي(منتج) + منظومة قيمية تترتب على البعدين السابقين…فالفرد الذي يعتقد أنه ” سيد الكون ” ويعطي لنفسه الحق في تكييف وتغيير مكونات هذا الكون يختلف في منهج تفكيره عن ذاك الذي يعتقد أن قدرته العقلية محدودة بضوابط لا يستطيع تجاوزها…فالأول يستند وبقدر من الصلف إلى أن تاريخ الإبداع يؤكد تجاوز ما كنا نعتقد بعدم القدرة على تجاوزه( فقد تمكنا من إلغاء المسافة والزمن والمساحة في جوانب كثيرة، فالموبايل الذي لا يزيد طوله عن عشر سنتيمترات يحتوى على كاميرا، وتلفون، ومسجل ،وإذاعة ، وتلفزيون(عبر النت)،وروزنامة، ومنبه،وحاسب،ودفتر مذكرات،…الخ، مما يعني إعادة النظر في مفهوم “الحيز”،والتلفزيون يؤكد إلغاء المسافة والزمن، فأنت ترى أربعة اشخاص أحدهم في القاهرة والآخر في موسكو والثالث في واشنطن والرابع في الصومال ولكنهم يرون بعضهم ويتحدثون ويسمعون بعضهم ويتشاجرون، وأنت تشهد المشاجرة من الأردن رغم أن المسافة بين الجميع لا تقل عن مئة ألف كيلو متر…فلو طرحنا هذا الموضوع قبل 200 سنة لظهر الأمر في غاية الاستهجان…إذن العلم أثبت لنا أن ما لا نحققه الآن قد نحققه لاحقا…فهل يمكن – مثلا -أن:
– ان نتحكم في جنس الجنين وشكله(baby design)
– ظهور دين صناعي على غرار ما تخيل العالم الألماني أريك فروم
– تموت القوميات لصالح ” حس معولم”.
– نبني مجتمعات في الفضاء الخارجي….الخ
– يدمرنا العلم تدميرا كليا
-عقار للشعور باللذة الجنسية دون حاجة للجنس الآخر كما اعتقد الفين توفلر.
-استنساخ البشر وتغيير كامل لمفهوم القرابة والعائلة
وكل تطور من هذه التطورات يحتاج لتغير موازِ له في المنظومة القيمية والأنساق الاجتماعية ، فإن لم تتكيف وبتسارع موازٍ للتغير التكنولوجي ستضطرب مكوناتها وبنيتها.
وتعالوا نأخذ مثال التعليم عن بعد( وهو ما يعني أن تتحصل على الدروس العلمية من المنزل عبر الانترنت او التواصل الالكتروني) ، وهذا النمط من التعليم حاليا يتزايد في دول العالم الصناعية بنسبة وصلت خلال الفترة من 2008- حتى الآن ما نسبته 21% ( لكن وزارتنا لا تعترف بشهاداته)….وهذا سيؤدي إلى النتائج التالية لو أصبح هذا التعليم هو النمط السائد(وهو الارجح على المدى البعيد):
1- سيتم أختفاء مهنة المدرس(لأن مدرس أو أثنين يكفي الدولة كلها)،مما يعني إحالة مئات ملايين المعلمين في العالم على جدول البطالة…
2- لا تعود هناك حاجة لمباني المدارس ولا لصيانتها ولا حدائقها ولا حراستها الامر الذي يوفر مبالغ هائلة للدولة
3- سيقل التلوث لأن آلاف الباصات والسيارات التي تنقل الطلاب لمدارسهم وجامعاتهم لن تتحرك من مكانها،فيقل التلوث
4- ستقل حوادث السير ،وسيؤثر ذلك على شركات التأمين وعلى دخل الميكانيكي.
5- سيتغير مفهوم الأمتحان ومفهوم الرقابة الإدارية والتفتيش…
6- سيختفي الكتاب والورق وتحل محلها سلع جديدة(اللاب، والفلاش..)،مما يعني اختفاء المكتبة التقليدية ورفوف المكتبات…
ذلك يعني أن التكنولوجيا تترك أثارها على منهج التفكير، وعلى الأدوات التي نتعامل معها، وبالتالي على منظومة قيمنا..وكلما كان المجتمع أكثر قدرة على التكيف مع هذا التطور المتسارع كان أكثر قدرة على الاستقرار…وأعتقد أن انهيار المجتمعات العربية ودول العالم الثالث(حيث أن 95% من الحروب خلال الخمسين سنة الماضية وقعت في هذه الدول) هو ناتج عن التغير المتسارع والمذهل في التكنولوجيا يقابله عدم قدرة أنساقنا السياسية والاجتماعية والأقتصادية على مجاراة هذا التغير فتتسع الهوة بين البنية القائمة والبيئة المحيطة بها ،وهو المقدمة الأولى لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي…الخ، ويكفي أن أشير إلى أن الدراسات العلمية تشير إلى أن المسافة الفاصلة بين التطور التكنولوجي والتكيف مع أثاره في العالم العربي تصل إلى 87 سنة….وقد دل أول تقرير على انهيار الاتحاد السوفييتي من أكاديمية العلوم الروسية على أن السبب الرئيسي في انهيار الاتحاد السوفييتي هو أن إيقاع التغير تفوق كثيرا على ميكانيزمات التكيف فوقع الانهيار….إنها التكنولوجيا التي تعني:منهج تفكير ،ومعطى مادي، ومنظومة قيمية يفرزها تلاقح المنهج بالمعطي المادي….وعليه يصبح مفهوم الثوابت والاصالة بحاجة لفهم جديد وتكييف جديد لمدلولهما المعاصر والمستقبلي، فالعلاقة بين سرعة تكيف البنى الاجتماعية وسرعة التغير التكنولوجي تشبه السباق بين راكب السيارة وراكب الحمار، وعليه اهمية الدراسةالمستقبلية هي إدراك القادم قبل وصوله والاستعداد للتكيف معه، اما الالتصاق بالأطلال فقد ينتج غزلا جميلا لكنه لا يوصل للزواج…